أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
10-26-2011, 07:21 PM
يا مسلمون، يا أهل الحديث؛ استيقظوا من غفلتكم واغتنموا العشر من ذي الحجة، واملؤوها بالطاعات، واجعلوها حجابا مستورا بينكم وبين الفتن الموبقات.
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أما بعد: قال الله تعالى في سورة القصص: [وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى كما يشركون].
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: (هذه الآيات فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه من الأشخاص والأوامر والأزمان والأمكان، وأنّ أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء).
إن من الأزمنة التي فضلها والله، وضاعف فيها الأعمال، وحثا أهل التقى على اقتناصها العشرَ من ذي الحجة، وقد وردت فيها نصوص كثيرة بين صحيح وضعيف، فاستعنت بالله جلّ وعزّ على جمع بعضها، والتكلم على أسانيدها بشيء من الاختصار بما يفي بالمطلوب، راجيا من الله تعالى أن يكرمنا فيها بأعمال صالحات نثقل بها الميزان يوم الدين، ونمتن بها الإيمان، ونجعلها وصلة تقربنا من الديّان، ووسيلة نبتغي بها الرضوان، ونصرف بها بغي أهل البهتان.
إن الفتن العمياء أشغلت كثيرا من أبناء المسلمين عن طلب العلم الشرعي، وإخراج إرث السلف المخطوط إلى عالم النور والاستفادة، والاجتهاد في العبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل؛ صار شغلهم الشاغل القيل والقال، والروايات المنكرة، والأخبار المبتورة، والوقيعة بين أصحاب المنهج الواحد، وقد يسهر المسلم الساعات الطوال في فضول الكلام، وساقط الأخبار، وبعضهم ينتصب أمام شاشة الكمبيوتر سامدا رأسه متحيرا يتتبع مواقع الفتن آملا أن يظفر بطعن معطوب في أخيه أو شيخه أو عالم من علماء المسلمين.
إن العصمة من الفتن تكون بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة من: طلب للعلم الشرعي وغيره من العلوم النافعة للبشرية، وصلاة، وقيام ليل، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة، وجهاد مشروع، وغيرها من الأعمال المشروعة التي تعصم المسلم من الفتن والقيل والقال، والجري وراء أخبار الشوارع، ومن ظن أنه يستطيع أن يثبت وهو في غضارة الاستقامة في وجه الفتن فمغامر فاشل، ولنصوص المصطفى جاهل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام ابن ماجه أنه قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا).
وها هي العشر من ذي الحجة على الأبواب فليغتنمها المسلم في التقرب من الله، وليجعلها سلاحا في وجه الفتن والشائعات التي ينشرها أقوام باسم الدين والجرح والتعديل.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، برقم 118) قال: حدثني يحي بن أيوب، وقتيبة، وابن حُجر، جميعا: عن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
وأخرج الإمام الترمذي (كتاب الفتن برقم 2198) عن صالح بن عبد الله، حدثنا جعفر بن سلميان، عن هشام، عن الحسن [وهو بن أبي الحسن البصري] قال: كان يقول في هذا الحديث: ("يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي كافرا، ويصبح مؤمنا" قال: يصبح الرجل محرِّما لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي مستحلا له، ويمسي محرِّما لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مستحلا له). قال العلامة الألباني: صحيح الإسناد عن الحسن البصري.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب: العلم والعظة بالليل، برقم: 115) من طريق ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة.
وعمرو، ويحي بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: استيقظ رسول النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحجر، فربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة).
استيقظوا يا أبناء المسلمين من سكرات الإنترنيت فلقد فاتكم من الخير قراريط وأنتم تتململون في قيود الفتن وتحسبون أنكم تحسنون صنعا. وصدق الحسن بن أبي الحسن البصري حين قال: (نفسك إن لم تشغلها بالخير أشغلتها بالباطل).
إن المتصفح بإنصاف وعدل لبعض المواقع الإسلامية التي تتظاهر بخدمة الإسلام والسنة يجدها غارقة في الدجل حقيقة لا مجازا، ومنغمسة في الفتنة والمنازعة والمشارزة، وأن الذين يكتبون فيها أمثلهم طريقة يتعتع العبارة ولا يكاد يبين، فهل يتصور أهل العصر أن النصر والتمكين يأتي من بوابة الناهشين اللاسعين؟.
كلا وربّ الأرض والسماء، بل هم ثلمٌ في صرح السنة المتماسك، ومور ينفذ منه الشر والخلاف والفسوق إلى ساحتها المنهكة بالقيل والقال.
إن الله تعالى حثَّ خلقه أن يأتوا بصدق ما يُولِّد في قلوبهم الموعظة الحسنة، والعمل الصالح، فقال جل شأنه: [ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ولهم وأشدّ تثبيتا].
وإن الثبات على الحق القديم، والانتصار على النفس الأمارة بالسوء، وأعداء الأمة من الكفار والمبتدعة يكون بالفعل الحسن، والقول الصادق في السرّ والعلن، وإذا تحل أبناء الأمة بهذا الرداء الطيب فإن الله لن يخزيهم أبدا، وسيجعل بينهم بين أهل الباطل حجابا مستورا.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي برقم:3) من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم....[إلى أن قالت]: فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني، زملوني)، فزملوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال: لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: "كلا؛ والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيّف، وتُعين على نوائب الحق:").
يا أهل الحديث؛ والله لن يخزيكم الله أبدا وأنتم قائمون على العمل بدينه، واقفون عند حدوده، ممتثلون أوامره، مجتنبون نواهيه، مستثمرون التقوى والصدق والصفاء في العصمة من الفتن، فإن الأعمال الصالحات في الأزمنة الفاضلة كساء مسبل عليكم يحميكم من شرّ ما يفزعكم وينشر الرعب في صفوفكم، فقد أخرج الإمام أبو داود في سننه (كتاب الصلاة، باب: وقت قيام النبي من الليل، برقم:1319) من طريق: محمد بن عيسى، حدثنا يحي بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز بن أخي حذيفة، عن حذيفة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ صلى). وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود بمجموع الطرق (5/65 الأصل)، والله أعلم.
فالله نسأل أن يوفقنا لحج بيته العتيق، وأن يعصمنا من الفتن ويقينا أهل الشرور إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآن زمان الشروع في المقصود فنعم المولى الواحد الودود.
باب:
ما جاء في قاله تعالى في سورة [الفجر: 1-2]: [والفجر وليال عشر].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره (14/338 طبعة أولاد الشيخ): (والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله: ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف).
قول عبد الله بن عباس في تفسير الآية:
قال الإمام المحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (30/205 ضبط وتعليق أحمد شاكر): (اختلف أهلُ التأويل في هذه الليالي العشر, أيُّ ليالٍ هي؟
فقال بعضهم: هي ليالي عشر ذي الحجة.
حدثنا ابن بشار، ثنا ابن أبي عدي، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف عن زُرارة عن ابن عباس؛ قال: إن اللياليَ العشر التي أقسم الله بها؛ هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة.
حدثني يعقوب ثنا ابن عُلية، أخبرنا عوف، حدثنا زرارة بن أبي أوفى، قال: قال ابن عباس: إن الليالي العشر اللاتي أقسم الله بهن: هنّ الليالي الأول من ذي الحجة).
قلت: ابن أبي عدي، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، وابن علية كلهم ثقات معروفين رووا الأثر عن عوف ابن أبي جميلة العبدي أبي سهل البصري، المعروف بالأعرابي، ولم يكن أعرابيا قال عنه النسائي: ثقة ثبت، عن زرارة بن أوفى قال: قال ابن عباس: به.
قول عبد الله بن الزبير في تفسير الآية:
قال الإمام ابن جرير الطبري: (حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمر بن قيس، عن محمد بن المرتفع، عن عبد الله بن الزبير (وليال عشر): أول ذي الحجة إلى يوم النحر)اهـ
قلت: وهذا الأثر واه بمرة، عمر بن قيس المكي أبو حفص، والمعروف بسَنْدل، مولى بني أسد بن عبد العزى، وقيل: مولى آل منظور بن سيّار الفَزَاريّ. متروك الحديث كما قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب.، وفي رواية ابنه عبد الله قال: ليس يساوي حديثه شيئا، أحاديثه بواطيل.
وقال عبد الله: قال أبي -الإمام أحمد-: اجتمع مالكٌ وسندل عند بعض الأمراء أو غيره، فسأل مالك عن مسألة. فقال سندل: أبو عبد الله –يعني مالكا- مرة يخطئ ومرة يصيب، فقال مالك: كذلك الناس.
قال أبي –الإمام أحمد-: وكان سندل فيه جرأة.
وقال العلامة ابن سعد في الطبقات: (كان فيه بذاء وتسرع إلى الناس، فأمسكوا عن حديثه وألقوه، وهو ضعيف في الحديث ليس بشيء).
قلت: كيف لو وقف ابن سعد على كلام بعض الناس في عصرنا ممن يفتي أو يكتب على شبكة النت، فإنّه سيخصص لهم طبقة منفردة والله المستعان.
قول مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج القرشي المخزومي في تفسير الآية:
قال ابن جرير الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد قال: ليس عمل في ليال من ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله له) اهـ.
وأخرجه الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني في المصنف (4/375 كتاب المنسك برقم 8119): قال: أخبرنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، قال: وهي العشر الذي أتمها الله لموسى).
قلت: يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي أبو عبد الله الكوفي وإن أخرج له مسلم مقرونا بغيره مشيا على ما قرره في مقدمة صحيحه، فهو إلى الضعف أقرب تغير بآخرة وكان رفّاعا مع تشيعه.
قول مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي في تفسير الآية.
قال الخطيب: يقال: إنه سُرق وهو صغير فسميّ مسروقا.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره: حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن مسروق قال: (ليل عشر): هي أفضل أيام السنة.
وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (برقم:8120): عن معمر عن الأعمش عن أبي الضحى قال: سئل مسروق عن (الفجر وليال عشر)، قال: هي أفضل أيام السنة.
وهذا إسناد نظيف وإن تبادر إلى الناظر الاختلاف على معمر فيه، والأقرب أن له طريقين.
فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، (وليال عشر) قال: عشر ذي الحجة، وهي التي وعد الله موسى.
قلت: وهو قول: قتادة بن دِعامة بن قتادة السَّدُسيّ أبي الخطاب البصري، والضحاك بن مزاحم وخلق كثير.
قال الإمام بن جرير الطبري في تفسيره (30/206): (والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ حدثني قال: حدثني زيد بن حباب قال: أخبرني عياش بن عقبة قال: حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «(والفجر وليال عشر) قال: عشر الأضحى»)اهـ.
قال أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري: حديث جابر تفرد به الإمام النسائي عن أصحاب الكتب الستة وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: وعندي أن المتن في رفعه نكارة.
فقد أخرجه في السنن الكبرى (4/194 برقم: 4086 كتاب المناسك، باب: يوم الحج الأكبر)، و(10/334 برقم: 11607، كتاب التفسير) من طريق محمد بن رافع، حدثنا زيد بن الحُباب، أخبرني عيّاش بن عقبة، أخبرني خير بن نعيم، عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ([والفجر وليال عشر]، قال: عشرٌ: النحر، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر).
وأخرجه الإمام النسائي (10/335 برقم11608) من طريق عبدة بن عبد الله، أخبرنا زيد بن الحباب، به.
ورواه الإمام أحمد في المسند (3/327) عن زيد بن الحباب، حدثنا عيّاش بن عقبة به.
وأخرجه الإمام الحاكم في المستدرك (4/346 برقم 7597 كتاب الأضاحي، طبعة العلامة مقبل بن هادي) من طريق زيد بن الحباب، حدثنا زيد بن عقة الحضرمي، حدثني جعفر بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
قال العلامة المحدث مقبل بن هادي رحمه الله: (في هذا السند –أي الحاكم- تصحيف، فزيد بن عقبة: صوابه عياش بن عقبة، وهو ليس من رجال مسلم كما في تهذيب التهذيب، فعلى هذا لا يقال: على شرط مسلم.
وجعفر بن نعيم صوابه: خير بن نعيم كما في تهذيب التهذيب، والحديث قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وهذا سند لا بأس به، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم).
باب:
قال تعالى في سورة الحج: [ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام]
قال الإمام ابن كثير في تفسير سورة الحج (10/44 طبعة: أولاد الشيخ): (قال شعبة، وهشيم، عن أبي بشر، عن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به).
قلت: إن أثر ابن عباس أوصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/377) وقال: (أما تفسير ابن عباس، فقال عبد بن حميد في تفسيره، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن عباس يقول: ( اذكروا الله في أيام معدودات: الله أكبر، اذكروا الله في أيام معلومات: الله أكبر، فقال: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعدودات: أيام العشر)اهـ.
وأخرج الأثر سعيد منصور في سننه، إلا أنه جعله من قول سعيد بن جبير، وهو منكر من هذا الوجه، حيث قال: أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: (الأيام المعلومات: أيام التشريق، والأيام المعدودات: أيام التشريق).
وقد خالف أبا عوانة وضاحَ بن عبد الله اليشكري؛ شعبةُ، وهشيم، فروياه عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو الأليق.
وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في أحكام القرآن (2/202 تحقيق سعد الدين أونال) والبيهقي في السنن الكبرى (5/228)، وفي شعب الإيمان (7/353 الطبعة الهندية) من طريق إبراهيم بن مرزوق، حدثنا عفان بن مسلم، عن هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ("الأيام المعلومات" أيام العشر، و"الأيام المعدودات" أيام التشريق). وهو المحفوظ.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر الطحاوي أثارا أخرى عن ابن عباس وعبد الله بن عمر فراجعها.
حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعا من رواية
شعبة عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير به، وجاء التصريح بالتحديث في مسند الطيالسي (برقم2753 طبعة دار هجر):
والمحفوظ من مسند عبد الله بن عباس.
وأما رواية موسى بن أعين، عن أعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ورواية أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود فمنكرتان.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق برقم 969) من طريق محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان [الأعمش]، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنّه قال: (ما العمل في أيامٍ أفضلُ منها في هذا [العشر])، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد؛ إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء). انظر مختصر صحيح البخاري للعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (1/297).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (قوله: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه" كذا لأكثر الرواة بالإبهام, ووقع في رواية كريمةَ عن الكُشميهني: "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه"، وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيا م العشر على العمل في هذه الأيام، إن فسر بأنها أيام التشريق، وعلى ذلك جرى بعض شراح البخاري، وحمله على ذلك ترجمة البخاري المذكورة، فزعم أن البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسر العمل بالتكبير لكونه أورد الأثر المذكور المتعلق بالتكبير فقط، وقال ابن أبي جمرة: (الحديث دال على أن العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيره، قال: ولا يعكر على ذلك كونها أيام عيد كما تقدم من حديث عائشة، ولا ما صحّ من قوله عليه الصلاة والسلام: "إنها أيام أكل وشرب" كما رواه مسلم، لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرّع فيها أعلا العبادات وهو ذكر الله تعالى، ولم يمنع فيها منها إلا الصيام، قال: وسِرُّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها؛ أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام، وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده ثم مُنَّ عليه بالفداء، فثبت لها الفضل بذلك)اهـ.
وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يعارضه، والسياق الذي وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر" وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة فقال: "في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة"، وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع عن شعبة، ووقع في رواية وكيع المقدم ذكرها: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني: أيام العشر"، وكذا رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي من رواية أبي معاوية فقال: "من هذه الأيام العشر" بدون يعني، وقد ظن بعض الناس أن قوله: "يعني أيام العشر" تفسير من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر، وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ: "ما من عمل أزكى عند الله، ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى"، وفي حديث جابر في "صحيحي أبي عوانة وابن حبان": "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق، ويجاب بأجوبة:
أحدها أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق ثانيها أن عشر ذي الحجة إنما شُرّف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق، كالرمي، والطواف وغير ذلك من تتماته، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل، ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها، وبهذا تظهر مناسبة إيراد الآثار المذكورة في صدر الترجمة لحديث ابن عباس، كما تقدمت الإشارة إليها
ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر، وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق، فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق، لأن يوم العيد بعض كل منها، بل هو رأس كل منها، وشريفه وعظيمه، وهو يوم الحج الأكبر كما سيأتي في كتاب الحج إن شاء الله تعالى)انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله.
فصل:
رواية أبي معاوية عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن مجاهد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
رواها الترمذي (برقم:757)، وابن ماجه (1727)، والإمام أحمد (1/224)، وابن حبان (1/271برقم:324)، وابن أبي شيبة (5/348)، والبغوي (4/345 برقم: 1125)، من طريق أبي معاوية عن الأعمش به, ولفظه: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني: أيام العشر).
رواية وكيع عن الأعمش به:
رواها الإمام أبو داود (2438) من طريق: وكيع ثنا الأعمش، عن أبي صالح، ومجاهد، ومسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز و جل من هذه الأيام - يعني: أيام العشر-). قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
رواية سفيان بن سعيد الثوري عن الأعمش به:
رواها عبد الرزاق (8121)، والطبراني في المعجم الكبير (برقم:12326-12328)، والبيهقي في شعب الإيمان (برقم3473 الطبعة الهندية)، والخطيب في تاريخه (9/266) من طريق: سفيان بن سعيد الثوري عن الأعمش به بلفظ: (ما من أيام أحب فيهن العمل، أو أفضل فيهن العمل من أيام العشر).
حديث عبد الله بن عمرو:
من رواية: زهير بن معاوية، عن إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو قال: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده الأيام العشر، فقال: "ما من أيّام أحبُّ إلى الله عز وجل، العملُ فيهن من عشر ذي الحجة" قيل: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره وقال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله وكان مُهجته فيه):
رواها الإمام أحمد في المسند (2/167)، وأبو داود الطيالسي (برقم 2283)، وابن أبي عاصم في الجهاد (157)، والطحاوي في المشكل (2972)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (1/385)، والطبراني في فضائل العشر (برقم7): كلهم من طريق زهير بن معاوية به.
هذا إسناد لين لمرتبة إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي انظر تهذيب الكمال للمزي (2/211 برقم250).
وأخرجها الإمام أحمد (2/161): من طريق يحيى بن أبي إسحاق، حدثني عبدة ابن أبي لبابة، عن حبيب بن أبي ثابت، حدثني أبو عبد الله مولى عبد الله بن عمرو، ثنا عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيامٍ أحبّ إلى الله العملُ فيهن من هذه الأيام)، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا من خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع حتى تُهراقَ مهجةُ دمِه)، قال: فلقيت حبيب ابن أبي ثابت، فسألته عن هذا الحديث فحدثني بنحوٍ من هذا الحديث، قال: قال عبدة: هي الأيام العشر).
وأخرجها ابن أبي عاصم في الجهاد (158)، والطبراني في فضل عشر ذي الحجة (8): من طريق يحيى بن أبي إسحاق به.
وهذا الإسناد ضعيف من أجل أبي عبد الله مولى عبد الله بن عمرو، فهو مجهول، ولكن إذا ضم إليه الطريق السابق يرتقي إلى الحسن، وأصل المتن في الصحيح.
حديث عبد الله بن عمر:
من طريق: عفان وغيره، عن أبي عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما مِن أيامٍ أعظمُ عندَ الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد). وهو المحفوظ إن شاء الله.
أخرجها أحمد (2/75-131)، وعبد بن حميد (807)، والطحاوي في المشكل (2971)، والبيهقي في الشعب (7/338 برقم:3474 الطبعة الهندية).
قال البيهقي رحمه الله: (قال الحربي: قال أبو عبد الله بن أحمد بن حنبل حين حدّثه: ما قال فيها أحد هذا الكلام الأخير غير أبي عوانة، يعني: "فأكثروا فيها..." قال: وذكره أيضا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، وهو المذكور في "كتاب الدعوات").
قلت: ورواية محمد بن فضيل بن غزوان الضّبيّ الكوفي وهو صدوق فيه تشيع تعضد رواية أبي عوانة اليشكري السابقة.
وقد أخرج الحديث البيهقي (7/339 برقم3475) من طريق آخر عن: مسعود بن سعد، عن يزيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتهليل).
جاء في العلل لابن أبي حاتم الجزء الثاني عشر؛ "علل أخبار رويت في ثواب الأعمال" (3/195 برقم:1992 طبعة الفاروق) في بيان الاختلاف الوارد في الحديث: (وسئل أبو زرعة عن حديث: رواه خالد الواسطي، وعبد الله بن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العملُ من أيام العشر..." الحديث.
قيل ليه: ورواه محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو زرعة: ابن إدريس، وخالد أحفظ في حديث يزيد من ابن فضيل)اهـ.
وقد سبق أن محمد بن فضيل الضبيّ لم يتفرد بالحديث، بل تابعه عليه: أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، و مسعود بن سعد الجعفي الثقة العابد.
إن من جواب أبي زرعة السابق يدرك الطالب أنه قد اختلف على يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي وقد بينت هذا في الأصل، وخلاصة القول: إن: رواية أبي عوانة ومن عضده عن يزيد أصح الروايات.
حديث أبي هريرة
من طريق مسعود بن واصل، حدثنا النّهاس بن قهم، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)
أخرجه الإمام الترمذي في الجامع (برقم: 758)، وابن ماجة (برقم1728)، والبيهقي في فضائل الأوقات (ص:345)، والبغوي في شرح السنة (برقم:1226)، والخطيب في تاريخه (11/208)، والمزي في تهذيب الكمال (27/483 ترجمة مسعود بن واصل)، وغيرهم من طريق: مسعود بن واصل، عن النّهّاس بن قَهم، به.
قال الإمام الترمذي في الجامع: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل، عن النّهّاس. قال: سألت محمدا –البخاري- عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه، مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا شيء من هذا.
وقد تكلم يحيى بن سعيد في نهاس بن قهم من قبل حفظه)اهـ
قلت: وهذا الحديث رفعه منكر كما أشار الإمام البخاري، وفي سنده:
مسعود بن واصل العقدي البصري الأزرق، صاحب السّابري، قال عنه الإمام أبو داود: ليس بذاك.
والنّهّاس بن قَهم القيسي أبو الخطاب البصري: ضعيف كما قال الحافظ.
فصل:
هل الأيام العشر ذي الحجة أفضل أيام السنة؟
أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (4/113)، والبيهقي في الشعب (برقم:3476)، والدارمي في المسند، المعروف بالسنن (برقم:1815 تحقيق حسين سليم الدّاراني) من طريق: يزيد بن هارون، حدثنا أصبغ بن زيد الوراق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في العشر الأضحى)، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
قال: وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه.
قلت: رجاله ثقات.
وعن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه يرفعه: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر يعني عشر ذي الحجة...، وذكر عرفة فقال: يوم مباهاة ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يسألون رحمتي، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا).
قال: فلم نرى يوماً أكثر عتيقاً وعتيقةً من النار.
رواه البزار كما في كشف الأستار (2/28برقم:1128)، على اختلاف كثير فيه، وبعد التوسع في تخريجه ظهر لي أنه غريب عن أبي الزبير المكي؛ لم يروه عنه إلا أهل البصرة.
فأين أهل مكة والمدينة من هذا الحديث الذي تقوى الهمم على نقله؟.
ثانيا: الإرسال فقد قال الحافظ ابن رجب في الفتح الباري: (وروي مرسلاً وقيل: إنه أصح)
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف (468 طبعة دار ابن كثير) بعد أن أورد حديث جابر وابن عمر، وأثر مسروق: (وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء، هذا في أيامه فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدا، [ثم قال في "ص:469"]والتحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء، أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها، والله أعلم)اهـ
قال ابن رجب في اللطائف: (فمن فضائله –أي العشر ذي الحجة-: أن الله أقسم به جملة وببعضه خصوصا، قال تعالى: [والفجر وليال عشر]...
ومن فضائله أيضا: أنه من جملة الأربعين التي وعد الله عز وجل لموسى عليه السلام...
ومن فضائله: أنه خاتمة الأشهر المعلومات...
ومن فضائله: أنه الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام...).
فصل:
ما جاء من عبادات مقيدة ومطلقة في العشر ذي الحجة.
=إظهار التكبير المطلق في أيام العشر في الطرق والأسواق والبيوت وغيرها من الأمكنة الطاهرة:
قال الله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)[الحج: 28] .
والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة كما سبق بيانه.
وجاء صحيح الإمام البخاري (كتاب العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق): (وقال ابن عباس: واذكروا الله في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق). قال الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر صحيح البخاري (1/297): (وصله عبد بن حميد، عن عمرو بن دينار، عنه. وابن عباس لم يقصد التلاوة، وإنما أراد تفسير المعدودات والمعلومات).
وقال الإمام البخاري في نفس الكتاب والباب: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما).
قال العلامة الألباني رحمه الله: (قال الحافظ لم أره موصولا عنهما).
قلت والله أعلم: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (5/112 تحقيق طارق بن عوض الله): (وأمّا ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة، فهو من رواية سلام أبي المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلاّ لذلك. خرّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب "الشافي"، وأبو بكر المروزي القاضي في كتاب "العيدين".
ورواه عفان: نا سلام أبو المنذر، فذكره. ولفظه: "كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك).
وهذا إسناد لا بأس به إن شاء الله، رجاله ثقات خلا سَلاّم بن سليمان المزني، أبو المنذر القارئ النحوي الكوفي، لا بأس به كما قال يحي بن معين.
قلت: كان نصر بن علي يُنكر عليه شيئا من الحروف في القراءة، وكان شديدا على القدرية.
وقال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود عن سلاّم أبي المنذر فقال: (ليس به بأس، أُنكِر عليه حديث داود عن عامر في القراءة).
وقال الإمام البخاري في (كتاب العيدين، باب: التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة): (وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا).
وذكر الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف (ص:475): (وروى جعفر الفريابي في كتاب " العيدين": حدثنا إسحاق بن راهوية، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير، ومجاهدا، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد).
وقال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها.
إن التكبير من أفضل العبادات، فكيف إذا صادف أوقات فاضلة، أخرج الإمام مسلم في صحيح مسلم (كتاب الأدب، برقم2137) من حديث زهير، حدثنا منصور، هلال بن يساف، عن ربيع بن عميلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت).
فقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال الكلمات الأربع، وهي تجسيد لمعنى الذكر، وهذا هو المطلوب من المسلمين في العشر ذي الحجة، ولكن من نظر في بعض المواقع الإسلامية وجد المباهلة والملاعنة، وهي أعمال يجتنبها السلف في الأيام العادية، فما بال أسامة العتيبي يجاهر بها ويظهرها في العشر ذي الحجة والله المستعان.
=الحج لمن استطاع إليه سبيلا:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الحج، باب: فضل الحج المبرور، برقم1449) من حديث سيار أبي الحكم، قال: سمعت أبا حازم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه).
الأضحية للقادر عليها:
وأنها سنة مؤكدة على أرجح الأقوال، والأحاديث التي ظاهرها الأمر كلها معلولة، لا يصح منها شيء كما وضحنا في الأصل.
قال أبو محمد ابن حزم في المحلى (7/358): (لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة).
وروى البيهقي (9/444 برقم: 19034كتاب الضحايا، باب: الأضحية سنة نحب لزومها ونكره تركها) بإسناد صحيح من طريق الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال: أدركت أبا بكر، أو رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان في بعض حديثهم:كراهية أن يقتدى بهما.
قال البيهقي: أبو سريحة الغفاري هو: حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقي أيضا (9/445 برقم:19038) بإسناد صحيح من طريق: سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (إني لأدع الأضحى وإني لموسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي).
وتابع الأعمش منصور وواصل، فقد أخرج البيهقي في السنن (برقم:19039) من طريق سفيان، عن منصور وواصل، عن أبي وائل، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري قال: (لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن تحسب النفس أنها عليها حتم واجب).
وعلق البخاري في صحيحه (كتاب الأضاحي، باب: سنة الأضحية) عن ابن عمر أنه قال عن الأضحية: (سنة ومعروف). قال الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر صحيح البخاري (3/460): وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد عنه.
ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، والحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا يصح فهو منكر مرفوعا، فقد أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا). وعبد الله بن عياش ضعف, وقد اختلف في رفعه ووقفه.
قال ابن الجوزي في التحقيق - كما في التنقيح (3/566): (قال أحمد: هو حديث منكر. وقال الدّارَقطنيّ: قد روي موقوفا، والموقوف أصحّ).
ويستحب ذبح كبشين أملحين، فقد وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأضاحي برقم :5553) من حديث شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين.
=التقرب إلى الله بباقي العبادات المشروعة من: صلاة، وصيام، وصدقة، وجهاد، وزواج، وغيرها من الطاعات.
جاء في حديث ابن عباس الذي أخرج الإمام البخاري: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه العشر..)
فهذا الحديث يحث على جميع الأعمال الصالحة التي جعلها الله وسيلة للتقرب منه، وجلب المنافع ودرء المساوئ.
ومن هذه الأعمال الصالحة صيام يوم عرفة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الصيام: برقم1162) من طريق حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزَمَّاني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (..صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (برقم:1160) من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشهر يصوم).
مسألة:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الاعتكاف برقم:1176) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط)
قال القاضي عياض في إكمال المعلم (4/159): (ليس يحتج به على كراهية صومه).
إظهر التكبير المقيد عقب الصلوات الخمس في جماعة:
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعا)
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكانت ميمونة تكبر يوم النحر).
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكنّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد).
المقيد يبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر يوم من أيام التشريق، وذلك عقب أدبار الصلوات الخمس في جماعة.
جاء في المغني لابن قدامة (3/256) قال القاضي أبو يعلى: (التكبير في الأضحى مطلق ومقيد؛ فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان).
وقال الحافظ ابن رجب في الفتح الباري (6/125 تحقيق طارق عوض الله): (وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، ولكنّه يقول: إن هذا في حق أهل الأمصار، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنهم قبل ذلك مشتغلون بالتلبية. وحكاه عن سفيان بن عيينة وقال: هو قول حسن). انظر الأوسط لابن المنذر (4/344 طبعة دار الفلاح).
الآثار الثابتة عن الصحابة في مشروعية التكبير أدبار الصلوات الخمس في فريضة أيام التشريق.
أخرج ابن أبي شيبة ابن أبي شيبة (2/72 التكبير من أي يوم إلى أي ساعة)، وابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم:2192- 2194) من طريق: حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن علي رضي الله عنه:
ومن طريق زائدة، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: (يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، يكبر بعد العصر). الإسناد الأول حسن، والثاني ضعيف لضعف ابن عامر الثعلبي. وله طرق أخرى انظرها في الأوسط وسنن البيهقي والمصنف لابن أبي شيبة.
وأخرج ابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم: 2195) من طريق أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله بن مسعود؛ أنه كان يكبر صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد)
وأخرج ابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم:2193)، وابن أبي شيبة (2/73) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن أبي بكار، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه كان يكبر من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب؛ الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد).
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
أما بعد: قال الله تعالى في سورة القصص: [وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى كما يشركون].
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسيره: (هذه الآيات فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه من الأشخاص والأوامر والأزمان والأمكان، وأنّ أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء).
إن من الأزمنة التي فضلها والله، وضاعف فيها الأعمال، وحثا أهل التقى على اقتناصها العشرَ من ذي الحجة، وقد وردت فيها نصوص كثيرة بين صحيح وضعيف، فاستعنت بالله جلّ وعزّ على جمع بعضها، والتكلم على أسانيدها بشيء من الاختصار بما يفي بالمطلوب، راجيا من الله تعالى أن يكرمنا فيها بأعمال صالحات نثقل بها الميزان يوم الدين، ونمتن بها الإيمان، ونجعلها وصلة تقربنا من الديّان، ووسيلة نبتغي بها الرضوان، ونصرف بها بغي أهل البهتان.
إن الفتن العمياء أشغلت كثيرا من أبناء المسلمين عن طلب العلم الشرعي، وإخراج إرث السلف المخطوط إلى عالم النور والاستفادة، والاجتهاد في العبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل؛ صار شغلهم الشاغل القيل والقال، والروايات المنكرة، والأخبار المبتورة، والوقيعة بين أصحاب المنهج الواحد، وقد يسهر المسلم الساعات الطوال في فضول الكلام، وساقط الأخبار، وبعضهم ينتصب أمام شاشة الكمبيوتر سامدا رأسه متحيرا يتتبع مواقع الفتن آملا أن يظفر بطعن معطوب في أخيه أو شيخه أو عالم من علماء المسلمين.
إن العصمة من الفتن تكون بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة من: طلب للعلم الشرعي وغيره من العلوم النافعة للبشرية، وصلاة، وقيام ليل، وصدقة، وصيام، وحج، وعمرة، وجهاد مشروع، وغيرها من الأعمال المشروعة التي تعصم المسلم من الفتن والقيل والقال، والجري وراء أخبار الشوارع، ومن ظن أنه يستطيع أن يثبت وهو في غضارة الاستقامة في وجه الفتن فمغامر فاشل، ولنصوص المصطفى جاهل، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة الذي أخرجه الإمام ابن ماجه أنه قال: (لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا).
وها هي العشر من ذي الحجة على الأبواب فليغتنمها المسلم في التقرب من الله، وليجعلها سلاحا في وجه الفتن والشائعات التي ينشرها أقوام باسم الدين والجرح والتعديل.
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان، برقم 118) قال: حدثني يحي بن أيوب، وقتيبة، وابن حُجر، جميعا: عن إسماعيل بن جعفر.
قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل، أخبرني العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا).
وأخرج الإمام الترمذي (كتاب الفتن برقم 2198) عن صالح بن عبد الله، حدثنا جعفر بن سلميان، عن هشام، عن الحسن [وهو بن أبي الحسن البصري] قال: كان يقول في هذا الحديث: ("يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرا، ويمسي كافرا، ويصبح مؤمنا" قال: يصبح الرجل محرِّما لدم أخيه وعرضه وماله، ويمسي مستحلا له، ويمسي محرِّما لدم أخيه وعرضه وماله، ويصبح مستحلا له). قال العلامة الألباني: صحيح الإسناد عن الحسن البصري.
وأخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب العلم، باب: العلم والعظة بالليل، برقم: 115) من طريق ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة.
وعمرو، ويحي بن سعيد، عن الزهري، عن هند، عن أم سلمة قالت: استيقظ رسول النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتن، وماذا فتح من الخزائن، أيقظوا صواحبات الحجر، فربّ كاسية في الدنيا عارية في الآخرة).
استيقظوا يا أبناء المسلمين من سكرات الإنترنيت فلقد فاتكم من الخير قراريط وأنتم تتململون في قيود الفتن وتحسبون أنكم تحسنون صنعا. وصدق الحسن بن أبي الحسن البصري حين قال: (نفسك إن لم تشغلها بالخير أشغلتها بالباطل).
إن المتصفح بإنصاف وعدل لبعض المواقع الإسلامية التي تتظاهر بخدمة الإسلام والسنة يجدها غارقة في الدجل حقيقة لا مجازا، ومنغمسة في الفتنة والمنازعة والمشارزة، وأن الذين يكتبون فيها أمثلهم طريقة يتعتع العبارة ولا يكاد يبين، فهل يتصور أهل العصر أن النصر والتمكين يأتي من بوابة الناهشين اللاسعين؟.
كلا وربّ الأرض والسماء، بل هم ثلمٌ في صرح السنة المتماسك، ومور ينفذ منه الشر والخلاف والفسوق إلى ساحتها المنهكة بالقيل والقال.
إن الله تعالى حثَّ خلقه أن يأتوا بصدق ما يُولِّد في قلوبهم الموعظة الحسنة، والعمل الصالح، فقال جل شأنه: [ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ولهم وأشدّ تثبيتا].
وإن الثبات على الحق القديم، والانتصار على النفس الأمارة بالسوء، وأعداء الأمة من الكفار والمبتدعة يكون بالفعل الحسن، والقول الصادق في السرّ والعلن، وإذا تحل أبناء الأمة بهذا الرداء الطيب فإن الله لن يخزيهم أبدا، وسيجعل بينهم بين أهل الباطل حجابا مستورا.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب بدء الوحي برقم:3) من طريق الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أوّل ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم....[إلى أن قالت]: فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال: (زملوني، زملوني)، فزملوه حتى ذهب عنه الرّوع، فقال: لخديجة وأخبرها الخبر: (لقد خشيت على نفسي)، فقالت خديجة: "كلا؛ والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيّف، وتُعين على نوائب الحق:").
يا أهل الحديث؛ والله لن يخزيكم الله أبدا وأنتم قائمون على العمل بدينه، واقفون عند حدوده، ممتثلون أوامره، مجتنبون نواهيه، مستثمرون التقوى والصدق والصفاء في العصمة من الفتن، فإن الأعمال الصالحات في الأزمنة الفاضلة كساء مسبل عليكم يحميكم من شرّ ما يفزعكم وينشر الرعب في صفوفكم، فقد أخرج الإمام أبو داود في سننه (كتاب الصلاة، باب: وقت قيام النبي من الليل، برقم:1319) من طريق: محمد بن عيسى، حدثنا يحي بن زكريا، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز بن أخي حذيفة، عن حذيفة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمرٌ صلى). وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود بمجموع الطرق (5/65 الأصل)، والله أعلم.
فالله نسأل أن يوفقنا لحج بيته العتيق، وأن يعصمنا من الفتن ويقينا أهل الشرور إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآن زمان الشروع في المقصود فنعم المولى الواحد الودود.
باب:
ما جاء في قاله تعالى في سورة [الفجر: 1-2]: [والفجر وليال عشر].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره (14/338 طبعة أولاد الشيخ): (والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله: ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد، وغير واحد من السلف والخلف).
قول عبد الله بن عباس في تفسير الآية:
قال الإمام المحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في جامع البيان عن تأويل آي القرآن (30/205 ضبط وتعليق أحمد شاكر): (اختلف أهلُ التأويل في هذه الليالي العشر, أيُّ ليالٍ هي؟
فقال بعضهم: هي ليالي عشر ذي الحجة.
حدثنا ابن بشار، ثنا ابن أبي عدي، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، عن عوف عن زُرارة عن ابن عباس؛ قال: إن اللياليَ العشر التي أقسم الله بها؛ هي ليالي العشر الأول من ذي الحجة.
حدثني يعقوب ثنا ابن عُلية، أخبرنا عوف، حدثنا زرارة بن أبي أوفى، قال: قال ابن عباس: إن الليالي العشر اللاتي أقسم الله بهن: هنّ الليالي الأول من ذي الحجة).
قلت: ابن أبي عدي، وعبد الوهاب، ومحمد بن جعفر، وابن علية كلهم ثقات معروفين رووا الأثر عن عوف ابن أبي جميلة العبدي أبي سهل البصري، المعروف بالأعرابي، ولم يكن أعرابيا قال عنه النسائي: ثقة ثبت، عن زرارة بن أوفى قال: قال ابن عباس: به.
قول عبد الله بن الزبير في تفسير الآية:
قال الإمام ابن جرير الطبري: (حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمر بن قيس، عن محمد بن المرتفع، عن عبد الله بن الزبير (وليال عشر): أول ذي الحجة إلى يوم النحر)اهـ
قلت: وهذا الأثر واه بمرة، عمر بن قيس المكي أبو حفص، والمعروف بسَنْدل، مولى بني أسد بن عبد العزى، وقيل: مولى آل منظور بن سيّار الفَزَاريّ. متروك الحديث كما قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب.، وفي رواية ابنه عبد الله قال: ليس يساوي حديثه شيئا، أحاديثه بواطيل.
وقال عبد الله: قال أبي -الإمام أحمد-: اجتمع مالكٌ وسندل عند بعض الأمراء أو غيره، فسأل مالك عن مسألة. فقال سندل: أبو عبد الله –يعني مالكا- مرة يخطئ ومرة يصيب، فقال مالك: كذلك الناس.
قال أبي –الإمام أحمد-: وكان سندل فيه جرأة.
وقال العلامة ابن سعد في الطبقات: (كان فيه بذاء وتسرع إلى الناس، فأمسكوا عن حديثه وألقوه، وهو ضعيف في الحديث ليس بشيء).
قلت: كيف لو وقف ابن سعد على كلام بعض الناس في عصرنا ممن يفتي أو يكتب على شبكة النت، فإنّه سيخصص لهم طبقة منفردة والله المستعان.
قول مجاهد بن جبر المكي أبو الحجاج القرشي المخزومي في تفسير الآية:
قال ابن جرير الطبري: حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد قال: ليس عمل في ليال من ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله له) اهـ.
وأخرجه الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني في المصنف (4/375 كتاب المنسك برقم 8119): قال: أخبرنا معمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، قال: وهي العشر الذي أتمها الله لموسى).
قلت: يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي أبو عبد الله الكوفي وإن أخرج له مسلم مقرونا بغيره مشيا على ما قرره في مقدمة صحيحه، فهو إلى الضعف أقرب تغير بآخرة وكان رفّاعا مع تشيعه.
قول مسروق بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي في تفسير الآية.
قال الخطيب: يقال: إنه سُرق وهو صغير فسميّ مسروقا.
قال ابن جرير الطبري في تفسيره: حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا ابن ثور عن معمر عن أبي إسحاق عن مسروق قال: (ليل عشر): هي أفضل أيام السنة.
وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف (برقم:8120): عن معمر عن الأعمش عن أبي الضحى قال: سئل مسروق عن (الفجر وليال عشر)، قال: هي أفضل أيام السنة.
وهذا إسناد نظيف وإن تبادر إلى الناظر الاختلاف على معمر فيه، والأقرب أن له طريقين.
فقد أخرجه ابن جرير في تفسيره قال: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مسروق، (وليال عشر) قال: عشر ذي الحجة، وهي التي وعد الله موسى.
قلت: وهو قول: قتادة بن دِعامة بن قتادة السَّدُسيّ أبي الخطاب البصري، والضحاك بن مزاحم وخلق كثير.
قال الإمام بن جرير الطبري في تفسيره (30/206): (والصواب من القول في ذلك عندنا: أنها عشر الأضحى لإجماع الحجة من أهل التأويل عليه، وأن عبد الله بن أبي زياد القطوانيّ حدثني قال: حدثني زيد بن حباب قال: أخبرني عياش بن عقبة قال: حدثني خير بن نعيم عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «(والفجر وليال عشر) قال: عشر الأضحى»)اهـ.
قال أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري: حديث جابر تفرد به الإمام النسائي عن أصحاب الكتب الستة وقال الإمام ابن كثير في تفسيره: وعندي أن المتن في رفعه نكارة.
فقد أخرجه في السنن الكبرى (4/194 برقم: 4086 كتاب المناسك، باب: يوم الحج الأكبر)، و(10/334 برقم: 11607، كتاب التفسير) من طريق محمد بن رافع، حدثنا زيد بن الحُباب، أخبرني عيّاش بن عقبة، أخبرني خير بن نعيم، عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ([والفجر وليال عشر]، قال: عشرٌ: النحر، والوتر: يوم عرفة، والشفع: يوم النحر).
وأخرجه الإمام النسائي (10/335 برقم11608) من طريق عبدة بن عبد الله، أخبرنا زيد بن الحباب، به.
ورواه الإمام أحمد في المسند (3/327) عن زيد بن الحباب، حدثنا عيّاش بن عقبة به.
وأخرجه الإمام الحاكم في المستدرك (4/346 برقم 7597 كتاب الأضاحي، طبعة العلامة مقبل بن هادي) من طريق زيد بن الحباب، حدثنا زيد بن عقة الحضرمي، حدثني جعفر بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر به.
وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
قال العلامة المحدث مقبل بن هادي رحمه الله: (في هذا السند –أي الحاكم- تصحيف، فزيد بن عقبة: صوابه عياش بن عقبة، وهو ليس من رجال مسلم كما في تهذيب التهذيب، فعلى هذا لا يقال: على شرط مسلم.
وجعفر بن نعيم صوابه: خير بن نعيم كما في تهذيب التهذيب، والحديث قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: وهذا سند لا بأس به، وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم).
باب:
قال تعالى في سورة الحج: [ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيّام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام]
قال الإمام ابن كثير في تفسير سورة الحج (10/44 طبعة: أولاد الشيخ): (قال شعبة، وهشيم، عن أبي بشر، عن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ الأيام المعلومات: أيام العشر، وعلقه البخاري عنه بصيغة الجزم به).
قلت: إن أثر ابن عباس أوصله الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/377) وقال: (أما تفسير ابن عباس، فقال عبد بن حميد في تفسيره، حدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، سمعت ابن عباس يقول: ( اذكروا الله في أيام معدودات: الله أكبر، اذكروا الله في أيام معلومات: الله أكبر، فقال: الأيام المعدودات أيام التشريق، والأيام المعدودات: أيام العشر)اهـ.
وأخرج الأثر سعيد منصور في سننه، إلا أنه جعله من قول سعيد بن جبير، وهو منكر من هذا الوجه، حيث قال: أخبرنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: (الأيام المعلومات: أيام التشريق، والأيام المعدودات: أيام التشريق).
وقد خالف أبا عوانة وضاحَ بن عبد الله اليشكري؛ شعبةُ، وهشيم، فروياه عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وهو الأليق.
وأخرجه أبو جعفر الطحاوي في أحكام القرآن (2/202 تحقيق سعد الدين أونال) والبيهقي في السنن الكبرى (5/228)، وفي شعب الإيمان (7/353 الطبعة الهندية) من طريق إبراهيم بن مرزوق، حدثنا عفان بن مسلم، عن هشيم، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ("الأيام المعلومات" أيام العشر، و"الأيام المعدودات" أيام التشريق). وهو المحفوظ.
وقد ذكر الإمام أبو جعفر الطحاوي أثارا أخرى عن ابن عباس وعبد الله بن عمر فراجعها.
حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مرفوعا من رواية
شعبة عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير به، وجاء التصريح بالتحديث في مسند الطيالسي (برقم2753 طبعة دار هجر):
والمحفوظ من مسند عبد الله بن عباس.
وأما رواية موسى بن أعين، عن أعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
ورواية أبي إسحاق الفزاري، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود فمنكرتان.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق برقم 969) من طريق محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن سليمان [الأعمش]، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنّه قال: (ما العمل في أيامٍ أفضلُ منها في هذا [العشر])، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: (ولا الجهاد؛ إلا رجلٌ خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء). انظر مختصر صحيح البخاري للعلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله (1/297).
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: (قوله: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذه" كذا لأكثر الرواة بالإبهام, ووقع في رواية كريمةَ عن الكُشميهني: "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه"، وهذا يقتضي نفي أفضلية العمل في أيا م العشر على العمل في هذه الأيام، إن فسر بأنها أيام التشريق، وعلى ذلك جرى بعض شراح البخاري، وحمله على ذلك ترجمة البخاري المذكورة، فزعم أن البخاري فسر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسر العمل بالتكبير لكونه أورد الأثر المذكور المتعلق بالتكبير فقط، وقال ابن أبي جمرة: (الحديث دال على أن العمل في أيام التشريق أفضل من العمل في غيره، قال: ولا يعكر على ذلك كونها أيام عيد كما تقدم من حديث عائشة، ولا ما صحّ من قوله عليه الصلاة والسلام: "إنها أيام أكل وشرب" كما رواه مسلم، لأن ذلك لا يمنع العمل فيها، بل قد شرّع فيها أعلا العبادات وهو ذكر الله تعالى، ولم يمنع فيها منها إلا الصيام، قال: وسِرُّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها؛ أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، وأيام التشريق أيام غفلة في الغالب، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام، وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده ثم مُنَّ عليه بالفداء، فثبت لها الفضل بذلك)اهـ.
وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يعارضه، والسياق الذي وقع في رواية كريمة شاذ مخالف لما رواه أبو ذر وهو من الحفاظ عن الكشميهني شيخ كريمة بلفظ: "ما العمل في أيام أفضل منها في هذا العشر" وكذا أخرجه أحمد وغيره عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة فقال: "في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة"، وكذا رواه الدارمي عن سعيد بن الربيع عن شعبة، ووقع في رواية وكيع المقدم ذكرها: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني: أيام العشر"، وكذا رواه ابن ماجه من طريق أبي معاوية عن الأعمش، ورواه الترمذي من رواية أبي معاوية فقال: "من هذه الأيام العشر" بدون يعني، وقد ظن بعض الناس أن قوله: "يعني أيام العشر" تفسير من بعض رواته، لكن ما ذكرناه من رواية الطيالسي وغيره ظاهر في أنه من نفس الخبر، وكذا وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب بلفظ: "ما من عمل أزكى عند الله، ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى"، وفي حديث جابر في "صحيحي أبي عوانة وابن حبان": "ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة" فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق، ويجاب بأجوبة:
أحدها أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تلو أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق ثانيها أن عشر ذي الحجة إنما شُرّف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق، كالرمي، والطواف وغير ذلك من تتماته، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل، ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها، وبهذا تظهر مناسبة إيراد الآثار المذكورة في صدر الترجمة لحديث ابن عباس، كما تقدمت الإشارة إليها
ثالثها: أن بعض أيام التشريق هو بعض أيام العشر، وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق، فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق، لأن يوم العيد بعض كل منها، بل هو رأس كل منها، وشريفه وعظيمه، وهو يوم الحج الأكبر كما سيأتي في كتاب الحج إن شاء الله تعالى)انتهى كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله.
فصل:
رواية أبي معاوية عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن مجاهد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:
رواها الترمذي (برقم:757)، وابن ماجه (1727)، والإمام أحمد (1/224)، وابن حبان (1/271برقم:324)، وابن أبي شيبة (5/348)، والبغوي (4/345 برقم: 1125)، من طريق أبي معاوية عن الأعمش به, ولفظه: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام، يعني: أيام العشر).
رواية وكيع عن الأعمش به:
رواها الإمام أبو داود (2438) من طريق: وكيع ثنا الأعمش، عن أبي صالح، ومجاهد، ومسلم البطين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله عز و جل من هذه الأيام - يعني: أيام العشر-). قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلا خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
رواية سفيان بن سعيد الثوري عن الأعمش به:
رواها عبد الرزاق (8121)، والطبراني في المعجم الكبير (برقم:12326-12328)، والبيهقي في شعب الإيمان (برقم3473 الطبعة الهندية)، والخطيب في تاريخه (9/266) من طريق: سفيان بن سعيد الثوري عن الأعمش به بلفظ: (ما من أيام أحب فيهن العمل، أو أفضل فيهن العمل من أيام العشر).
حديث عبد الله بن عمرو:
من رواية: زهير بن معاوية، عن إبراهيم بن المهاجر، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو قال: حضرتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر عنده الأيام العشر، فقال: "ما من أيّام أحبُّ إلى الله عز وجل، العملُ فيهن من عشر ذي الحجة" قيل: يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ فأكبره وقال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله وكان مُهجته فيه):
رواها الإمام أحمد في المسند (2/167)، وأبو داود الطيالسي (برقم 2283)، وابن أبي عاصم في الجهاد (157)، والطحاوي في المشكل (2972)، والخطيب في موضح أوهام الجمع والتفريق (1/385)، والطبراني في فضائل العشر (برقم7): كلهم من طريق زهير بن معاوية به.
هذا إسناد لين لمرتبة إبراهيم بن المهاجر بن جابر البجلي الكوفي انظر تهذيب الكمال للمزي (2/211 برقم250).
وأخرجها الإمام أحمد (2/161): من طريق يحيى بن أبي إسحاق، حدثني عبدة ابن أبي لبابة، عن حبيب بن أبي ثابت، حدثني أبو عبد الله مولى عبد الله بن عمرو، ثنا عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من أيامٍ أحبّ إلى الله العملُ فيهن من هذه الأيام)، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا من خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع حتى تُهراقَ مهجةُ دمِه)، قال: فلقيت حبيب ابن أبي ثابت، فسألته عن هذا الحديث فحدثني بنحوٍ من هذا الحديث، قال: قال عبدة: هي الأيام العشر).
وأخرجها ابن أبي عاصم في الجهاد (158)، والطبراني في فضل عشر ذي الحجة (8): من طريق يحيى بن أبي إسحاق به.
وهذا الإسناد ضعيف من أجل أبي عبد الله مولى عبد الله بن عمرو، فهو مجهول، ولكن إذا ضم إليه الطريق السابق يرتقي إلى الحسن، وأصل المتن في الصحيح.
حديث عبد الله بن عمر:
من طريق: عفان وغيره، عن أبي عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما مِن أيامٍ أعظمُ عندَ الله ولا أحبُّ إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد). وهو المحفوظ إن شاء الله.
أخرجها أحمد (2/75-131)، وعبد بن حميد (807)، والطحاوي في المشكل (2971)، والبيهقي في الشعب (7/338 برقم:3474 الطبعة الهندية).
قال البيهقي رحمه الله: (قال الحربي: قال أبو عبد الله بن أحمد بن حنبل حين حدّثه: ما قال فيها أحد هذا الكلام الأخير غير أبي عوانة، يعني: "فأكثروا فيها..." قال: وذكره أيضا محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، وهو المذكور في "كتاب الدعوات").
قلت: ورواية محمد بن فضيل بن غزوان الضّبيّ الكوفي وهو صدوق فيه تشيع تعضد رواية أبي عوانة اليشكري السابقة.
وقد أخرج الحديث البيهقي (7/339 برقم3475) من طريق آخر عن: مسعود بن سعد، عن يزيد، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العملُ فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التحميد والتكبير والتهليل).
جاء في العلل لابن أبي حاتم الجزء الثاني عشر؛ "علل أخبار رويت في ثواب الأعمال" (3/195 برقم:1992 طبعة الفاروق) في بيان الاختلاف الوارد في الحديث: (وسئل أبو زرعة عن حديث: رواه خالد الواسطي، وعبد الله بن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من أيام أعظم عند الله ولا أحبّ إليه العملُ من أيام العشر..." الحديث.
قيل ليه: ورواه محمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أبو زرعة: ابن إدريس، وخالد أحفظ في حديث يزيد من ابن فضيل)اهـ.
وقد سبق أن محمد بن فضيل الضبيّ لم يتفرد بالحديث، بل تابعه عليه: أبو عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، و مسعود بن سعد الجعفي الثقة العابد.
إن من جواب أبي زرعة السابق يدرك الطالب أنه قد اختلف على يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي وقد بينت هذا في الأصل، وخلاصة القول: إن: رواية أبي عوانة ومن عضده عن يزيد أصح الروايات.
حديث أبي هريرة
من طريق مسعود بن واصل، حدثنا النّهاس بن قهم، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة، يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر)
أخرجه الإمام الترمذي في الجامع (برقم: 758)، وابن ماجة (برقم1728)، والبيهقي في فضائل الأوقات (ص:345)، والبغوي في شرح السنة (برقم:1226)، والخطيب في تاريخه (11/208)، والمزي في تهذيب الكمال (27/483 ترجمة مسعود بن واصل)، وغيرهم من طريق: مسعود بن واصل، عن النّهّاس بن قَهم، به.
قال الإمام الترمذي في الجامع: (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل، عن النّهّاس. قال: سألت محمدا –البخاري- عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه، مثل هذا، وقال: قد روي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا شيء من هذا.
وقد تكلم يحيى بن سعيد في نهاس بن قهم من قبل حفظه)اهـ
قلت: وهذا الحديث رفعه منكر كما أشار الإمام البخاري، وفي سنده:
مسعود بن واصل العقدي البصري الأزرق، صاحب السّابري، قال عنه الإمام أبو داود: ليس بذاك.
والنّهّاس بن قَهم القيسي أبو الخطاب البصري: ضعيف كما قال الحافظ.
فصل:
هل الأيام العشر ذي الحجة أفضل أيام السنة؟
أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار (4/113)، والبيهقي في الشعب (برقم:3476)، والدارمي في المسند، المعروف بالسنن (برقم:1815 تحقيق حسين سليم الدّاراني) من طريق: يزيد بن هارون، حدثنا أصبغ بن زيد الوراق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرا من خير يعمله في العشر الأضحى)، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء).
قال: وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه.
قلت: رجاله ثقات.
وعن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه يرفعه: (أفضل أيام الدنيا أيام العشر يعني عشر ذي الحجة...، وذكر عرفة فقال: يوم مباهاة ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيقول: عبادي شعثاً غبراً ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق، يسألون رحمتي، ويستعيذون من عذابي، ولم يروا).
قال: فلم نرى يوماً أكثر عتيقاً وعتيقةً من النار.
رواه البزار كما في كشف الأستار (2/28برقم:1128)، على اختلاف كثير فيه، وبعد التوسع في تخريجه ظهر لي أنه غريب عن أبي الزبير المكي؛ لم يروه عنه إلا أهل البصرة.
فأين أهل مكة والمدينة من هذا الحديث الذي تقوى الهمم على نقله؟.
ثانيا: الإرسال فقد قال الحافظ ابن رجب في الفتح الباري: (وروي مرسلاً وقيل: إنه أصح)
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في لطائف المعارف (468 طبعة دار ابن كثير) بعد أن أورد حديث جابر وابن عمر، وأثر مسروق: (وهذا كله يدل على أن عشر ذي الحجة أفضل من غيره من الأيام من غير استثناء، هذا في أيامه فأما لياليه فمن المتأخرين من زعم أن ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، وهذا بعيد جدا، [ثم قال في "ص:469"]والتحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخرين من العلماء، أن يقال: مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلة لا يفضل عليها غيرها، والله أعلم)اهـ
قال ابن رجب في اللطائف: (فمن فضائله –أي العشر ذي الحجة-: أن الله أقسم به جملة وببعضه خصوصا، قال تعالى: [والفجر وليال عشر]...
ومن فضائله أيضا: أنه من جملة الأربعين التي وعد الله عز وجل لموسى عليه السلام...
ومن فضائله: أنه خاتمة الأشهر المعلومات...
ومن فضائله: أنه الأيام المعلومات التي شرع الله ذكره فيها على ما رزق من بهيمة الأنعام...).
فصل:
ما جاء من عبادات مقيدة ومطلقة في العشر ذي الحجة.
=إظهار التكبير المطلق في أيام العشر في الطرق والأسواق والبيوت وغيرها من الأمكنة الطاهرة:
قال الله تعالى: (ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام)[الحج: 28] .
والأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة كما سبق بيانه.
وجاء صحيح الإمام البخاري (كتاب العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق): (وقال ابن عباس: واذكروا الله في أيام معلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق). قال الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر صحيح البخاري (1/297): (وصله عبد بن حميد، عن عمرو بن دينار، عنه. وابن عباس لم يقصد التلاوة، وإنما أراد تفسير المعدودات والمعلومات).
وقال الإمام البخاري في نفس الكتاب والباب: (وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما).
قال العلامة الألباني رحمه الله: (قال الحافظ لم أره موصولا عنهما).
قلت والله أعلم: قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (5/112 تحقيق طارق بن عوض الله): (وأمّا ما ذكره البخاري عن ابن عمر وأبي هريرة، فهو من رواية سلام أبي المنذر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلاّ لذلك. خرّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب "الشافي"، وأبو بكر المروزي القاضي في كتاب "العيدين".
ورواه عفان: نا سلام أبو المنذر، فذكره. ولفظه: "كان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر، فيكبران ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك).
وهذا إسناد لا بأس به إن شاء الله، رجاله ثقات خلا سَلاّم بن سليمان المزني، أبو المنذر القارئ النحوي الكوفي، لا بأس به كما قال يحي بن معين.
قلت: كان نصر بن علي يُنكر عليه شيئا من الحروف في القراءة، وكان شديدا على القدرية.
وقال أبو عبيد الآجري: سئل أبو داود عن سلاّم أبي المنذر فقال: (ليس به بأس، أُنكِر عليه حديث داود عن عامر في القراءة).
وقال الإمام البخاري في (كتاب العيدين، باب: التكبير أيام منى وإذا غدا إلى عرفة): (وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون، ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا).
وذكر الحافظ ابن رجب في لطائف المعارف (ص:475): (وروى جعفر الفريابي في كتاب " العيدين": حدثنا إسحاق بن راهوية، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، قال: رأيت سعيد بن جبير، ومجاهدا، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، أو اثنين من هؤلاء الثلاثة، ومن رأينا من فقهاء الناس يقولون في أيام العشر: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد).
وقال عمر بن الخطاب: قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها.
إن التكبير من أفضل العبادات، فكيف إذا صادف أوقات فاضلة، أخرج الإمام مسلم في صحيح مسلم (كتاب الأدب، برقم2137) من حديث زهير، حدثنا منصور، هلال بن يساف، عن ربيع بن عميلة، عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحبّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت).
فقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال الكلمات الأربع، وهي تجسيد لمعنى الذكر، وهذا هو المطلوب من المسلمين في العشر ذي الحجة، ولكن من نظر في بعض المواقع الإسلامية وجد المباهلة والملاعنة، وهي أعمال يجتنبها السلف في الأيام العادية، فما بال أسامة العتيبي يجاهر بها ويظهرها في العشر ذي الحجة والله المستعان.
=الحج لمن استطاع إليه سبيلا:
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الحج، باب: فضل الحج المبرور، برقم1449) من حديث سيار أبي الحكم، قال: سمعت أبا حازم قال: سمعت أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه).
الأضحية للقادر عليها:
وأنها سنة مؤكدة على أرجح الأقوال، والأحاديث التي ظاهرها الأمر كلها معلولة، لا يصح منها شيء كما وضحنا في الأصل.
قال أبو محمد ابن حزم في المحلى (7/358): (لا يصح عن أحد من الصحابة أن الأضحية واجبة).
وروى البيهقي (9/444 برقم: 19034كتاب الضحايا، باب: الأضحية سنة نحب لزومها ونكره تركها) بإسناد صحيح من طريق الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال: أدركت أبا بكر، أو رأيت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان في بعض حديثهم:كراهية أن يقتدى بهما.
قال البيهقي: أبو سريحة الغفاري هو: حذيفة بن أسيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى البيهقي أيضا (9/445 برقم:19038) بإسناد صحيح من طريق: سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (إني لأدع الأضحى وإني لموسر، مخافة أن يرى جيراني أنه حتم علي).
وتابع الأعمش منصور وواصل، فقد أخرج البيهقي في السنن (برقم:19039) من طريق سفيان، عن منصور وواصل، عن أبي وائل، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري قال: (لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم مخافة أن تحسب النفس أنها عليها حتم واجب).
وعلق البخاري في صحيحه (كتاب الأضاحي، باب: سنة الأضحية) عن ابن عمر أنه قال عن الأضحية: (سنة ومعروف). قال الشيخ الألباني رحمه الله في مختصر صحيح البخاري (3/460): وصله حماد بن سلمة في مصنفه بسند جيد عنه.
ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف، والحديث الذي جاء عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا يصح فهو منكر مرفوعا، فقد أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عياش عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا). وعبد الله بن عياش ضعف, وقد اختلف في رفعه ووقفه.
قال ابن الجوزي في التحقيق - كما في التنقيح (3/566): (قال أحمد: هو حديث منكر. وقال الدّارَقطنيّ: قد روي موقوفا، والموقوف أصحّ).
ويستحب ذبح كبشين أملحين، فقد وروى البخاري في صحيحه (كتاب الأضاحي برقم :5553) من حديث شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين، وأنا أضحي بكبشين.
=التقرب إلى الله بباقي العبادات المشروعة من: صلاة، وصيام، وصدقة، وجهاد، وزواج، وغيرها من الطاعات.
جاء في حديث ابن عباس الذي أخرج الإمام البخاري: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه العشر..)
فهذا الحديث يحث على جميع الأعمال الصالحة التي جعلها الله وسيلة للتقرب منه، وجلب المنافع ودرء المساوئ.
ومن هذه الأعمال الصالحة صيام يوم عرفة، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الصيام: برقم1162) من طريق حماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزَمَّاني عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (..صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده).
وأخرج الإمام مسلم في صحيحه (برقم:1160) من طريق معاذة العدوية، أنها سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: (أ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم. فقلت لها: من أي أيام الشهر كان يصوم؟ قالت: لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشهر يصوم).
مسألة:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الاعتكاف برقم:1176) من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط)
قال القاضي عياض في إكمال المعلم (4/159): (ليس يحتج به على كراهية صومه).
إظهر التكبير المقيد عقب الصلوات الخمس في جماعة:
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الأيام، وخلف الصلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، ومجلسه وممشاه، تلك الأيام جميعا)
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكانت ميمونة تكبر يوم النحر).
وقال الإمام البخاري في نفس الباب: (وكنّ النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان، وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد).
المقيد يبدأ من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر يوم من أيام التشريق، وذلك عقب أدبار الصلوات الخمس في جماعة.
جاء في المغني لابن قدامة (3/256) قال القاضي أبو يعلى: (التكبير في الأضحى مطلق ومقيد؛ فالمقيد عقيب الصلوات، والمطلق في كل حال في الأسواق وفي كل زمان).
وقال الحافظ ابن رجب في الفتح الباري (6/125 تحقيق طارق عوض الله): (وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، ولكنّه يقول: إن هذا في حق أهل الأمصار، فأما أهل الموسم فإنهم يكبرون من صلاة الظهر يوم النحر؛ لأنهم قبل ذلك مشتغلون بالتلبية. وحكاه عن سفيان بن عيينة وقال: هو قول حسن). انظر الأوسط لابن المنذر (4/344 طبعة دار الفلاح).
الآثار الثابتة عن الصحابة في مشروعية التكبير أدبار الصلوات الخمس في فريضة أيام التشريق.
أخرج ابن أبي شيبة ابن أبي شيبة (2/72 التكبير من أي يوم إلى أي ساعة)، وابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم:2192- 2194) من طريق: حسين بن علي، عن زائدة، عن عاصم، عن شقيق، عن علي رضي الله عنه:
ومن طريق زائدة، عن عبد الأعلى الثعلبي، عن أبي عبد الرحمن عن علي رضي الله عنه قال: (يكبر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، يكبر بعد العصر). الإسناد الأول حسن، والثاني ضعيف لضعف ابن عامر الثعلبي. وله طرق أخرى انظرها في الأوسط وسنن البيهقي والمصنف لابن أبي شيبة.
وأخرج ابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم: 2195) من طريق أبي إسحاق، عن الأسود عن عبد الله بن مسعود؛ أنه كان يكبر صلاة الغداة يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد)
وأخرج ابن المنذر في الأوسط (4/346 برقم:2193)، وابن أبي شيبة (2/73) من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن أبي بكار، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ أنه كان يكبر من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، لا يكبر في المغرب؛ الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر وأجل، الله أكبر ولله الحمد).
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.