المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بحث حول حديث خلق الله أدم على صورته


أبو عبد الرحمن ربيع
05-02-2009, 09:25 PM
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كلام الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
أما بعد
فهذا بحث بسيط قد قمت به فيما يتعلق بحديث خلق الله أدم على صورته المذكور عند البخاري و بيان شرحه على فريقين من أهل العلم و قد جمعت أقوال الفريقين دون أن يتبن لي ترجيح قول عن الأخر فلذا نطلب من إخواننا إن كان لديهم بعض التعيقبات أو التنبيهات حول هذا البحث فاليفيدونا جزاهم الله خيرا لتصحيح ما أخطأنا فيه لتداركه و استكمال بحثنا و الله ولي التوفيق .









حديث خلق الله أدم على صورته

جمع و ترتيب أبو عبد الرحمن ربيع

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}
أما بعد :
فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار .
فهذا بحث في حديث من أحاديث الصفات و الذي أختلف في فهم معناه على فريقين اثنين و قد بينت ذلك من خلال ذكر أقوال أهل العلم من الطرفين و هذا الحديث معروف عند أهل العلم بحديث الصورة الذي أخرجه البخاري و مسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
( خلق الله أدم على صورته طوله ستون ذراعا ... ) ثم ذكر حديث ( لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل )و الذي ضعفه أهل العلم و صححه آخرين
و الخلاصة في إرجاع ذلك و إمراره على حاله دون ترجيح كما كان أهل السلف .
نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه وما أخطأنا فيه فنسأل الله التوبة و الحمد لله رب العالمين و صل اللهم على نبينا محمد و على أله و صحبه أجمعين


يوم الخميس 09 أفريل 2009 م الموافق ليوم 13 ربيع الثاني 1430هـ



* الحديث الأول :
عن أبي هريرة،عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما خلقه قال: اذهب فسلم على أولئك، نفر من الملائكة، جلوس، فاستمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن). ( 1 )
* الحديث الثاني :
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث ابن حاتم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتجنب الوجه. فإن الله خلق آدم على صورته". ( 2 )
* الحديث الثالث :
عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته قال أبو حاتم رضي الله تعالى عنه يريد به صورة المضروب لان الضارب إذا ضرب وجه أخيه المسلم ضرب وجها خلق الله آدم على صورته ( 3 )
* الحديث الرابع :
" لا تقبحوا الوجه ؛ فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن عز وجل ". ( 4 )


1 أخرجه البخاري

2 أخرجه مسلم
3 أخرجه ابن حبان
4 أخرجه الآجري في الشريعة / و ابن خزيمة في التوحيد / و الطبراني في الكبير / و الدارقطني في كتاب الصفات / و البيهقي في الأسماء و الصفات من طرق عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعا





كلام الألباني حول هذا الحديث و كذا زيادة صورة الرحمن
وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين ولكن له أربع علل، ذكر ابن خزيمة ثلاثة منها فقال :
إحداها : أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسله الثوري ولم يقل : " عن ابن عمر ".
والثانية : أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب بن أبي ثابت.
والثالثة : أن حبيب بن أبي ثابت أيضا مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء ثم قال :
" فمعنى الخبر - إن صح من طريق النقل مسندا - أن ابن آدم خلق على الصورة التي
خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح ".
قلت : والعلة الرابعة : هي جرير بن عبد الحميد فإنه وإن كان ثقة كما تقدم فقد
ذكر الذهبي في ترجمته من " الميزان " أن البيهقي ذكر في " سننه " في ثلاثين
حديثا لجرير بن عبد الحميد قال :
" قد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ ".
قلت : وإن مما يؤكد ذلك أنه رواه مرة عند ابن أبي عاصم ( رقم 518 ) بلفظ :
" على صورته ". لم يذكر " الرحمن ". وهذا الصحيح المحفوظ عن النبي صلى الله
عليه وسلم من الطرق الصحيحة عن أبي هريرة، والمشار إليها آنفا.
فإذا عرفت هذا فلا فائدة كبرى من قول الهيثمي في " المجمع " ( 8/106 ) :
" رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير إسحاق بن إسماعيل الطالقاني وهو ثقة
، وفيه ضعف ".
وكذلك من قول الحافظ في " الفتح " ( 5/139 ) :
" أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله
ثقات ".
لأن كون رجال الإسناد ثقاتا ليس هو كل ما يجب تحققه في السند حتى يكون صحيحا،
بل هو شرط من الشروط الأساسية في ذلك، بل إن تتبعي لكلمات الأئمة في الكلام
على الأحاديث قد دلني على أن قول أحدهم في حديث ما : " رجال إسناده ثقات "،
يدل على أن الإسناد غير صحيح، بل فيه علة ولذلك لم يصححه، وإنما صرح بأن
رجاله ثقات فقط، فتأمل. ثم إن كون إسناد الطبراني فيه الطالقاني لا يضر لو سلم الحديث من العلل السابقة
، لأن الطالقاني متابع فيه كما أشرت إليه في أول هذا التخريج.
وقد يقال : إن الحديث يقوى بما رواه ابن لهيعة بسنده عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ
" إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإنما صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن "
قلت : قد كان يمكن ذلك لولا أن الحديث بهذا اللفظ منكر كما سبق بيانه آنفا، فلا يصح حينئذ أن يكون شاهدا لهذا الحديث. ومنه تعلم ما في قول الحافظ في " الفتح " بعد أن نقل قول القرطبي : " أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه إن الله خلق آدم على صورة الرحمن، قال : وكأن من رواه [ رواه ] بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في
ذلك، وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة، ثم قال : وعلى تقدير
صحتها فيجمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى "، فقال الحافظ :
قلت : الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في " السنة " والطبراني من حديث ابن عمر
بإسناد رجاله ثقات، وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة
بلفظ يرد التأويل الأول، قال : " من قاتل فليتجنب الوجه فلأن صورة وجه الإنسان
على صورة وجه الرحمن ". فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من
إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أومن تأويله على ما يليق بالرحمن جل
جلاله ".
قلت : والتأويل طريقة الخلف، وإمراره كما جاء طريقة السلف، وهو المذهب،
ولكن ذلك موقوف على صحة الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد علمت أنه
لا يصح كما بينا لك آنفا، وإن كان الحافظ قد نقل عقب كلامه السابق تصحيحه عن
بعض الأئمة، فقال : " وقال حرب الكرماني في " كتاب السنة " : سمعت إسحاق بن راهويه يقول : صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج : سمعت أحمد يقول : هو حديث صحيح ".
قلت : إن كانوا يريدون صحة الحديث من الطريقين السابقين فذلك غير ظاهر لنا
ومعنا تصريح الإمام ابن خزيمة بتضعيفه وهو علم في الحديث والتمسك بالسنة
والتسليم بما ثبت فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا أيضا ابن قتيبة حيث
عقد فصلا خاصا في كتابه " مختلف الحديث " ( ص 275 - 280 ) حول هذا الحديث
وتأويله قال فيه : " فإن صحت رواية ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تأويل ولا تنازع ".
وإن كانوا وقفوا للحديث على غير الطريقين المذكورين، فالأمر متوقف على الوقوف
على ذلك والنظر في رجالها، نقول هذا لأن التقليد في دين الله لا يجوز، ولا
سيما في مثل هذا الأمر الغيبي، مع اختلاف أقوال الأئمة في حديثه، وأنا
أستبعد جدا أن يكون للحديث غير هذين الطريقين، لأن الحافظ لم يذكر غيرهما،
ومن أوسع اطلاعا منه على السنة ؟ نعم له طرق أخرى بدون زيادة " الرحمن " فانظر
: " إذا ضرب أحدكم.. " و" إذا قاتل أحدكم... " في " صحيح الجامع " ( 687
و716 ) وغيره.
وخلاصة القول : إن الحديث ضعيف بلفظيه وطريقيه، وأنه إلى ذلك مخالف
للأحاديث الصحيحة بألفاظ متقاربة، منها قوله صلى الله عليه وسلم :
" خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا ".
أخرجه الشيخان وغيرهما " الصحيحة 450 ".
( تنبيه هام ) : بعد تحرير الكلام على الحديثين بزمن بعيد وقفت على مقال طويل
لأخينا الفاضل الشيخ حماد الأنصاري نشره في مجلة " الجامعة السلفية " ذهب فيه
إلى اتباع - ولا أقول تقليد - من صحح الحديث من علمائنا رحمهم الله تعالى،
دون أن يقيم الدليل على ذلك بالرجوع إلى القواعد الحديثية وتراجم الرواة التي
لا تخفى على مثله، لذلك رأيت - أداء للأمانة العلمية - أن أبي بعض النقاط التي
تكشف عن خطئه فيما ذهب إليه مع اعترافي بعلمه وفضله وإفادته لطلبة العلم
وبخاصة في الجامعة الإسلامية جزاه الله خيرا.
أولا : أوهم القراء أن ابن خزيمة رحمه الله تعالى تفرد من بين الأئمة بإنكاره
لحديث " على صورة الرحمن " مع أن معه ابن قتيبة والمازري ومن تبعه، كما تقدم ، وهو وإن كان ذلك في آخر البحث، فقد كان الأولى أن يذكره في أوله حتى تكون
الصورة واضحة عند القراء.
ثانيا : نسب إلى الإمام مالك رحمه الله أنه أنكر الحديث أيضا قبل ابن خزيمة !
وهذا مما لا يجوز نسبته للإمام لأمرين :
الأول : أن الشيخ نقل ذلك عن الذهبي، والذهبي ذكره عن العقيلي بسنده : حدثنا
مقدام بن داود.. إلخ، ومقدام هذا يعلم الشيخ أنه متكلم فيه، بل قال النسائي
فيه : " ليس بثقة " فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام أنه أنكر حديثا صحيحا
على رأي الشيخ، وعلى رأينا أيضا لما يأتي.
والآخر : أن الرواية المذكورة في إنكار مالك ليس لهذا الحديث المنكر، وإنما
للحديث الصحيح المتفق عليه فإنه فيها بلفظ : " إن الله خلق آدم على صورته ".
وكذلك هو عند العقيلي في " الضعفاء " ( 2/251 ) في هذه الرواية، فحاشا الإمام
مالك أن ينكر الحديث بهذا اللفظ الصحيح أوغيره من الأئمة. ولذلك فالقارئ
العادي يفهم من بحث الشيخ أن الإمام ينكر هذا الحديث الصحيح !
ثالثا : ساق إسناد حديث ابن عمر أكثر من مرة، وكذلك فعل بحديث أبي هريرة دون
فائدة، وساقهما مساق المسلمات من الأحاديث وهو يعلم العلل الثلاث التي ذكرها
له ابن خزيمة لأنه في صدد الرد عليه، ومع ذلك لم يتعرض لها بذكر ! بله جواب،
وكذلك يعلم ضعف ابن لهيعة الذي في حديث أبي هريرة، فلم ينبس ببنت شفة !
رابعا : نقل كلام الذهبي الذي ذكره عقب رواية المقدام، وفيه : أن هذا الحديث
لم ينفرد به ابن عجلان فقد رواه ( الأرقام الآتية مني ) :
1 - همام عن قتادة عن أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة.
2 - ورواه شعيب وابن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
3 - ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة.
4 - ورواه شعيب أيضا وغيره عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبي هريرة
. انتهى.
وأقول : نص كلام الذهبي قبيل هذه الطرق :
قلت : الحديث في أن الله خلق آدم على صورته ؛ لم ينفرد به ابن عجلان... "إلخ.
فأنت ترى أن كلام الذهبي في واد، وكلام الشيخ في واد آخر. فهذه الطرق الأربعة ليس فيها زيادة " صورة الرحمن "، والشيخ - سامحه الله - يسوقها تقوية لها، وهو لوتأمل فيها لوجدها تدل دلالة قاطعة على نكارة هذه الزيادة، إذ لا يعقل أن تفوت على هؤلاء وكلهم ثقات، ويحفظها مثل ابن لهيعة، ومن ليس له في العير ولا في النفير ! وإني - والله - متعجب من الشيخ غاية العجب كيف يسوق
هذه الروايات نقلا عن الذهبي وهو قد ساقها لتقوية الحديث الصحيح الذي أنكره مالك بزعم المقدام بن داود الواهي، والشيخ - عافانا الله وإياه – يسوقها لتقوية الحديث المنكر ! وإن مما يؤكد أن الذهبي كلامه في الحديث الصحيح وليس في الحديث المنكر أنه قال في آخره : وقال الكوسج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : هذا الحديث صحيح. قلت : وهو مخرج في الصحاح ".
قلت : فقوله هذا يدلنا على أمرين :
الأول : أنه يعني الحديث الصحيح، لأنه هو المخرج في " الصحاح " كما سبق مني.
والآخر : أنه هو المقصود بتصحيح أحمد المذكور، فلم يبق بيد الشيخ إلا تصحيح
إسحاق، فمن الممكن أن يكون ذلك فهما منه، وليس رواية. والله أعلم.
خامسا وأخيرا : قرن الشيخ الحافظ الذهبي والعسقلاني مع أحمد وإسحاق في تصحيح
الحديث.
وجوابي عليه : أن كلام الذهبي ليس صريحا في ذلك، بل ظاهره أنه يعني الحديث الصحيح. وأما ابن حجر فعمدة الشيخ في ذلك قوله : " رجاله ثقات " وقد علمت
مما سبق أن هذا لا يعني الصحة، ولوسلمنا جدلا أنه صححه هو أوغيره قلنا : " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ".
وخلاصة ( التنبيه ) أن الشيخ حفظه الله حكى قولين متعارضين في حديث " على صورة
الرحمن " دون ترجيح بينهما سوى مجرد الدعوى، وذكر له طريقين ضعيفين منكرين
دون أن يجيب عن أسباب ضعفهما، بل أوهم أن له طرقا كثيرة يتقوى بها، وهي في الواقع مما يؤكد وهنهما عند العارفين بهذا العلم الشريف وتراجم رواته. وهذا بخلاف ما صنع شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه " نقض التأسيس " في فصل عقده فيه لهذا الحديث بأحد ألفاظه الصحيحة : " إن الله خلق أدم على صورته " أرسل إلي صورة منه بعض الأخوان جزاه الله خيرا فإن ابن تيمية مع كونه أطال الكلام في ذكر تأويلات العلماء له وما قالوه في مرجع ضمير " صورته "، ونقل أيضا كلام ابن خزيمة بتمامه في تضعيف حديث الترجمة وتأويله إياه إن صح، فرد عليه التأويل، وسلم له التضعيف، ولم يتعقبه بالرد، لأنه يعلم أن لا سبيل إلى ذلك، كما يتبين للقارىء من هذا التخريج والتحقيق، ولهذا كنت أود للشيخ الأنصاري أن لا يصحح الحديث، وهو ضعيف من طريقيه، ومتنه منكر لمخالفته للأحاديث الصحيحة.
نسأل الله تعالى لنا وله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يحشرنا في زمرة المخلصين الصادقين " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ". ( 1 )
الحديث الخامس :
عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورة وجهه ( 2 )


1 سلسلة الأحاديث الضعيفة الألباني

2 تخريج أحاديث السنة لإبن أبي عاصم قال الألباني صحيح

أبو عبد الرحمن ربيع
05-02-2009, 09:43 PM
اختلاف أهل العلم في شرح حديث خلق الله أدم على صورته


* قال ابن حبان
معنى الخبر عندنا بقوله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته إبانة فضل آدم على سائر الخلق والهاء راجعة إلى آدم والفائدة من رجوع الهاء إلى آدم دون إضافتها إلى الباري جل وعلا جل ربنا وتعالى عن إن يشبه بشيء من المخلوقين انه جل وعلا جعل سبب الخلق الذي هو المتحرك النامي بذاته اجتماع الذكر والأنثى ثم زوال الماء عن قرار الذكر إلى رحم الأنثى ثم تغير ذلك إلى العلقة بعد مدة ثم إلى المضغة ثم إلى الصورة ثم إلى الوقت الممدود فيه ثم الخروج من قراره ثم الرضاع ثم الفطام ثم المراتب الأخر على حسب ما ذكرنا إلى حلول المنية به هذا وصف المتحرك النامي بذاته من خلقه وخلق الله جل وعلا آدم على صورته التي خلقه عليها وطوله ستون ذراعا من غير أن تكون تقدمه اجتماع الذكر والأنثى أو زوال الماء أو قراره أو تغيير الماء علقة أو مضغة أو تجسيمه بعده فأبان الله بهذا فضله على سائر من ذكرنا من خلقه بأنه لم يكن نطفة فعلقة ولا علقة فمضغة ولا مضغة فرضيعا ولا رضيعا ففطيما ولا فطيما فشابا كما كانت هذه حالة غيره ضد قول من زعم أن أصحاب الحديث حشوية يروون ما لا يعقلون ويحتجون بما لا يدرون ( 1 )
* قال الألباني
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله آدم صلى الله عليه وسلم [ على صورته](1)، وطوله ستون ذراعاً، ثم قال: اذهب، فسلم على أولئك- نفرٌ من الملائكة جلوس- فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فقال: السلام عليكم، فقالوا: عليك السلام ورحمة الله، فزادوه : ورحمة الله، فكل من يدخل الجنة على صورته، فلم يزل ينقص من الخلق حتى الآن".
(1) زيادة من " صحيح المؤلف" (الاستئذان، رقم: 6227)، وهي عند مسلم أيضاً (8/149)، وكلاهما أخرجه من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف" (10/384) وعنه ابن حبان أيضاً (6129)، وكذلك المصنف هنا.

1 أخرجه ابن حبان









وفي هذا الحديث دلالة صريحة على بطلان حديث: " خلق الله آدم على صورة الرحمن" مع أن إسناده معلول بأربع علل كنت ذكرتها مفصلاً في " الضعيفة" (1175 و1176)، ونحو ذلك في " تخريج السنة" لابن أبي عاصم(517 و541).
وبهذا الحديث الصحيح يفسر حديث أبي هريرة الآخر الذي صح عنه من طرق بلفظ " خلق الله آدم على صورته" وقد مضى برقم(129/173) مع التعليق عليه بما يناسب هذا الحديث الصحيح .
وبهذه المناسبة أقول: لقد أساء الشيخ التويجري- رحمه الله تعالى- إلى العقيدة والسنة الصحيحة معاً بتأليفه الذي اسماه: " عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن"، فإن العقيدة لا تثبت إلا بالحديث الصحيح، والحديث الذي اقام عليه كتابه مع أنه لا يصح من حيث إسناده ، فهو مخالف لأربعة طرق صحيحة عن أبي هريرة، هذا الحديث المتفق على صحته أحدها، والأخرى مع أن الشيخ خرجها وصححها فهو لم يستفد من ذلك شيئاً؛ لأن هذا العلم ليس من شأنه ، وإلا كيف يصح لعالم أن يقبل طريقاً خامساً عن أبي هريرة بلفظ :
" على صورة الرحمن "! مخالفاً لتلك الطرق الأربعة، والتي ثلاثتها بلفظ: " على صورته"، والأولى منها فيها التصريح بأن مرجع الضمير إلى آدم عليه السلام كما ترى، يضاف إلى هذه المخالفة التي تجعل حديثها شاذاً عند من يعرف الحديث الشاذ لو كان إسناده صحيحاً، فكيف وفيها ابن لهيعة، والشيخ يعلم ضعفه ومع ذلك يحاول(ص:27) توثقه، ولو بتغيير كلام الحفاظ وبتره ، فهو يقولك " قال الحافظ ابن حجر في " التقريب" : صدوق" ! وتمام كلام الحافظ يرد عليه ؛ فإنه قال فيه: "خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما"!
وهذا الحديث ليس من رواية أحدهما! فماذا يقال فيمن ينقل بعض الكلام، ويكتم بعضه؟! وله مثل هذا كثير، لا يتسع هذا التعليق لبيان ذلك.
وأما حديث ابن عمر باللفظ المنكر، فقد تكلف الشيخ جداً في الإجابة عن العلل الثلاث التي كنت نقلتها عن ابن خزيمة ، كما تجاهل رجاحة رواية سفيان المرسلة على رواة جرير المسندة عن ابن عمر! ولربما تجاهل علة رابعة كنت ذكرتها في "الضعيفة" (3/317) وهي أن جريراً ساء حفظه في آخر عمره، وهذا هو سبب اضطرابه في هذا الحديث ، فمرة رواه بهذا الفظ المنكر، فتشبث الشيخ به، ومرة رواه باللفظ الصحيح: " عرى صورته" فتجاهله الشيخ! مع أنه مطلع عليه في "السنة" برقم (518) ومن تعليقي عليه ينقل ما يحلو له نقله من كلامي ليرد عليه بزعمه، ومنه أنني قلت في حديث أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ : " على صورة وجهه"؛ فإني صححت إسناده تحت رقم (516) وأتبعته بقولي:
" لكني في شك من ثبوت قوله: " … وجهه" فغن المحفوظ في الطرق الصحيحة: "على صورته" فألزمني الشيخ – في كلام طويل له ممجوج- بالقول بصحة الحديث، وقال (ص 28):
" وإذا كان الإسناد صحيحاً ، فلا وجه للشك في متنه" !
ومن الواضح لكل ذي بصيرة أن هذا الكلام غير وارد علي، لأنني لم أشك في متن الحديث فرددته مع صحة إسناده ، حاشا لله فنحن بفضل الله وتوفيقه من أشد الناس معاداة لنم يفعل ذلك، وإنما شككت في هذه الزيادة : "وجهه" للمخافة المشار إليها، وفي ظني أن الشيخ لا يعرف أنه لا يلزم من صحة السند صحة المتن، وأن من شروط الصحيح أن لا يشذ ولا يعل، وإلا لما ألزمني ذاك الإلزام، ولرد علي- لو أمكنه- دعواي الشذوذ المشار إليه في قولي: " والمحفوظ … " ولكن هيهات هيهات! وختاماً فإني أريد أن أنبه القراء الكرام إلى أن ما نسبه الشيخ إلى ابن تيمية والذهبي وابن حبان أنهم صححوا الحديث ، فهو غير صحيح ، وإنما صححوه بالفظ المتفق عليه، فأما اللفظ المنكر فلا، وراجع "الضعيفة" لتتأكد من صحة ما أقول. ( 1 )

* و الذي عليه الشيخ الألباني - رحمه الله - أن الضمير يعود إلى آدم صلى الله عليه وسلم
وقد سئل - رحمه الله - إلى من يرجع الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله خلق آدم على صورته)

فأجاب - رحمه الله - : هذا الحديث لا يحتاج في علمي إلى تأويل لأن الإمامالبخاري رواه في صحيحه بتتمة تغني عن التأويل , وهي ( إن الله خلق آدم علىصورته , طوله ستون ذراعاً ) فالضمير لا يعود إلى الله وإنما على آدم .
أما الحديث المذكور في بعض كتب السنن بلفظ ( وإن الله خلق آدم على صورةالرحمن ... ) فهذا ضعيف بهذا اللفظ , لأنه من رواية حبيب بن أبي ثابت وهومُدلس , وقد رواه معنعناً في كل الطرق التي وقفت عليها , وكلها تدور عليه .( 2 )




1 سلسلة الأحاديث الصحيحة الألباني
2 فتاوى المدينة نقلا عن كتاب : الشيخ الألباني ومنهجه في تقرير مسائل الاعتقاد , أبيعبد الرحمن محمد بن سرور شعبان , ( دار الكيان - الرياض , مكتبة ابن تيمية – الشارقة)

أبو عبد الرحمن ربيع
05-02-2009, 09:44 PM
قال الحافظ ابن حجر
(قوله خلق الله آدم على صورته تقدم بيانه في بدء الخلق واختلف إلى ماذا يعود الضمير فقيل إلى آدم أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن اهبط وإلى إن مات دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة وقيل للرد على الدهرية انه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان ولا أول لذلك فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة وقيل للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره وقيل للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فعل نفسه وقيل إن لهذا الحديث سببا حذف من هذه الرواية وان أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له إن الله خلق آدم على صورته وقد تقدم بيان ذلك في كتاب العتق وقيل الضمير لله وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه على صورة الرحمن والمراد بالصورة الصفة والمعنى إن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك وان كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء )
( 1 )
* قال ابن باز
الحديث ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه؛ فإن الله خلق آدم على صورته))، وفي لفظ آخر: ((على صورة الرحمن. وهذا لا يلزم منه التشبيه والتمثيل، بل المعنى عند أهل العلم: أن الله خلق آدم سميعاً بصيراً متكلماً إذا شاء، وهذا هو وصف الله عز وجل، فإنه سميع، بصير، متكلم، ذو وجه جل وعلا، وليس المعنى التشبيه والتمثيل، بل الصورة التي لله غير الصورة التي للمخلوق، وإنما المعنى: أنه سميع بصير، ذو وجه ومتكلم إذا شاء، وهكذا خلق الله آدم سميعاً بصيراً، ذا وجه، وذا يدٍ، وذا قدم، ويتكلم إذا شاء. لكن ليس السميع كالسميع، وليس البصير كالبصير، وليس المتكلم كالمتكلم، وليس الوجه كالوجه، بل لله صفاته سبحانه وتعالى لا يشابهه فيها شيء، بل تليق به سبحانه، وللعبد صفاته التي تليق به، صفات يعتريها الفناء والنقص والضعف، أما صفات الله سبحانه وتعالى فهي كاملة لا يعتريها نقص ولا ضعف ولا فناء ولا زوال.
ولهذا قال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[1]، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ[2]. فلا يجوز ضرب الوجه ولا تقبيح الوجه . [1]الشورى: 11. [2]الإخلاص: 4. ( 2 )
1فتح الباري في شرح صحصح البخاري لإبن حجر العسقلاني
2 فتاوى نور على الدرب الجزء الأول- نقلا عن موقع الشيخ








* قال الإمام الذهبي
وقال العقيلى - في ترجمته: حدثنا مقدام بن داود، حدثنا الحارث ابن مسكين، وابن أبى الغمر، قالا: حدثنا ابن القاسم، قال: سألت مالكا عمن يحدث بالحديث الذي قالوا إن الله خلق آدم على صورته، فأنكر ذلك مالك إنكارا شديدا، ونهى أن يحدث به أحد.
فقيل له: إن أناسا من أهل العلم يتحدثون به ؟ قال: من هم ؟ قيل: ابن عجلان، عن أبى الزناد.
فقال: لم يكن يعرف ابن عجلان هذه الأشياء /، ولم يكن عالما، ولم يزل أبو الزناد عاملا لهؤلاء حتى مات. وكان صاحب عمال يتبعهم.
قلت: الحديث في أن الله خلق آدم على صورته لم ينفرد به ابن عجلان، فقد رواه همام، عن قتادة، عن أبى موسى أيوب، عن أبى هريرة. ورواه شعيب، وابن عيينة، عن أبى الزناد، عن الأعرج، عن أبى هريرة.
ورواه معمر، عن همام، عن أبى هريرة. ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره، عن ابن عجلان، عن المقبرى، عن أبى هريرة. ورواه شعيب أيضا وغيره، عن أبى الزناد، عن موسى بن أبى عثمان، عن أبى هريرة. ورواه جماعة عن ابن لهيعة، عن الأعرج، وأبى يونس، عن أبى هريرة. ورواه جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وله طرق أخر، قال حرب: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق على صورة الرحمن.
وقال الكوسج: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: هذا الحديث صحيح.
قلت: وهو مخرج في الصحاح.
وأبو الزناد فعمدة في الدين، وابن عجلان صدوق من علماء المدينة وأجلائهم.
ومفتيهم، وغيره أحفظ منه.
أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شئ. ( 1 )


1 سير أعلام النبلاء الذهبي

أبو عبد الرحمن ربيع
05-02-2009, 09:45 PM
* قال الملا علي القاري علي بن سلطان
فإن الله خلق آدم على صورته أي صورة الوجه لأنه أشرف أعضائه ومعدن جماله ومنبع حواسه فلا تغيروه أو على صورة آدم أي على صورة مختصة به لم يخلق عليها غيره أو الله والإضافة للتكريم كما في بيت الله وناقة الله أي أن الله أكرم هذه الصورة لأنه خلقها بيده وأمر ملائكته بالسجود لها فأكرموها ويؤيده ما في رواية على صورة الرحمن وقيل الضمير راجع إلى المضروب هذا مجمل الكلام في هذا المقام وأما تفصيل المرام فقال الطيبي فيه أقوال الأول أن الضمير راجع إلى آدم وهو اختيار ابن الجوزي وفيه وجوه أحدها أنه خلق على صورة آدم ومعنى الإضافة وكل شيء خلق على صورة نفسه أنه خلق على صورته التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى منقرض عمره لم تتفاوت قامته ولم تتغير هيئته بخلاف سائر الناس فإن كل واحد منهم يكون أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما وأعصابا عارية ثم عظاما وأعصابا مكسوة لحما ثم حيوانا مخبيا في الرحم لا يأكل ولا يشرب بل يتغذى من عرق كالنبات ثم يكون مولودا رضيعا ثم طفلا مترعرعا ثم مراهقا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا ثانيها أنه خلق على صورة حال يختص به لا يشاركه نوع آخر من المخلوقات فإنه يوصف مرة بالعلم وأخرى بالجهل وتارة بالغواية والعصيان
وأخرى بالهداية والاستغفار فلحظة يقرن بالشيطان في استحقاق اسم العصيان والإخراج عن الجنان ولحظة يتسم بسمة الاجتباء ويتوج بتاج الخلافة والاصطفاء وبرهة يستعمل بتدبير الأرضين وساعة يصعد بروحه إلى أعلى عليين وطورا يشارك إليها ثم في مأكله ومشربه ومنكحه وطورا يسابق الكرويين في فكره وذكره وتسبيحه وتهليله وثالثها أنه تعالى اخترعها اختراعا عظيما في خلقه إذ كل مخلوق قد تقدم أمثال له فيخلقون على صورة أمثالهم المتقدمة وأما آدم فاخترع خلقا جديدا عجيبا ملكي الروح حيواني الجسم منتصب القامة فلم يوجد على مثال له تقدم كأنه قال ارتجل صورته اختراعا لا تشبيها بمقدم ولا محاذيا بخلق آخر بل تولى القديم بنفسه خلق هذه الصورة إبداعا جديدا لم يسبقه ما يشبهه بصفة ما وتعظيم وجه الإنسان إما لأنه أشرف أجزائه من الإنسان إذ أكثر الحواس فيه أو لأنه إذا عدم عدم الكل بخلاف بقية الأعضاء وفي هذا التأويل إضمار كأنه قيل هذا المضروب من أولاد آدم فاجتنبوا ضرب العضو الأشرف احتراما له لأنه يشبه وجه آدم والثاني أن الضمير راجع إلى المضروب قال الشيخ محيي الدين وهو رواية مسلم ويحتمل أن يرجع إلى الوجه يعني فليجتنب الوجه فإنه تعالى كرمه وشرفه بأحسن صورة وجمع فيه المحاسن والحواس والإدراكات والضرب في الوجه قد ينقصها ويشوه الحسن ويظهر الشين الفاحش ولا يمكن ستره وخلق آدم عليه الصلاة والسلام على تلك الصورة فلا تضربه تكريما لصورة آدم فإنك إن ضربت فقد أهنتها ونظيره ما روي أنه قال تسمون أولادكم محمدا فتلعنونه أنكر اللعن إجلالا لاسمه كما منع الضرب على الوجه تعظيما لصورة آدم عليه الصلاة والسلام والثالث أن الضمير راجع إلى الله تعالى وهو اختيار الشيخ التوربشتي قال وإنما الوجه فيه أن يكون الضمير راجعا إلى الله سبحانه تشريفا وتكريما كالإضافة في بيت الله وناقة الله لما صح من طرق هذه الأحاديث فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن قال الشيخ محيي الدين هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم إن الله خلق آدم على صورة الرحمن وهو ليس بثابت عند أهل الحديث وكان من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك اه كلامه وفي هذا القول وجوه أولها أن يجري على ظاهره وهو قول ابن قتيبة قال المازري وقد غلط فيه ابن قتيبة وقال إن الله تعالى صورة لا كالصور وهو ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث وتعالى الله عن ذلك قلت العلة والمعلول مدفوعات بقوله لا كالصور فهو نظير لكلام السلف في إثبات اليد والعين له تعالى مع التنزيه عن الجارحة له سبحانه قال وقالت المجسمة جسم لا كالأجسام لما سمعوا من أهل السنة أنه تعالى شيء لا كالأشياء طردوا هذا الاستعمال والفرق ظاهر أقول الفرق إن اليد والعين والشيء وكذا الصورة عند من يقول بها ثبت إطلاقها عليه تعالى فيجب إثباتها وتنزيهه تعالى عما يرادفها بخلاف الجسم فإنه لم يرد إطلاقه على الله تعالى لا في كتاب ولا في سنة فلا يجوز إثباته له سبحانه قال والعجب من قول ابن قتيبة في صورة لا كالصور مع أن ظاهر الحديث على رأيه يقتضي خلق آدم على صورته فالصورتان على رأيه سواء فإذا قال لا كالصور ناقض كلامه قلت قد تقدم وجه عدم المناقضة في كلامه على مقتضى مرامه فإنه أراد والله أعلم إن آدم خلق على صورة الرحمن صورة معنوية حيث اتصف بالسمع والبصر والكلام مع أن الحقائق مختلفة كما هو مقرر في محله وثانيها قول القاضي إن صحت هذه الرواية تعين أن يكون الضمير لله تعالى ويكون المعنى خلق آدم على صورة اجتباها وجعلها نسخة من جملة مخلوقاته إذ ما من موجود إلا وله مثال في صورته ولذلك قيل الإنسان عالم صغير أقول بل قيل إنه عالم كبير لحديث لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن قال ثم إن مجمع محاسنه ومظهر لطائف الصنع فيه هو الوجه فبالحري أن يحافظ عليه ويتحرز عما يشوهه فلا يناسب أن يجرح ويقبح وإن لم تصح احتمل ذلك وثالثها قول بعضهم إن الصورة بمعنى الأمر والشأن أي خلق آدم على حاله وشأنه في كونه مسجودا للملائكة مالكا للحيوانات في كونها مسخرات له تحقيقا لقوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة البقرة تعظيما واحتراما بشأنه كقوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض لأنه مخصوص بالتقبيل والاستسلام تعظيما كيمين الملك في حق من يتقرب إليه فإذا الإضافة فيه ليست كإضافة بيت الله وناقة الله تعالى للتشريف بل الكلام وارد على التمثيل والاستعارة وسئل سهل بن عبد الله عن قوله تعالى إني جاعل في الأرض خليفة قال صورة الملك الذي تولاها فخلق آدم عليها وملكه من ملكه ما تولى وسئل عن معنى ذلك فذكر خلق آدم على صورته وهذا أقصى ما يمكن أن يقال في هذا المقام والله تعالى أعلم بالمرام متفق عليه ( 1 )
1 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح








* قال السيوطي
خلق الله آدم على صورته قال النووي هذه الرواية ظاهرة في أن الضمير لآدم وأن المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفي عليها وهي طوله ستون ذراعا ولم ينتقل أطوارا كذريته وكانت صورته في الجنة هي صورته في الأرض لم يتغير.
خلق آدم على صورته هذا من أحاديث الصفات التي يؤمن بها ويمسك عن الخوض فيها أو تؤول بحسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وأحسن ما قيل في تأويله إن الإضافة للتشريف كناقة الله وبيت الله أي الصورة التي اختارها لآدم وقيل الضمير للأخ المقاتل ( 1 )

* قال ابن تيمية
( لفظ الصورة في الحديث كسائر ما ورد من الأسماء والصفات ، التي قد يسمى المخلوق بها ، على وجه التقييد ، وإذا أطلقت على الله اختصت به ، مثل العليم والقدير والرحيم والسميع والبصير ، ومثل خلقه بيديه ، واستواءه على العرش ، ونحو ذلك) ( 2 )
( وكما أنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به ، فلابد لكل قائم بنفسه من صورة يكون عليها ، ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يكون عليها ( 3 )
وقال : ( لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير في الحديث عائد إلى الله تعالى ، فإنه مستفيض من طرق متعددة ، عن عدد من الصحابة ، وسياق الأحاديث كلها تدل على ذلك ... ولكن لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائدا إلى غير الله تعالى ، حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم ، كأبي ثور وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصفهاني وغيرهم ، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة ) ( 4 )

1 الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج
2 نقض التأسيس
3 نقض التأسيس
4 نقض التأسيس









وقال ابن قتيبة
( الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين ، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ، ونحن نؤمن بالجميع ، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) ( 1 )
* قال النووى
قوله صلى الله عليه وسلم: "خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا" هذا الحديث سبق شرحه وبيان تأويله، وهذه الرواية ظاهرة في أن الضمير في صورته عائد إلى آدم، وأن المراد أنه خلق في أول نشأته على صورته التي كان عليها في الأرض وتوفي عليها وهي طوله ستون ذراعا ولم ينتقل أطوارا كذريته، وكانت صورته في الجنة هي صورته في الأرض لم تتغير ( 2 )
* قال ابن جبرين
أكثر العلماء على أن الضمير يعود إلى آدم أي أن الله خلق آدم على الصورة التي عليها بنو آدم، لكن جاء حديث باللفظ الآخر على صورة الرحمن، وقد ضعفه بعض أهل العلم، وعلى تقدير صحته فإنه من أحاديث الصفات التي تُجرى على ظاهرها مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، ولا يُشبه أحدًا من خلقه. ( 3 )




1 تأويل مختلف الحديث
2 شرح مسلم
3 نقلا عن موقعه










* قال ابن حزم
والضمير راجع إلى أقرب مذكور لا يجوز غير ذلك لأنه مبدل من مخبر عنه أو مأمور فيه فلو رجع إلى أبعد مذكور لكان ذلك إشكالا رافعا للفهم وإنما وضعت اللغات للبيان
فإذا كانت الأشياء المحكوم عليها أو المخبر عنها كثيرة وجاء الضمير يعقبها ضمير جمع فهو راجع إلى جميعها كما قلنا في الاستثناء ولا فرق
ألا ترى أنك لو قلت أتاني زيد وعمرو وخالد فقتلته أنه لا خلاف بين أحد من أهل اللغة في أن الضمير راجع إلى خالد وأنه لا يجوز رده إلى زيد أو إلى عمرو
فإن وجد يوما ما في شئ من النصوص رجوع ضمير إلى أبعد مذكور فهو بمنزلة ما ذكرنا من نقل اللفظ عن موضوعه في اللغة ( 1 )
أقول ( 2 ) و من هذه القاعدة نعلم أن الهاء في الحديث الأول راجعة إلى أدم و الله أعلم فيكون الضمير إلى أدم لكن لا يكون نفيا لصفة الصورة و التي هي من صفات الله جل و علا و ليس كمثله شيء و لا بد أن نمسك عنها و لا نخوض فيها كما هو حال اعتقاد السلف رضوان الله عليهم أجمعين و على هذا يتبين ما يلي :
- أن من أثبت الصورة لا يكون مجسما لأن الصورة هنا ليست كالصور و أن الله ليس كمثله شيء كما تقرر في عقيدة أهل السنة و الجماعة
*قال ابن قتيبة الدينوري:(والذي عندي والله أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين ، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن ، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن ، ونحن نؤمن بالجميع ، ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد ( 3 )
*قال القاضي محمد بن الحسين أبو يعلى الفراء:ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأننا نطلق تسمية الصورة عليه لا كالصور كما أطلقنا تسمية ذات ونفس لا كالذوات والأنفس ( 4 )
1 الإحكام في أصول الإحكام" : الباب السادس عشر في الكناية بالضمير
2 ليس من كلام ابن حزم بل هو من كلامي
3 تأويل مختلف الحديث
4 إبطال التأويل








- أن من أرجع الضمير إلى أدم في حديث أبي هريرة الأول أو أن المراد المضروب في حديث أبي هريرة الثاني و الثالث لا يكون جهميا و هذا هو اعتقاد أكثر أهل العلم فلابد للتنبه لذلك
- أن الأحاديث السالفة الذكر في مجملها مما أختلف في تأويله بين أهل العلم فلا داعي لإثارة الاختلاف
















الخاتمة
و في الأخير نقول كما قال السلف
قال الإمام الذهبي: أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء ( 1 )
قال الإمام الآجري :هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها ولا يقال فيها كيف؟ولم؟بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر ( 2 )
قال الإمام النووي :من العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول: بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد ،ولها معتى يليق بها ،وهذا مذهب جمهور السلف،وهو أحوط وأسلم ،والثاني:أنها تتأول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى ،وأنه ليس كمثله شيء ( 3 )
قال الحافظ ابن حجر :فتعين إجراء مافي ذلك على ماتقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه ،أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله ( 4 )



1 ميزان الاعتدال
2 الشريعة
3 شرح مسلم
4 فتح الباري في شرح صحيح البخاري