أبو عبد الرحمن ربيع
05-02-2009, 09:25 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كلام الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
أما بعد
فهذا بحث بسيط قد قمت به فيما يتعلق بحديث خلق الله أدم على صورته المذكور عند البخاري و بيان شرحه على فريقين من أهل العلم و قد جمعت أقوال الفريقين دون أن يتبن لي ترجيح قول عن الأخر فلذا نطلب من إخواننا إن كان لديهم بعض التعيقبات أو التنبيهات حول هذا البحث فاليفيدونا جزاهم الله خيرا لتصحيح ما أخطأنا فيه لتداركه و استكمال بحثنا و الله ولي التوفيق .
حديث خلق الله أدم على صورته
جمع و ترتيب أبو عبد الرحمن ربيع
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
فهذا بحث في حديث من أحاديث الصفات و الذي أختلف في فهم معناه على فريقين اثنين و قد بينت ذلك من خلال ذكر أقوال أهل العلم من الطرفين و هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الصورة الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
( خلق الله أدم على صورته طوله ستون ذراعا ... ) ثم ذكر حديث ( لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل )و الذي ضعفه أهل العلم و صححه آخرين
و الخلاصة في إرجاع ذلك و إمراره على حاله دون ترجيح كما كان أهل السلف .
نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وما أخطأنا فيه فنسأل الله التوبة و الحمد لله رب العالمين و صل اللهم على نبينا محمد و على أله و صحبه أجمعين
يوم الخميس 09 أفريل 2009 م الموافق ليوم 13 ربيع الثاني 1430هـ
* الحديث الأول :
عن أبي هريرة،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن). ( 1 )
* الحديث الثاني :
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث ابن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتجنب الوجه. فإن الله خلق آدم على صورته". ( 2 )
* الحديث الثالث :
عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه يريد به صورة المضروب لان الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجها خلق الله آدم على صورته ( 3 )
* الحديث الرابع :
" لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل ". ( 4 )
1 أخرجه البخاري
2 أخرجه مسلم
3 أخرجه ابن حبان
4 أخرجه الآجري في الشريعة / و ابن خزيمة في التوحيد / و الطبراني في الكبير / و الدارقطني في كتاب الصفات / و البيهقي في الأسماء و الصفات من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعا
كلام الألباني حول هذا الحديث و كذا زيادة صورة الرحمن
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاثة منها فقال :
إحداها : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسله الثوري ولم يقل : " عن ابن عمر ".
والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ثم قال :
" فمعنى الخبر - إن صح من طريق النقل مسندا - أن ابن آدم خلق على الصورة التي
خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح ".
قلت : والعلة الرابعة : هي جرير بن عبد الحميد فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد
ذكر الذهبي في ترجمته من " الميزان " أن البيهقي ذكر في " سننه " في ثلاثين
حديثا لجرير بن عبد الحميد قال :
" قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ".
قلت : وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( رقم 518 ) بلفظ :
" على صورته ". لم يذكر " الرحمن ". وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله
عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفا.
فإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في " المجمع " ( 8/106 ) :
" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة
، وفيه ضعف ".
وكذلك من قول الحافظ في " الفتح " ( 5/139 ) :
" أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله
ثقات ".
لأن كون رجال الإسناد ثقاتا ليس هو كل ما يجب تحققه في السند حتى يكون صحيحا،
بل هو شرط من الشروط الأساسية في ذلك، بل إن تتبعي لكلمات الأئمة في الكلام
على الأحاديث قد دلني على أن قول أحدهم في حديث ما : " رجال إسناده ثقات "،
يدل على أن الإسناد غير صحيح، بل فيه علة ولذلك لم يصححه، وإنما صرح بأن
رجاله ثقات فقط، فتأمل. ثم إن كون إسناد الطبراني فيه الطالقاني لا يضر لو سلم الحديث من العلل السابقة
، لأن الطالقاني متابع فيه كما أشرت إليه في أول هذا التخريج.
وقد يقال : إن الحديث يقوى بما رواه ابن لهيعة بسنده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ
" إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإنما صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن "
قلت : قد كان يمكن ذلك لولا أن الحديث بهذا اللفظ منكر كما سبق بيانه آنفا، فلا يصح حينئذ أن يكون شاهدا لهذا الحديث. ومنه تعلم ما في قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل قول القرطبي : " أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، قال : وكأن من رواه [ رواه ] بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في
ذلك، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال : وعلى تقدير
صحتها فيجمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى "، فقال الحافظ :
قلت : الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر
بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة
بلفظ يرد التأويل الأول، قال : " من قاتل فليتجنب الوجه فلأن صورة وجه الإنسان
على صورة وجه الرحمن ". فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من
إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أومن تأويله على ما يليق بالرحمن جل
جلاله ".
قلت : والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب،
ولكن ذلك موقوف على صحة الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أنه
لا يصح كما بينا لك آنفا، وإن كان الحافظ قد نقل عقب كلامه السابق تصحيحه عن
بعض الأئمة، فقال : " وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة " : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج : سمعت أحمد يقول : هو حديث صحيح ".
قلت : إن كانوا يريدون صحة الحديث من الطريقين السابقين فذلك غير ظاهر لنا
ومعنا تصريح الإمام ابن خزيمة بتضعيفه وهو علم في الحديث والتمسك بالسنة
والتسليم بما ثبت فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا أيضا ابن قتيبة حيث
عقد فصلا خاصا في كتابه " مختلف الحديث " ( ص 275 - 280 ) حول هذا الحديث
وتأويله قال فيه : " فإن صحت رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تأويل ولا تنازع ".
وإن كانوا وقفوا للحديث على غير الطريقين المذكورين، فالأمر متوقف على الوقوف
على ذلك والنظر في رجالها، نقول هذا لأن التقليد في دين الله لا يجوز، ولا
سيما في مثل هذا الأمر الغيبي، مع اختلاف أقوال الأئمة في حديثه، وأنا
أستبعد جدا أن يكون للحديث غير هذين الطريقين، لأن الحافظ لم يذكر غيرهما،
ومن أوسع اطلاعا منه على السنة ؟ نعم له طرق أخرى بدون زيادة " الرحمن " فانظر
: " إذا ضرب أحدكم.. " و" إذا قاتل أحدكم... " في " صحيح الجامع " ( 687
و716 ) وغيره.
وخلاصة القول : إن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنه إلى ذلك مخالف
للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة، منها قوله صلى الله عليه وسلم :
" خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ".
أخرجه الشيخان وغيرهما " الصحيحة 450 ".
( تنبيه هام ) : بعد تحرير الكلام على الحديثين بزمن بعيد وقفت على مقال طويل
لأخينا الفاضل الشيخ حماد الأنصاري نشره في مجلة " الجامعة السلفية " ذهب فيه
إلى اتباع - ولا أقول تقليد - من صحح الحديث من علمائنا رحمهم الله تعالى،
دون أن يقيم الدليل على ذلك بالرجوع إلى القواعد الحديثية وتراجم الرواة التي
لا تخفى على مثله، لذلك رأيت - أداء للأمانة العلمية - أن أبي بعض النقاط التي
تكشف عن خطئه فيما ذهب إليه مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته لطلبة العلم
وبخاصة في الجامعة الإسلامية جزاه الله خيرا.
أولا : أوهم القراء أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى تفرد من بين الأئمة بإنكاره
لحديث " على صورة الرحمن " مع أن معه ابن قتيبة والمازري ومن تبعه، كما تقدم ، وهو وإن كان ذلك في آخر البحث، فقد كان الأولى أن يذكره في أوله حتى تكون
الصورة واضحة عند القراء.
ثانيا : نسب إلى الإمام مالك رحمه الله أنه أنكر الحديث أيضا قبل ابن خزيمة !
وهذا مما لا يجوز نسبته للإمام لأمرين :
الأول : أن الشيخ نقل ذلك عن الذهبي، والذهبي ذكره عن العقيلي بسنده : حدثنا
مقدام بن داود.. إلخ، ومقدام هذا يعلم الشيخ أنه متكلم فيه، بل قال النسائي
فيه : " ليس بثقة " فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام أنه أنكر حديثا صحيحا
على رأي الشيخ، وعلى رأينا أيضا لما يأتي.
والآخر : أن الرواية المذكورة في إنكار مالك ليس لهذا الحديث المنكر، وإنما
للحديث الصحيح المتفق عليه فإنه فيها بلفظ : " إن الله خلق آدم على صورته ".
وكذلك هو عند العقيلي في " الضعفاء " ( 2/251 ) في هذه الرواية، فحاشا الإمام
مالك أن ينكر الحديث بهذا اللفظ الصحيح أوغيره من الأئمة. ولذلك فالقارئ
العادي يفهم من بحث الشيخ أن الإمام ينكر هذا الحديث الصحيح !
ثالثا : ساق إسناد حديث ابن عمر أكثر من مرة، وكذلك فعل بحديث أبي هريرة دون
فائدة، وساقهما مساق المسلمات من الأحاديث وهو يعلم العلل الثلاث التي ذكرها
له ابن خزيمة لأنه في صدد الرد عليه، ومع ذلك لم يتعرض لها بذكر ! بله جواب،
وكذلك يعلم ضعف ابن لهيعة الذي في حديث أبي هريرة، فلم ينبس ببنت شفة !
رابعا : نقل كلام الذهبي الذي ذكره عقب رواية المقدام، وفيه : أن هذا الحديث
لم ينفرد به ابن عجلان فقد رواه ( الأرقام الآتية مني ) :
1 - همام عن قتادة عن أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة.
2 - ورواه شعيب وابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
3 - ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة.
4 - ورواه شعيب أيضا وغيره عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة
. انتهى.
وأقول : نص كلام الذهبي قبيل هذه الطرق :
قلت : الحديث في أن الله خلق آدم على صورته ؛ لم ينفرد به ابن عجلان... "إلخ.
فأنت ترى أن كلام الذهبي في واد، وكلام الشيخ في واد آخر. فهذه الطرق الأربعة ليس فيها زيادة " صورة الرحمن "، والشيخ - سامحه الله - يسوقها تقوية لها، وهو لوتأمل فيها لوجدها تدل دلالة قاطعة على نكارة هذه الزيادة، إذ لا يعقل أن تفوت على هؤلاء وكلهم ثقات، ويحفظها مثل ابن لهيعة، ومن ليس له في العير ولا في النفير ! وإني - والله - متعجب من الشيخ غاية العجب كيف يسوق
هذه الروايات نقلا عن الذهبي وهو قد ساقها لتقوية الحديث الصحيح الذي أنكره مالك بزعم المقدام بن داود الواهي، والشيخ - عافانا الله وإياه – يسوقها لتقوية الحديث المنكر ! وإن مما يؤكد أن الذهبي كلامه في الحديث الصحيح وليس في الحديث المنكر أنه قال في آخره : وقال الكوسج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : هذا الحديث صحيح. قلت : وهو مخرج في الصحاح ".
قلت : فقوله هذا يدلنا على أمرين :
الأول : أنه يعني الحديث الصحيح، لأنه هو المخرج في " الصحاح " كما سبق مني.
والآخر : أنه هو المقصود بتصحيح أحمد المذكور، فلم يبق بيد الشيخ إلا تصحيح
إسحاق، فمن الممكن أن يكون ذلك فهما منه، وليس رواية. والله أعلم.
خامسا وأخيرا : قرن الشيخ الحافظ الذهبي والعسقلاني مع أحمد وإسحاق في تصحيح
الحديث.
وجوابي عليه : أن كلام الذهبي ليس صريحا في ذلك، بل ظاهره أنه يعني الحديث الصحيح. وأما ابن حجر فعمدة الشيخ في ذلك قوله : " رجاله ثقات " وقد علمت
مما سبق أن هذا لا يعني الصحة، ولوسلمنا جدلا أنه صححه هو أوغيره قلنا : " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ".
وخلاصة ( التنبيه ) أن الشيخ حفظه الله حكى قولين متعارضين في حديث " على صورة
الرحمن " دون ترجيح بينهما سوى مجرد الدعوى، وذكر له طريقين ضعيفين منكرين
دون أن يجيب عن أسباب ضعفهما، بل أوهم أن له طرقا كثيرة يتقوى بها، وهي في الواقع مما يؤكد وهنهما عند العارفين بهذا العلم الشريف وتراجم رواته. وهذا بخلاف ما صنع شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه " نقض التأسيس " في فصل عقده فيه لهذا الحديث بأحد ألفاظه الصحيحة : " إن الله خلق أدم على صورته " أرسل إلي صورة منه بعض الأخوان جزاه الله خيرا فإن ابن تيمية مع كونه أطال الكلام في ذكر تأويلات العلماء له وما قالوه في مرجع ضمير " صورته "، ونقل أيضا كلام ابن خزيمة بتمامه في تضعيف حديث الترجمة وتأويله إياه إن صح، فرد عليه التأويل، وسلم له التضعيف، ولم يتعقبه بالرد، لأنه يعلم أن لا سبيل إلى ذلك، كما يتبين للقارىء من هذا التخريج والتحقيق، ولهذا كنت أود للشيخ الأنصاري أن لا يصحح الحديث، وهو ضعيف من طريقيه، ومتنه منكر لمخالفته للأحاديث الصحيحة.
نسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يحشرنا في زمرة المخلصين الصادقين " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ". ( 1 )
الحديث الخامس :
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه ( 2 )
1 سلسلة الأحاديث الضعيفة الألباني
2 تخريج أحاديث السنة لإبن أبي عاصم قال الألباني صحيح
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كلام الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
أما بعد
فهذا بحث بسيط قد قمت به فيما يتعلق بحديث خلق الله أدم على صورته المذكور عند البخاري و بيان شرحه على فريقين من أهل العلم و قد جمعت أقوال الفريقين دون أن يتبن لي ترجيح قول عن الأخر فلذا نطلب من إخواننا إن كان لديهم بعض التعيقبات أو التنبيهات حول هذا البحث فاليفيدونا جزاهم الله خيرا لتصحيح ما أخطأنا فيه لتداركه و استكمال بحثنا و الله ولي التوفيق .
حديث خلق الله أدم على صورته
جمع و ترتيب أبو عبد الرحمن ربيع
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
فهذا بحث في حديث من أحاديث الصفات و الذي أختلف في فهم معناه على فريقين اثنين و قد بينت ذلك من خلال ذكر أقوال أهل العلم من الطرفين و هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الصورة الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
( خلق الله أدم على صورته طوله ستون ذراعا ... ) ثم ذكر حديث ( لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل )و الذي ضعفه أهل العلم و صححه آخرين
و الخلاصة في إرجاع ذلك و إمراره على حاله دون ترجيح كما كان أهل السلف .
نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وما أخطأنا فيه فنسأل الله التوبة و الحمد لله رب العالمين و صل اللهم على نبينا محمد و على أله و صحبه أجمعين
يوم الخميس 09 أفريل 2009 م الموافق ليوم 13 ربيع الثاني 1430هـ
* الحديث الأول :
عن أبي هريرة،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن). ( 1 )
* الحديث الثاني :
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث ابن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتجنب الوجه. فإن الله خلق آدم على صورته". ( 2 )
* الحديث الثالث :
عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه يريد به صورة المضروب لان الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجها خلق الله آدم على صورته ( 3 )
* الحديث الرابع :
" لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل ". ( 4 )
1 أخرجه البخاري
2 أخرجه مسلم
3 أخرجه ابن حبان
4 أخرجه الآجري في الشريعة / و ابن خزيمة في التوحيد / و الطبراني في الكبير / و الدارقطني في كتاب الصفات / و البيهقي في الأسماء و الصفات من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعا
كلام الألباني حول هذا الحديث و كذا زيادة صورة الرحمن
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاثة منها فقال :
إحداها : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسله الثوري ولم يقل : " عن ابن عمر ".
والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ثم قال :
" فمعنى الخبر - إن صح من طريق النقل مسندا - أن ابن آدم خلق على الصورة التي
خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح ".
قلت : والعلة الرابعة : هي جرير بن عبد الحميد فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد
ذكر الذهبي في ترجمته من " الميزان " أن البيهقي ذكر في " سننه " في ثلاثين
حديثا لجرير بن عبد الحميد قال :
" قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ".
قلت : وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( رقم 518 ) بلفظ :
" على صورته ". لم يذكر " الرحمن ". وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله
عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفا.
فإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في " المجمع " ( 8/106 ) :
" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة
، وفيه ضعف ".
وكذلك من قول الحافظ في " الفتح " ( 5/139 ) :
" أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله
ثقات ".
لأن كون رجال الإسناد ثقاتا ليس هو كل ما يجب تحققه في السند حتى يكون صحيحا،
بل هو شرط من الشروط الأساسية في ذلك، بل إن تتبعي لكلمات الأئمة في الكلام
على الأحاديث قد دلني على أن قول أحدهم في حديث ما : " رجال إسناده ثقات "،
يدل على أن الإسناد غير صحيح، بل فيه علة ولذلك لم يصححه، وإنما صرح بأن
رجاله ثقات فقط، فتأمل. ثم إن كون إسناد الطبراني فيه الطالقاني لا يضر لو سلم الحديث من العلل السابقة
، لأن الطالقاني متابع فيه كما أشرت إليه في أول هذا التخريج.
وقد يقال : إن الحديث يقوى بما رواه ابن لهيعة بسنده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ
" إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإنما صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن "
قلت : قد كان يمكن ذلك لولا أن الحديث بهذا اللفظ منكر كما سبق بيانه آنفا، فلا يصح حينئذ أن يكون شاهدا لهذا الحديث. ومنه تعلم ما في قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل قول القرطبي : " أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، قال : وكأن من رواه [ رواه ] بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في
ذلك، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال : وعلى تقدير
صحتها فيجمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى "، فقال الحافظ :
قلت : الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر
بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة
بلفظ يرد التأويل الأول، قال : " من قاتل فليتجنب الوجه فلأن صورة وجه الإنسان
على صورة وجه الرحمن ". فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من
إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أومن تأويله على ما يليق بالرحمن جل
جلاله ".
قلت : والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب،
ولكن ذلك موقوف على صحة الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أنه
لا يصح كما بينا لك آنفا، وإن كان الحافظ قد نقل عقب كلامه السابق تصحيحه عن
بعض الأئمة، فقال : " وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة " : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج : سمعت أحمد يقول : هو حديث صحيح ".
قلت : إن كانوا يريدون صحة الحديث من الطريقين السابقين فذلك غير ظاهر لنا
ومعنا تصريح الإمام ابن خزيمة بتضعيفه وهو علم في الحديث والتمسك بالسنة
والتسليم بما ثبت فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا أيضا ابن قتيبة حيث
عقد فصلا خاصا في كتابه " مختلف الحديث " ( ص 275 - 280 ) حول هذا الحديث
وتأويله قال فيه : " فإن صحت رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تأويل ولا تنازع ".
وإن كانوا وقفوا للحديث على غير الطريقين المذكورين، فالأمر متوقف على الوقوف
على ذلك والنظر في رجالها، نقول هذا لأن التقليد في دين الله لا يجوز، ولا
سيما في مثل هذا الأمر الغيبي، مع اختلاف أقوال الأئمة في حديثه، وأنا
أستبعد جدا أن يكون للحديث غير هذين الطريقين، لأن الحافظ لم يذكر غيرهما،
ومن أوسع اطلاعا منه على السنة ؟ نعم له طرق أخرى بدون زيادة " الرحمن " فانظر
: " إذا ضرب أحدكم.. " و" إذا قاتل أحدكم... " في " صحيح الجامع " ( 687
و716 ) وغيره.
وخلاصة القول : إن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنه إلى ذلك مخالف
للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة، منها قوله صلى الله عليه وسلم :
" خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ".
أخرجه الشيخان وغيرهما " الصحيحة 450 ".
( تنبيه هام ) : بعد تحرير الكلام على الحديثين بزمن بعيد وقفت على مقال طويل
لأخينا الفاضل الشيخ حماد الأنصاري نشره في مجلة " الجامعة السلفية " ذهب فيه
إلى اتباع - ولا أقول تقليد - من صحح الحديث من علمائنا رحمهم الله تعالى،
دون أن يقيم الدليل على ذلك بالرجوع إلى القواعد الحديثية وتراجم الرواة التي
لا تخفى على مثله، لذلك رأيت - أداء للأمانة العلمية - أن أبي بعض النقاط التي
تكشف عن خطئه فيما ذهب إليه مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته لطلبة العلم
وبخاصة في الجامعة الإسلامية جزاه الله خيرا.
أولا : أوهم القراء أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى تفرد من بين الأئمة بإنكاره
لحديث " على صورة الرحمن " مع أن معه ابن قتيبة والمازري ومن تبعه، كما تقدم ، وهو وإن كان ذلك في آخر البحث، فقد كان الأولى أن يذكره في أوله حتى تكون
الصورة واضحة عند القراء.
ثانيا : نسب إلى الإمام مالك رحمه الله أنه أنكر الحديث أيضا قبل ابن خزيمة !
وهذا مما لا يجوز نسبته للإمام لأمرين :
الأول : أن الشيخ نقل ذلك عن الذهبي، والذهبي ذكره عن العقيلي بسنده : حدثنا
مقدام بن داود.. إلخ، ومقدام هذا يعلم الشيخ أنه متكلم فيه، بل قال النسائي
فيه : " ليس بثقة " فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام أنه أنكر حديثا صحيحا
على رأي الشيخ، وعلى رأينا أيضا لما يأتي.
والآخر : أن الرواية المذكورة في إنكار مالك ليس لهذا الحديث المنكر، وإنما
للحديث الصحيح المتفق عليه فإنه فيها بلفظ : " إن الله خلق آدم على صورته ".
وكذلك هو عند العقيلي في " الضعفاء " ( 2/251 ) في هذه الرواية، فحاشا الإمام
مالك أن ينكر الحديث بهذا اللفظ الصحيح أوغيره من الأئمة. ولذلك فالقارئ
العادي يفهم من بحث الشيخ أن الإمام ينكر هذا الحديث الصحيح !
ثالثا : ساق إسناد حديث ابن عمر أكثر من مرة، وكذلك فعل بحديث أبي هريرة دون
فائدة، وساقهما مساق المسلمات من الأحاديث وهو يعلم العلل الثلاث التي ذكرها
له ابن خزيمة لأنه في صدد الرد عليه، ومع ذلك لم يتعرض لها بذكر ! بله جواب،
وكذلك يعلم ضعف ابن لهيعة الذي في حديث أبي هريرة، فلم ينبس ببنت شفة !
رابعا : نقل كلام الذهبي الذي ذكره عقب رواية المقدام، وفيه : أن هذا الحديث
لم ينفرد به ابن عجلان فقد رواه ( الأرقام الآتية مني ) :
1 - همام عن قتادة عن أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة.
2 - ورواه شعيب وابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
3 - ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة.
4 - ورواه شعيب أيضا وغيره عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة
. انتهى.
وأقول : نص كلام الذهبي قبيل هذه الطرق :
قلت : الحديث في أن الله خلق آدم على صورته ؛ لم ينفرد به ابن عجلان... "إلخ.
فأنت ترى أن كلام الذهبي في واد، وكلام الشيخ في واد آخر. فهذه الطرق الأربعة ليس فيها زيادة " صورة الرحمن "، والشيخ - سامحه الله - يسوقها تقوية لها، وهو لوتأمل فيها لوجدها تدل دلالة قاطعة على نكارة هذه الزيادة، إذ لا يعقل أن تفوت على هؤلاء وكلهم ثقات، ويحفظها مثل ابن لهيعة، ومن ليس له في العير ولا في النفير ! وإني - والله - متعجب من الشيخ غاية العجب كيف يسوق
هذه الروايات نقلا عن الذهبي وهو قد ساقها لتقوية الحديث الصحيح الذي أنكره مالك بزعم المقدام بن داود الواهي، والشيخ - عافانا الله وإياه – يسوقها لتقوية الحديث المنكر ! وإن مما يؤكد أن الذهبي كلامه في الحديث الصحيح وليس في الحديث المنكر أنه قال في آخره : وقال الكوسج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : هذا الحديث صحيح. قلت : وهو مخرج في الصحاح ".
قلت : فقوله هذا يدلنا على أمرين :
الأول : أنه يعني الحديث الصحيح، لأنه هو المخرج في " الصحاح " كما سبق مني.
والآخر : أنه هو المقصود بتصحيح أحمد المذكور، فلم يبق بيد الشيخ إلا تصحيح
إسحاق، فمن الممكن أن يكون ذلك فهما منه، وليس رواية. والله أعلم.
خامسا وأخيرا : قرن الشيخ الحافظ الذهبي والعسقلاني مع أحمد وإسحاق في تصحيح
الحديث.
وجوابي عليه : أن كلام الذهبي ليس صريحا في ذلك، بل ظاهره أنه يعني الحديث الصحيح. وأما ابن حجر فعمدة الشيخ في ذلك قوله : " رجاله ثقات " وقد علمت
مما سبق أن هذا لا يعني الصحة، ولوسلمنا جدلا أنه صححه هو أوغيره قلنا : " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ".
وخلاصة ( التنبيه ) أن الشيخ حفظه الله حكى قولين متعارضين في حديث " على صورة
الرحمن " دون ترجيح بينهما سوى مجرد الدعوى، وذكر له طريقين ضعيفين منكرين
دون أن يجيب عن أسباب ضعفهما، بل أوهم أن له طرقا كثيرة يتقوى بها، وهي في الواقع مما يؤكد وهنهما عند العارفين بهذا العلم الشريف وتراجم رواته. وهذا بخلاف ما صنع شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه " نقض التأسيس " في فصل عقده فيه لهذا الحديث بأحد ألفاظه الصحيحة : " إن الله خلق أدم على صورته " أرسل إلي صورة منه بعض الأخوان جزاه الله خيرا فإن ابن تيمية مع كونه أطال الكلام في ذكر تأويلات العلماء له وما قالوه في مرجع ضمير " صورته "، ونقل أيضا كلام ابن خزيمة بتمامه في تضعيف حديث الترجمة وتأويله إياه إن صح، فرد عليه التأويل، وسلم له التضعيف، ولم يتعقبه بالرد، لأنه يعلم أن لا سبيل إلى ذلك، كما يتبين للقارىء من هذا التخريج والتحقيق، ولهذا كنت أود للشيخ الأنصاري أن لا يصحح الحديث، وهو ضعيف من طريقيه، ومتنه منكر لمخالفته للأحاديث الصحيحة.
نسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يحشرنا في زمرة المخلصين الصادقين " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ". ( 1 )
الحديث الخامس :
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه ( 2 )
1 سلسلة الأحاديث الضعيفة الألباني
2 تخريج أحاديث السنة لإبن أبي عاصم قال الألباني صحيح