أبو حسان السلفي الجزائري
05-30-2009, 08:37 PM
وقفات مع كتاب الشيخ علي الحلبي منهج السلف الصالح في ترجيح المصالح وتطويح المفاسد والقبائح في أصول النقد والجرح والنصائح(2)
قضية التفريق بين قبول الجرح والإلزام به، وقضية تمييع مسائل النقد!
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .
فقد كنت وصفت موقع كل السلفيين بأنه موقع ضرار، وذكرت وجه ذلك، ونصحت أصحاب الموقع وهم من طلابي الفلسطينيين، وكذلك المشرف عليه بتنقيته، ومنع أهل الأهواء من الكتابة فيه مثل عماد طارق العراقي ومن على شاكلته، لكني لم أجد منهم آذاناً صاغية، بل تكرر منهم رفض النصيحة عملياً، والعناد، والاستمرار في الغي والانحراف..
وصار موقع كل السلفيين مكاناً للتأصيلات الفاسدة التي تهدم منهج السلف الصالح الذي يدعي طلابي من الفلسطينيين أنهم ينتسبون إليه، وأنهم يدعون إليه..
لكن للأسف الشديد فتحوا موقعاً ينقض منهج السلف الصالح، ويؤصل لقواعد عدنان عرعور، وأبي الحسن المأربي، ونحوهما من أهل الأهواء والبدع.
ومن أواخر ذلك –ولا أقول آخره- ما كتبه عماد طارق العراقي بعنوان : «بين منهجين مبنى الحكم على الرجال هل هو اجتهادي أو نصي» جاء فيه بتأصيلات فاسدة، لا تمت إلى منهج السلف الصالح بصلة..
وقد بنى ذلك الجاهل المتعالم مقاله على كلام نقله الشيخ علي الحلبي في كتابه –كتاب الفتنة- «منهج السلف الصالح في ترجيح المصالح وتطويح المفاسد في أصول النقد والجرح والنصائح»، وزاد من كيسه أشياء تخالف ما كان الشيخ علي الحلبي يقرره قديماً للأسف الشديد..
ونحن نعامل الشيخ عليا الحلبي بما يكرره «من ثمارهم تعرفونهم»، لا سيما وأن المقال المذكور مبني على ما قرره الشيخ علي الحلبي، وفي الموقع الذي تحت إشرافه، وهو مقال مثبت في أعلى مقالات الموقع في المنبر العام ..
كل ذلك حملني على أن أوجه هذا الرد والنقد للشيخ علي الحلبي مبيناً له تناقضه، وما أدى إليه ما قرره في كتابه من تناقض، مدللاً على ذلك من موقعه وتحت ناظريه..
# # ** ## ** ##
الجرح المفسر المقنع عند الشيخ الحلبي بين القبول والإلزام المشروط والإلزام المحصور بالإجماع!!
كتب الشيخ الحلبي في كتابه (ص/102) المسألة التاسعة: (الجرح المفسر) ..
وقد اشتمل على عدة أمور تتلخص في الآتي:
1- أن مسألة الجرح المفسر ليست سهلة، ومسألة القبول لتفسير الجرح ولو كان بالكذب فإنه قد لا يقبل ثم ذكر عكرمة مولى ابن عباس مثالاً لذلك مع عدم توضيحه للحق في حاله توضيحا كافياً، بل ذكره للتدليل على أن الجرح قد يكون مفسراً ومع ذلك لا يقبل!! مع الإشارة للدفاع عنه إشارة لا يفهمها إلا من رجع إلى مواضع ما أحال إليه!
التعليق:
معلوم أن هذه المسألة ليست يسيرة، وتمثيلك بعكرمة على أن الجرح قد يكون مفسراً ولا يقبل لم يبين الشيخ الحلبي وجهه، مع أن من طالع التهذيب، أو طالع هدي الساري للحافظ ابن حجر علم أن ما رمي به عكرمة رحمه الله من الكذب عنه جوابان:
الأول: أنه لم يصح تكذيبه في قوله عن ابن عمر رضي الله عنه ولا عن علي بن عبد الله بن عباس لأنه من طريق ضعيف.
الثاني: أن ما صح منه عن سعيد بن المسيب ونحوه فهو على عادة أهل الحجاز من إطلاق الكذب على الخطأ ، أو يكون مرادهم بالكذب في الرأي وليس في الرواية.
وانظر المصدرين المذكورين لبيان بطلان من ضعف رواية عكرمة مولى ابن عباس..
قال أبو جعفر ابن جرير –كما في هدي الساري(ص/429)-: « ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله، وكثرة الرواية للآثار، وأنه كان عالما بمولاه، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس إياه ووصفهم له بالتقدم في العلم وأمرهم الناس بالأخذ عنه ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة الإنسان، ويستحق جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن، وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب».
والذي استقر عليه عمل أهل الحديث هو قبول حديث عكرمة واعتماده في الصحيح.
ففي هدي الساري(ص/429) : «وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين، ولقد سألت إسحاق عن الاحتجاج بحديثه، فقال: عكرمة عندنا إمام أهل الدنيا، وتعجب من سؤالي إياه! قال: وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة فأظهر التعجب. وقال علي بن المديني: كان عكرمة من أهل العلم ولم يكن في موالي بن عباس أغزر علما عنه».
فليست القضية أن يجرح فلان بالجرح المفسر مع قطع هذا الأمر عن القواعد الأخرى التي قعدها أهل الحديث ومن أهمها هنا: لابد من ثبوت الجرح أو التعديل عمن نقل عنه ذلك.
ومنها: معرفة مراد الأئمة بألفاظهم وحركاتهم وإشاراتهم ونحو ذلك.
وأنا هنا لا أنتقد أصل القضية –وهي أن من الجرح المفسر ما يكون مدخولاً إما بعدم صحته عمن نقل عنه، أو يكون في اشتراك في اللفظ، أو يكون منقوضاً من العدل بناقض صحيح.
ولكن كان لابد من إيضاحها وبيانها دون الاقتصار على الإشارة في الأمور الهامة.
فالخلل غالباً ما يأتي كما ذكر الشيخ الحلبي بسبب سوء التصور أو خلل التصرف ..
فعدم قبول ما قيل في عكرمة مولى ابن عباس ليس له مدخل في الإلزام بالجرح المفسر على الوجه الذي يشيعه أهل الباطل، بل القضية تتعلق بقبول ذلك الجرح المفسر من عدمه لوجود مانع صحيح من قبوله، أو لا يكون جرحاً أصلاً فضلاً عن أن يكون جرحاً مفسراً.
وعدم قبول أئمة الحديث ممن احتج بعكرمة لتلك التجريحات المفسرة ليس لكونها لا إجماع عليها، فليس لعدم الإجماع هنا مدخل في رد تلك التجريحات.
والشيخ علي الحلبي قرر أن الجرح المفسر المقنع القناعة الشرعية يجب قبوله، بل ذهب إلى أكثر من ذلك وهو أنه يُلْزَمُ الغير بالأخذ بقول الجارح إذا كان ببينة مقنعة أو بسبب واضح أو بإجماع علمي معتبر!! كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
# # ** ## ** ##
وهنا أنبه على قضية وهي: أن أهل الأهواء من المأربيين والعرعوريين قد يستغلون كلام الشيخ علي الحلبي فيما يتعلق بتمثيله بعكرمة رحمه الله ليدافعوا عن اثنين عرفا بالكذب الصريح الثابت عنهم بالدليل الواضح المبين ولا ينكره ولا يتعامى عنه إلا من طمس الله بصيرته أو لم يبلغه وجهله..
فقد بينت في كتابي إرواء الغليل في الدفاع عن الشيخ العلامة ربيع المدخلي حامل لواء الجرح والتعديل» جملة من أكاذيب المأربي التي من وقف عليها جزم بكذبه، وفجوره وعناده ومكابرته وإصراره على إشاعة الفرى والأكاذيب..
# # ** ## ** ##
2- ومما اشتمل عليه كلام الشيخ علي الحلبي: أنه ذكر عن أحمد بن صالح رحمه الله: أنه لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، وذكر مثله عن النسائي، ثم قال: فأين باب الجرح المفسر هنا؟!
ثم قال: ويدلك على عموم هذا : ثم ذكر كلام الخطيب في الكفاية(ص/342) في ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة، ثم ذكر قصة شعبة وتركه حديث من يركض على برذون... إلى أن علق على كلام للسرخسي فيه: «والذي يصلح نوعان: مجتهد فيه أو متفق عليه» ثم علق الشيخ علي الحلبي في الهامش عند «متفق عليه» بقوله: وهذا عين ما ندندن حوله –ولله الحمد-.
التعليق:
الشيخ علي الحلبي هداه الله تكلم في بداية المسألة عن مسألة الجرح المفسر، وأنها هامة، وذكر سبب حصول الخلل بإجمال، ثم إذا به يذكر أن ترك رواية الراوي لا تكون إلا بإجماع، ثم يعقب مستنكراً متعجباً: فأين باب الجرح المفسر هنا؟!
مما يجعل القارئ يفهم أن الإجماع هو المعتمد عند عالمين وإمامين لم يذكرا الجرح المفسر فيكون لمن نظر في الإجماع وأهمل الجرح المفسر سلف من أئمة الحديث!!
وهذا –إن كان مراد الشيخ علي الحلبي- فهو باطل عظيم يدل على عدم فهم الشيخ علي الحلبي لكلام أئمة الحديث والسنة..
ولكن أستغرب من صنيع الشيخ علي الحلبي في كلام الإمام أحمد بن صالح، فقد وقع الشيخ علي الحلبي في بتر عجيب، ما كان ينبغي أن يقع له مع اطلاعه على مصدر الكلام، وأن الكلام فيه كاملاً غير منقوص! والله المستعان..
فاقرأ كلام الإمام أحمد بن صالح كما رواه الخطيب في الكفاية، وكما هو في كتاب الفسوي: [أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنا عبد الله بن جعفر قال: ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح وذكر مسلمة بن على فقال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف، فأما أن يقال فلان متروك فلا إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه].
فكلام الإمام أحمد بن صالح عن وصف الرجل بأنه متروك أي متروك الحديث، وليس للحكم بضعفه أو جرحه جرحاً مفسراً.. لأنه رحمه الله خشي أن يتوهم من وصف الرجل بأنه متروك الحديث أن الإجماع واقع على ذلك، مع أنه لا إجماع على تضعيف فلان. فيفهم من صنيعه أنه يحذر من حكاية الإجماع على أمر لم يقع فيه إجماع، وليس اشتراطه الإجماع لترك الاحتجاج برواية الراوي أو لجرحه.
أو يفهم من صنيعه أن الراوي لا يستحق أن يوصف بأنه متروك حتى يجتمع الجميع على تركه، أو يجمع أهل بلده على تركه كما في قوله رحمه الله-كما في المعرفة والتاريخ للفسوي(2/253) : «مذهبي في الرجال: أني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجمع أهل مصره على ترك حديثه».
ولذلك أورد ابن الصلاح كلام الإمام أحمد بن صالح بعد الحديث على المرتبة الرابعة من مراتب الجرح عند أئمة الحديث حيث قال رحمه الله: [الرابعة: قال إذا قالوا " متروك الحديث،أو ذاهب الحديث و كذاب " فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابع
قال الخطب أبو بكر: أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال " حجة، أو: ثقة " :أو دونها أن يقال " كذاب ساقط " . أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي، قراءة عليه بنيسابور قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي قال:أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ: أخبرنا الحسين بن الفضل: أخبرنا عبدالله بن جعفر: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال : سمعت أحمد بن صالح، قال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. قد يقال: فلان ضعيف، فأما أن يقال: فلان متروك، فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه] انتهى كلام ابن الصلاح.
ومسلمة بن علي اتفق العلماء على ضعفه، بل منهم من وصفه بأنه متروك كالدارقطني والبرقاني .
تنبيه: إن قال قائل: إن من العلماء من نقل كلام أحمد بن صالح كما ذكره الشيخ علي الحلبي، فلماذا لا يتهمون بالبتر؟
الجواب:
أن بعض أولئك العلماء لم يؤثر اختصارهم على المعنى المراد من كلامه عندهم، فلم يجعلوا كلامه مذهباً لأهل الحديث يعطلون به الجرح المفسر، أو يهملون الجرح المبهم ولا ما يوهم ذلك..
وبعضهم نقله عمن نقله ناقصاً فحصل الخلل في النقل..
أما الشيخ علي الحلبي فقد رجع إلى موضع الرواية بطولها، وأشار إلى بقية الكلام بنقاط!!
فهذا خلل، ينشأ عنه قصور في الفهم، وخلل في التصور والتصرف! وقد وقع!!
فلو كان نقله عمن نقله مختصراً لعذرناه ولكن رجع إلى الأصول وأخطأ في الوصول!!
# # ** ## ** ##
وأما كلام النسائي فلم نقف على نص كلامه في كتبه، ولا من نقل عنه بإسناده، وإنما نقله حكاية عن مذهبه ابن منده في كتابه شروط الأئمة عن الباوردي.
قال ابن منده في شروط الأئمة (ص/73) : «وسمعت محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
وكان أبو داود السجستاني كذلك يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف لأنه أقوى عنده من رأي الرجال» انتهى كلام ابن منده.
فهل في كلام ابن منده اشتراط الإجماع في قبول الجرح المفسر أو الإلزام به؟!!
فكلام الأئمة في واد وكلام الشيخ علي الحلبي في وادٍ آخر..
فالقضية هنا في تخريج الحديث، وليست القضية في التصحيح والتضعيف ..
فإن ابن منده رحمه الله ذكر طبقات الرواة فذكر الطبقة الأولى وهم أهل المعرفة والصحيح، ثم قال(ص/68) : «الطبقة الثانية: وهم الذين قبلهم جماعة من أهل المعرفة والتمييز وردهم آخرون: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، وسماك الحنفي، وطلحة اليامي، وداود بن الحصين المدني، ومطر الوراق، وزياد الأعلم، وخالد بن دينار أبو خلدة البصري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحمزة بن حبيب الزيات، وعكرمة بن عمار، وحماد بن الجعد، وشريك بن عبد الله القاضي، وأبو بكر بن عياش، وغيرهم جماعة يكثر تعدادهم لكثرتهم قد أخرج عنهم محمد بن إسماعيل البخاري وتركهم مسلم بن الحجاج أو أخرج عنهم مسلم وتركهم البخاري لكلام في حديثه أو غلو في مذهبه .
وتبعهم في ذلك أبو داود السجستاني وأبو عبد الرحمن النسائي وجميع من أخذ طريقتهم في الحديث، وقد ذكرت في شرح الرسالة جميع من اتفق محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج على الإخراج عنهما في كتابيهما الصحيح ومن تفرد البخاري بالإخراج عنه ممن لم يخرج عنه مسلم بن الحجاج أو أخرج عنه مسلم ولم يخرج عنه البخاري أو أخرج عنه واحد منهما واستشهد به الآخر.
وكل هؤلاء مقبولون على مذهب أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسائي إلا نفر نذكرهم ونبين مذهبهم فيهم إن شاء الله تعالى .
سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج.
وسمعت محمد بن يعقوب الأخرم وذكر كلاما معناه هذا: قل ما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت من الحديث .
وسمعت محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه .
وكان أبو داود السجستاني كذلك يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف لأنه أقوى عنده من رأي الرجال».
فأين اشتراط الإجماع لقبول الجرح المفسر أو الإلزام به؟
ومن قرأ كلام الحافظ ابن حجر في النكت علم أنه لا يفهم مما نسب للإمام النسائي ما يريد الشيخ علي الاستدلال به، ولا قريب منه..
قال في النكت على ابن الصلاح(1/482): (وما حكاه ابن الصلاح عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه؛ ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن؛ ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد، ويحيى أشد من أحمد؛ ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري، وقال النسائي:(لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه)؛ فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلاً، فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد) .
ثم قال، أي ابن حجر: (وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، كالرجال الذين ذكرنا قَبْلُ أن أبا داود يخرج أحاديثهم وأمثال من ذكرنا، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين).
فتأمل هذا الكلام من الحافظ ابن حجر لتجد البون الشاسع بين ما أوهمه كلام الشيخ علي الحلبي وما نقله أولئك الأئمة وكتبوه في كتبهم حول المذهب المنسوب للإمام النسائي.
ثم إن طالب العلم المبتدئ يعلم أن الإمام النسائي ترك أحاديث كثيرين من الرواة المجروحين ممن وثقهم كثير من الأئمة كابن لهيعة، فمع كونهم لم يجتمع النقاد على تركهم، ولا أهل مصر الذين عاش النسائي بين ظهرانيهم مع ذلك نجد النسائي ترك حديثهم فلم يخرج لهم.
وإذا قيل إن معنى الكلام المنسوب للنسائي رحمه الله يحمل على وصف الرجل بأنه متروك كما هو حال كلام الإمام أحمد بن صالح المصري فلا يكون حينئذ للإجماع مدخل في اشتراط رد رواية الراوي.
فاشتراط الإجماع لعدم الاحتجاج براوٍ (لقبول الجرح المفسر فيه) أو للإلزام بما ثبت به جرحه المفسر (المقنع) فهو من البدع، ومن قواعد أهل البدع والضلال.
قضية التفريق بين قبول الجرح والإلزام به، وقضية تمييع مسائل النقد!
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}.
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار .
فقد كنت وصفت موقع كل السلفيين بأنه موقع ضرار، وذكرت وجه ذلك، ونصحت أصحاب الموقع وهم من طلابي الفلسطينيين، وكذلك المشرف عليه بتنقيته، ومنع أهل الأهواء من الكتابة فيه مثل عماد طارق العراقي ومن على شاكلته، لكني لم أجد منهم آذاناً صاغية، بل تكرر منهم رفض النصيحة عملياً، والعناد، والاستمرار في الغي والانحراف..
وصار موقع كل السلفيين مكاناً للتأصيلات الفاسدة التي تهدم منهج السلف الصالح الذي يدعي طلابي من الفلسطينيين أنهم ينتسبون إليه، وأنهم يدعون إليه..
لكن للأسف الشديد فتحوا موقعاً ينقض منهج السلف الصالح، ويؤصل لقواعد عدنان عرعور، وأبي الحسن المأربي، ونحوهما من أهل الأهواء والبدع.
ومن أواخر ذلك –ولا أقول آخره- ما كتبه عماد طارق العراقي بعنوان : «بين منهجين مبنى الحكم على الرجال هل هو اجتهادي أو نصي» جاء فيه بتأصيلات فاسدة، لا تمت إلى منهج السلف الصالح بصلة..
وقد بنى ذلك الجاهل المتعالم مقاله على كلام نقله الشيخ علي الحلبي في كتابه –كتاب الفتنة- «منهج السلف الصالح في ترجيح المصالح وتطويح المفاسد في أصول النقد والجرح والنصائح»، وزاد من كيسه أشياء تخالف ما كان الشيخ علي الحلبي يقرره قديماً للأسف الشديد..
ونحن نعامل الشيخ عليا الحلبي بما يكرره «من ثمارهم تعرفونهم»، لا سيما وأن المقال المذكور مبني على ما قرره الشيخ علي الحلبي، وفي الموقع الذي تحت إشرافه، وهو مقال مثبت في أعلى مقالات الموقع في المنبر العام ..
كل ذلك حملني على أن أوجه هذا الرد والنقد للشيخ علي الحلبي مبيناً له تناقضه، وما أدى إليه ما قرره في كتابه من تناقض، مدللاً على ذلك من موقعه وتحت ناظريه..
# # ** ## ** ##
الجرح المفسر المقنع عند الشيخ الحلبي بين القبول والإلزام المشروط والإلزام المحصور بالإجماع!!
كتب الشيخ الحلبي في كتابه (ص/102) المسألة التاسعة: (الجرح المفسر) ..
وقد اشتمل على عدة أمور تتلخص في الآتي:
1- أن مسألة الجرح المفسر ليست سهلة، ومسألة القبول لتفسير الجرح ولو كان بالكذب فإنه قد لا يقبل ثم ذكر عكرمة مولى ابن عباس مثالاً لذلك مع عدم توضيحه للحق في حاله توضيحا كافياً، بل ذكره للتدليل على أن الجرح قد يكون مفسراً ومع ذلك لا يقبل!! مع الإشارة للدفاع عنه إشارة لا يفهمها إلا من رجع إلى مواضع ما أحال إليه!
التعليق:
معلوم أن هذه المسألة ليست يسيرة، وتمثيلك بعكرمة على أن الجرح قد يكون مفسراً ولا يقبل لم يبين الشيخ الحلبي وجهه، مع أن من طالع التهذيب، أو طالع هدي الساري للحافظ ابن حجر علم أن ما رمي به عكرمة رحمه الله من الكذب عنه جوابان:
الأول: أنه لم يصح تكذيبه في قوله عن ابن عمر رضي الله عنه ولا عن علي بن عبد الله بن عباس لأنه من طريق ضعيف.
الثاني: أن ما صح منه عن سعيد بن المسيب ونحوه فهو على عادة أهل الحجاز من إطلاق الكذب على الخطأ ، أو يكون مرادهم بالكذب في الرأي وليس في الرواية.
وانظر المصدرين المذكورين لبيان بطلان من ضعف رواية عكرمة مولى ابن عباس..
قال أبو جعفر ابن جرير –كما في هدي الساري(ص/429)-: « ولم يكن أحد يدفع عكرمة عن التقدم في العلم بالفقه والقرآن وتأويله، وكثرة الرواية للآثار، وأنه كان عالما بمولاه، وفي تقريظ جلة أصحاب ابن عباس إياه ووصفهم له بالتقدم في العلم وأمرهم الناس بالأخذ عنه ما بشهادة بعضهم تثبت عدالة الإنسان، ويستحق جواز الشهادة، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالة بالظن، وبقول فلان لمولاه: لا تكذب علي، وما أشبهه من القول الذي له وجوه وتصاريف ومعان غير الذي وجهه إليه أهل الغباوة، ومن لا علم له بتصاريف كلام العرب».
والذي استقر عليه عمل أهل الحديث هو قبول حديث عكرمة واعتماده في الصحيح.
ففي هدي الساري(ص/429) : «وقال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: أجمع عامة أهل العلم على الاحتجاج بحديث عكرمة، واتفق على ذلك رؤساء أهل العلم بالحديث من أهل عصرنا منهم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو ثور ويحيى بن معين، ولقد سألت إسحاق عن الاحتجاج بحديثه، فقال: عكرمة عندنا إمام أهل الدنيا، وتعجب من سؤالي إياه! قال: وحدثنا غير واحد أنهم شهدوا يحيى بن معين وسأله بعض الناس عن الاحتجاج بعكرمة فأظهر التعجب. وقال علي بن المديني: كان عكرمة من أهل العلم ولم يكن في موالي بن عباس أغزر علما عنه».
فليست القضية أن يجرح فلان بالجرح المفسر مع قطع هذا الأمر عن القواعد الأخرى التي قعدها أهل الحديث ومن أهمها هنا: لابد من ثبوت الجرح أو التعديل عمن نقل عنه ذلك.
ومنها: معرفة مراد الأئمة بألفاظهم وحركاتهم وإشاراتهم ونحو ذلك.
وأنا هنا لا أنتقد أصل القضية –وهي أن من الجرح المفسر ما يكون مدخولاً إما بعدم صحته عمن نقل عنه، أو يكون في اشتراك في اللفظ، أو يكون منقوضاً من العدل بناقض صحيح.
ولكن كان لابد من إيضاحها وبيانها دون الاقتصار على الإشارة في الأمور الهامة.
فالخلل غالباً ما يأتي كما ذكر الشيخ الحلبي بسبب سوء التصور أو خلل التصرف ..
فعدم قبول ما قيل في عكرمة مولى ابن عباس ليس له مدخل في الإلزام بالجرح المفسر على الوجه الذي يشيعه أهل الباطل، بل القضية تتعلق بقبول ذلك الجرح المفسر من عدمه لوجود مانع صحيح من قبوله، أو لا يكون جرحاً أصلاً فضلاً عن أن يكون جرحاً مفسراً.
وعدم قبول أئمة الحديث ممن احتج بعكرمة لتلك التجريحات المفسرة ليس لكونها لا إجماع عليها، فليس لعدم الإجماع هنا مدخل في رد تلك التجريحات.
والشيخ علي الحلبي قرر أن الجرح المفسر المقنع القناعة الشرعية يجب قبوله، بل ذهب إلى أكثر من ذلك وهو أنه يُلْزَمُ الغير بالأخذ بقول الجارح إذا كان ببينة مقنعة أو بسبب واضح أو بإجماع علمي معتبر!! كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
# # ** ## ** ##
وهنا أنبه على قضية وهي: أن أهل الأهواء من المأربيين والعرعوريين قد يستغلون كلام الشيخ علي الحلبي فيما يتعلق بتمثيله بعكرمة رحمه الله ليدافعوا عن اثنين عرفا بالكذب الصريح الثابت عنهم بالدليل الواضح المبين ولا ينكره ولا يتعامى عنه إلا من طمس الله بصيرته أو لم يبلغه وجهله..
فقد بينت في كتابي إرواء الغليل في الدفاع عن الشيخ العلامة ربيع المدخلي حامل لواء الجرح والتعديل» جملة من أكاذيب المأربي التي من وقف عليها جزم بكذبه، وفجوره وعناده ومكابرته وإصراره على إشاعة الفرى والأكاذيب..
# # ** ## ** ##
2- ومما اشتمل عليه كلام الشيخ علي الحلبي: أنه ذكر عن أحمد بن صالح رحمه الله: أنه لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، وذكر مثله عن النسائي، ثم قال: فأين باب الجرح المفسر هنا؟!
ثم قال: ويدلك على عموم هذا : ثم ذكر كلام الخطيب في الكفاية(ص/342) في ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة، ثم ذكر قصة شعبة وتركه حديث من يركض على برذون... إلى أن علق على كلام للسرخسي فيه: «والذي يصلح نوعان: مجتهد فيه أو متفق عليه» ثم علق الشيخ علي الحلبي في الهامش عند «متفق عليه» بقوله: وهذا عين ما ندندن حوله –ولله الحمد-.
التعليق:
الشيخ علي الحلبي هداه الله تكلم في بداية المسألة عن مسألة الجرح المفسر، وأنها هامة، وذكر سبب حصول الخلل بإجمال، ثم إذا به يذكر أن ترك رواية الراوي لا تكون إلا بإجماع، ثم يعقب مستنكراً متعجباً: فأين باب الجرح المفسر هنا؟!
مما يجعل القارئ يفهم أن الإجماع هو المعتمد عند عالمين وإمامين لم يذكرا الجرح المفسر فيكون لمن نظر في الإجماع وأهمل الجرح المفسر سلف من أئمة الحديث!!
وهذا –إن كان مراد الشيخ علي الحلبي- فهو باطل عظيم يدل على عدم فهم الشيخ علي الحلبي لكلام أئمة الحديث والسنة..
ولكن أستغرب من صنيع الشيخ علي الحلبي في كلام الإمام أحمد بن صالح، فقد وقع الشيخ علي الحلبي في بتر عجيب، ما كان ينبغي أن يقع له مع اطلاعه على مصدر الكلام، وأن الكلام فيه كاملاً غير منقوص! والله المستعان..
فاقرأ كلام الإمام أحمد بن صالح كما رواه الخطيب في الكفاية، وكما هو في كتاب الفسوي: [أخبرنا محمد بن الحسين القطان قال: أنا عبد الله بن جعفر قال: ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح وذكر مسلمة بن على فقال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه، قد يقال: فلان ضعيف، فأما أن يقال فلان متروك فلا إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه].
فكلام الإمام أحمد بن صالح عن وصف الرجل بأنه متروك أي متروك الحديث، وليس للحكم بضعفه أو جرحه جرحاً مفسراً.. لأنه رحمه الله خشي أن يتوهم من وصف الرجل بأنه متروك الحديث أن الإجماع واقع على ذلك، مع أنه لا إجماع على تضعيف فلان. فيفهم من صنيعه أنه يحذر من حكاية الإجماع على أمر لم يقع فيه إجماع، وليس اشتراطه الإجماع لترك الاحتجاج برواية الراوي أو لجرحه.
أو يفهم من صنيعه أن الراوي لا يستحق أن يوصف بأنه متروك حتى يجتمع الجميع على تركه، أو يجمع أهل بلده على تركه كما في قوله رحمه الله-كما في المعرفة والتاريخ للفسوي(2/253) : «مذهبي في الرجال: أني أذهب إلى أنه لا يترك حديث محدث حتى يجمع أهل مصره على ترك حديثه».
ولذلك أورد ابن الصلاح كلام الإمام أحمد بن صالح بعد الحديث على المرتبة الرابعة من مراتب الجرح عند أئمة الحديث حيث قال رحمه الله: [الرابعة: قال إذا قالوا " متروك الحديث،أو ذاهب الحديث و كذاب " فهو ساقط الحديث، لا يكتب حديثه، وهي المنزلة الرابع
قال الخطب أبو بكر: أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال " حجة، أو: ثقة " :أو دونها أن يقال " كذاب ساقط " . أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي، قراءة عليه بنيسابور قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل الفارسي قال:أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الحافظ: أخبرنا الحسين بن الفضل: أخبرنا عبدالله بن جعفر: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال : سمعت أحمد بن صالح، قال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. قد يقال: فلان ضعيف، فأما أن يقال: فلان متروك، فلا، إلا أن يجتمع الجميع على ترك حديثه] انتهى كلام ابن الصلاح.
ومسلمة بن علي اتفق العلماء على ضعفه، بل منهم من وصفه بأنه متروك كالدارقطني والبرقاني .
تنبيه: إن قال قائل: إن من العلماء من نقل كلام أحمد بن صالح كما ذكره الشيخ علي الحلبي، فلماذا لا يتهمون بالبتر؟
الجواب:
أن بعض أولئك العلماء لم يؤثر اختصارهم على المعنى المراد من كلامه عندهم، فلم يجعلوا كلامه مذهباً لأهل الحديث يعطلون به الجرح المفسر، أو يهملون الجرح المبهم ولا ما يوهم ذلك..
وبعضهم نقله عمن نقله ناقصاً فحصل الخلل في النقل..
أما الشيخ علي الحلبي فقد رجع إلى موضع الرواية بطولها، وأشار إلى بقية الكلام بنقاط!!
فهذا خلل، ينشأ عنه قصور في الفهم، وخلل في التصور والتصرف! وقد وقع!!
فلو كان نقله عمن نقله مختصراً لعذرناه ولكن رجع إلى الأصول وأخطأ في الوصول!!
# # ** ## ** ##
وأما كلام النسائي فلم نقف على نص كلامه في كتبه، ولا من نقل عنه بإسناده، وإنما نقله حكاية عن مذهبه ابن منده في كتابه شروط الأئمة عن الباوردي.
قال ابن منده في شروط الأئمة (ص/73) : «وسمعت محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
وكان أبو داود السجستاني كذلك يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف لأنه أقوى عنده من رأي الرجال» انتهى كلام ابن منده.
فهل في كلام ابن منده اشتراط الإجماع في قبول الجرح المفسر أو الإلزام به؟!!
فكلام الأئمة في واد وكلام الشيخ علي الحلبي في وادٍ آخر..
فالقضية هنا في تخريج الحديث، وليست القضية في التصحيح والتضعيف ..
فإن ابن منده رحمه الله ذكر طبقات الرواة فذكر الطبقة الأولى وهم أهل المعرفة والصحيح، ثم قال(ص/68) : «الطبقة الثانية: وهم الذين قبلهم جماعة من أهل المعرفة والتمييز وردهم آخرون: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، وسهيل بن أبي صالح، والعلاء بن عبد الرحمن، وأبو نضرة المنذر بن مالك بن قطعة، وسماك الحنفي، وطلحة اليامي، وداود بن الحصين المدني، ومطر الوراق، وزياد الأعلم، وخالد بن دينار أبو خلدة البصري، ومحمد بن عمرو بن علقمة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وحمزة بن حبيب الزيات، وعكرمة بن عمار، وحماد بن الجعد، وشريك بن عبد الله القاضي، وأبو بكر بن عياش، وغيرهم جماعة يكثر تعدادهم لكثرتهم قد أخرج عنهم محمد بن إسماعيل البخاري وتركهم مسلم بن الحجاج أو أخرج عنهم مسلم وتركهم البخاري لكلام في حديثه أو غلو في مذهبه .
وتبعهم في ذلك أبو داود السجستاني وأبو عبد الرحمن النسائي وجميع من أخذ طريقتهم في الحديث، وقد ذكرت في شرح الرسالة جميع من اتفق محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج على الإخراج عنهما في كتابيهما الصحيح ومن تفرد البخاري بالإخراج عنه ممن لم يخرج عنه مسلم بن الحجاج أو أخرج عنه مسلم ولم يخرج عنه البخاري أو أخرج عنه واحد منهما واستشهد به الآخر.
وكل هؤلاء مقبولون على مذهب أبي داود السجستاني وأبي عبد الرحمن النسائي إلا نفر نذكرهم ونبين مذهبهم فيهم إن شاء الله تعالى .
سمعت أبا علي الحسين بن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج.
وسمعت محمد بن يعقوب الأخرم وذكر كلاما معناه هذا: قل ما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت من الحديث .
وسمعت محمد بن سعد البارودي بمصر يقول: كان من مذهب النسائي أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه .
وكان أبو داود السجستاني كذلك يأخذ مأخذه ويخرج الإسناد الضعيف لأنه أقوى عنده من رأي الرجال».
فأين اشتراط الإجماع لقبول الجرح المفسر أو الإلزام به؟
ومن قرأ كلام الحافظ ابن حجر في النكت علم أنه لا يفهم مما نسب للإمام النسائي ما يريد الشيخ علي الاستدلال به، ولا قريب منه..
قال في النكت على ابن الصلاح(1/482): (وما حكاه ابن الصلاح عن الباوردي أن النسائي يخرج أحاديث من لم يجمع على تركه، فإنما أراد بذلك إجماعاً خاصاً، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه؛ ومن الثانية يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن؛ ومن الثالثة يحيى بن معين وأحمد، ويحيى أشد من أحمد؛ ومن الرابعة أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري، وقال النسائي:(لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه)؛ فأما إذا وثقه ابن مهدي وضعفه يحيى القطان مثلاً، فإنه لا يترك لما عرف من تشديد يحيى ومن هو مثله في النقد) .
ثم قال، أي ابن حجر: (وإذا تقرر ذلك ظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال مذهب متسع ليس كذلك، فكم من رجل أخرج له أبو داود والترمذي تجنب النسائي إخراج حديثه، كالرجال الذين ذكرنا قَبْلُ أن أبا داود يخرج أحاديثهم وأمثال من ذكرنا، بل تجنب النسائي إخراج حديث جماعة من رجال الصحيحين).
فتأمل هذا الكلام من الحافظ ابن حجر لتجد البون الشاسع بين ما أوهمه كلام الشيخ علي الحلبي وما نقله أولئك الأئمة وكتبوه في كتبهم حول المذهب المنسوب للإمام النسائي.
ثم إن طالب العلم المبتدئ يعلم أن الإمام النسائي ترك أحاديث كثيرين من الرواة المجروحين ممن وثقهم كثير من الأئمة كابن لهيعة، فمع كونهم لم يجتمع النقاد على تركهم، ولا أهل مصر الذين عاش النسائي بين ظهرانيهم مع ذلك نجد النسائي ترك حديثهم فلم يخرج لهم.
وإذا قيل إن معنى الكلام المنسوب للنسائي رحمه الله يحمل على وصف الرجل بأنه متروك كما هو حال كلام الإمام أحمد بن صالح المصري فلا يكون حينئذ للإجماع مدخل في اشتراط رد رواية الراوي.
فاشتراط الإجماع لعدم الاحتجاج براوٍ (لقبول الجرح المفسر فيه) أو للإلزام بما ثبت به جرحه المفسر (المقنع) فهو من البدع، ومن قواعد أهل البدع والضلال.