مشاهدة النسخة كاملة : أحكام الصلاة في المقابر ( إثراء الموضوع )
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-29-2009, 10:26 AM
إن الحمد لله نحمده و نستعنه, ونستغفره, ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات اعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و اشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد ان محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم و على اله و أصحابه و أتباعه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:
فإن شريعتنا الغراء أتت صالحة لكل زمان و مكان فبينت قواعد هذا الدين في العبادات و المعاملات و جميع جوانب هذه الحياة حتى يعيش المسلم على بصيرة من الأمر يتبعها قال عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ )الأنعام: ٣٨.
فالشرع المطهر لا يأمر إلا بما هو خير و فلاح و لا ينهى إلا عن شر و بلاء .
ومن ذلك ما يتعلق بالصلاة في المقابر سواء كانت الفرائض أو صلاة الجنائز.
ونظرا في تجربتي الاخيرة عندما كنت في صلاة الجنازة داخل المقبرة شنع بعض الاخوة على إخوانهم الذين صلوا الجنازة بأنها بدعة و لاتجوز .وأنا أعلم أنها من المسائل الخلافية لهذا قمت بدراسة هذا الموضوع لأهميته في حياة الناس لان كثيرا من الناس وقعوا في اخطاء كثيرة تتعلق بالقبور من ذللك الصلاة عندها و البناء على القبور و تعظيمها فكان لابد من دراسة علمية مؤصلة تبين أحكامه تبصيرا للناس و للأخوة الكرام إعانة لهم على البر و التقوى.
فنرجوا من إخواننا و مشايخنا إثراء موضوع وذكر المسائل الخلافية لتعم الفائدة على خطى السلف في البحث العلمي المقارن.
أخوكم أبو الهيثم أمير المعسكري.
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-29-2009, 10:55 AM
السلام عليكم
لدراسة هذا الموضوع ينبغي للاخوة المشاركون أنا يتحرو المسائل الأتية:
1. أصور المسالة التي تحتاج إلى بيان.
2. إذا كانت المسالة من مواضع الاتفاق بين الفقهاءفيجب توثيقه من مصادره المعتمدة.
3. إذا كانت المسالة من مواضع الخلاف فيجب تحرير محل النزاع و ذكر الاقوال مع بيان أهل العلم.
4. توثيق الأقوال من كتب أهل المذهب و ذكر أدلة مع بيان وجه الدلالة.
5. الترجيح مع بيان أسبابه.
يتبع للبحث إن شاء الله.
أخوكم أبو الهيثم أمير المعسكري.
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-29-2009, 11:20 PM
نبدأ على بركت الله
المبحث الأول: تعريف الصلاة و المقابر
الصلاة لغة :مشتقة من الصلوين وقيل من صليت العود إذا لينته لأن المصلي يلين و يخشع. وهي في اللغة الدعاء بخير قال تعالى :(وصل عليهم) سورة التوبة الاية 103. أي :أدع لهم و عدي بعلى لتضمنه معنى الانزال.أي:أنزل رحمتك عليهم-تهذيب الغة للأزهري 12/238
الصلاة شرعا :هي أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير و مختتمة بالتسليم-كشاف القناع 2/6
المقابر لغة:جمع مقبرة بفتح الباء و ضمها فالقاف و الباء و الراء أصل صحيخ يدل على غموض في الشيء و تطامن.ويطلق على المقبرة الكدى وهي في الأصل جمع كدية وهي القطعة الصلبة من الأرض و القبر إنمايحفر في الأرض الصلبة لئلا ينهار-لسان العرب 2/128
المقابر شرعا :هي مدافن الأموات وهي ديار الموتى و منازلهم.وهذه منة من الله-عز وجل-على عباده حيث جعلهم مقبورين أي :مدفونين في الأرض ولم يجعلهم ممايلقى على وجه الأرض للطير و السباع-الجامع لأحكام القرأن 19/219
يتبع إن شاء الله في التفصيل على الصلاة في المقابر
جمعها أخوكم أبو الهيثم أمير المعسكري
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-30-2009, 07:05 PM
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد:
اختلف الفقهاء -رحمهم الله - في حكم الصلاة في المقبرة من حيث الفعل سواء كانت الصلاة فريضة او نافلة على ثلاثة أقوال :
القول الأول : أن فعل الصلاة في المقبرة محرم وقال بذلك الشافعية (المجموع3/489) وهو المذهب عند الحنابلة وعليه أكثر الأصحاب (الإنصاف1/489) قال به الظاهرية (المحلى4/30) وجماعة من السلف(المحلى4/30).
القول الثاني : ان الصلاة مكروهة وقال بذلك الحنفية (تحفة الفقهاء1/257) قول في مذهب المالكية (التفريغ1/268) والشافعية(الأم1/187) وهو رواية في المذهب أحمد(الإنصاف1/289) .
القول الثالث : أن الصلاة في المقبرة جائزة وقال بذلك مالك في المشهورعنه(المدونة1/90 التفريع 1/267) وروي ذلك عن أبى هريرة وواثلة بن الأسقع و قال به الحسن البصري(الاوسط 2/185).
يتبع في الفصل الصلاة في المقبرة من حيث الإجزاء والترجيح العلماء بالدليل.
أخوكم أبو الهيثم أمير المعسكري
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-30-2009, 07:06 PM
حكم الصلاة في المقبرة بقصد التبرك:
للفائدة : إن الصلاة في المقابر يترتب عليها مفاسد عظيمة منها التشبهه بالبهود و النصارى و المشركين ممن يعظمون القبور و يصلون عندها ومن المفسدة مفسدة الشرك فإن النبي صلى الله عليه و سلم منع من الصلاة عند القبور حماية لحمى التوحيد لئلا تتخذ ذريعة غلى الشرك بالعكوف عندها وتعلق القلوب بها(اقتضاء الصراط المستقيم 2/684). و هذا ماكان عليه شيخنا ناصر الدين الألباني رحمه الله.
القول الراجح هو تحريم الصلاة في المقبرة ولو لم يقصد التبرك سدا لذريعة الشرك و صيانة لحمى التوحيد.
يتبع بالتفصيل في الحكم بالكراهية .
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-31-2009, 06:49 PM
منقول من منتديات البيضاء تعليق الاخ عبد الحقيظ الجزائري
الصلاة على الميت في المقبرة للشيخ فركوس حفظه الله.
الفتوى رقم: 73
الصنف: فتاوى الجنـائز
الصلاة على الميت في المقبرة
السؤال: ما حكم الصلاة في المقبرة على الميّت؟ وما الجواب على من يستدلون بالجواز بحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المرأة السوداء فيالمقبرة؟
الجواب: الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:
فالغالب على هديه صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة إيقاعه لها في موضع خارج عن المسجد معدٍّ للصلاة على الجنائز، وهو المعروف بـ"مصلى الجنائز" وقد كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الشرق، ويشهد لذلك جملة من الأحاديث الصحيحة المثبتة لذلك، ولا يخفى أنّ هديه صلى الله عليه وسلم هو الأفضل، لكن هذه الأفضلية لا تمنع من مشروعية الصلاة على الجنازة داخل المسجد لما رواه مسلم وغيره أنّ عائشة رضي الله عنها قالت: "والله ما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء وأخيه إلاّ في جوف المسجد"[وفيه قصة](١). أمّا رواية "من صلّى على جنازة في المسجد فلا شيء له"(٢) فلا تنافي رواية عائشة رضي الله عنها، لأنّ النفي فيه عن أجر خاص بصلاة الجنازة في المسجد، لا نفي أجر الصلاة عليها مطلقا وعليه، فحديث عائشة رضي الله عنها يفيد جواز صلاة الجنازة في المسجد والأفضل أن تكون خارج المسجد في المصلى-كما تقدم- وممّا يقوي المشروعية صلاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه في المسجد، وصلاة صهيب على عمر رضي الله عنه في المسجد.
أمّا المقبرة فليست موضعا للصلاة فيها، ولا تجوز الصلاة فيها ولا إليها للأحاديث الناهية عن ذلك، منها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلّها مسجد إلاّ المقبرة والحمّام"(٣) وحديث أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الصلاة بين القبور"(٤) ولحديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها"(٥)، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"(٦). ويتضمن هذا العموم صلاة الجنازة مع أنّه قد ورد التصريح بالنهي عن الصلاة فيها في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور"(٧) هذه الأحاديث يشمل عموم النهي فيها جنس الصلاة سواء كان فرضا، أداء كانت أو قضاء، أو نفلا، مطلقا كان أو مقيدا، كما تعمّ الصلاة على الميت سواء كانت على الجنازة أو في قبره، لكن لمّا ورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:" مات رجل-وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده- فدفنوه بالليل، فلمّا أصبح أعلموه، فقال:" ما منعكم أن تعلموني ؟" قالوا: كان الليل، وكانت الظلمة، فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبره، فصلى عليه، قال: فأمّنا،وصفّنا خلفه، وأنا فيهم، وكبّر أربعا"(٨)، ومثله عن المرأة السوداء التي كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد الثابت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه(٩)، فخصّ من عموم نهيه عن الصلاة في المقبرة صورة الصلاة على الميّت في قبره بهذه الأدلة وبقي عموم النهي شاملا للصلاة على الجنازة وغيرها، أي بقاء النهي من حيث عمومه متناولا ما عدا صورة التخصيص، وبهذا الجمع التوفيقي بين الأدلة يزول الإشكال وترتفع الشبهة، ويعمل بكلّ دليل في موضعه، تحقيقا لقاعدة الإعمال أولى من الإهمال.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
١- أخرجه مسلم في الجنائز رقم(973)، وأبو داود في الجنائز رقم(3189) من حديث عائشة رضي الله عنها.
٢- أخرجه أبو داود في الجنائز رقم(3191)، وابن ماجة في الجنائز رقم(1517)، والطحاوي في شرح المعاني(1/284)، وابن عدي (2/198)، وعبد الرزاق في المصنف(6579)، وأحمد(2/444و455)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة(2351). وقال -رحمه الله- في السلسلة الصحيحة(5/462): " وشذ عنهم جميعا أبو داود في روايته فلفظها:" فلا شيء عليه".
٣- أخرجه أبو داود في الصلاة رقم(492)، والترمذي في الصلاة رقم(317)، وابن ماجة في المساجد والجماعة رقم (745)، والدارمي في الصلاة رقم(1441)، والبيهقي في السنن رقم (4454)، وأحمد (12104)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. وصححه الألباني في الإرواء(1/320).
٤- أخرجه البزار (441)و(442)و(443)، من حديث أنس رضي الله عنه، وصححه الألباني في أحكام الجنائز ص:(270).
٥- أخرجه مسلم في الجنائز رقم(972)، والنسائي في القبلة رقم(760)، وأحمد رقم(17678)، من حديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه.
٦- أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها رقم(780)، والترمذي في الأدب رقم (2877)،وأحمد رقم(8040)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٧- أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» رقم (5631)، من حديث أنس رضي الله عنه. والحديث حسنه الهيثمي في «مجمع الزوائد» (3/144)، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (270)، وفي «صحيح الجامع» (12790).
٨- أخرجه ابن ماجة في الجنائز رقم(1530)، والبيهقي في السنن رقم(7159)، وصححه الألباني في الإرواء(3/183) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٩- أخرجه البخاري في الصلاة(460)، ومسلم في الجنائز (2259)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-31-2009, 06:52 PM
منقول من منتديات البيضاء تعليق الاخ عبد الحقيظ الجزائري
سلسلة رسائل فقهية سنية
إتحاف البررة بحكم صلاة الجنازة في المقبرة
بقلم:
أبي بكر يوسف لعويسي
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة:
جبل الله الخلق على حب الحياة وكراهية الممات، فإن كان ركونا إلى الدنيا... وحبا لها وإيثارا ، فله الويل الطويل من الغبن ، وإن كان خوفا من ذنوبه ورغبة في عمل صالح يستفيده فالبشرى له من المغفرة والنعيم ، وإن كان حياء من الله تعالى لما اقتحم من مجاهرته فالله تعالى أحق أن يستحيا منه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى : << إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه ، وإذا كره لقائي كرهت لقاءه >> وهذا الحديث ركبه على هذه الثلاثة أحوال ، فبحسب ذلك يكون التأويل ، وقد روي في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها زيادة حسنة في هذا الحديث ؛ قالت عائشة : قلت : يارسول الله ، كلنا نكره الموت . قال لها :<< ليس كذلك ، ولكن العبد إذا قبضت روحه على بشرى أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه ، وإذا قبضت على غضب كره لقاء الله فكره الله لقاءه >>. رواه مسلم [ح2684]والترمذي [ح1067] والنسائي [ح1837] وابن ماجة [4264].
حقيقة اعتقاديه:
قال ابن العربي المالكي : في كتابه القبس شرح موطأ مالك ابن انس المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/395].
اعلموا ، وفقكم الله ، أن الموت ليس بعدم محض ، ولا فناء صرف ، وإنما هو تبدل حال بحال ، وانتقال من دار إلى دار ، ومسير من غفلةٍ إلى ذكرٍ ، أو من حال نوم إلى حال يقظة . وهي المقصود الأول لذلك وجب الاستعداد له .
الصفحة 2
الاستعداد للموت:
وينبغي للإنسان أن يتذكر حاله ونهايته في هذه الدنيا ، وليست هذه النهاية نهاية ، بل وراءها غاية أعظم منها وهي الآخرة ، فينبغي للإنسان أن يتذكر دائما الموت لا على أساس الفراق للأحباب والمألوف ؛ لأن هذه نظرة قاصرة ، ولكن على أساس فراق العمل والحرث للآخرة ، فإنه إذا نظر هذه النظرة استعد وزاد في عمل الآخرة ، وإذا نظر النظرة الأولى حزن وساءه الأمر ، وصار على حد قول الشاعر :
لا طيب للعيش ما دامت مُنَغَصة لذاته بادِّ كار الموت والهرم .
فيكون ذكره على هذا الوجه لا يزداد به إلا تحسرا وندما ، أما إذا ذكره على الوجه الأول وهو أن يتذكر الموت ليستعد له ويعمل للآخرة ، فهذا لا يزيده حزنا ، وإنما يزيده إقبالا إلى الله عز وجل ، وإذا أقبل الإنسان على ربه فإنه يزداد صدره انشراحا ، وقلبه اطمئنانا .الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن صالح العثيمين [ج2 / 463].
وليعلم أن الموت جسر بين حياتين ؛ حياة الدنيا الفانية ، وحياة الآخرة الخالدة ، والدنيا مزرعة للآخرة ، فمن عمل صالحا في دنياه ، نجا من سوء الحساب والعذاب في الآخرة ، وكان من الخالدين في جنان الله ، ومن عمل سوءا كان من المعذبين في نار جهنم إلا أن يعفو الله عنه .
ومن هنا كان مستحبا على كل مسلم ذكر الموت والاستعداد له لقوله صلى الله عليه وسلم :<< أكثروا من ذكر هادم اللذات>>رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم عن ابن عمر ، ورواه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة ، ورواه آخرون عن انس وهو صحيح .
وقوله هادم اللذات يعني الموت ، والهادم القاطع ، زاد البيعقي والنسائي :<< فإنه ما ذكر في كثير إلا قلله ، ولا قليل إلا كثره >> أي كثير من الدنيا ، فيقلل طلبها ،وقليل من العمل ، فيكثر طلبه .
والاستعداد للموت يكون بالخروج من المظالم ، والتوبة من المعاصي ، والإقبال على الطاعات لقوله تعالى :{{ فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا }} ولما روى ابن ماجة بإسناد حسن من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم أبصر جماعة يحفرون قبرا ، فبكى حتى بل الثرى بدموعه ، وقال : << إخواني لمثل هذا فأعدوا >> أي تأهبوا واتخذوا له عدة ، وهي ما يعد للحوادث والسفر .
الصفحة 3
حسن ظن من حضرته الوفاة بربه :
وينبغي أن يكون المريض الذي حضرته الوفاة حسن الظن بالله تعالى ، لما روى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:<< لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى >>رواه مسلم وأحمد ، أنظر صحيح الجامع [ح7669] ومعناه أن يظن أن الله تعالى يرحمه ويعفو عنه ، فيرجو ذلك كرما ورحمة ومسامحة ؛ لأنه سبحانه أكرم الأكرمين ، وعفو يحب العفو ، يعفو عن السيئات ويقيل العثرات ،ويكون عند حسن ظن العبد به كما جاء في الحديث القدسي قال الله تعالى :<< أنا عند حسن ظن عبدي بي>>متفق عليه وفي رواية لأحمد :<< أنا عند ظن عبدي بي ، إن ظن خيرا فله ، وإن ظن شرا فله >>أنظر له صحيح الجامع [ح1663].لهذا ينبغي له أن يقدم الرجاء على الخوف وان يحسن ظنه بربه سبحانه .
حقوق الميت على المسلمين : إن للميت المسلم حقوق ستة على غيره من المسلمين ، وهي حضوره ، وغسله ، وتكفينه ،وحمله ، والصلاة عليه ودفنه [1]،ويستحب الدعاء له بالثبات بعد الفراغ من دفنه ، والذي يعنينا من هذه الحقوق هو الصلاة عليه ، والذي يعنينا من الصلاة عليه أين يُصلى عليه ، في المصلى أو المسجد أو المقبرة ، أو على قبره ؟ وهذا ما سنعرفه؛ ولكن بعد أن نعرف حكم الصلاة عليه ، هل هي واجبة أم سنة ؟وقبل أن نعرف ذلك نعرج على تعريف الجنائز لغة وشرعا ،ثم أبين أين يصلى على الجنائز ، وهل السنة في ذلك تكون في المصلى أو في المسجد أو في كليهما ، وما حكم الصلاة عليها في المقبرة وهذه المسألة الأخيرة قد أطلت فيها النفس وبينت فيها الراجح لأنها هي بيت القصيد من بحثنا هذا لأنه ظهر في هذه الآونة الأخيرة قِبَلنا شباب ضاقت عليهم مسالك الخلاف ، ومسوغات الاجتهاد المتسعة التي يحتملها الدليل ، وذلك لضيق عطنهم ، فنطقوا بالجهل ، وأصبحوا ينكرون كل قول يخالف ما هم عليه حتى لو كان قولهم شاذا ؛ بل لم يكتفوا بذلك حتى رموا من خالفهم فيما اختلف فيه السلف الصالح بالبدعة والضلال ، وما علموا أن البدعة والضلال هي في التعصب والتزمت للرأي ؛ولو كان مرجوحا أو بطلا ، ومن ذلك هذه المسألة التي نحن بصدد تحريرها ، فإننا رأينا كثيرا من شباب الصحوة من يترك الصلاة على الجنازة في طرف المقبرة ،أو داخلها ،ويرمي من فعله بالبدعة ، وما علم أن فعله ذلك هو المجانب للصواب ، وأن سنة المصطفى واضحة في هذا الباب كما سأبينه – إن شاء الله .
--------------------
1- وزاد بعضهم : وتنفيذ وصيته قبل دفنه .
الصفحة 4
حكم صلاة الجِنازة :
وقبل أن نعرف حكم الصلاة على الجنازة، ينبغي أن نعرف معناها في اللغة والشرع حتى نفهم المقصد من الجنازة عند الإطلاق.
تعريف الجنائز:
الجَِنائز جمع جنازة، وهي بفتح الجيم وكسرها بمعنى واحد، وقيل:بالفتح اسم للميت وبالكسر اسم لما يحمل عليه الميت فإذا قيل: [جَنازة ] أي ميت ، وإذا قيل : [جِنازة ] أي نعش .
وهذا تفريق دقيق ؛ لأن الفتح يناسب الأعلى ، والميت فوق النعش ، والكسر يناسب الأسفل والنعش تحت الميت .
قال الحفظ ابن حجر رحمه الله: في كتابه الفذ فتح الباري الذي قيل فيه : لا هجرة بعد الفتح [ج3/131] :والجنائز بفتح الجيم لا غير جمع جَنازة بالفتح والكسر لغتان ، قال ابن قتيبة وجماعة : الكسر أفصح ، وقيل بالكسر للنعش وبالفتح للميت ، قالوا لا يقال لنعش إلا إذا كان عليه الميت .
وقال ابن العربي المالكي: [ في كتابه القبس شرح موطأ مالك ابن أنس : المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ][ج7/395]قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الجنازة لفظ ينطلق على الميت ، وينطلق على الأعواد التي يحمل فيها ، ويقال بفتح الجيم وكسرها . وسمعت عن ابن الأعرابي أنه قال: إذا فتحت فهو الميت ، وإذا كسرت فهي الأعواد .وإني أخاف أن يكون أخذ ذلك من هيئة الحال ، وليس ذلك كما زعم علماؤنا أنهما لغتان ، وإنما الجنازة الميت بنفسه ، فإن سميت به الأعواد فإن ذلك مجاز ،والدليل عليه الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال: إذا وضعت الجنازة على السرير ، واحتملها الرجال على أعناقهم ، فإن كانت صالحة قالت : قدموني قدموني ، وإن كانت غير صالحة قالت : ياويلها ، إلى أين تذهبون بها .الحديث أخرجه البخاري [ح1316 ] من حديث أبي سعيد الخدري.
حكم صلاة الجَنازة:
والصلاة عليه فرض كفاية ؛ وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على الأموات باستمرار ، وكان يقول : صلوا على صاحبكم :متفق عليه ، البخاري [5056] مسلم [1619]. ، وأمر أن يُصلى على المرأة التي رجمت،وهذا فيه ترك الصلاة على بعض موتى المسلمين؛ ولو كانت فرضا عينيا لما ترك الصلاة عليهم ، وقال الله عز وجل : {{ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره }}التوبة :84] فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل على أن الصلاة على المؤمنين شريعة قائمة وهو كذلك .الشرح الممتع [ج2/486].
الصفحة 5
قال ابن عبد البر حافظ المغرب والمشرق : في كتابه العظيم التمهيد المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/489]؛وفي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي وأمره أصحابه بالصلاة عليه وهو غائب ، أوضح الدلائل على تأكيد الصلاة على الجنائز ، وعلى أنه لا يجوز أن تترك جنازة مسلم دون الصلاة ، ولا يحل لمن حضره أن يدفنه دون أن يصلى عليه ، وعلى هذا جمهور علماء المسلمين من السلف والخلف ، إلا أنهم اختلفوا في تسمية وجوب ذلك ، فقال الأكثر : هي فرض على الكفاية .
وقال بعضهم: هي سنة واجبة على الكفاية، يسقط وجوبها بمن حضرها عمن لم يحضرها.وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز ترك الصلاة على جنائز المسلمين ، من أهل الكبائر ، أو صالحين ، وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا، واتفق الفقهاء على ذلك إلا في الشهداء وأهل البدع والبغاة فإنهم اختلفوا في الصلاة على هؤلاء. انتهى كلامه رحمه الله .
وقد بوب البخاري في صحيحه : باب سنة الصلاة على الجنائز ، قال ابن حجر رحمه الله : الفتح [ج3/227] : قال الزين بن المنير : المراد بالسنة ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، يعني فهو أعم من الواجب والمندوب ، ومراده بما ذكره هنا من الآثار والأحاديث أن لها حكم غيرها من الصلوات وما فيها من الشروط والأركان .وقد استدل البخاري على شرعية هذه الصلاة بآثار وأحاديث فقال : الفتح [ج3/226 ] : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : << من صلى على جنازة ..> > وقال :<< صلوا على صاحبكم >> وقال :<< صلوا على النجاشي >>.
وقال الإمام النووي رحمه الله: في كتابه شرح صحيح مسلم الذي يعتبر عمدة في شرحه:[ج7/21]وأجمعوا على أنها فرض كفاية.أي الصلاة على الجنازة .
أين يصلى على الجنازة ؟
وبعد أن مات الميت، وجهزناه يأتي السؤال أين يصلي عليه ؟ في المصلى ، أم في المسجد أم في المقبرة ؟وللجواب عليه يقال :هذا السؤال يتكون من ثلاث فقرات .
الصفحة 6
أ - حكم الصلاة عليه في المصلى ؟ ب – حكم الصلاة عليه في المسجد ؟
ج – حكم الصلاة عليه في المقبرة ؟
أ- حكم الصلاة على الجنازة في المصلى ؟
والسنة المشروعة في هذا والتي لا خلاف فيها بين أهل العلم أن يُصلى عليه في المصلى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما نُعي إليه النجاشي في اليوم الذي مات فيه فخرج بالصحابة إلى المصلى وصلى بهم هناك عليه صلاة الغائب .وهو حديث متفق عليه .
قال ابن عبد البر رحمه الله ؛وهو يشرح هذا الحديث عند الموطأ [موسوعة شروح الموطأ [ج7/ص486]: والسنة أن تخرج الجنازة إلى المصلى ليصلى عليها هناك ، وفي ذلك دليل على أن صلاته صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء في المسجد إباحة ليس بواجب، وسيأتي القول في ذلك – إن شاء الله- .
وقد بوب البخاري رحمه الله في صحيحه : الفتح :[ج3/236 ]باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد .ثم ذكر حديث نعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي للصحابة، وفيه : أن النبي صلى الله عليه وسلم صف بهم بالمصلى فكبر عليه أربعا .وذكر حديثا آخرا وهو أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زنيا، فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.
قال الحافظ ابن حجر: قد دل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها.وحكى ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من ناحية جهة المشرق.انتهى .
قلت : أي قريب من البقيع ،لأن جهة المشرق لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم هو بقيع الغرقد ، وفيه المقبرة التي كانوا يدفنون فيها موتاهم وهي معروفة إلى اليوم ، وفيها دفن أكثر الصحابة ، وقبورهم مسوية بالأرض على خلاف ما عليه جماهير المسلمين اليوم من رفعهم القبور عن الأرض وبنائها تشبها بغيرهم من أهل الكتابين .
قال الشيخ العثيمين رحمه الله : والمصلى ؛ إما مصلى الجنائز ؛ لأنه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كان للجنائز مصلى خاص . وإما مصلى العيد ، والحديث محتمل للقولين وبكل من القولين قال بعض العلماء .فمن قال:إن المراد مصلى العيد، قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك إظهارا لشرف هذا الرجل الصالح، وردا لجميله، لأنه آوى الصحابة الذين هاجروا إليه.وكونه يصلي عليه في مصلى العيد أظهر.
وقال بعض العلماء: المراد مصلى الجنائز، لأن أل للعهد، وهذه صلاة جنازة فتحمل على المعهود في صلاة الجنازة، وهو مصلى الجنائز.ورجح الشيخ هذا القول .الشرح الممتع على زاد المستقنع [ج2/ص456-457].
الصفحة 7:
حكم الصلاة على الجنازة في المسجد ؟
وأما الصلاة على الجنازة في المسجد ففيها رأيان : الكراهة عند الحنفية والمالكية ، والجواز عند الشافعية والحنابلة .
وقد بوب الإمام مالك رحمه الله في الموطأ الذي يعد هو عمدة كتب الحديث :موسوعة شروح الموطأ [ج7/538] الصلاة على الجنائز في المسجد واستدل لذلك بحديث أبي النضر مولى عمر بن
عبيد الله عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين مات لتدعوَ له، فأنكر ذلك الناس عليها ، فقالت عائشة: ما أسرع الناسَ ! ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد .
قال ابن عبد البر رحمه الله:موسوعة شروح الموطأ[ج7/ 540] قال أبو عمر- ويعني نفسه -: أما قول عائشة في هذا الحديث : ما أسرع الناسَ ! ففيه عندهم قولان .أحدهما: ما أسرع النسيان إلى الناس. والقول الآخر: ما أسرع الناس إلى إنكار ما لا يعرفون ! ثم احتجت عليهم بالحجة اللازمة لهم ، إذ أنكروا عليها أمرها بأن يمر بسعد عليها فيصلي عليه في المسجد ، وكان سعد قد مات في قصره بالعقيق .
قال ابن عبد البر : موسوعة شروح الموطأ [ج7/ 542] وأما اختلاف الفقهاء في الصلاة على الجنائز في المسجد فروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: لا يصلى على الجنائز في المسجد ، ولا يدخل بها المسجد .وهو قول أبي حنيفة ومحمد ابن الحسن ، وخالفهما أبو يوسف فقال بالجواز .
قلت : وقول مالك ذلك مخالف لما رواه هو من حديث عائشة وهو حجة عليه لأن الذي حفظ حجة على من لم يحفظ ، والمثبت مقدم على النافي، وعائشة حفظت ونسي القوم ، وهذا كحديث عبد الرحمن بن عوف في الطاعون :قول النبي صلى الله عليه وسلم << إذا كان بأرض قوم وأنتم خارجها فلا تدخلوا عليهم ، وإن كنتم داخلها فلا تخرجوا منها >> فقد حفظ عبد الرحمن بن عوف هذا ونسيه القوم وكان فيهم عمر وأبو عبيدة بن الجراح وكثير من كبار الصحابة ، وكراهة مالك للصلاة على الجنائز في المسجد مستدلا بأنه لم يكن من عمل أهل المدينة ، مع كونه روى الحديث في موطئه ،يعتبر مرجوحا لأنه يقال كيف يؤخذ بعمل قوم تجهل السنة بين أظهرهم ؟
وقد بوب البخاري في صحيحه :باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد .واستدل بحديث صلاة النبي على النجاشي في المصلى ، وحديث ابن عمر أن النبي رجما اليهوديين قريبا من موضع الجنائز ، واستدلال البخاري بهذا ليدل على أن مصلى العيد أو الجنائز يعطى حكم المسجد لأمره صلى الله عليه وسلم الحيض بالخروج إلى صلاة العيد وأن يعتزلن المصلى .
الصفحة 8:
قال ابن حجر رحمه : الفتح [ج3/237]: واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد ، ويقويه حديث عائشة : <<ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في المسجد >> أخرجه مسلم .وبه قال الجمهور .واستدلوا أيضا بما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره : أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد ، وأن صهيبا صلى على عمر بن الخطاب في المسجد >> زاد في رواية << ووضعت الجنازة في المسجد تجاه القبر >> وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك .وقال مالك لا يعجبني ، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة .
الراجح:
والراجح في المسألة الجواز ، وهو مذهب الشافعي وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ،وهو قول عامة أهل الحديث والقول به أقوى ، والأدلة تشهد له منها حديث عائشة أنها قالت منكرة على الصحابة لما استنكروا عليها : ما أسرع نسيانكم ، والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه .وفي رواية : والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد >> اللفظ الأول رواه مسلم أنظر صحيح سنن أبي داود[ح 2731]، والثاني رواه الجماعة إلا البخاري أنظر صحيح سنن أبي داود [ح2730]وصحيح سنن ابن ماجة [1518][نيل الأوطار [ج4/ 68] ونصب الراية [ج2/276].
قلت : وهذا ما عليه الصحابة فإن أبا بكر رضي عنه صلى عليه عمر في المسجد ، وكذلك صلى صهيب على عمر في المسجد ، ولو كان شيئا محظورا لأنكره الجمع من الصحابة الذين حضروا الصلاة على أبي بكر مع عمر، وكذلك الذين حضروا الصلاة على عمر مع صهيب ، وأما إنكار الناس على عائشة فلسرعة نسيانهم ..
قال ابن عبد البر: في كتابه الاستذكار ، المطبوع ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/548] وقد صحح أحمد بن حنبل السنة في الصلاة على الجنائز في المسجد وقال بذلك . وهو قول الشافعي وجمهور أهل العلم ، وهي السنة المعمول بها في الخليفتين بعد رسول الله ، صلى عمر على أبي بكر في المسجد ، وصلى صهيب على عمر في المسجد بمحضر كبار الصحابة ، وصدر السلف من غير نكير ، وما أعلم من يكره ذلك إلا ابن أبي ذئب ، ورويت كراهية ذلك عن ابن عباس من وجوه لا تصح ولا تثبت ، وبعض أصحاب مالك رواه عن مالك ، وقد روي عنه جواز ذلك من رواية أهل المدينة وغيرهم .
وقال الخطابي في معالم السنن [ج1/312]وقد ثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صُلي عليهما في المسجد ، ومعلوم أن عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما ، وفي تركهم الإنكار الدليل على جوازه ، ويحتمل أن يكون معنى حديث أبي هريرة –إن ثبت – متأولا على نقصان الأجر ، وذلك أن من صلى عليها في المسجد ، فالغالب أنه ينصرف إلى أهله ولا يشهد
دفنه ، وأن من سعى إلى الجنازة فصلى عليها بحضرة المقابر ، شهد دفنه ، وأحرز أجر القيراطين ، وقد يؤجر على كثرة خطاه ، وصار الذي يصلي عليه في المسجد منقوص الأجر بالإضافة إلى من يصلي عليه خارج المسجد .
قلت : وهذا التأويل واقع ومشاهد ، فالكثير الكثير ممن يفرط في اتباع الجنازة إلى القبر والبقاء حتى يُدفن ، وكأن الحديث فيه حث على الصلاة على الجنازة خارج المسجد حتى يحضرها من يصلي عليها ولا ينتقص من أجره شيء .
أما حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: << من صلى على ميت في المسجد فلا شيء له >> فهو حديث غير ثابت ، وهو مضطرب ، وقد ورد بألفاظ وقال الإمام النووي :إنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به ، وقال أحمد بن حنبل حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة ، وهو ضعيف .والحديث رواه أبو داود وابن ماجة وابن عدي وابن أبي شيبة ولفظه عنده : << فلا صلاة له >> أنظر نصب الراية [ج2/ 275]ونيل الأوطار [ج4/68]وما بعدها .
قال ابن عبد البر موسوعة شروح الموطأ :[ج7/545] واحتج من ذهب مذهب مالك بحديث صالح مولى التوأمة هذا مع ما ذكرنا من إنكار من أنكر على عائشة .
وقال آخرون : أما رواية أبي حذيفة عن الثوري لهذا الحديث ، وقوله فيه << فليس له أجر >> فخطأ لا إشكال فيه ، ولم يقل أحد في هذا الحديث ما قاله أبو حذيفة .قالوا: والصحيح في هذا الحديث ما قاله يحي القطان ، وسائر رواة هذا الحديث عن ابن أبي ذئب بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك قوله : << من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له >> وهذا هو الصحيح في هذا الحديث .
قالوا : ومعنى قوله :<< لا شيء له >> يريد لا شيء عليه ، قالوا : وهذا فصيح معروف في لسان العرب ، قال الله عز وجل :{{ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها }}[الإسراء:7] بمعنى : فعليها ، ومثله كثير .قالوا وصالح مولى التوأمة من أهل العلم بالحديث من لا يقبل شيئا من حديثه لضعفه ، ومنهم من يقبل من حديثه ما رواه ابن أبي ذئب عنه خاصة ؛ لأنه سمع منه قبل الاختلاط ، ولا خلاف أنه اختلط فكان لا يضبط ولا يعرف ما يأتي به ومثل هذا ليس بحجة فيما انفرد به ، وليس يعرف هذا الحديث من غير روايته البتة ، فإن صح فمعناه ما ذكرنا . وبالله توفيقنا .
قلت : والحديث :قال عنه الشيخ الألباني : حسن ولكن بلفظ : <<من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له >>.أنظر صحيح سنن أبي داود [ح2732 ]والسلسلة الصحيحة [ح2351].وعليه يتعين تأويله بالمعنى الذي ذكره ابن عبد البر << فلا شيء عليه >> أو بالتأويل الذي ذكره الخطابي. وقد أقر ابن القيم رحمه كلام ابن عبد البر ، ونصره ، أنظر تهذيب السنن [ج1/325،326]وقد أشار إلى تأويل الإمام الخطابي الذي ذكرناه عنه ، وخلص إلى الصواب من ذلك بقوله : والصواب ما ذكرناه أول ، وان سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر ، وكلا الأمرين جائز ، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد والله اعلم . زاد المعاد في خير هدي العباد [1/500-502].
قال الشيخ العثمين : بعد ذكر حديث عائشة في الصلاة الجنازة في المسجد: فإن قال قائل : على القول بالكراهة فأين يصلى على الجنائز ؟
والجواب: يعد مصلى خاص بالجنائز، كما هو متبع في كثير من البلاد الإسلامية، وينبغي أن يكون قريبا من المقبرة، لأنه أسهل على المشيعين.الشرح الممتع لزاد المستقنع [ج2/549].
يتيع إن شاء الله ...
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-31-2009, 06:55 PM
منقول من منتديات البيضاء تعليق الاخ عبد الحقيظ الجزائري
حكم صلاة الجنازة في المقبرة ؟
أما الصلاة على الجنازة في المقبرة فهو بيت القصيد من مبحثنا هذا وهي كباق المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديما وحديثا ونحن نريد أن نحرر المسألة ونذكر الراجح فيها بالأدلة لأنه كما قلت في المقدمة ظهر في هذه الآونة الأخيرة شباب ضاقت عليهم مسوغات الخلاف المتسعة وذلك لضيق عطنهم ، فأصبحوا ينكرون كل قول يخالف ما هم عليه حتى لو كان قولهم شاذا بل لم يكتفوا بذلك حتى رموا من خالفهم فيما اختلف فيه السلف بالبدعة والضلال ، وما علموا أن البدعة والضلال هي في التعصب والتزمت للرأي ولو كان مرجوحا أو باطلا ،ومن ذلك هذه المسألة التي نحن بصدد تحريرها ، فإننا رأينا كثيرا من شباب الصحوة من يترك الصلاة على الجنازة في المقبرة ، ويرمي من فعله بالبدعة ، وما علم أن فعله هو المُجانب للصواب ، وأن سنة المصطفى واضحة في هذا الباب كما سأبينه إن شاء الله ..وقد حان وقت بيانها لأولي الألباب ، فإليكها محررة الجواب ،بأدلة من السنة والكتاب ..
والصلاة على الجنازة في المقبرة مكروهة عند الحنفية ، والشافعية ، للنهي الوارد في الصلاة فيها وهو : <<نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن ، في المزبلة ،والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ، وفي الحمام ، وفي معاطن الإبل ، وفوق بيت الله عز وجل >> ولقوله النبي صلى الله عليه وسلم :<<.. وجعلت لي الأرض كلها مسجدا إلا المقبرة والحمام >>
الحديث الأول رواه الترمذي وقال : إسناده ليس بالقوي ، والحديث الثاني رواه أحمد وابن حبان والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد .
وحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :<< لا يصلى في سبع مواطن..>> قال ابن عبد البر : وهذا حديث انفرد به زيد بن جبيرة ، وأنكروه عليه ، ولا يعرف هذا الحديث مسندا إلا من رواية يحيي بن أيوب عن زيد بن جبيرة ، وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث ، فكتب إليه عبد الله بن نافع : لا أعلم من حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل .فصح بهذا وشبهه أن الحديث منكر لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله وانظر ما قاله ابن عبد البر حول هذا الحديث .موسوعة شروح الموطأ [ ج2 / 280].
وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ابن عبد البر فيه : هذا حديث رواه ابن عيينة عن عمرو بن يحي عن أبيه مرسلا .فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة .ولو ثبت كان الوجه فيه ما ذكرنا .يعني أنه منسوخ .نفس المصدر السابق .
وسيأتي مزيد بيان لهذه الأحاديث الناهية عن الصلاة مطلقا في المقبرة في آخر البحث وأقوال العلماء في ذلك.
وقد أجاز جمهور الشافعية والحنابلة الصلاة على الجنازة في المقبرة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :<< وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا >> وهو في الصحيحين .
الصفحة [2]
قلت :وهو رواية عن المالكية ذكرها ابن رشدفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وابن عبد البر في التمهيد وأما جمهورهم فلا يرى جواز الصلاة على القبر إلا إذا دفن ولم يصلى عليه وينسب ذلك إلى مالك . قال ابن العربي في القبس [موسوعة شروح الموطأ ج7/ص482]وأما الصلاة على القبر فليست بمشروعة عند مالك وهو الصحيح من قول سائر العلماء ، وصلاة النبي على القبر إنما كانت لأنه دفن بغير صلاة إذ قال لهم :<< آذنوني >> فلم يفعلوا ، فوقعت الصلاة غير مجزئة فوجب إعادة الصلاة ، ولكن قال مالك إنما يصلى على القبر إذا كان حديثا ، والصحيح أنه إذا دفن بغير صلاة صلي عليه أبدا .
قلت : وقول ابن العربي : وهو الصحيح من قول سائر العلماء ، غير صحيح ، بل خلافه هو الصحيح كما سأبينه- إن شاء الله -
وقوله أيضا:وصلاة النبي على القبر إنما كانت لأنه دفن بغير صلاة [أي منه ] إذ قال لهم :<<آذنوني >> فلم يفعلوا ،فوقعت الصلاة ،[أي منهم ]غير مجزئة فوجب إعادة الصلاة .
هذا تعليل عاطل ورأي باطل ، ولم يقل أحد من العلماء أن صلا ة الصحابة على الجنائز مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم غير مجزئة ، فلقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مأموما في الفريضة خلف بعض الصحابة فكيف يقال أن صلاة الجنازة وهي فرض كفائي غير مجزئة من الصحابة ، وهو الذي قال لهم في غير ما حديث صلوا على صاحبكم ، فلو كانت غير مجزئة لما قال لهم ذلك ، وغنما يقال : إن صلاته على من صُلي عليهم زيادة نور ورحمة لهم ..
الصفحة [3]
قال ابن عبد البر رحمه الله في كتابه التمهيد [موسوعة شروح الموطأ ج7/ص506 وما بعدها ]وهو يشرح حديث الذي كانت تقم المسجد وماتت ودفنت ولم يأذن الصحابة النبي بها ، فخرج إلى المقبرة ودل على قبرها وصف الصحابة وراءه فصلى عليها على قبرها .. قال : وفيه الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة ، وهذا عند كل من أجازه ورآه إنما بحدثان [يعني قريب عهد بدفنه ] على ما جاءت به الآثار المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أيضا رحمهم الله مثل ذلك ,وفيه الصف على الجنازة ، وفيه أن سنة الصلاة على القبر كسنة الصلاة على الجنازة سواء في الصف عليها والدعاء والتكبير . انتهى كلامه وهو يدل على دقة فقهه .
قلت: وقول ابن عبد البر :وفيه أن الصلاة على القبر هي صلاة على الجنازة ، ولا فرق بين وجوده فوق الأرض أمامهم في المقبرة وبين تحت الأرض .كما قال ابن القيم وسيأتي إن شاء الله كلامه .ولا فرق بين أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم بهم في المقبرة ، وبين أن يصف بهم في المصلى ، ومن كان عنده دليل على الفرق فليأتي به .
وليعلم أنه تكرر فعل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرات ، وهذه عبادة ،وتعتبر تشريعا ، فقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد موسوعة شروح الموطأ [ج7506-520] ، وابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد[ج1/ص252]وابن القيم في زاد المعاد [ج1/512] عن الإمام أحمد أنه قال : لقد ثبتت صلاة الجنازة على القبر من ستة وجوه حسان .وأنظر أيضا تهذيب السنن لابن القيم [ج4/331-332].
قال ابن عبد البر :وقال أحمد بن حنبل : رويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان كلها،ثم سردها بأسانيدها ثم قال: بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من تسعة وجوه كلها حسان فزاد ثلاثة وجوه على ما ذكره الإمام أحمد ..[ج7/ص507 موسوعة شروح الموطأ ].
وفي الصفحة [509] من نفس الجزء قال: وأما الستة وجوه التي ذكر أحمد بن حنبل أنه روي منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر ؛ فهي والله أعلم ؛ حديث سهل بن حنيف ، وحديث سعد بن عبادة ، وحديث أبي هريرة ، روى من طرق ، وحديث عامر بين ربيعة ، وحديث أنس ، وحديث ابن عباس .ثم سردها بأسانيدها إليهم ونحن نذكرها مختصرة الأسانيد .
عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن أبيه قال : كان رسول الله يعود فقراء أهل المدينة ، ويشهد جنائزهم إذا ماتوا .قال : فتوفيت امرأة من أهل العوالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< إذا قضت فآذنوني >> .قال : فأتوه ليؤذنوه فوجدوه نائما وقد ذهب الليل ، فكرهوا أن يوقظوه ، وتخوفوا عليه ظلمة الليل وهوّام الأرض .قال : فدفنّاها ، فلما أصبح سأل عنها ، فقالوا : يارسول الله أتيناك لنؤذنك بها فوجدناك نائما ، فكرهنا أن نوقظك ، وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوام الأرض. قال : فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعا .
وأما حديث سعد ابن عبادة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان غائبا فقال : إن أم سعد توفيت فصلّ عليها يارسول الله . فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليها ، وقد دفنت قبل ذلك بشهر .
وأما حديث أبي هريرة فهو: أن امرأة وفي رواية : أن رجلا أسود ,كان أو كانت تقم المسجد فماتت فدفنت ليلا ، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :<< فهلا أعلمتموني ؟>> فقالوا : ماتت ليلا . فقام رسول الله حتى أتى المقبرة ، فصلى على قبرها.
الصفحة [4]
وأما حديث عامر بن ربيعة عن أبيه قال : مر رسول الله بقبر حديث ، فقال : << ما هذا القبر ؟>> قالوا : قبر فلانة .قال:<< فهلا آذنتموني ؟ >>.. وفيه فصف وصف الناس خلفه وصلى عليها] .
أما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على قبر منبوذ فكبر عليه. وفي رواية أنه مر على قبر حديث عهد بدفن،فسأل عنه ، فقالوا : مات ليلا ، فكرهنا أن نوقظك فنشق عليك .فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفنا خلفه فصلينا عليه.
أما حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن.وهذه الأحاديث كلها إما صحيحة خرجها صاحبا الصحيحين ، وإما أحدهما ، وأما حسنة كما قال أحمد بن حنبل، وقد زاد عليها ابن عبد البر ثلاثة من وجوه حسان كما قال : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر من ثلاثة أوجه سوى هذه الستة المذكورة . وكلها حسان ؛ منها حديث لزيد ابن ثابت الأنصاري ، والحصين بن وحوح ، وأبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري .ثم ساقها بأسانيده .وها نحن نذكرها مجردة الأسانيد.
قال رحمه :أما حديث زيد بن ثابت فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد ، فسأل عنه ، فقيل : فلانة ، فعرفها ، فقال :<< أفلا آذنتموني ؟>> .قالوا : يارسول الله ، كنت قائلا نائما فكرهنا أن نؤذيك .فقال :<< لا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلاّ آذنتموني به ؛ فإن صلاتي عليه له رحمة >> .قال: ثم أتى القبر فصفنّا خلفه فكبر أربعا.أخرجه أحمد [ح19452]وابن ماجه [1528].
وأما حديث الحصين بن وحوح فقال : أن طلحة بن البراء مرض ،فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده في الشتاء في برد وغيم ، فلما انصرف قال لأهله :<< إني ما أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت ، فآذنوني به حتى أشهده وأصلي عليه .وعجلوا به ؛فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله >>.
فلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بني سالم حتى توفي ، وجن عليه الليل فكان مما قال طلحة :ادفنوني وألحقوني بربي ، ولا تدعوا رسول الله فأني أخاف عليه اليهود أن يصاب بشيء .فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح ، فجاء حتى وقف على قبره في قِطارةٍ بالعُصبة فصف وصف الناس معه ، ثم رفع يديه وقال :<< اللهم ألق طلحة تضحك إليه ويضحك إليك >> أخرجه أبو داود [ح3159] وأبن أبي عاصم في السنة [ح558] والطبراني [3554]. وقوله : قِطارة :من تقاطر القوم جاءوا أرسالاً . وقوله :بالعُصبة : أي موضع بالمدينة عند قباء .
الصفحة [5]
وأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة الحارثي فقال: رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر ، وقد توفيت – يعني أم أبي أمامة – فصلى عليها .أخرجه ابن أبي عاصم [ح2001]والطبراني [792]وابن الأثير في أسد الغابة [ج617] أنظر موسوعة شروح الموطأ [ج 7 /516- 518].
وبعدها ذكر- رحمه الله- فعل الصحابة في ذلك وأن عملهم على ذلك ، فذكر فعل عائشة أنها أتت المقبرة فصلت على قبر أخيها ، وكذلك فعل ابن عمر مع أخيه عاصم لما توفي ولم يحضره وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله ابن مسعود ،وقرظة بن كعب ،وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك ،وسلمان بن ربيعة ،وهشام بن عروة، وغيرهم من التابعين ..ومن أراد أن يطلع عليها جميعها فعليه بكتاب التمهيد ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/ص509-إلى 529].
خلاصة البحث عند ابن عبد البر :
وبعده ذكره لتلك الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين ذكر خلاصة البحث ، فقال :قال أبو عمر : من صلى على قبر ، أو على جنازة قد صلي عليها ، فمباح له لك ، لأنه فعل خيرا لم يحظره الله ولا رسوله ، ولا اتفق الجميع على المنع منه ، وقد قال الله تعالى :{{ وافعلوا الخير }}[الحج :77] وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر ، ولم يأت عنه نسخه فمن فعل فغير حرج ولا معنف عليه ، بل هو في حلٍ وسعةٍ وأجرٍ جزيل إن شاء الله .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين [ج2/386-388]يرد على من أنكر سنة الصلاة على القبر ، قال : رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على القبر كما في الصحيحين من حديث ابن عباس : أن النبي صلى على قبر منبوذ فصفهم وتقدم فكبر عليه أربعا .وفيهما من حديث أبي هريرة : أنه صلى على قبر امرأة سوداء كانت تقم المسجد ، وفي صحيح مسلم من حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعدما دفنت وفي سنن البيهقي والدارقطني عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد
شهر ، وفيهما عنه : أن النبي صلى على ميت بعد ثلاث ، وفي جامع الترمذي : أن النبي صلى على أم سعد بعد شهر .
الصفحة [6]
فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله : << لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها >> وهذا حديث صحيح ، والذي قاله هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى على القبر مرارا ، وتكرارا ، فهذا قوله وهذا فعله ، ولا يناقض أحدهما الآخر ، فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر ، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان ، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه ، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه ، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ، ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض أمام المصلين ، وبين كونه في بطنها وهم وقوف يصلون عليه ، بخلاف سائر الصلوات من المكتوبات وغيرها ؛ فإنها لم
تشرع في القبور ولا إليها ؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك ، فأين من لعن فاعله وحذر منه ، وأخبر أن أهله شرار الخلق ، كما قال : إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد إلى ما فعله مرارا متكررا وبالله التوفيق . قلت : وقد قال بعضهم أن صلاته على القبر مرارا خاصة به لقوله صلى الله عليه وسلم :<< إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن صلاتي عليها نور >> رواه البخاري [ح458-460-1337]ومسلم [ح956] من حديث أبي هريرة ، وهذا غير صحيح لأنه لو كانت خاصة به لما أذن للصحابة أن يصفوا وراءه كما في حديث ربيعة ابن أبي عامر عن أبيه عند أحمد [ح15673]وابن ماجة 1529]وابن أبي شيبة [ج3/361-362]وكما في حديث الحصين بن وحوح عند أبي داود : وفيه : << فصف وصف الناس معه >>وكما في حديث ابن عباس عند البخاري [ح1247-1321]ومسلم [954] وأحمد[1962]وغيرهم وفيه :<< وصفّنا خلفه ، فصلى بنا >> وهذا فيه زيادة توضيح أنه هو الذي صفهم خلفه ثم صلى بهم ،حتى لا يقال ربما صفوا خلفه بعدما كبر .
ويؤكد جواز صلاة الجنازة في المقابر عمل الصحابة ؛ وأن العلة التي من أجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة أو إلى القبر منتفية في صلاة الجنازة ، لأن هذه الصلاة لا ركوع فيها ولا سجود حتى يتوهم أنها صلاة لصاحب القبر ، وأنها ذريعة إلى الشرك أو اتخاذها مساجد ، وإذا كانت العلة منتفية فالحكم بالمنع وعدم الجواز ينتفي .
الصفحة [7]
الخلاصة:
والخلاصة أنه لا فرق بين الصلاة على الجنازة في المصلى أو في المسجد أو في المقبرة على القبر أو خارجه ،وكل ذلك جائز ولا حرج على فاعله، وهذا هو الذي علية الأدلة من السنة وعمل الصحابة والتابعين ، ولكن فعلها في المصلى القريب من المقبرة هو السنة؛ وهو الأفضل؛ وخاصة إذا كان المصلى بجنب المقبرة أو بداخلها مكانا معدا للصلاة على الجنائز فذلك هو الأيسر والأقرب إلى الصواب .فإن لم يتيسر ففي المسجد ، فإن تعذر ففي المقبرة .أما من دفن ولم يصلى عليه فهذا لا أعلم فيه خلافا في جواز الصلاة عليه على قبره ، والخلاف فيمن صلي عليه ؛ ولم يدرك الصلاة عليه ولي الأمر؛ أو بعض أقاربه؛ أو أصدقائه فهل لهم أن يصلوا عليه أم لا ؟ والصحيح جواز ذلك . والله أعلم .
حكم الصلاة عموما سواء كانت فريضة أو نافلة في المقبرة :
أما الصلوات غير صلاة الجنائز فلا يجوز أداؤها في المقابر ولا في غيرها من الأماكن التي ورد فيها النهي ، ولا شك في أن أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة ،أو إلى القبور ثابت بل ورد لعن من اتخذها مساجد يُصلى فيها الفرض ؛والتطوع ؛والصلوات ذات الحاجات وحتى لا تتضارب الأدلة ننزل كل مجموعة من الأحاديث منزلتها اللائق به ، فأحاديث الصلاة على القبر تدل على جواز صلاة الجنازة داخل المقبرة، وأحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة تدل على منع صلاة معينة ، وهي كل صلاة غير صلاة الجنازة جمعا بين الأدلة .
هذا؛ مع أن ابن عبد البر له وجهة نظر في حكم الصلاة عموما في المقبرة تختلف عن غيره من العلماء قال – رحمه الله - وهو يشرح حديث مالك عن زيد بن أسلم أنه قال : عرس رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليلة بطريق مكة ، ووكل بلالا أن يوقظهم للصلاة فرقد بلال ورقدوا حتى استيقظوا وقد طلعت الشمس فاستيقظ القوم وقد فزعوا ، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي ، قال :<< أن هذا واد به شيطان >> فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي ، ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا وأن يتوضئوا ، وأمر بلالا أن ينادي بالصلاة أو تقام ، فصلى رسول الله بالناس ..>> الحديث وهو في الصحيحين .
وبعد أن حكى الخلاف في الصلاة في مثل ذلك الوادي الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا منه وأن فيه شيطان قال: قال أبو عمر : القول المختار عندنا في هذا الباب أن ذلك الوادي وغيره من بقاع الأرض جائز أن يصلي فيها كلها ، وما لم تكن فيها نجاسة متيقنة تمنع من ذلك ، ولا معنى لاعتلال من اعتل بأن موضع النوم عن الصلاة موضع شيطان ملعون لا يجب أن تقام فيه الصلاة ؛ لأنا لا نعرف الموضع الذي ينفك عن الشياطين ، ولا الموضع الذي تحضره الشياطين . وكل ما روي في هذا المعنى من النهي عن الصلاة في المقبرة ، وبأرض بابل ، وفي الحمام ، وفي أعطان الإبل ، والخروج من ذلك الوادي ، وغير ذلك مما في هذا المعنى مما قد تقدم ذكرنا له ، كل ذلك عندنا منسوخ ومدفوع بعموم قوله صلى الله عليه وسلم :<< جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا >> وقوله هذا صلى الله عليه وسلم مخبر أن ذلك من فضائله ومما خص به ، وفضائله عند أهل العلم لا يجوز عليها النسخ ولا التبديل ولا النقص ، قال صلى الله عليه وسلم :<< أوتيت خمسا >> وقد روي << ست >> وقد روي :<< ثلاث >> و:<< أربع >> وهي تنتهي إلى أزيد من سبع ، قال فيهن : << لم يؤتهن أحد قبلي ، بعثت إلى الأحمر والأسود ، ونصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت أمتي خير الأمم ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وجعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا وأوتيت الشفاعة ، وبعثت بجوامع الكلم ، وبينما أنا نائم أوتيت بمفاتيح كنوز الأرض فوضعت بين يدي ، وأعطيت الكوثر ، وهو خير كثير وعدنيه ربي ، وهو حوضي ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم ، من شرب منه لم يظمأ أبدا ، وختم بي النبيون >> وهذه المعاني رواها جماعة من الصحابة وهي صحاح كلها ، وإن لم تجتمع بإسناد واحد ، فهي أسانيد صحيحة ثابتة ، وجائز على فضائله الزيادة ، وغير جائز فيها النقصان .
الصفحة [8]
ففضائله صلى الله عليه وسلم لم تزل تزداد إلى أن قبضه الله ، فمن ههنا قلنا : أن لا يجوز عليها النسخ ولا الاستثناء ، ولا النقصان ، وجائز فيها الزيادة . وبقوله صلى الله عليه وسلم :<< جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا >> أجزنا الصلاة في المقبرة والحمام ، وفي كل موضع من الأرض إذا كان طاهرا من الأنجاس ؛ لأنه عموم فضيلة لا يجوز عليها الخصوص . ولو صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال :<< الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام >> فكيف وفي إسناد هذا الخبر من الضعف ما يمنع الاحتجاج به ؟ فلو صح لكان معناه أن يكون متقدما لقوله:<< جعلت لي الأرض كلها مسجدا وطهورا >> ويكون هذا القول متأخرا عنه فيكون زيادة فيما فضله الله به عليه.قلت : ومعناه أن يكون الأول منسوخا والثاني ناسخا.
ثم ذكر رحمه أحاديث تفضيله على سائر الأنبياء وفيها أن الله جعل له الأرض كلها مسجدا وطهورا ،قال رحمه :فعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ...>>وفيه <<وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ..>> .
ثم بين رحمه الله ضعف الحديث الذي فيه النهي عن الصلاة في المقبرة وأرض بابل ، وكذلك أشار إلى ضعف حديث :<< لا يصلي في سبع مواطن ؛ في المزبلة والمجزرة والمقبرة ومحجة الطريق والحمام ومعاطن الإبل وفوق بيت الله عز وجل>>.موسوعة شروح الموطأ [ج2 /2278-279].
فقال :فهو حديث ضعيف عند جميعهم ، واستدل لجواز الصلاة في المقبرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر : <<حيثما أدركتك الصلاة فصل ؛ فإن الأرض كلها مسجد >>وهو في البخاري[ح3366]ومسلم [520] وأن النبي بني مسجده فوق مقبرة المشركين ولو كان شيئا ممنوعا ما بني مسجده هناك ، وقد أجاز العلماء الصلاة في الكنيسة إذا بسط فيها ثوب طاهر ، ومعلوم أن الكنيسة أقرب إلى أن تكون بقعة سخط من المقبرة لأنها بقعة يعصى الله ويُكفر به فيها ، وليس كذلك المقبرة ؛ وقد وردت السنة بإباحة اتخاذ البيع والكنائس مساجد .ثم ذكر قول من قال بكراهة الصلاة في المقبرة وذكر الأحاديث التي استدلوا بها صحيحها وضعيفها ثم قال : أما الأحاديث الضعيفة فلا حجة فيها وأما الصحيح منها فهو محتمل للتأويل أو النسخ ، ولا يجوز أن يمتنع من الصلاة في كل موضع طاهر إلا بدليل لا يحتمل تأويلا .ثم ذكر عن الثوري قوله : إن صلى في المقبرة لم يعد ، وقال الشافعي : إذا صلى أحد في المقبرة في موضع ليس فيه نجاسة أجرأه ، وذكر عن الحسن ابن علي بن أبي طالب أنه صلى في المقبرة ..
قلت : رحمه الله من عالم فقيه فكلامه ذلك قوي الحجة ،والأدلة تحتمله ، ويتجه لو كان الناس هم الناس مثل من ذكرهم من الصحابة والتابعين ،فإنه لا يتصور فيهم الشرك ، ولا اتخاذ القبور مساجد ، بعد أن تغلغل التوحيد في قلوبهم ، وعرفوا أنه لا يجوز صرف شيء من العبادة
لغير الله ، أما في غير عصورهم ، فلا يتجه ويبقى الحكم قائما سدا لذرائع الشرك وقد قال صلى الله عليه وسلم:< لا تقوم الساعة حتى يلحق فئام من أمتي بالمشركين >>.
حكم الصلاة في مسجد بني على مقبرة نبشت القبور منها .
الصفحة [9]
أما المسجد الذي بني على مقبرة بعدما نبشت القبور فجائز بدون أي حرج ، وهذا فعله صلى الله عليه وسلم ، وما بني مسجده إلا على قبور المشركين ولكن بعدما نبشت ، وهذا مشهور ومستفيض في السنن والمعاجم والمسانيد ، قال ابن عبد البر رحمه الله وهو حافظ المشرق والمغرب وقد أطبقت الدنيا على فضله وعلمه : فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا مسجده في موضع مقبرة المشركين .موسوعة شروح الموطأ [ج2/281]
وعليه نقول : إن المسجد الذي أقيم على المقبرة بعدما نبشت فهو جائز الصلاة فيه بلا خلاف ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بني مسجده على مقبرة للمشركين ، أما المسجد الذي بني على قبر وبقي القبر فيه لم ينبش؛ وكان القبر واضحا مرتفعا من الأرض سواء كان في جهة القبلة أم لا؟ فهذا لا تجوز الصلاة فيه ، أما المسجد الذي بني أولا ثم دفن فيه قبر داخل قاعة الصلاة ولم ينبش أو يخرج من قاعة الصلاة ، فهذا أيضا لا تجوز الصلاة فيه ، أما إن كان القبر خارج المسجد من وراءه وعلى جانبيه ولم يكن في جهة قبلة فهو جائز الصلاة فيه ، لأن العلة في النهي عن الصلاة إلى القبور ، والنهي عن الصلاة في المقابر هي لما في الصلاة من الركوع والسجود الذي يوهم أن الذي يصلي إنما يصلي للقبر[ أي لصاحب القبر] أو أنه ذريعة للشرك ، فإذا انتفت العلة انتفى المنع، وهي منتفية في هذه المساجد التي ذكرت من حالها ، فينتفي الحكم الذي هو المنع أو النهي ،و يبقي والخلاف فيما إذا كان القبر في قبلة المسجد من الخارج ، والله اعلم .
هذه خلاصة مختصرة مستعجلة جاءت في فترة رمضان حيث لا يوجد متسع من الوقت وإلا فالمسألة تحتاج إلى مزيد بحث وتحرير ، ولعل الله أن يمد في العمر فنحررها تحريرا لا يحتاج بعده إلى سؤال ، والله نسأل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى اللهم علي عبدك ورسولك محمد وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار وعنا معهم برحمتك إلى دار القرار .
وكتب: محب العدل والإنصاف على طريقة صالح الأسلاف
أبو بكر يوسف لعويسي .
الدويرة الجزائر العاصمة في :25/ رمضان المبارك / 1249هـ
أبو عبد الرحمان يوسف قهرار
06-01-2009, 02:13 PM
السلام عليكم
[b]نبدأ على بركت الله
[
المقابر لغة:جمع مقبرة بفتح الباء و ضمها فالقاف و الباء و الراء أصل صحيخ يدل على غموض في الشيء و تطامن.ويطلق على المقبرة الكدى وهي في الأصل جمع كدية وهي القطعة الصلبة من الأرض و القبر إنمايحفر في الأرض الصلبة لئلا ينهار-لسان العرب 2/128
لقد بحثت في لسان العرب على تعريف كلمة مقابر ولم أجده موافقا لما كتبت وأرجو التأكد منما تنقل بارك الله فيك
يقول ابن منظور :" قبر ) القَبْرُ مدفن الإِنسان وجمعه قُبُور والمَقْبَرُ المصدر والمَقْبرَة بفتح الباء وضمها موضع القُبُور قال سيبويه المَقْبُرة ليس على الفعل ولكنه اسم الليث والمَقْبَرُ أَيضاً موضع القبر وهو المَقْبَريّ والمَقْبُرِيّ الجوهري المَقْبَرَة والمَقْبُرة واحدة المقابر وقد جاء في الشعر المَقْبَرُ قال عبد الله بن ثعلبة الحَنَفيّ أَزُورُ وأَعْتادُ القُبورَ ولا أَرَى سِوَى رَمْسِ أَعجازٍ عليه رُكُودُ لكلِّ أُناسٍ مَقْبَرٌ بفِنائِهم فهمْ يَنْقُصُونَ والقُبُورُ تَزِيدُ قال ابن بري قول الجوهري وقد جاء في الشعر المَقْبَرُ يقتضي أَنه من الشاذ قال وليس كذلك بل هو قياس في اسم المكان من قَبَرَ يَقْبُرُ المَقْبَرُ ومن خرج يَخْرُجُ المَخْرَج ومن دخل يَدْخُلُ المَدْخَل وهو قياس مطَّرد لم يَشِذَّ منه غيرُ الأَلفاظِ المعروفة مثل المَبِيتِ والمَسْقِطِ والمَطْلِع والمَشْرِقِ والمَغْرِب ونحوها والفِناء ما حول الدار قال وهمزته منقلبة عن واو بدليل قولهم شجرة فَنْواء أَي واسعة الفناء لكثرة أَغصانها وفي الحديث نهى عن الصلاة في المَقْبُرَة هي موضع دفن الموتى وتضم باؤها وتفتح وإِنما نهى عنها لاختلاط ترابها بصديد الموتى ونجاساتهم فإِن صلى في مكان طاهر منها صحت صلاته ومنه الحديث لا تجعلوا بيوتَكم مَقابر أَي لا تجعلوها لكم كالقبور لا تصلون فيها لأَن العبد إِذا مات وصار في قبره لم يُصَلّ ويشهد له قوله فيه اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً وقيل معناه لا تجعلوها كالمقابر لا تجوز الصلاة فيها قال والأَول الوجه وقَبَره يَقْبِره ويَقْبُره دفنه وأَقْبره جعل له قبراً وأَقْبَرَ إِذا أَمر إِنساناً بحفر قبر قال أَبو عبيدة قالت بنو تميم للحجاج وكان قتل صالح بن عبد الرحمن أَقْبِرْنا صالحاً أَي ائذن لنا في أَن نَقْبره فقال لهم دونكموه الفراء في قوله تعالى ثم أَماته فأَقبره أَي جعله مقبوراً ممن يُقْبَرُ ولم يجعله ممن يُلْقَى للطير والسباع ولا ممن يُلْقَى في النواويس كان القبر مما أُكرم به المسلم وفي الصحاح مما أُكرم به بنو آدم ولم يقل فقَبَره لأَن القابر هو الدافن بيده والمُقْبِرُ هو الله لأَنه صيره ذا قَبْر وليس فعله كفعل الآدمي والإِقْبار أَن يُهَيِّءَ له قبراً أَو يُنْزِلَهُ مَنْزِله وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما أَن الدجال وُلِدَ مقبوراً قال أَبو العباس معنى قوله ولد قبوراً أَن أُمه وضعته وعليه جلدة مُصْمَتة ليس فيها شق ولا نَقْبٌ فقالت قابلته هذه سِلْعة وليس ولداً فقالت أُمه بل فيها ولد وهو مقبور فيها فشقوا عنه فاستهلَّ وأَقْبره جعل له قبراً يُوارَى فيه ويدفن فيه وأَقبرته أَمرت بأَن يُقْبَر وأَقْبَر القومَ قتيلَهم أَعطاهم إِياه يَقْبُرونه وأَرض قَبُور غامضة ونخلة قَبُور سريعة الحمل وقيل هي التي يكون حملها في سَعَفها ومثلها كبَوس والقِبْرُ موضع مُتأَكِّل في عُود الطيب والقِبِرَّى العظيم الأَنف وقيل هو الأَنف نفسه يقال جاء فلان رامِعاً قِبرّاه ورامِعاً أَنفه إِذا جاء مُغْضَباً ومثله جاء نافخاً قِبِرَّاه ووارماً خَوْرَمَتُه وأَنشد لما أَتانا رامِعاً قِبِرَّاه لا يَعْرِفُ الحقَّ وليس يَهْواه ابن الأَعرابي القُبَيْرَةُ تصغير القِبِرَّاة وهي رأْس القَنْفاء قال والقِبِرَّاة أَيضاً طَرَفُ الأَنف تصغيره قُبَيرة والقُبَرُ عنب أَبيض فيه طُولٌ وعناقيده متوسطة ويُزَبَّب والقُبَّرُ والقُبَّرة والقُنْبَرُ والقُنْبَرة والقُنْبَراء طائر يشبه الحُمَّرة الجوهري القُبَّرة واحدة القُبَّر وهو ضرب من الطير قال طَرَفَة وكان يصطاد هذا الطير في صباه يا لكِ من قُبَّرةٍ بمَعْمَرِ خَلا لكِ الجَوُّ فبيضِي واصْفِرِي ونَقِّرِي ما شِئْتِ أَن تُنَقِّرِي قد ذهبَ الصَّيَّادُ عنكِ فابْشِرِي لا بُدَّ من أَخذِكِ يوماً فاصْبرِي قال ابن بري يا لكِ من قُبَّرَةٍ بمعمر لكُلَيْبِ بن ربيعة التغلبي وليس لطَرَفَة كما ذكر وذلك أَن كليب بن ربيعة خرج يوماً في حِماه فإِذا هو بقُبَّرَة على بيضها والأَكثر في الرواية بحُمَّرَةٍ على بيضها فلما نظرت إِليه صَرْصَرَتْ وخَفَقَتْ بجناحيها فقال لها أَمِنَ رَوْعُك أَنت وبيضك في ذمتي ثم دخلت ناقة البَسُوس إِلى الحِمَى فكسرت البيض فرماها كليب في ضَرْعها والبَسُوس امرأَة وهي خالة جَسَّاس بن مُرَّة الشيباني فوثب جسَّاس على كُلَيْب فقتله فهاجت حرب بكر وتَغْلِب ابني وائل بسببها أَربعين سنة والقُنْبَراءُ لغة فيها والجمع القَنَابر مثل العُنْصَلاءِ والعَناصل قال والعامة تقول القُنْبُرَةُ وقد جاء ذلك في الرجز أَنشد أَبو عبيدة جاء الشِّتاءُ واجْثأَلَّ القُنْبُرُ وجَعَلَتْ عينُ الحَرَورِ تَسْكُرُ أَي يسكن حرها وتخْبو والقُبَّارُ قوم يتجمعون لجَرِّ ما في الشِّبَاكِ من الصيد عُمانية قال العجاج كأَنَّما تَجَمَّعُوا قُبَّارَا "
اما ابن فارس فب معحم المقاييس اللغة:"قبر) القاف والباء والراء أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على غموضٍ في شيء وتطامُن. من ذلك القَبْر: قَبْر الميِّت. يقال قَبَرْتُه أقْبُرُه. قال الأعشى:
لو أسندَتْ ميتاً إلى نَحْرِِها *** عاشَ ولم يُنقَلْ إلى قَابِرِ(1)
فإن جعلتَ له مكاناً يُقْبَرُ فيه قلتَ: أقْبَرْتُهُ، قال الله تعالى: {ثُمَّ أمَاتَهُ فأَقْبَرَهُ} [عبس 21]. قلنا: ولولا أنَّ العلماءَ تجوَّزُوا في هذا لمَا رأينا أنْ يُجمَعَ بين قَوْلِ الله وبين الشِّعْرِ في كتابٍ، فكيف في وَرَقَةٍ أو صفحة. ولكنَّا اقتدَيْنَا بهم، والله تعالى يَغفر لنا، ويعفو عَنَّا وعنهم(2).
وقال ناسٌ من أهل التَّفسير في قوله تعالى: {ثُمَّ أمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس 21]. ألهمَ كيفيُدْفَن. قال ابنُ دُرَيد: أرض قَبُورٌ: غامضة. ونَخْلَةٌ قَبُور [وكَبُوسٌ(3)]: يكون حَمْلُها في سَعَفها. ومكانُ القبور مَقْبَرَة ومَقْبُرَة.
"
ابوالهيثم أمير المعسكري
06-01-2009, 02:42 PM
و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته
أخي أنظر في معجم مقايس اللغة 5/47 و لسان العرب 2/128 و الصحاح 1/288 و النهاية في الغريب الحديث 4/ 156.
و البحث منقول من مجلة البحوث الإسلامية العدد 80. للدكتور فهد بن عبد الله العمري :عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة و أصول الدين قسم الفقه-جامعة القصيم.
مشكور أخي على الفوائد و التدقيق في المصادر.
أبو الهيثم أمير المعسكري
الحاج الخديم البورقيقي
06-01-2009, 07:36 PM
بارك الله فيك
أبو عبدالرحمن عطية الأثري
06-01-2009, 09:03 PM
بارك الله فيك
ولإثراء الموضوع أقول وبالله التوفيق:
بقيت مسألة تحتاج إلى بسط وبيان وهي:
هل الصلاة في المقبرة-التي لاتجوز شرعا -صحيحة أم باطلة؟
ابوالهيثم أمير المعسكري
06-02-2009, 09:02 AM
وفيكم بارك الله جميعا
بقيت مسألة تحتاج إلى بسط وبيان وهي:
هل الصلاة في المقبرة-التي لاتجوز شرعا -صحيحة أم باطلة؟
إختلف الفقهاء-رحمهم الله - في ذلك على ثلاثة أقول :
القول الاول: أن الصلاة في المقبرة لا تصح بحال وقال بذلك الشافعية في المقبرة المنبوشة (المجموع 2/164) وهو رواية عن احمد وهي أشهر وأصح في المذهب و اختاره الأصحاب(المغني2/468 والانصاف1/489).
وعللو ذلك : بأن الصلاة عبادة و قد أتى بها المصلي على الوجه المنهي عنه فلم تصح كالصلاة الحائض و صومها لان النهي يقتضي فساد المنهي عنه(المغني2/477).
قال أحمد-رحمه الله-:(من صلى في المقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا) المحلى4/32
القول الثاني: أن الصلاة في المقبرة لا تصح إن علم بالنهي و إلا صحت.
وهو رواية عن أحمد(المغني 2/469 و الانصاف 1/489).
وعللو ذلك ;بأن المصلي إذا كان عالما بالنهي فهو عاص بفعله و المعصية لا تكون قربة و لا طاعة. و إن لم يكن علما بالتحريم فهو معذور بالجهل(المغني2/469).
القول الثالث: أن الصلاة في المقبرة صحيخة مع التحريم وهو رواية أحمد(الكافي1/110 و الانصاف1/489).
وعللو ذلك :بأن النهي الوارد على الفعل لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب(الكافي1/110).
الترجيح: للدكتور فهد بن عبد الله العمري.
إذا نظرنا ألى هذه الاقوال وما عللوا به أن القول الأول هو الراجح و هو أن الصلاة في المقبرة لا تصح بعال لما ذكروه من التعليل وهذا هو المختار عند المحققين من أهل العلم (اقتضاء الصراط المستقيم2/286 و الاختيارات الفقهيةص 44 القواعد لابن رجب ص11).....و الله أعلم
يتبع من قال بكراهية و إستدلو ببعض الاثار.
جمعها أبو الهيثم أمير المعسكري
ابوالهيثم أمير المعسكري
06-02-2009, 05:20 PM
السلام عليكم
من قال بكراهية: استدل اصحاب هذا القول ببعض الأثار و منها
1-ماروي عن نافع مولى ابن عمر قال : صلينا على عائشة و أم سلمة وسط البقيع و الإمام يوم صلينا على عائشة أبو هريرة وحضر ذلك ابن عمر.( الأوسط لابن المنذر 2/185 و الأوسط 2/185 )
2-فعل بعض الصحابة-رضي الله عنهم-قال الإمام مالك رحمه الله :(بلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم كانو يصلون في المقبرة) المدونة1/90.
3-ماروي أن وائلة بن الأسقع كان يصلي صلاة الفريضة في المقبرة غير انه لا يستتر بقبر.(الأوسط لابن المنذر 2/185).
والله أعلم.
أبو عبدالرحمن عطية الأثري
06-02-2009, 06:45 PM
وفيكم بارك الله جميعا
بقيت مسألة تحتاج إلى بسط وبيان وهي:
هل الصلاة في المقبرة-التي لاتجوز شرعا -صحيحة أم باطلة؟
إختلف الفقهاء-رحمهم الله - في ذلك على ثلاثة أقول :
القول الاول: أن الصلاة في المقبرة لا تصح بحال وقال بذلك الشافعية في المقبرة المنبوشة (المجموع 2/164) وهو رواية عن احمد وهي أشهر وأصح في المذهب و اختاره الأصحاب(المغني2/468 والانصاف1/489).
وعللو ذلك : بأن الصلاة عبادة و قد أتى بها المصلي على الوجه المنهي عنه فلم تصح كالصلاة الحائض و صومها لان النهي يقتضي فساد المنهي عنه(المغني2/477).
قال أحمد-رحمه الله-:(من صلى في المقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا) المحلى4/32
القول الثاني: أن الصلاة في المقبرة لا تصح إن علم بالنهي و إلا صحت.
وهو رواية عن أحمد(المغني 2/469 و الانصاف 1/489).
وعللو ذلك ;بأن المصلي إذا كان عالما بالنهي فهو عاص بفعله و المعصية لا تكون قربة و لا طاعة. و إن لم يكن علما بالتحريم فهو معذور بالجهل(المغني2/469).
القول الثالث: أن الصلاة في المقبرة صحيخة مع التحريم وهو رواية أحمد(الكافي1/110 و الانصاف1/489).
وعللو ذلك :بأن النهي الوارد على الفعل لمعنى في غير الصلاة أشبه المصلي وفي يده خاتم من ذهب(الكافي1/110).
الترجيح: للدكتور فهد بن عبد الله العمري.
إذا نظرنا ألى هذه الاقوال وما عللوا به أن القول الأول هو الراجح و هو أن الصلاة في المقبرة لا تصح بعال لما ذكروه من التعليل وهذا هو المختار عند المحققين من أهل العلم (اقتضاء الصراط المستقيم2/286 و الاختيارات الفقهيةص 44 القواعد لابن رجب ص11).....و الله أعلم
يتبع من قال بكراهية و إستدلو ببعض الاثار.
جمعها أبو الهيثم أمير المعسكري
الصواب مع الشيخ الألباني رحمه الله :فقد قال في أحد أشرطته بصحتها مستندا في ذلك إلى أدلة قوية لعل أحد إخواننا ينشط فينشرها لتعم الفائدة.
محب السلف
06-04-2009, 08:05 PM
بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله ةصلاة والسلام علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اما بعدلم يرد حديث صحيح في صلاه الجنازه في المقبره
ولو جاز الصلاه في المقبره ما سبق رسول الله احد اليها
هذا والله اعلم و حديث المرءة السوداء لايزيد علي الكيفة التي جاءت فيه وقد مات خلق كثير بين يدي رسول الله فلم نعلم انه كان يامر باخدهم المقبرة للصلاة عليهم وكدلك خلفة صحابته المقبرة فليست موضعا للصلاة فيها، ولا تجوز الصلاة فيها ولا إليها للأحاديث الناهية عن ذلك، منها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأرض كلّها مسجد إلاّ المقبرة والحمّام"(٣) وحديث أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن الصلاة بين القبور"(٤) ولحديث أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا إليها"(٥)، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إنّ الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة"(٦). ويتضمن هذا العموم صلاة الجنازة مع أنّه قد ورد التصريح بالنهي عن الصلاة فيها في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور"(٧) هذه الأحاديث يشمل عموم النهي فيها جنس الصلاة سواء كان فرضا، أداء كانت أو قضاء، أو نفلا، مطلقا كان أو مقيدا، كما تعمّ الصلاة على الميت سواء كانت على الجنازة أو في قبره، لكن لمّا ورد حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:" مات رجل-وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده- فدفنوه بالليل، فلمّا أصبح أعلموه، فقال:" ما منعكم أن تعلموني ؟" قالوا: كان الليل، وكانت الظلمة، فكرهنا أن نشق عليك، فأتى قبره، فصلى عليه، قال: فأمّنا،وصفّنا خلفه، وأنا فيهم، وكبّر أربعا"(٨)، ومثله عن المرأة السوداء التي كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد الثابت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه(٩)، فخصّ من عموم نهيه عن الصلاة في المقبرة صورة الصلاة عن الميّت في قبره بهذه الأدلة وبقي عموم النهي شاملا للصلاة على الجنازة وغيرها، أي بقاء النهي من حيث عمومه متناولا ما عدا صورة التخصيص، وبهذا الجمع التوفيقي بين الأدلة يزول الإشكال وترتفع الشبهة، ويعمل بكلّ دليل في موضعه، تحقيقا لقاعدة الإعمال أولى من الإهمال.
والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.
أبو عبد الرحمن السبداوي
06-04-2009, 09:21 PM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا على هذا البحث والنقل الطيّب .
وتوجد مسألة كثر الجدال حولها تتعلّق بالجنازة وهي :
حكم صلاة الفريضة بوجود الجنازة أو الجثة في قبلة المسجد وهل يوجد نص لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول فيه بعدم الجواز وأنّ الجثة وهي بارزة في المسجد تكون أشدّ حرمة من وجود القبر.
أرجو من الإخوة البحث في هذه المسألة وإثرائها بالأدلة وكلام العلماء
وبارك الله فيكم .
ابوالهيثم أمير المعسكري
06-16-2009, 06:09 PM
حكم صلاة الجنازة في المقبرة ؟
أما الصلاة على الجنازة في المقبرة فهو بيت القصيد من مبحثنا هذا وهي كباق المسائل التي اختلف فيها أهل العلم قديما وحديثا ونحن نريد أن نحرر المسألة ونذكر الراجح فيها بالأدلة لأنه كما قلت في المقدمة ظهر في هذه الآونة الأخيرة شباب ضاقت عليهم مسوغات الخلاف المتسعة وذلك لضيق عطنهم ، فأصبحوا ينكرون كل قول يخالف ما هم عليه حتى لو كان قولهم شاذا بل لم يكتفوا بذلك حتى رموا من خالفهم فيما اختلف فيه السلف بالبدعة والضلال ، وما علموا أن البدعة والضلال هي في التعصب والتزمت للرأي ولو كان مرجوحا أو باطلا ،ومن ذلك هذه المسألة التي نحن بصدد تحريرها ، فإننا رأينا كثيرا من شباب الصحوة من يترك الصلاة على الجنازة في المقبرة ، ويرمي من فعله بالبدعة ، وما علم أن فعله هو المُجانب للصواب ، وأن سنة المصطفى واضحة في هذا الباب كما سأبينه إن شاء الله ..وقد حان وقت بيانها لأولي الألباب ، فإليكها محررة الجواب ،بأدلة من السنة والكتاب ..
والصلاة على الجنازة في المقبرة مكروهة عند الحنفية ، والشافعية ، للنهي الوارد في الصلاة فيها وهو : <<نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن ، في المزبلة ،والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق ، وفي الحمام ، وفي معاطن الإبل ، وفوق بيت الله عز وجل >> ولقوله النبي صلى الله عليه وسلم :<<.. وجعلت لي الأرض كلها مسجدا إلا المقبرة والحمام >>
الحديث الأول رواه الترمذي وقال : إسناده ليس بالقوي ، والحديث الثاني رواه أحمد وابن حبان والترمذي وأبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد .
وحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :<< لا يصلى في سبع مواطن..>> قال ابن عبد البر : وهذا حديث انفرد به زيد بن جبيرة ، وأنكروه عليه ، ولا يعرف هذا الحديث مسندا إلا من رواية يحيي بن أيوب عن زيد بن جبيرة ، وقد كتب الليث بن سعد إلى عبد الله بن نافع مولى ابن عمر يسأله عن هذا الحديث ، فكتب إليه عبد الله بن نافع : لا أعلم من حدث بهذا عن نافع إلا قد قال عليه الباطل .فصح بهذا وشبهه أن الحديث منكر لا يجوز أن يحتج عند أهل العلم بمثله وانظر ما قاله ابن عبد البر حول هذا الحديث .موسوعة شروح الموطأ [ ج2 / 280].
وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال ابن عبد البر فيه : هذا حديث رواه ابن عيينة عن عمرو بن يحي عن أبيه مرسلا .فسقط الاحتجاج به عند من لا يرى المرسل حجة .ولو ثبت كان الوجه فيه ما ذكرنا .يعني أنه منسوخ .نفس المصدر السابق .
وسيأتي مزيد بيان لهذه الأحاديث الناهية عن الصلاة مطلقا في المقبرة في آخر البحث وأقوال العلماء في ذلك.
وقد أجاز جمهور الشافعية والحنابلة الصلاة على الجنازة في المقبرة لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :<< وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا >> وهو في الصحيحين .
الصفحة [2]
قلت :وهو رواية عن المالكية ذكرها ابن رشدفي بداية المجتهد ونهاية المقتصد، وابن عبد البر في التمهيد وأما جمهورهم فلا يرى جواز الصلاة على القبر إلا إذا دفن ولم يصلى عليه وينسب ذلك إلى مالك . قال ابن العربي في القبس [موسوعة شروح الموطأ ج7/ص482]وأما الصلاة على القبر فليست بمشروعة عند مالك وهو الصحيح من قول سائر العلماء ، وصلاة النبي على القبر إنما كانت لأنه دفن بغير صلاة إذ قال لهم :<< آذنوني >> فلم يفعلوا ، فوقعت الصلاة غير مجزئة فوجب إعادة الصلاة ، ولكن قال مالك إنما يصلى على القبر إذا كان حديثا ، والصحيح أنه إذا دفن بغير صلاة صلي عليه أبدا .
قلت : وقول ابن العربي : وهو الصحيح من قول سائر العلماء ، غير صحيح ، بل خلافه هو الصحيح كما سأبينه- إن شاء الله -
وقوله أيضا:وصلاة النبي على القبر إنما كانت لأنه دفن بغير صلاة [أي منه ] إذ قال لهم :<<آذنوني >> فلم يفعلوا ،فوقعت الصلاة ،[أي منهم ]غير مجزئة فوجب إعادة الصلاة .
هذا تعليل عاطل ورأي باطل ، ولم يقل أحد من العلماء أن صلا ة الصحابة على الجنائز مع وجود النبي صلى الله عليه وسلم غير مجزئة ، فلقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مأموما في الفريضة خلف بعض الصحابة فكيف يقال أن صلاة الجنازة وهي فرض كفائي غير مجزئة من الصحابة ، وهو الذي قال لهم في غير ما حديث صلوا على صاحبكم ، فلو كانت غير مجزئة لما قال لهم ذلك ، وغنما يقال : إن صلاته على من صُلي عليهم زيادة نور ورحمة لهم ..
الصفحة [3]
قال ابن عبد البر رحمه الله في كتابه التمهيد [موسوعة شروح الموطأ ج7/ص506 وما بعدها ]وهو يشرح حديث الذي كانت تقم المسجد وماتت ودفنت ولم يأذن الصحابة النبي بها ، فخرج إلى المقبرة ودل على قبرها وصف الصحابة وراءه فصلى عليها على قبرها .. قال : وفيه الصلاة على القبر لمن لم يصل على الجنازة ، وهذا عند كل من أجازه ورآه إنما بحدثان [يعني قريب عهد بدفنه ] على ما جاءت به الآثار المسندة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن الصحابة أيضا رحمهم الله مثل ذلك ,وفيه الصف على الجنازة ، وفيه أن سنة الصلاة على القبر كسنة الصلاة على الجنازة سواء في الصف عليها والدعاء والتكبير . انتهى كلامه وهو يدل على دقة فقهه .
قلت: وقول ابن عبد البر :وفيه أن الصلاة على القبر هي صلاة على الجنازة ، ولا فرق بين وجوده فوق الأرض أمامهم في المقبرة وبين تحت الأرض .كما قال ابن القيم وسيأتي إن شاء الله كلامه .ولا فرق بين أن يصف النبي صلى الله عليه وسلم بهم في المقبرة ، وبين أن يصف بهم في المصلى ، ومن كان عنده دليل على الفرق فليأتي به .
وليعلم أنه تكرر فعل هذا من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرات ، وهذه عبادة ،وتعتبر تشريعا ، فقد ذكر ابن عبد البر في التمهيد موسوعة شروح الموطأ [ج7506-520] ، وابن رشد في بداية المجتهد ونهاية المقتصد[ج1/ص252]وابن القيم في زاد المعاد [ج1/512] عن الإمام أحمد أنه قال : لقد ثبتت صلاة الجنازة على القبر من ستة وجوه حسان .وأنظر أيضا تهذيب السنن لابن القيم [ج4/331-332].
قال ابن عبد البر :وقال أحمد بن حنبل : رويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان كلها،ثم سردها بأسانيدها ثم قال: بل ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من تسعة وجوه كلها حسان فزاد ثلاثة وجوه على ما ذكره الإمام أحمد ..[ج7/ص507 موسوعة شروح الموطأ ].
وفي الصفحة [509] من نفس الجزء قال: وأما الستة وجوه التي ذكر أحمد بن حنبل أنه روي منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر ؛ فهي والله أعلم ؛ حديث سهل بن حنيف ، وحديث سعد بن عبادة ، وحديث أبي هريرة ، روى من طرق ، وحديث عامر بين ربيعة ، وحديث أنس ، وحديث ابن عباس .ثم سردها بأسانيدها إليهم ونحن نذكرها مختصرة الأسانيد .
عن أبي أمامة سهل بن حنيف عن أبيه قال : كان رسول الله يعود فقراء أهل المدينة ، ويشهد جنائزهم إذا ماتوا .قال : فتوفيت امرأة من أهل العوالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< إذا قضت فآذنوني >> .قال : فأتوه ليؤذنوه فوجدوه نائما وقد ذهب الليل ، فكرهوا أن يوقظوه ، وتخوفوا عليه ظلمة الليل وهوّام الأرض .قال : فدفنّاها ، فلما أصبح سأل عنها ، فقالوا : يارسول الله أتيناك لنؤذنك بها فوجدناك نائما ، فكرهنا أن نوقظك ، وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوام الأرض. قال : فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعا .
وأما حديث سعد ابن عبادة أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وكان غائبا فقال : إن أم سعد توفيت فصلّ عليها يارسول الله . فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليها ، وقد دفنت قبل ذلك بشهر .
وأما حديث أبي هريرة فهو: أن امرأة وفي رواية : أن رجلا أسود ,كان أو كانت تقم المسجد فماتت فدفنت ليلا ، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال :<< فهلا أعلمتموني ؟>> فقالوا : ماتت ليلا . فقام رسول الله حتى أتى المقبرة ، فصلى على قبرها.
الصفحة [4]
وأما حديث عامر بن ربيعة عن أبيه قال : مر رسول الله بقبر حديث ، فقال : << ما هذا القبر ؟>> قالوا : قبر فلانة .قال:<< فهلا آذنتموني ؟ >>.. وفيه فصف وصف الناس خلفه وصلى عليها] .
أما حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر على قبر منبوذ فكبر عليه. وفي رواية أنه مر على قبر حديث عهد بدفن،فسأل عنه ، فقالوا : مات ليلا ، فكرهنا أن نوقظك فنشق عليك .فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفنا خلفه فصلينا عليه.
أما حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن.وهذه الأحاديث كلها إما صحيحة خرجها صاحبا الصحيحين ، وإما أحدهما ، وأما حسنة كما قال أحمد بن حنبل، وقد زاد عليها ابن عبد البر ثلاثة من وجوه حسان كما قال : وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر من ثلاثة أوجه سوى هذه الستة المذكورة . وكلها حسان ؛ منها حديث لزيد ابن ثابت الأنصاري ، والحصين بن وحوح ، وأبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري .ثم ساقها بأسانيده .وها نحن نذكرها مجردة الأسانيد.
قال رحمه :أما حديث زيد بن ثابت فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد ، فسأل عنه ، فقيل : فلانة ، فعرفها ، فقال :<< أفلا آذنتموني ؟>> .قالوا : يارسول الله ، كنت قائلا نائما فكرهنا أن نؤذيك .فقال :<< لا تفعلوا لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلاّ آذنتموني به ؛ فإن صلاتي عليه له رحمة >> .قال: ثم أتى القبر فصفنّا خلفه فكبر أربعا.أخرجه أحمد [ح19452]وابن ماجه [1528].
وأما حديث الحصين بن وحوح فقال : أن طلحة بن البراء مرض ،فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده في الشتاء في برد وغيم ، فلما انصرف قال لأهله :<< إني ما أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت ، فآذنوني به حتى أشهده وأصلي عليه .وعجلوا به ؛فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله >>.
فلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بني سالم حتى توفي ، وجن عليه الليل فكان مما قال طلحة :ادفنوني وألحقوني بربي ، ولا تدعوا رسول الله فأني أخاف عليه اليهود أن يصاب بشيء .فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح ، فجاء حتى وقف على قبره في قِطارةٍ بالعُصبة فصف وصف الناس معه ، ثم رفع يديه وقال :<< اللهم ألق طلحة تضحك إليه ويضحك إليك >> أخرجه أبو داود [ح3159] وأبن أبي عاصم في السنة [ح558] والطبراني [3554]. وقوله : قِطارة :من تقاطر القوم جاءوا أرسالاً . وقوله :بالعُصبة : أي موضع بالمدينة عند قباء .
الصفحة [5]
وأما حديث أبي أمامة بن ثعلبة الحارثي فقال: رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر ، وقد توفيت – يعني أم أبي أمامة – فصلى عليها .أخرجه ابن أبي عاصم [ح2001]والطبراني [792]وابن الأثير في أسد الغابة [ج617] أنظر موسوعة شروح الموطأ [ج 7 /516- 518].
وبعدها ذكر- رحمه الله- فعل الصحابة في ذلك وأن عملهم على ذلك ، فذكر فعل عائشة أنها أتت المقبرة فصلت على قبر أخيها ، وكذلك فعل ابن عمر مع أخيه عاصم لما توفي ولم يحضره وعلي ابن أبي طالب، وعبد الله ابن مسعود ،وقرظة بن كعب ،وأبي موسى الأشعري، وأنس بن مالك ،وسلمان بن ربيعة ،وهشام بن عروة، وغيرهم من التابعين ..ومن أراد أن يطلع عليها جميعها فعليه بكتاب التمهيد ضمن موسوعة شروح الموطأ [ج7/ص509-إلى 529].
خلاصة البحث عند ابن عبد البر :
وبعده ذكره لتلك الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين ذكر خلاصة البحث ، فقال :قال أبو عمر : من صلى على قبر ، أو على جنازة قد صلي عليها ، فمباح له لك ، لأنه فعل خيرا لم يحظره الله ولا رسوله ، ولا اتفق الجميع على المنع منه ، وقد قال الله تعالى :{{ وافعلوا الخير }}[الحج :77] وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قبر ، ولم يأت عنه نسخه فمن فعل فغير حرج ولا معنف عليه ، بل هو في حلٍ وسعةٍ وأجرٍ جزيل إن شاء الله .
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين [ج2/386-388]يرد على من أنكر سنة الصلاة على القبر ، قال : رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة على القبر كما في الصحيحين من حديث ابن عباس : أن النبي صلى على قبر منبوذ فصفهم وتقدم فكبر عليه أربعا .وفيهما من حديث أبي هريرة : أنه صلى على قبر امرأة سوداء كانت تقم المسجد ، وفي صحيح مسلم من حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعدما دفنت وفي سنن البيهقي والدارقطني عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد
شهر ، وفيهما عنه : أن النبي صلى على ميت بعد ثلاث ، وفي جامع الترمذي : أن النبي صلى على أم سعد بعد شهر .
الصفحة [6]
فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله : << لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها >> وهذا حديث صحيح ، والذي قاله هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي صلى على القبر مرارا ، وتكرارا ، فهذا قوله وهذا فعله ، ولا يناقض أحدهما الآخر ، فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر ، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان ، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه ، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه ، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين ، ولا فرق بين كونه على النعش وعلى الأرض أمام المصلين ، وبين كونه في بطنها وهم وقوف يصلون عليه ، بخلاف سائر الصلوات من المكتوبات وغيرها ؛ فإنها لم
تشرع في القبور ولا إليها ؛ لأنها ذريعة إلى اتخاذها مساجد ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك ، فأين من لعن فاعله وحذر منه ، وأخبر أن أهله شرار الخلق ، كما قال : إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد إلى ما فعله مرارا متكررا وبالله التوفيق . قلت : وقد قال بعضهم أن صلاته على القبر مرارا خاصة به لقوله صلى الله عليه وسلم :<< إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن صلاتي عليها نور >> رواه البخاري [ح458-460-1337]ومسلم [ح956] من حديث أبي هريرة ، وهذا غير صحيح لأنه لو كانت خاصة به لما أذن للصحابة أن يصفوا وراءه كما في حديث ربيعة ابن أبي عامر عن أبيه عند أحمد [ح15673]وابن ماجة 1529]وابن أبي شيبة [ج3/361-362]وكما في حديث الحصين بن وحوح عند أبي داود : وفيه : << فصف وصف الناس معه >>وكما في حديث ابن عباس عند البخاري [ح1247-1321]ومسلم [954] وأحمد[1962]وغيرهم وفيه :<< وصفّنا خلفه ، فصلى بنا >> وهذا فيه زيادة توضيح أنه هو الذي صفهم خلفه ثم صلى بهم ،حتى لا يقال ربما صفوا خلفه بعدما كبر .
ويؤكد جواز صلاة الجنازة في المقابر عمل الصحابة ؛ وأن العلة التي من أجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة أو إلى القبر منتفية في صلاة الجنازة ، لأن هذه الصلاة لا ركوع فيها ولا سجود حتى يتوهم أنها صلاة لصاحب القبر ، وأنها ذريعة إلى الشرك أو اتخاذها مساجد ، وإذا كانت العلة منتفية فالحكم بالمنع وعدم الجواز ينتفي .
الصفحة [7]
الخلاصة:
والخلاصة أنه لا فرق بين الصلاة على الجنازة في المصلى أو في المسجد أو في المقبرة على القبر أو خارجه ،وكل ذلك جائز ولا حرج على فاعله، وهذا هو الذي علية الأدلة من السنة وعمل الصحابة والتابعين ، ولكن فعلها في المصلى القريب من المقبرة هو السنة؛ وهو الأفضل؛ وخاصة إذا كان المصلى بجنب المقبرة أو بداخلها مكانا معدا للصلاة على الجنائز فذلك هو الأيسر والأقرب إلى الصواب .فإن لم يتيسر ففي المسجد ، فإن تعذر ففي المقبرة .أما من دفن ولم يصلى عليه فهذا لا أعلم فيه خلافا في جواز الصلاة عليه على قبره ، والخلاف فيمن صلي عليه ؛ ولم يدرك الصلاة عليه ولي الأمر؛ أو بعض أقاربه؛ أو أصدقائه فهل لهم أن يصلوا عليه أم لا ؟ والصحيح جواز ذلك . والله أعلم .
حكم الصلاة عموما سواء كانت فريضة أو نافلة في المقبرة :
أما الصلوات غير صلاة الجنائز فلا يجوز أداؤها في المقابر ولا في غيرها من الأماكن التي ورد فيها النهي ، ولا شك في أن أحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة ،أو إلى القبور ثابت بل ورد لعن من اتخذها مساجد يُصلى فيها الفرض ؛والتطوع ؛والصلوات ذات الحاجات وحتى لا تتضارب الأدلة ننزل كل مجموعة من الأحاديث منزلتها اللائق به ، فأحاديث الصلاة على القبر تدل على جواز صلاة الجنازة داخل المقبرة، وأحاديث النهي عن الصلاة في المقبرة تدل على منع صلاة معينة ، وهي كل صلاة غير صلاة الجنازة جمعا بين الأدلة .
كتبه الأخ أبي بكر يوسف لعويسي .
منقول من منتديات البيضاء
http://www.albaidha.net/vb/showthread.php?t=16713
أبو عبد الرحمن ربيع
09-08-2009, 11:56 PM
كلام الشيخ الألباني رحمه الله في مسألة الصلاة في المقبرة
1 ما حكم صلاة الجنازة داخل المقبرة في مكان مخصص لذلك ليس قبراً بل هي بقعة خالية من الموتى.؟
http://www.alalbany.name/audio/231/231_04.rm (http://www.alalbany.name/audio/231/231_04.rm)
2 ما حكم صلاة الجنائز في المقبرة ؟
http://www.alalbany.name/audio/232/232_13.rm (http://www.alalbany.name/audio/232/232_13.rm)
3 ما صحة حديث ( من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له .. ) .؟ وما الدليل على أفضلية الصلاة على الجنازة في المصلى .؟
http://www.alalbany.name/audio/028/028_04.rm (http://www.alalbany.name/audio/028/028_04.rm)
4 ما حكم الصلاة في مسجد قد تم بناؤه على المقابر ؟ وما الجواب عمن يقول : قد تكون بعض المساجد تحتها قبور قديمة وتصلون عليها .؟
http://www.alalbany.name/audio/029/029_05.rm (http://www.alalbany.name/audio/029/029_05.rm)
ابوالهيثم أمير المعسكري
05-01-2010, 04:03 PM
بارك الله فيك و في المسالة خلاف كثير و للشيخ عبد الحميد قول اخر إن شاء الله سوف ينشر في المنتدى ...بحث علمي طويل و مفيد في الفقه المقارن...
نجيب خزناجي
07-26-2010, 07:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم.
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]] [آل عمران102].
[[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً]] [النساء:1].
[[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً]
[الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
مسألة صلاة الجنازة في المقبرة]
المبحث الأول: في بيان كلام ابن عبد البر من التمهيد مع شيء من التعليق على كلام صاحب الإتحاف:
قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه. (رواه مسلم), وهذا يخالف قول الكاتب: [وأنا أريد أن أحرر المسألة، وأذكر الراجح فيهابالأدلة لأنه كما قلت في المقدمة ظهر في هذه الآونة الأخيرة شباب ضاقتعليهم مسوغات الخلاف المتسعة وذلك لضيق عطنهم، فأصبحوا ينكرون كل قوليخالف ما هم عليه حتى لو كان قولهم شاذا بل لم يكتفوا بذلك حتى رموا منخالفهم فيما اختلف فيه السلف بالبدعة والضلال...وما علم أن فعله هو المُجانبللصواب، وأن سنة المصطفىواضحة في هذا الباب كما سأبينه إن شاء الله], والصواب الذي لا مرية فيه, أن المسألة المطروحة مسألة خلاف تعارضت ظواهر الأدلة فيها, فتحتاج إلى بعد نظر وبسط وجمع أثر يقول يحيى بن معين: "لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجها ما عقلناه". ويقول الإمام أحمد:"الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضاً". وقال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه، لم يتبين خطؤه".
عليه فقد آثرت ذكر كلام ابن عبد البر كاملا مع الوقوف عند ما يحتاج إلى بيان وتوضيح, مع ما يعتري ويحيط بالعبد من ضعف وزلل ونسيان وسوء بيان. والله الموفق.
قال ابن عبد البر في التمهيد (6/259) عند شرحه لحديث أبي أمامة بن سهل عن أبيه:"... واختلف الفقهاء فيمن فاتته الصلاة على الجنازة فجاء وقد سلم من الصلاة عليها وقد دفنت فقال مالك وأبو حنيفة لا تعاد الصلاة على الجنازة ومن لم يدرك الصلاة مع الناس عليها لم يصل عليها, ولا يصل على القبر وهو قول الثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث بن سعد وقال ابن القاسم قلت لمالك: فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر امرأة, قال: قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل".
قلت: إن إبطال عمل أهل المدينة أو إجماع أهل المدينة عند الجمهور خلافا لمالك ليس بإطلاق, بل يجب الوقوف عنده والتريث في رده, ذلك لأن الاختلاف فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية لم يقع كثيرًا إلا في المسائل الاجتهادية كاختلاف اجتهاد بعض الخلفاء، واختلاف الخلفاء الراشدين الذي هو من قبيل السنة لقوله عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عيها بالنواجذ", ثم إن مالكًا رحمه الله لا يَعتمد العمل به إذا كان مخالفًا للمروي الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يقول: كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر –يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وهو القائل أيضا: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا ما في رأيي فما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة من ذلك فاتركوه.
إلا أن الإمام -رحمه الله- يرى أن عمل أهل المدينة في مسألة اختلفت أو تضاربت الأدلة في شأنها؛ يُرجّح الخلاف ويوجب اختيار القول بعملهم على غيره من المذاهب، على أن الإمام كان إمامًا في الحديث عارفا بأسباب التجريح والترجيح, وما كان من البدع المستحدثة مما هو من السنة المتبعة، وقد شهد على صلاحه ومعرفته وعلمه بالسنة جمٌّ غفير وأناس كثير, وهو من أشد الناس عملا بالسنة ورفضًا للبدعة، أما ما ورد من الأحاديث المروية في الموطأ وغيره مما لم يأخذ بها الإمام مالك فلم يكن ذلك عن هوى وإنما كان عن معرفة وعلم ولا يكون إلا عن مستند صحيح ظهر له فهو الخبير بالصحيح من الحديث والسقيم، وهو حجة في هذا الباب وعالم أهل الحجاز ولم يبلغ أحد في زمانه مرتبته في العلم بالحديث والسنة والرجال، فكان من أشد الناس انتقادا لهم فلا يُبلّغ من الحديث إلا ما كان صحيحًا ولا ينقل إلا عن ثقة, وقد روى مائة ألف حديث جمع منه في موطئه عشرة آلاف ثم لم يزل يعرضها على الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى وصلت إلى خمسمائة, وفي المدارك للقاضي عياض من الأدلة على ذلك ما يشفي الغليل, وكان يقول رحمه الله: ما رواه الناس مثل ما روينا فنحن وهم سواء ما خالفناهم فيه فنحن أعلم به منهم.
يقول ابن عبد البر في الجامع: ليس لأحد من علماء الأمة أن يثبت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يرده دون ادعاء نسخ عليه يباشر مثله أو إجماع أو بعمل يجب على أصله الانقياد إليه أو طعن في سنده ولو فعل ذلك لسقطت عدالته فضلا عن أن يتخذ إمامًا ولزمه إثم الفسق ، قال هذا في الرد على الليث بن سعد فيما ادعاه من أن مالكًا خالف السنة في سبعين مسألة قال فيها برأيه، فنحن نرى الحافظ ابن عبد البر يستبعد صدور المخالفة من مالك للحديث الذي يرويه ثم يعمل بخلافه دون أن يكون له سند يعتمد عليه ويعول عليه من نسخ أو ترجيح.
على أن الإمام مالك لم يقل أصلًا بأن عمل أهل المدينة هو الإجماع الذي يعد المصدر الثالث من مصادر التشريع إذ تعابيره في الموطأ لا تخرج عن قوله: (هذا الأمر الذي أدركت عليه الناس وأهل العلم ببلدنا، أو الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، أو الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، أو ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس أو السنة عندنا، أو ليس على هذا العمل عندنا، أو الأمر الذي سمعت من أهل العلم، أو السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أو السنة التي عندنا والتي لا شك فيها، أو قوله وليس العمل على هذا) هذه هي الصيغ التي استعملها مالك في موطئه قاصدًا بها عمل أهل المدينة.
فما ذكره مالك في عمل أهل المدينة هو بمثابة العرف الذي يوجد في أي مكان، ولذلك قال ابن خلدون في مقدمته (ص445): ولو ذكرت المسألة (يعني عمل أهل المدينة) في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع الأدلة المختلف فيها مثل قول الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان أليق.
فهذا العمل الذي عليه أهل المدينة يرفع الخلاف ويرجح ما هم عليه على غيرهم من المذاهب على أن مالكًا هو أكثر الناس تحرجا من البدع والشبهات وتمسكًا بما عليه الصحابة والتابعون، وإنما يرجح عمل أهل المدينة على غيرهم لأن أهلها أقرب إلى صفاء التشريع ونقاوته، وهم أبعد الناس عن أن يكونوا على ضلالة من أمرهم وهم أقرب الناس عهدا بالرسول وأصحابه وأتباعهم ، وهذا شبيه بما كان عليه أبو يوسف صاحب أبي حنيفة حين كان يقدم العرف على الحديث ويقول: "إن الحديث ليس إلا تأكيدًا أو إقرارًا للعرف الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنه لو وجد عليه الصلاة والسلام هذا العرف قد تغير تغيرًا موافقًا لأصل الدين لأقره، ومثل هذا فعل الشافعي، فقد أخذ بكثير من عمل أهل مكة وكذلك ينقل عن أبي حنيفة في حكمه بعمل أهل العراق، نقل ذلك الشيخ الحجوي (كتاب الفكر السامي ص 2/167), وإذا كان هؤلاء الأئمة اعتبروا عرف هذه البلدان فعمل أهل المدينة أولى بالاعتبار، ثم إن العمل الذي كان بالمدينة شائعا على عهد مالك رحمه الله, منه ما كان معمولا به على الدوام وهو الذي قال فيه ابن رشد في مقدماته (ص 2/565): وما استمر عليه العمل بالمدينة واتصل به فهو عنده -أي مالك- مقدم على أخبار الآحاد العدول، لأن المدينة دار النبي صلى الله عليه وسلم وبها توفي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المتوافرون فيستحيل أن يتصل العمل منهم في شيء على خلاف ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد علموا النسخ فيه.
ثم قال ابن عبد البر"وذكر عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قدم بعدما توفي عاصم أخوه, فسأل عنه فقال أين قبر أخي؟ فدلوه عليه فأتاه فدعا له. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ.
قال (أي عبد الرزاق): وأخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر إذا انتهى إلى جنازة قد صُلي عليها, دعا وانصرف ولم يعد الصلاة.
وذكر (أي عبد الرزاق) عن الثوري عن مغيرة عن إبراهيم قال: لا تعاد على ميت صلاة.
قال (أي عبد الرزاق) قال معمر: كان الحسن إذا فاتته صلاة على جنازة لم يصل عليها, وكان قتادة يصلي عليها بعد إذا فاتته".
قلت: وسند الأثرين صحيح عن ابن عمر (انظر المصنف رقم 6546 و6545 والأوسط 3038), وأما أثر إبراهيم النخعي فسنده ضعيف لتدليس المغيرة بن مقسم (انظر المصنف رقم 6544) وهو عند ابن أبي شيبة (رقم 37537) من طريق شعبة عن المغيرة به بلفظ: كانوا يكرهون أن يصلوا بين القبور, وكذا أثر الحسن البصري للانقطاع بينه وبين معمر (انظر المصنف رقم 6547), وقد جاء مرسلا صحيحا عنه بلفظ: نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّلاَةِ بَيْنَ الْقُبُورِ. من طريق حفص بن غياث عن أشعث الحدّاني عن الحسن به, (انظر ابن أبي شيبة رقم 37531), ثم رأيت يحي بن سعيد القطان ينكر على من ادعى أن الحسن كان يصلي بين القبور (انظر تهذيب الكمال عند ترجمة: سهل بن أبي الصلت), قال عمرو بن علي عن يحي بن سعيد القطان: روى (أي سهل بن أبي الصلت) شيئا منكرا أنه رأى الحسن يصلي بين سطور القبور. وحدثنا الأشعث عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور –كأنه يثبته-.
وأما أثر معمر عن قتادة فصحيح الإسناد عنه (انظر المصنف رقم 6547).
وأختم هذه الفقرة بأصح وأصرح ما ورد عن أنس رضي الله عنه: أنه كره أن يصلي على الجنازة في المقبرة. (انظر ابن أبي شيبة رقم 37536 و7669 وابن المنذر 3053) من طريق عاصم الأحول عن ابن سيرين عن أنس به, ولا يخفى القارئ أن إطلاق الكراهة عند السلف هي بمعنى التحريم. والله أعلم.
ثم باشر الإمام ابن عبد البر ذكر مذهب المجيزين مع ذكر أدلتهم فقال: "وقال الشافعي وأصحابه من فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر إن شاء الله وهو رأى عبد الله بن وهب ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وهو قول أحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي وسائر أصحاب الحديث قال أحمد ابن حنبل رويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من ستة وجوه حسان كلها".
قلت: تنبيه:
· الملاحظ أن الخلاف المذكور والمنقول خاص بمن فاتته صلاة الجنازة فرُخّص له حينئذ أن يصلي عند القبر أو عند سرير الميت استثناء من الأصل الناهي عن اجتماع مسجد ومقبرة في محل واحد, لا بمن يقصد المقبرة لصلاة الجنازة, فهل كانت تحمل الجنائز إلى المقابر للصلاة عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين أو أتباعهم؟ فما بين المسألتين إذن كما بين المشرق والمغرب, فالمسألة الأولى قد دلت النصوص على مشروعيتها, ثم هي شبيهة بمسألة قضاء ما لم يدرك من الصلوات مع الجماعة, فقد كان بعض السلف –مثلا- إذا فاتتهم الصلاة جماعة في المسجد صلوا فرادى, مع أن النصوص الكثيرة جاءت للدلالة على وجوب الاجتماع للصلاة, فكان هذا عذرهم في عدم تكرار الجماعة في المسجد أو غيره –مع الخلاف-, أما المسألة الثانية فلا دليل عليها لا من الكتاب ولا من السنة ولا من عمل السلف, فكان يلزمنا ابتداء مناقشة المسألة من هذا المنطلق. والله أعلم.
· نلاحظ أن صاحب الإتحاف لم يظهر له معنى (الوجه) في قول أئمة الحديث: (من ستة وجوه حسان) التي تعني عندهم عدّ مخارج المتن الواحد, فحديث: من كذب علي متعمدا...يروى من وجوه قد تفوق العشرة بالنظر إلى رواته من الصحابة والمتن واحد, وأما كاتب الإتحاف فظنها مرات عديدة حتى قال: [وليعلم أنه تكرر فعل هذا منالنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبع مرات، وليس كما يقوله البعض أنه صلىالله عليه وسلم فعلها مرة واحدة، وهذه عبادة ،وتعتبر تشريعا], لهذا السبب وغيره اختلف اجتهاد العلماء في عدّ أحاديث الصحيحين وغيرهما, راجع غير مأمور كتب المصطلح للوقوف على اصطلاحات أهله.
قال ابن عبد البر: "وفي كتاب عبد الرزاق عن ابن مسعود ومحمد بن قرظة أن أحدهما صلى على جنازة بعدما دفنت, وصلى الآخر عليها بعدما صلى الآخر عليها.
قلت: أثر قرظة بن كعب ضعيف لضعف أشعث بن سوار, وهو عن ابن أبي شيبة (رقم 12059) قال حدَّثَنَا هُشَيْمٌ بن بشير، أَخبَرَنَا أَشْعَثُ بن سوار عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ : جَاءَ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فِي رَهْطِ مَعَهُ ، وَقَدْ صلَّى عَلِيٌ على ابْنِ حُنَيْفٍ وَدُفِنَ , فَأَمَرَهُ عَلِيٌّ أَنْ يُصَلِّيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْقَبْرِ, فَفَعَلَ.
ولا يفرح بما عند عبد الرزاق (رقم 6543) عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن حنش بن المعتمر الكناني قال جاء ناس بعد ما صُلّي على سهل بن حنيف فأمر عليٌّ قرظة الأنصاري أن يؤمهم ويصلي عليه بعد ما دفن. ففي سنده الحسن بن عمارة وهو متروك.
وهو أيضا عند البيهقي في الكبرى (رقم 7244) قال: أَخْبَرَنَا محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب أبو الحسين القطان بِبَغْدَادَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بن درستويه النحوي حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا الْعَلاَءُ بْنُ صَالِحٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ حَنَشٍ قَالَ : مَاتَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَأُتِىَ بِهِ الرَّحَبَةُ فَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِىٌّ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ، فَلَمَّا أَتَيْنَا الْجَبَّانَةَ لَحِقَنَا قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ فِى نَاسٍ مِنْ قَوْمَهِ أَوْ فِى نَاسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ نَشْهَدِ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ فَقَالَ : صَلُّوا عَلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ فَكَانَ إِمَامَهُمْ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ. وفيه الحكم بن عتيبة وقد وصف بالتدليس ولم يصرح بالسماع فالأثر ضعيف.
وأما أثر ابن مسعود رضي الله عنه فلم أجده عند عبد الرزاق وإنما هو عند ابن أبي شيبة (رقم 12060) قال: حدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إدْرِيسَ بن يزيد الأودي، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الْحَكَمِ بن عتيبة قَالَ : جَاءَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ وَقَدْ صَلَّى عَبْدُ اللهِ عَلَى جِنَازَةٍ ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ عَلَى أَخِيك بِأَصْحَابِك. ولا يصح أيضا للانقطاع بين الحكم وسلمان, وقد رمي الحكم بالتدليس.
قال ابن عبد البر: قال (أي عبد الرزاق) وأخبرنا معمر عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال توفي عبد الرحمن بن أبي بكر على ستة أميال من مكة فحملناه حتى جئنا به إلى مكة فدفناه فقدمت عائشة علينا بعد ذلك فعابت علينا ذلك, ثم قالت: أين قبر أخي؟ فدللناها عليه, فوضعت في هودجها عند قبره وصلت عليه.
وأخبرنا عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أحمد بن محمد بن هانىء الطائي الأثرم الوراق قال حدثنا أبو عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة أن عبد الرحمن بن أبي بكر توفي في منزل له كان فيه, فحملناه على رقابنا ستة أميال إلى مكة وعائشة غائبة, فقدمت بعد ذلك فقالت أروني قبر أخي فأروها فصلت عليه.
وقال حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة قال قدمت عائشة بعد موت أخيها بشهر فصلت على قبره.
وقال عبد الرزاق حدثنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن حنش بن المعتمر قال جاء ناس من بعد أن صلى علي على سهل بن حنيف فأمر علي قرظة الأنصاري أن يؤمهم ويصلي عليه بعد ما دفن.
وعن أبي موسى أنه فعل ذلك.
قلت: أثر ابن أبي مليكة أخرجه البيهقي في الكبرى (رقم 7274) وابن المنذر (رقم 3045) من طريق حماد بن زيد عن أيوب به وفيه زيادة: [قدمت عائشة بعد موت أخيها بشهر], وعبد الرزاق (رقم 6539) وابن المنذر (رقم 3040) من طريق معمر عن أيوب به وهو صحيح.
قال ابن التركماني في الجوهر النقي بعد ذكره لأثر ابن عمر حين صلى على قبر أخيه عاصم (4/48): (قد جاء عنه خلاف هذا فذكر عبد الرزق عن معمر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر قدم بعد ما توفي عاصم أخوه فسأل عنه فقال أين قبر أخي؟ فدلوه عليه فأتاه فدعا له. قال عبد الرزاق: وبه نأخذ. قال وأنا عبيد الله بن عمر عن نافع قال كان ابن عمر إذا انتهى إلى جنازة قد صلي عليه دعا وانصرف ولم يعد الصلاة. قال ابن عبد البر في التمهيد (6/277): "هذا هو الصحيح المعروف من مذهب ابن عمر من غير ما وجه عن نافع وقد يحتمل أن تكون أن تكون رواية ابن علية عن أيوب "فصلى عليه" بمعنى فدعا له, لأن الصلاة دعاء وهو أصلها في اللغة, فإذا كان هذا فليس بمخالف لما روى معمر".
وكذلك يحتمل أن عائشة دعت على قبر أخيها, وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما لا تعاد الصلاة على الجنازة ولا يصلى على القبر وهو قول الثوري والأوزاعي والحسن بن حي والليث, قال ابن القاسم: قلت لمالك فالحديث الذي جاء أنه عليه السلام صلى على قبر, قال: قد جاء وليس عليه العمل. وقال ابن معين: قلت ليحيى بن سعيد القطان ترى الصلاة على القبر قال لا, ولا أرى على من صلى شيئا, وليس الناس على هذا اليوم. وقال القدوري: لم يكرروا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء من بعده وإنما صلى عليه السلام على القبر لأنه كان الولي).
وقد ترجم ابن الجوزي في التحقيق في أحاديث الخلاف (2/15) لبعض هذا الأحاديث بقوله: مَسْأَلَة يجوز أَن يصلى عَلَى الْجِنَازَة من لم يصل مَعَ الإِمَام وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك لَا تُعَاد الصَّلَاة إِلَّا أَن يكون الْوَلِيّ حَاضرا فَيصَلي غَيره, -ثم قال- لنا أَرْبَعَة أَحَادِيث –ثم سردها-.
وأما باقي الآثار المذكورة فقد سبقت, إلا أثر أبي موسى الذي أخرجه ابن المنذر (رقم 3041) والبيهقي في الكبرى (رقم 7247) وابن أبي شيبة (رقم 12066) والبخاري في التاريخ (رقم 2461) كلهم من طريق شريك بن عبد الله القاضي عن محمد بن عبد الله المرادي، عن عمرو بن مرة المرادي، عن خيثمة بن عبد الرحمن، قال : توفي الحارث بن قيس ، فجاء أبو موسى ومن معه بعدما دفن، فصلوا عليه.
وهذا الأثر ضعيف لتدليس شريك وتغيره. (جامع التحصيل للعلائي ص 238).
ثم بدأ ابن عبد البر بذكر أوجه حديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على تلك المرأة, وسنذكرها كاملة مع شيء من التعليق عليها. قال ابن عبد البر (التمهيد 6/262): (وأما الستة وجوه التي ذكر أحمد بن حنبل أنه روى منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "صلى" على قبر فهي والله أعلم حديث سهل بن حنيف وحديث سعد بن عبادة وحديث أبي هريرة روى من طرق وحديث عامر بن ربيعة وحديث أنس وحديث ابن عباس.
http://www.ahlelhadith.com/vb/images/buttons/quote.gif (http://www.ahlelhadith.com/vb/newreply.php?do=newreply&p=1304165)
نجيب خزناجي
07-26-2010, 07:39 PM
تتمة الموضوع
قلت: وقد أحصاها على وجه الاختصار ابن حجر في التلخيص (2/292) فقال: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا فَقَالَ "مَتَى دُفِنَ هَذَا" ؟ قَالُوا: الْبَارِحَةَ قَالَ "أَفَلَا آذَنْتُمُونِي" قَالُوا دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَك فَقَامَ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَا فِيهِمْ فَصَلَّى عَلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ الْبَارِحَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ بَعْدَ مَا دُفِنَ بِثَلَاثٍ وَفِي آخَرَ لِلطَّبَرَانِيِّ بِلَيْلَتَيْنِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْه, وَعَنْ أنس نحوه في البزار, وَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ نَحْوُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ, وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ نَحْوُهُ, وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَفِيهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ وَعِنْدَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ النَّسَائِيّ, وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعُبَادَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ, وَبُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ, ذَكَرَهَا حَرْبٌ الْكَرْمَانِيُّ.
حَدِيثُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى قَبْرِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ بَعْدَ شَهْرٍ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَعْبَدِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَوْصُولًا دُونَ التَّأْقِيتِ, ثُمَّ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَائِبٌ فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَإِسْنَادُهُ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ, ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ وَفِي إسْنَادِهِ سُوَيْد بْنُ سَعِيدٍ.
ثم قال ابن عبد البر:
1- فأما حديث سهل بن حنيف فحدثناه أبو عثمان سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا سعيد ابن يحيى أبو سفيان الحميري عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود فقراء أهل المدينة ويشهد جنائزهم إذا ماتوا قال فتوفيت [امرأة] من أهل العوالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قضت فآذنوني بها قال فأتوه ليؤذنوه فوجدوه نائما وقد ذهب الليل فكرهوا أن يوقظوه وتخوفوا عليه ظلمة الليل وهوام الأرض قال فدفناها فلما أصبح سأل عنها فقالوا يا رسول الله أتيناك لنؤذنك فوجدناك نائما فكرهنا أن نوقظك وتخوفنا عليك ظلمة الليل وهوام الأرض قال فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قبرها فصلى عليها وكبر أربعا).
قلت:هذا الحديث صحيح قد أخرجه النسائي (رقم 1955) من طريق قتيبة عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل مرسلا, وكذا أخرجه عبد الرزاق مرسلا ( رقم 6542) من طريق ابن جريج عن أبي أمامة بن سهل به, ومالك (1 / 227 / 15) عن الزهري به مرسلا أيضا, وأخرجه ابن أبي شيبة (رقم 11335 و 12068 و 37225) والطبراني في الكبير (رقم 5586) وابن المقرئ في معجمه (رقم 416) من طريق أبي سفيان سعيد بن يحي الحميري عن سفيان بن حسين عن الزهري عن أبي أمامة عن أبيه مرفوعا, وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (رقم 6554) من طريق محمد بن كثير عن الأوزاعي عن الزهري عن أبي أمامة عن رجال من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, وكذا البيهقي في الكبرى من طريق الحاكم (رقم 6810) من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي به, والحارث في مسنده (رقم 274) من طريق محمد بن مصعب القرقساني عن الأوزاعي به.
وقد سئل الدارقطني في العلل (12 / 276) (رقم 2714) عَن حَديث سهل بن حُنيف ، عنِ النَّبيِّ صَلَّى الله عَلَيه وسَلم : أنه كان يعود فقراء أهل المدينة إذا مرضوا ، ويتبع جنائزهم إذا ماتوا . فتوفيت امرأة من أهل العوالي ، فمشى إلى قبرها ، فصلى عليها ، وكبّر أربعاً.
فقال : يرويه الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، واختُلِفَ عنه؛ فرواه سفيان بن حسين ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة بن سهل ، عن أبيه.
قاله أبو سفيان الحميري - وهو سعيد بن يحيى الواسطي ، ومحمد بن يزيد الواسطي عنه.
وخالفهما يزيد بن هارون ، فرواه عن سفيان بن حسين ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة ابن سهل مرسلاًً.
واختُلِفَ عن ابن أبي ذئب :
فرواه شبابة ، عن ابن أبي ذئب ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة ، عن أبيه.
وأرسله غيره عن ابن أبي ذئب.
واختُلِفَ عن يونس بن يزيد ، عن الزُّهْرِي : فرواه أبو صفوان : عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان ، عن يونس ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة ، عن أبيه.
وخالفه ابن وهب ، والقاسم بن مبرور ، وشبيب بن سعيد ، والليث بن سعد ، فرووه عن يونس ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة : أن بعض أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلم أخبره ...
وكذلك رواه عقيل بن خالد ، عن الزُّهْرِي.
واختُلِفَ عن الأوزاعي :
فرواه الوليد بن مسلم ، وعمر بن عبد الواحد ، ومحمد بن مصعب القرقساني ، عن الأوزاعي ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة، عن بعض أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلم.
وخالفهم عيسى بن يونس ، - وقيل : عن محمد بن مصعب ، فرواه عن الأوزاعيّ ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة بن سهل مرسلاًً.
ورواه مالك بن أنس ، وسفيان بن عُيَينة ، وابن جريج ، وعَبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة بن سهل مرسلاًً.
ورواه معمر ، عن الزُّهْرِي مرسلاًً . لم يجاوز به.
ورواه سعيد بن أبي هلال عن أبي أمامة بن سهل ، عن بعض أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلم.
والقول قول من قال : عن الزُّهْرِي ، عن أبي أمامة : حدثني بعض أصحاب النبي صَلَّى الله عَلَيه وسَلم - غير مسمّى -.
قلت: وجهالة أسماء الصحابة لا تضر كما هو مقرر, فالحديث صحيح, وأبو أمامة أسعد بن سهل بن حنيف معدود في الصحابة ممن لهم رؤية ولم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم. قاله ابن حجر في التقريب.
2- وأما حديث سعد بن عبادة فحدثناه عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا المثنى بن سعيد عن قتادة عن ابن المسيب أن سعد بن عبادة أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أم سعد توفيت وأنا غائب فصل عليها يا رسول الله فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى عليها وقد دفنت قبل ذلك بشهر.
وروى القطان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد بن عبادة ماتت والنبي صلى الله عليه وسلم غائب فأتى قبرها وصلى عليها وقد مضى لذلك شهر.
حدثنا عبد الوارث قال حدثنا قاسم قال حدثنا الخشني محمد بن عبد السلام قال حدثنا بندار محمد بن بشار قال حدثنا يحيى بن سعيد القطان فذكره بإسناده وذكره أبو بكر الأثرم قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا يحيى بن سعيد فذكره بإسناده سواء.
قلت: أخرجه ابن المنذر (رقم 3044) عن شجاع عن زيد عن همام عن قتادة عن ابن المسيب به, وأخرجه الترمذي (رقم 1038) وابن المنذر (رقم 3043) من طريق يحي بن سعيد عن ابن أبي عروبة عن قتادة به, وأحرجه ابن أبي شيبة (رقم 12057) والطبراني (رقم 5378) من طريق أبي كريب عن عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة به.
فطرق هذا الحديث كلها مرسلة ضعيفة إلا ما جاء عند البيهقي في الكبرى (4/48) قال: ورواه سويد بن سعيد عن يزيد بن زريع عن شعبة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس موصولا. وفيه سويد بن سعيد الحدثاني وهو ضعيف لا يحتج به إذا تفرد ولا سيما إذا خالف (انظر الإرواء (3/186)), وفي سنده أيضا قتادة وهو كثير التدليس والإرسال ولم يصرح, قال أحمد بن حنبل: أحاديث قتادة عن سعيد بن المسيب ما أدري كيف هي قد أدخل بينه وبين سعيد نحوا من عشرة رجال لا يعرفون (انظر جامع التحصيل للعلائي).
إلا أن بعض الأئمة قد صححوا الاحتجاج به منهم ابن الملقن (البدر 5/283) والزيلعي (نصب الراية 1/232) والنووي (الخلاصة 2/986) وابن كثير (البداية 4/106), وكان الشافعي يصحح مراسيل سعيد بن المسيب لقوتها عنده.
3- وأما حديث أبي هريرة فرويناه من وجوه أحسنها ما حدثناه عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال حدثنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا عفان قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر.
وأخبرنا إبراهيم بن شاكر قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان قال حدثنا سعيد بن عثمان الأعناقي وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد قال حدثني أبي قال حدثنا عثمان بن جرير قالا حدثنا أحمد بن عبد الله بن صالح قال حدثنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: كانت امرأة تقم المسجد فماتت فدفنت ليلا ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فهلا أعلمتموني؟ فقالوا: ماتت ليلا, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى المقبرة فصلى على قبرها ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن صلاتي عليها نور. قال حماد لا أدري الكلام الآخر عن أبي هريرة هو أم لا؟.
وأخبرنا أحمد بن سعيد بن بشر وأحمد بن عبد الله بن محمد قالا أخبرنا مسلمة بن قاسم بن إبراهيم قال حدثنا جعفر بن محمد بن محمد الأصبهاني قال حدثنا يونس بن حبيب بن عبد القاهر قال حدثنا أبو داود الطيالسي قال حدثنا حماد بن زيد وأبو عامر الجزار عن ثابت البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أن رجلا أسود أو امرأة سوداء كانت تنقي المسجد من الأذى ثم ماتت فدفنت ولم يؤذن النبي عليه السلام فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال دلوني على قبرها فانطلق إلى القبر فأتى على القبور فقال إن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وإن الله ينورها بصلاتي عليها ثم أتى القبر فصلى عليها, فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله إن أبي أو أخي مات وقد دفن فصل عليه يا رسول الله, فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأنصاري.
قلت: هذا الحديث متفق عليه, لكن قد اختلفت الروايات في تمييز الميت أهو رجل أم امرأة؟
أولا: من ذكر الرواية على وجه الشك: أحمد في مسنده (رقم 8280) ومسلم في صحيحه (رقم 1588) وأبو داود (رقم 2788) وإسحاق في مسنده (رقم 35) وأبو نعيم في مستخرجه (رقم 2142) كلهم من طرق عن حماد بن زيد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة به.
ثانيا: من ذكر الرواية على وجه الشك لكن مع ترجيح أحد الجنسين على الآخر: البخاري في صحيحه (رقم 440) من طريق أحمد بن واقد عن حماد به. قال أبو رافع أو ثابت –أحد رواته-: "ولا أراه إلا امرأة" كما قال ابن حجر في الفتح.
ثالثا: من ذكر الرواية بالجزم من غير شك بلفظ (المرأة): ابن خزيمة في صحيحه (رقم 1299) وابن ماجه في سننه (رقم 1516) والبيهقي في الكبرى (رقم 7264) من طرق عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة "أن امرأة سوداء ماتت". وهذه الرواية ترجحها رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة به, التي أحرجها ابن الحطاب السلفي في مشيخته (رقم 23) وغيره.
رابعا: من ذكر الرواية بالجزم من غير شك بلفظ (الرجل): ابن حبان (رقم 3086) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت به.
الخلاصة: فبعد سرد الروايات في تمييز جنس المتوفى, نخلص إلا أن الميت امرأة لأسباب يذكرها الشيخ الألباني في أحكام الجنائز (ص 88) فيقول: وترجح عندنا أنه امرأة من وجوه: الأول: أن اليقين مقدم على الشك. الثاني: أن في رواية للبخاري بلفظ: " أن امرأة أو رجلا كانت تقم المسجد، ولا أراه إلا امرأة ". فقد ترجح عند الراوي أنه امرأة. الثالث: أن الحديث ورد من طريق آخر عن أبي هريرة لم يشك الراوي فيها: ولفظها: " فقد النبي امرأة سوداء كانت تلتقط الخرق والعيدان من المسجد، فقال: أين فلانة؟ قالوا: ماتت ". وذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي (2 / 440 - 4 / 32) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عنه. وهكذا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه كما في الفتح.
4- وأما حديث عامر بن ربيعة فحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا ابن وضاح قال حدثنا ابن أبي شيبة قال حدثنا داود بن عبد الله الجعفري قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن زيد بن قنفذ عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر حديث فقال ما هذا القبر قالوا قبر فلانة قال فهلا آذنتموني قالوا كنت نائما فكرهنا أن نوقظك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تفعلوا ادعوني لجنائزكم ثم صف عليها فصلى.
وحدثنا أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا الحرث بن أبي أسامة قال حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن زيد بن المهاجر عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر حديث فسأل عنه فقيل قبر فلانة المسكينة قال فهلا آذنتموني أصلي عليها فقالوا يا رسول الله كنت نائما فكرهنا أن نوقظك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعوني لجنائزكم أو قال اعلموني بجنائزكم فصف وصف الناس خلفه وصلى عليها.
وحدثناه عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الحميد بن أحمد قال حدثنا الخضر ابن داود قال حدثنا أبو بكر الأثرم قال حدثنا أبو ثابت محمد بن عبد الله والقعنبي جميعا قالا حدثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن زيد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبر حديث فذكر مثله سواء.
قلت: أخرجه أحمد في مسنده (رقم 15119 و15673) وابن أبي شيبة (رقم 12069) والضياء في المختارة (رقم 219 و220) وابن ماجه مختصرا (رقم 1518) بلفظ: "أن امرأة سوداء ماتت", كلهم من طرق عن الداروردي عن محمد بن زيد التيمي عن عبد الله بن عامر عن أبيه مرفوعا, وقد صحح الأئمة هذا الحديث منهم: الضياء في المختارة والبوصيري في الإتحاف والحافظ في المطالب وقال الألباني في الإرواء (3/185): صحيح على شرط مسلم.
5- وأما حديث ابن عباس فحدثناه خلف بن سعيد قال حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا علي بن عبد العزيز قال حدثنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا شعبة. وحدثنا سعيد بن نصر قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا عبد الله بن روح المدائني قال حدثنا عثمان بن عمر قال حدثنا شعبة عن سليمان الشيباني قال سمعت الشعبي يقول أخبرني من مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فكبر عليه قال فقلت للشعبي يا أبا عمرو من أخبرك بهذا قال أخبرني بذلك ابن عباس.
وحدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ قال حدثنا بكر بن حماد قال حدثنا مسدد قال حدثنا خالد بن عبد الله قال حدثنا الشيباني عن عامر عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر حديث عهد بدفن فسأل عنه فقالوا مات ليلا فكرهنا أن نوفظك فنشق عليك فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفنا خلفه فصلينا عليه.
وأخبرنا عبد الرحمن بن أبان قال حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا أحمد بن خالد قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا عبد الرزاق قال حدثنا الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة بعدما دفنت.
قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري (رقم 819, 1259, 1271) وأحمد (رقم 3134) والنسائي (رقم 2023) وفي الكبرى له (رقم 2150) وابن حبان (رقم 3088) والطيالسي (رقم 2647) والبيهقي في الكبرى (6790, 7249) كلهم من طرق عن شعبة عن سليمان الشيباني عن الشعبي به, ومسلم في صحيحه (رقم 954) والطبراني في الأوسط (رقم 3838, 8255) والبيهقي في الكبرى (رقم 7257, 7258) من طريق إبراهيم بن طهمان عن أبي حصين عن الشعبي به, ومسلم في صحيحه (رقم 954) وابن حبان (رقم 3079) والبيهقي في الكبرى (رقم 3089, 7256) من طريق شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي به, والترمذي (رقم 1037) والنسائي (رقم 2024) وابن أبي شيبة (رقم 12053) من طريق هشيم عن الشيباني به, وابن أبي شيبة (رقم 12056) من طريق أبي سنان عن عبد الله بن الحارث عن ابن عباس به, والبيهقي (رقم 7255, 7254) عن سفيان عن الشيباني به وفيها زيادة: [بعد شهر] وهي مما تفرد به بشر بن آدم, وأحرجه أيضا من طريق ابن طهمان عن الشيباني به (رقم 7259), ومن طريق جرير عن الشيباني به (رقم 7250, 7251) والبخاري (رقم 1275), ومن طريق ابن إدريس عن الشيباني به عند البيهقي (رقم 7252) ومسلم (رقم 954) وأبي داود (رقم 3196), وعند البيهقي أيضا من طريق أبي الحسن العلوي عن الشعبي به (رقم 6800), ومن طريق هريم بن سفيان عن الشيباني به وفيها زيادة : [بعد موته بثلاث] مخالفا بها غيره, وأخرجه الطبراني في الأوسط (رقم 802) من طريق محمد بن الصباح عن إسماعيل بن زكريا عن الشيباني به بزيادة [بعدما دفن بليلتين] تفرد بها محمد بن الصباح, ومن طريق شعبة عن الأعمش عن الشعبي به (رقم 1205), وأحمد في مسنده (رقم 1962) من طريق أبي معاوية عن الشيباني به.
وهذا الحديث وإن لم يكن فيه التصريح بالمرأة فيه, إلا أنه يشبه حديث عامر بن ربيعة المتقدم, لهذا عدّ من وجوه حديث الباب.
فائدة: يقول ابن حبان بعد أن ترجم لحديث ابن عباس رصي الله عنه بقوله (ذكر العلة التي من أجلها يجوز الصلاة على القبر): "في هذا الخبر بيان واضح أن صلاة المصطفى صلى الله عليه وسلم على القبر إنما كانت على قبر منبوذ والمنبوذ ناحية, فدلتك هذه اللفظة على أن الصلاة على القبر جائزة إذا كان جديدا في ناحية لم تنبش أو في وسط قبور لم تنبش فأما القبور التي نبشت وقلب ترابها صار ترابها نجسا لا تجوز الصلاة على النجاسة إلا أن يقوم الإنسان على شيء نظيف ثم يصلي على القبر المنبوش دون المنبوذ الذي لم ينبش".[انظر الإحسان 5/36].
6- وأما حديث أنس فحدثناه خلف بن قاسم قال حدثنا محمد بن زكرياء المقدسي قال حدثنا مضر بن محمد الأسدي قال حدثنا يحيى بن معين قال حدثنا غندر عن شعبة عن حبيب بن الشهيد وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعدما دفنت.
وحدثناه أبو العباس أحمد بن قاسم بن عيسى المقرىء قال حدثنا عبيد الله ابن محمد بن حبابة البغدادي قال حدثنا البغوي قال حدثنا إبراهيم بن هانىء قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا محمد بن جعفر قال حدثنا شعبة عن حبيب بن الشهيد وعن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعد ما دفن.
قلت: أخرجه مسلم في صحيحه (رقم 955, 2173) وأحمد (رقم 11869, 12318) وابن ماجه (رقم 1531) وابن حبان (رقم 3084) والدارقطني (رقم 1866) والبيهقي في الكبرى (رقم 7260, 6801) وابن المنذر (رقم 3037) وأبي نعيم في المستخرج (رقم 2141) كلهم عن غندر عن شعبة عن حبيب بن الشهيد عن ثابت عن أنس به, وأخرجه البيهقي (رقم 6802) من طريق خالد بن خداش عن حماد بن زيد عن ثابت به, وهو في الغيلانيات (رقم 392) من طريق المؤمل بن خارجة عن شعبة به, قال أبو نعيم في الحلية (7/193): رواه المؤمل وعمرو بن حكام مثله عن شعبة وحديث غندر أشهر. قال الألباني في الإرواء (3/184): وتابع حبيب بن الشهيد؛ صالح بن رستم أبو عامر الخراز عن ثابت به, مثل رواية حماد. أخرجه الدارقطني وأحمد ( 3 / 150 ) وهو على شرط مسلم أيضا إلا أن صالحا هذا كثير الخطأ كما في التقريب.
ثم قال ابن عبد البر: وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر من ثلاثة أوجه سوى هذه الستة الأوجه المذكورة وكلها حسان منها حديث لزيد بن ثابت الأنصاري والحصين بن وحوح وأبي أمامة بن ثعلبة الأنصاري فالله أعلم أيها أراد أحمد بن حنبل.
1- أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد قال حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك البغدادي قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا هشيم قال أخبرني عثمان بن حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وردنا البقيع إذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقيل فلانة فعرفها فقال أفلا آذنتموني قالوا يا رسول الله كنت قائلا نائما فكرهنا أن نؤذنك فقال لا تفعلوا لا يموتنّ فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه له رحمة قال ثم أتى القبر فصفنا خلفه فكبر أربعا.
قلت: الحديث أخرجه أحمد (رقم 18633, 19452) والنسائي (رقم 2160) وابن ماجه (رقم 1528) وابن أبي شيبة (رقم 11329, 12054) وعبد الرزاق (11217, 11932) والطبراني في الكبير (رقم 628) والبيهقي (رقم 6809) من طرق عن عثمان بن حكيم عن خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت به.
قال البخاري: إن صح قول موسى بن عقبة أن يزيد بن ثابت قتل يوم اليمامة فإن خارجة بن زيد لم يدرك عمه. [التهذيب للحافظ 2/48].
إلا أن للحديث شواهد تقويه مع ثقة وجلالة وإمامة خارجة فهو أحد الفقهاء السبعة, لهذا صحح بعض الأئمة إسناده مع مظنة الانقطاع والله أعلم.
فائدة: قد رد ابن حبان دعوى الخصوصية في صحيحه عند ذكره هذا الحديث (5/35) فقال: "قد يتوهم غير المتبحر في صناعة العلم أن الصلاة على القبر غير جائزة للّفظة التي في خبر أبي هريرة؛ فإن الله ينورها عليهم رحمة بصلاتي, واللفظة التي في خبر يزيد بن ثابت فإن صلاتي عليهم رحمة, وليست العلة ما يتوهم المتوهمون فيه أن إباحة هذه السنة للمصطفى صلى الله عليه وسلم خاص دون أمته, إذ لو كان ذلك لزجرهم صلى الله عليه وسلم عن أن يصطفوا خلفه ويصلوا معه على القبر ففي ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى على القبر أبين البيان لمن وفقه الله للرشاد والسداد أنه فعل مباح له ولأمته معا, دون أن يكون ذلك الفعل له دون أمته".
2- وأخبرنا عبيد بن محمد قال حدثنا عبد الله بن مسرور قال حدثنا عيسى بن مسكين قال حدثنا محمد بن سنجر قال حدثنا أحمد بن حباب قال حدثنا عيسى بن يونس قال حدثنا سعيد بن عثمان البلوي عن عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده في الشتاء في برد وغيم فلما انصرف قال لأهله إني ما أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت فآذنوني به حتى أشهده وأصلي عليه وعجلوا به فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله فلم يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بني سالم حتى توفي وجن عليه الليل فكان مما قال طلحة ادفنوني وألحقوني بربي ولا تدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإني أخاف عليه اليهود أن يصاب بشيء, فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره في قطار بالعصبة فصف وصف الناس معه ثم رفع يديه وقال اللهم ألق طلحة تَضحك إليه ويَضحك إليك ثم انصرف.
قلت: الحديث ضعيف أخرجه أبو داود (رقم 3159) والبيهقي (رقم 6412, 6859) وابن عمرو الشيباني في الآحاد والمثاني (رقم 2139) والطبراني في الأوسط (رقم 8168) والكبير (رقم 3554) وابن أبي عاصم في السنة (رقم 453) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (رقم 2018) من طرق عن عيسى بن يونس عن سعيد بن عثمان البلوي عن عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن حصين بن وحوح به, وفيه عروة بن سعيد عن أبيه وهما مجهولان, ثم ليس في الحديث إلا مجرد الدعاء للمقبور.
قال الطبراني عند هذا الحديث: لا يروى هذا الحديث عن حصين بن وحوح إلا بهذا الإسناد تفرد به عيسى بن يونس.
قلت: لم يتفرد به عيسى فقد أخرجه ابن السكن كما في الإصابة (عند ترجمة طلحة بن البراء) من طريق عبد ربه بن صالح عن عروة بن رويم عن أبي مسكين عن طلحة به.
3- وذكر أبو جعفر العقيلي قال: أخبرنا هارون بن العباس الهاشمي قال حدثنا موسى بن محمد بن حيان قال حدثنا ابن مهدي عن عبد الله بن المنيب عن جده عبد الله بن أبي أمامة الحارثي عن أبي أمامة الحارثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على قبر بعدما دفن.
قال وأخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال أخبرنا يحيى بن معين قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا عبد الله بن المنيب المدني عن جده عبد الله بن أبي أمامة عن أبيه أبي أمامة بن ثعلبة قال رجع النبي صلى الله عليه وسلم من بدر وقد توفيت يعني أم أبي أمامة فصلى عليها.
قلت: أخرجه ابن عمرو بن الضحاك في الآحاد والمثاني (رقم 2001) والطبراني في الكبير (رقم 792) وأبو نعيم في معرفة الصحابة (رقم 894) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن منيب عن عبد الله بن أبي أمامة عن أبي أمامة الحارثي به, وسنده حسن وله شواهد, إلا أن يُدخل بين عبد الله بن أبي أمامة وأبيه: عبد الله بن كعب أو غيره فيكون الحديث منقطعا. [انظر خلاصة التهذيب ص 191].
ثم قال ابن عبد البر (6/274):وأما العمل من الصحابة بهذا فقد تقدم عن عائشة وعلي وابن مسعود وقرظة بن كعب وأبي موسى وغيرهم.
1- وذكر أبو بكر أحمد بن محمد بن هانىء الأثرم الطائي الوراق قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير أن أنس بن سيرين حدثه أن أنس بن ملك أتى جنازة وقد صلي عليها فصلى عليها.
قلت: أخرجه البيهقي في الكبرى (رقم 7248) ورجاله ثقات, إلا أن يحي بن أبي كثير كان كثير التدليس والإرسال ولم يصرح بالسماع, فالأثر ضعيف لأجله, وعلى فرض التسليم بالصحة فإن رواية البيهقي لا تصلح للاستدلال بها على الدعوى, فقد جاءت بلفظ: " أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَتَى جَنَازَةً وَقَدْ صُلِّىَ عَلَيْهَا وَالسَّرِيرُ مَوْضُوعٌ فَصَلَّى قِبَلَ السَّرِيرِ".
فكل الآثار المذكورة تحت هذه الفقرة تدل على مشروعية قضاء صلاة الجنازة والميت على سريره لم يقبر بعد, فتنبه.
2- قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا عبد الله بن إدريس قال سمعت أبي عن الحكم قال: جاء سلمان بن ربيعة وقد صُلي على جنازة فصلى عليها.
قلت: قد سبق الكلام عن هذا الأثر عند خبر ابن مسعود رضي الله عنه.
3- قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا الضحاك بن مخلد قال حدثنا سفيان بن سعيد عن شبيب بن غرقدة عن المستظل بن حصين أن عليا صلى على جنازة بعدما صُلي عليها.
قلت: الأثر إسناده حسن, أخرجه ابن المنذر (رقم 3042) والبيهقي (رقم 7246) من طرق عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن شبيب بن غرقدة عن المستظل به, وقد تابع سفيان: شريك بن عبد الله القاضي عند ابن الجعد (رقم 2370) وابن سعد في الطبقات (عند ترجمته للمستظل) بلفظ يبيّن معنى الصلاة على الجنازة في الأثر, قال المستظل بن الحصين: "توفي رجل منا فأرسلنا إلى علي فأبطأ علينا فصلينا عليه ودفناه فجاء بعدما فرغنا حتى قام على القبر وجعله أمامه ثم دعا له".
4- وأخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسف (ابن الفرضي) قال حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن إسماعيل البنا قال أخبرنا محمد بن الحسن الأنصاري قال أخبرنا الزبير بن أبي بكر القاضي قال حدثني يحيى بن محمد (بن عبد الله بن ثوبان) قال: توفي الزبير بن هشام بن عروة بالعقيق في حياة أبيه فصلى عليه بالعقيق ودعا له, وأرسل إلى المدينة يصلي عليه في موضع الجنائز ويدفن بالبقيع.
قلت: هذا الأثر أورده الزبير بن بكار في كتابه جمهرة نسب قريش وأخبارها تحت فصل: ولد عروة بن هشام, وفي سنده يحي بن محمد بن عبد الله بن ثوبان لم أقف على ترجمته, وقد روى في كتب التاريخ والأخبار عن جمع من الرواة منهم: سليم بن مسلم المكي ورباح بن محمد السهمي وهشام بن سليمان المخزومي ومحمد بن إسماعيل بن أبي ربيعة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ومحرز بن جعفر.
فائدة: في الأثر دلالة على استحباب وسنية اتخاذ موضع لصلاة الجنازة, يُقصد وتُحمل إليه لا إلى المقبرة, كما في حديث المرأة السوداء (حديث الباب) وغيره, وكان هذا المحل مشهورا معروفا على عهده صلى الله عليه وسلم وعهد صحابته بل إلى زمن الإمام مالك, قال ابن بطال نقلا عن ابن حبيب: كان مصلى الجنائز بالمدينة لاصقا بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة المشرق –أي من جهة حجرته صلى الله عليه وسلم-.
وأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن قال أخبرنا عبد الحميد بن أحمد الوراق قال أخبرنا الخضر بن داود قال حدثنا أبو بكر [الأثرم] قال أخبرنا [أبو] الوليد [الطيالسي] قال حدثنا المثنى بن سعيد الضبعي عن أبي حمرة الضبعي قال: انطلقت أنا ومعمر بن سمير اليشكري وكان من أصحاب الدرهمين في خلافة عمر فانطلقنا نطلب جنازة نصلي عليها فاستقبلنا أصحابنا وقد فرغوا ورجعوا قال أبو جمرة فذهبت أرجع فقال امض بنا فمضينا إلى القبر فصلينا عليه.
قلت: هذا الأثر إسناده حسن, وفيه دليل على مشروعية قضاء صلاة الجنازة لمن لم يدركها أولا.
قال وأخبرنا أحمد بن إسحاق [الحضرمي] قال حدثنا وهيب [بن خالد] قال حدثنا أيوب عن محمد [بن سيرين] قال إذا فاتته الصلاة على الجنازة انطلق إلى القبر فصلى عليه. قال وهيب ورأيت أيوبا يفعله ومسلم أيضا.
قلت: الأثر صحيح الإسناد, وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة (رقم12064) قال: حدَّثَنَا هُشَيْمٌ [بن بشير]، أَخْبَرَنَا أَبُو حُرَّةَ [واصل بن عبد الرحمن] ، عَنِ ابْنُ سِيرِينَ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا سُبِقَ الرّجلِ بِالْجِنَازَةِ فليُصَلّ عَلَى الْقَبْرِ. وإسناده حسن.
وبمثله عن ابن أبي شيبة أيضا (رقم 12065) قال: حدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، قَالَ : كُنْتُ مَعَ ابْنِ سِيرِينَ وَنَحْنُ نُرِيدُ جِنَازَةً فَسُبِقْنَا بِهَا حَتَّى دُفِنَتْ ، قَالَ : فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : تَعَالَ حَتَّى نَصْنَعَ كَمَا صَنَعُوا ، قَالَ : فَكَبَّرَ عَلَى الْقَبْرِ أَرْبَعًا. إسناده صحيح.
قال وحدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرنا أيوب عن نافع قال توفي عاصم بن عمر وابن عمر غائب فقدم بعد ذلك قال أيوب أحسبه قال بثلاث فقال أروني قبر أخي فأروه فصلى عليه هكذا قال عن أحمد عن ابن علية عن أيوب وهو عندي وهم لا شك فيه لأن معمرا ذكر عن أيوب عن نافع أن ابن عمر أتى قبر أخيه ودعا له وهذا هو الصحيح المعروف من مذهب ابن عمر من غير ما وجه عن نافع وقد يحتمل أن تكون رواية ابن علية عن أيوب فصلى عليه بمعنى فدعا له لأن الصلاة دعاء وهو أصلها في اللغة فإذا كان هذا فليس بمخالف لما روى معمر.
وكذلك روى عبيد الله بن عمر عن نافع قال كان ابن عمر إذا انتهى إلى جنازة قد صلى عليها دعا وانصرف ولم يعد الصلاة. وقد يحتمل ما ذكرنا عن عائشة من صلاتها على قبر أخيها عبد الرحمن أنها دعت له فكنى القوم عن الدعاء بالصلاة لأنهم كانوا عربا وهذا سائغ في اللغة والشواهد عليه محفوظة مشهورة فأغنى ذلك عن ذكرها هاهنا.
وإذا احتمل هذا فغير نكير أن يقال فيما ذكرنا من الآثار المرفوعة وغيرها أنه أريد بذكر الصلاة على القبر فيها الدعاء إلا أن يكون حديثا مفسرا يذكر فيه أنه صف بهم وكبر ورفع يديه ونحو هذا من وجه المعارضة ولكن الصحيح في النظر أن ذكر الصلاة على الجنائز إذا أتى مطلقا فالمراد به الصلاة المعهودة على الجنائز ومن ادعى غير ذلك كانت البينة عليه وليس ما ذكرنا من الآثار عن الصحابة والتابعين ما يرد قول مالك أن الصلاة على القبر جاءت وليس عليه العمل لأنها كلها آثار بصرية وكوفية وليس منها شيء مدني أعني عن الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم.
ومالك رحمه الله إنما حكى أنه ليس عليه العمل عندهم بالمدينة في عصره وعصر شيوخه وهو كما قال ما وجدنا عن مدني ما يرد حكايته هذه والله تعالى قد نزهه عن التهمة والكذب وحباه بالأمانة والصدق.
تتمة الموضوع
قلت: انظر كيف وجه كلام الإمام مالك رحمه الله, وكيف أجاب عن الآثار المروية التي سبق الإشارة إليها, فكان بسط المسألة بهذه الكيفية هي ذروة آداب السلف في معالجة مسائل الخلاف, فهلا أخذنا من هذا الينبوع الصافي والمنهل الكافي.
ثم ختم ابن عبد البر المسألة بترجيح جواز الصلاة على القبر والجنازة لمن فاتته الصلاة أولا, على ألا يكون الميت قد قُبر قديما, مع إقراره –رحمه الله- بوجود المانعين والمخالفين من علماء سلفيين.
كتبها شيخنا الفاضل ابو وائل سمير ميرابيع واذن لي بنشرها ووعدني بالمبحث الثاني في الايام القادمة ان شاء الله
اخوكم ومحبكم في الله ابو عبد الهادي عثمان بن بوعلام الجزائري
قريبا ان شاء الله المبحث الثاني: ملاحظات على كلام صاحب الإتحاف
نجيب خزناجي
07-26-2010, 07:44 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
كيف يجمع بين نهيه صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد وصلاته على قبر المرأة السوداء
من كلام العلامة الفقيه الشيخ زيد بن محمد بن هادي المدخلي –حفظه الله-
الأفنان الندية من كتاب الجنائز (2/290-291-292)
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المصطفى أما بعد:
يقول الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في منظومته:
وجاز إن في مسجد قد فعلت كما له صديقة قد نقلت
قال الشارح الشيخ زيد بن هادي المدخلي: أي وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد لما روته الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه وأخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد . فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: هذه بدعة, ما كانت الجنائز يدخل بها إلى المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت : ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد والله ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في جوف المسجد. رواه مسلم وأصحاب السنن, وقد صلي على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في المسجد [قال في الحاشية: أخرجه عبد الرزاق ومالك وإسناده صحيح]
والصحابة متوافرون فلم ينكر أحد ذلك, غير أن الأفضل أن تكون الصلاة خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز خارج المقابر كما كان الأمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو الغالب في هديه فيها, قال ابن القيم رحمه الله: لم يكن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الراتب الصلاة على الميت في المسجد وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر, وربما كان يصلي أحيانا على الميت في المسجد كما صلى على سهيل بن بيضاء وأخيه في المسجد...إلى أن قال: وكلا الأمرين جائز والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد للأحاديث التالية
1- ما أخرجه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.
2- ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه خرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا.
فإن هذين النصين الصحيحين يدلان على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم الغالب هو صلاته على الجنائز خارج المسجد لذلك كان هو الأفضل, مع جوازه في المسجد ولو بدون عذر, أما الصلاة بين المقابر فإنها لا تجوز لحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي على الجنائز بين القبور. [قال في الحاشية: ذكره الهيثمي في المجمع وقال: إسناده حسن].
يقول الشيخ حافظ الحكمي في منظومته:
وصحت الصلاة مطلقا على قبر وغائب كما قد نقلا
قال الشارح الشيخ زيد بن هادي المدخلي: أي أن الصلاة على قبر الميت جائزة مطلقا ولو كان قد صلى عليه جماعة, وسواء كان المصلي من أولياء الميت أم لم يكن كذلك, لما روى النسائي وابن ماجة وابن حبان من حديث يزيد بن ثابت رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فلما ورد البقيع فإذا هو بقبر جديد فسأل عنه فقالوا فلانة مولاة بني فلان قال فعرفها وقال ألا آذنتموني بها قالوا ماتت ظهرا وكنت قائلا صائما فكرهنا أن نؤذيك قال فلا تفعلوا لا أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعا.
فكبر عليه أربعا.
فالحديث دليل قائم على جواز الصلاة على القبر بدون كراهة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم له وهو أسوة أمته وقدوتها ولا وجه للقول بالخصوصية إذ لا دليل عليها, ثم إنه لا تعارض بين هذا الحديث وما في معناه وبين حديث أنس السابق في النهي عن الصلاة على الجنازة بين القبور, فإن حديث أنس يحمل على وضع الجنازة وسط المقبرة للصلاة عليها فلا شك في كراهيته, وحديث يزيد وما في معناه من الأحاديث يحمل على الصلاة على الميت بعد دفنه في المقبرة ولا شك في جوازه فيحصل الجمع بذلك وينتفي ما ظاهره التعارض, قال ابن القيم رحمه الله: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا ما فاتته الصلاة على الجنازة صلى على القبر بعد ليلة ومرة بعد ثلاث ومرة بعد شهر ولم يوقت في ذلك وقتا. اهـ
قلت: فشرط جواز الصلاة على الميت في المقبرة ان يكون الميت مقبورا وأن تكون الصلاة قضاء وهذا الذي استظهره شيخنا سمير محمد ناصر مرابيع الجزائري في التذكرة على إتحاف البرر فجزاه الله خيرا ونفع به.
كتبها ابو عبد الهادي عثمان بن بوعلام الجزائري
أبوسيف الجزائري
07-27-2010, 01:15 PM
بارك الله فيك اخي نجيب ( إسم على مُسمى ما شاء الله ) على الإثراء .
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir