مشاهدة النسخة كاملة : أقوى الردود على من أنكر علو العزيز الودود..متجدد(أرجوا من شيخنا التصويب)
جمال البليدي
05-01-2009, 06:48 PM
أقوى الردود على من أنكر علو العزيز الودود
المقدمة :
الحمد الله الذي كان، ولا مكان، ولا إنس، ولا جان، ولا طائر، ولا حيوان، المنفرد بوحدانيته في قدم أزليته، والدائم في فردانيته في قدس صمدانيته، ليس له سَمِي ولا وزير، ولا شبيه ولا نظير، المتفرد بالخلق والتصوير، المتصرف بالمشيئة والتقدير {ليس كمثله شيءٌ وهو السميع العليم}. له الرفعة والعلاء، والحمد والثناء، والعلو والاستواء، لا تحصره الأجســام، ولا تصوره الأوهام، ولا تقله الحوادث ولا الأجرام، ولا تحيط به العقول ولا الأفهام، له الأسماء الحسنى والشرف الأتم الأسنى، والدوام الذي لا يبيد ولا يفنى، نَصِفهُ بما وصف به نفسه من الصفات التي تُوجِب عظمته وقُدْسه، مما أنزله في كتابه، وبيَّنه رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابه، ونؤمن بأنه الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم السميع البصير، العليم القدير، الرحمن الرحيم، الملك القدوس العظيم، لطيف خبير، قريب مجيب، متكلم مريد، فعال لما يريد، يقبض ويبسط، ويرضى ويغضب، ويحب ويبغض، ويكره ويضحك، ويأمر وينهى، ذو الوجه الكريم، والسمع السميع، والبصر البصير، والكلام المبين، واليدين والقبضتين، والقدرة والسلطان، والعظمة والامتنان، لم يزل كذلك، ولا يزال، استوى على عرشه فبان من خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط، وبصره بهم نافذ، وهو في ذاته وصفاته لا يشبهه شيء من مخلوقاته، ولا يمثل بشيء من جوارح مبتدعاته، وهي صفات لائقة بجلاله وعظمته، لا تتخيل كيفيتها الظنون، ولا تراها في الدنيا العيون، بل نؤمن بحقائقها، وثبوتها، واتصاف الرب تعالى بها، وننفي عنها تأويل المتأولين(1)، وتعطيل الجاحدين(2)، وتمثيل المشبهين(3)، تبارك الله أحسن الخالقين، فبهذا الرب نؤمن، وإياه نعبد، وله نصلي ونسجد، فمن قصد بعبادته إلى إله ليست له هذه الصفات فإنما يعبد غير الله، وليس معبوده ذلك بإله فكفرانه لا غفرانه(4).
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله اصطفاه لرسالته، واختاره لبريته، وأنزل عليه كتابه المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أكرم الآل وأفضل العبيد.
وبعد : فهذا بحث حول مسألة صفة العلو الذي تواترت الأدلة من الكتاب والسنة أقوال السلف والأئمة على إثباتها والإيمان بها دون تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ردا على من أنكره بحجج واهيات وفلسفات باطلات (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فهو زاهق ولكم الويل مما تصفون) وقد اعتمدت في بحثي هذا على بعض كتب أهل العلم ككتاب العلو للذهبي ورسالة الفوقية للجويني وأبحاث أخرى ككتاب "الكلمات الحسان في بيان علو الرحمان", كما رجعت إلى تعليقات مشايخنا على الكتابين: فتح الباري و شرح النووي .
فأرجوا من مشايخنا الكرام في هذا المنتدى أن يصوبونني إن أخطأت لأنني سأنشر البحث بتسلسل حتى يكتمل وأن لا يبخلوا علينا بتعليقاتهم وتوجيهاتهم حتى يلقى البحث قبولا لدى أهل السنة لأنني سأجعله فيما بعد عبارة عن كتاب إلكتروني على الشبكة .
هذا وأسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا لما اختلف فيه من الحق وأن يتوفانا مسلمين على السنة غير مبدلين ولا مغيرين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
يتبع...
--------------------------------------------------------------------------------
(1) المتأولين: هم الذين أولوا نصوص الصفات وصرفوها عن معناها.
(2) الجاحدون: هم الذين أنكروا نصوص الصفات وجحودها.
(3) المشبهة: وهم الذين يغلون في إثبات صفات الله تعالى ضد المعتزلة وهم شيع وفرق، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة فمنهم السبئية الذين سمو عليّاً إلهاً، وشبهوه بذات الإله، ومنهم المشبهة المنسوبة إلى داود الجواريبي، وصف معبوده بقوله: أعفوني عن الفرج واللحية وسلوني عما وراء ذلك. راجع "الفرق بين الفرق": ص/225-230.
(4) قال البخاري في (خلق أفعال العباد): ص43: وقال بعض أهل العلم: إن الجهمية هم المشبهة؛ لأنهم شبهوا ربهم بالصنم، والأصم، والأبكم الذي لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يخلق.
جمال البليدي
05-01-2009, 06:52 PM
معنى علو الله على خلقه وأنواع العلو :
قال الله تعالى: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} [البقرة:255]، وقال تعالى {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، وقال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد:13] وذلك دال على أنَّ جميع معاني العلو ثابتة لله من كل وجه، فله علو الذات، فإنه فوق المخلوقات، وعلى العرش استوى أي علا وارتفع وله علو القدر وهو علو صفاته وعظمتها فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه:110] وبذلك يعلم أنه ليس كمثله شيء في كل نعوته، وله علو القهر، فإنه الواحد القهار الذي قهر بعزته وعلوه الخلق كلهم، فنواصيهم بيده، وما شاء كان لا يمانعه فيه ممانع، وما لم يشأ لم يكن، فلو اجتمع الخلق على إيجاد ما لم يشأه الله لم يقدروا، ولو اجتمعوا على منع ما حكمت به مشيئته لم يمنعوه، وذلك لكمال اقتداره، ونفوذ مشيئته، وشدة افتقار المخلوقات كلها إليه من كل وجه 255
قال الطبري({ وهو العلي } على كل شيء { الكبير } الذي لا شيء دونه)) تفسير الطبري .
وقال كذلك(ومنها: العلوّ والارتفاع، كقول القائل، استوى فلان على سريره. يعني به علوَّه علي.)
وقال ابن خزيمة رحمه الله ((الأعلى :المفهوم في لغة العرب أنه أعلى كل شيء,وفوق كل شيء.وقد وصف الله نفسه في غير موضع من تنزيله ,وأعلمنا أنه العلي العظيم .أفليس العلي –يا ذوي الحجج-ما يكون عاليا؟ !)).التوحيد ص112
قال ابن القيم : وله العلو من جميع وجوهه***ذاتا وقهرا مع علو الشأن
لكن نفاة العلو سلبوه ***إكمال العلو فصار ذا نقصان
حاشاه من إفك النفاة وسلبهم***فله الكمال المطلق الرباني .)) الكافية الشافية ص104.
قلت : ومما يدل على ذلك أننا نجد في القرآن الكريم العلو يأتي بمعنى الفوقية
كقوله تعالى: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [النحل:50]
قال ابن القيم رحمه الله
والفَوْق أنواعٌ كلها لله ثابتة بلا نُكران
فوقية الذات، وفوقية القهر، وفوقية القدْر.
فعلو الذات : أنه مستو على عرشه فوق جميع خلقه ,مباين لهم وهو مع هذا مطلع على أحوالهم، مشاهد لهم، مدبر لأمورهم الظاهرة والباطنة متكلم بأحكامه القدرية، وتدبيراته الكونية، وبأحكامه الشرعية
وأما علو القدر فهو علو صفاته، وعظمتها فلا يماثله صفة مخلوق، بل لا يقدر الخلائق كلهم أن يحيطوا ببعض معاني صفة واحدة من صفاته، قال تعالى: {وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً}
وأما علو القهر : فهو قهره تعالى لجميع المخلوقات فالعالم العلوي والسفلي كلهم خاضعون لعظمته مفتقرون إليه في جميع شؤونهم .
قال الشيخ عبد العزيز الراجحي :وقد وافق أهل التعطيل على نوعين من العلو، وخالفوا في واحد، أثبتوا لله علو القدْر والعظمة والشأن، وعلو القهر والغلبة والسلطان، وأنكروا علو الذات.
الخلاف بينهم وبين أهل السنة في علو الذات، وأهل السنة أثبتوا الأنواع الثلاثة كلها لله كما قال ابن القيم
والفَوْق أنواعٌ كلها لله ثابتة بلا نُكران
ثلاثة أنواع علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات، وأهل التعطيل أوّلوا النصوص التي فيها إثبات علو الذات، وحملوها على علو القدر أو على علو القهر))انتهى كلامه.
وبما أن علو الذات هو المتنازع فيه بين أهل السنة وبين المعطلة سيكون تركيزي في هذا البحث عليه أكثر من غيره والله الهادي إلى سواء السبيل.
يتبع.....
جمال البليدي
05-02-2009, 11:46 AM
الأدلة على علو الله تعالى على عرشه :
لقد تواترت النصوص على علو الله تعالى في الكتاب والسنة وتنوعت ألفاظها وتوافقت على أنه سبحانه فوق عباده وذكرها أئمة السنة على أساس أنها عقيدة أهل السنة والجماعة الفرقة الناجية الطائفة المنصورة
ورحم الله ابن القيم حين قال في نونيته :
يا قومنا واللــه أن لقــولنا ألــفـا تدل علــيه بـل ألفــان
عقلا ونقـلا مع صريح الفـطرة الأ ولـى وذوق حـلاوة القـرآن
ولقد لخصها قائلا:
هَذَا وَخَاتِمُ هذه العِشرينَ وَجهاً * وَهوَ أقرَبُهَا إلَى الأذهَانِ
سَردُ النُّصُوصِ فإنَّهَا قَد نَوَّعَت * طُرقَ الأدِلَّةِ فِي أتَمِّ بَيَانِ
وَالنَّظمُ يَمنَعُنِي مِنَ استِيفَائِهَا * وَسَياقَةُ الألفَاظِ بالميزَانِ
فأشِيرُ بَعضَ إشَارَةٍ لِمَوَاضِعٍ * مِنهَا وَأينَ البَحرُ مِن خِلجَانِ
فاذكُر نُصُوصَ الإِستِوَاءِ فإنَّهَا * فِي سَبعِ آياتٍ مِنَ القُرآنِ
واذكر نُصُوصَ الفوقِ أيضاً فِي ثَلاَ * ثٍ قَد غَدَت مَعلُومَةَ التِّبيَانِ
واذكُر نُصُوصَ عُلُوِّهِ فِي خَمسَةٍ * مَعلُومةٍ بَرِئَت مِنَ النُّقصَانِ
واذكُر نُصُوصاً فِي الكِتَابِ تَضَمَّنت * تَنزِيلَهُ مِن رَبِّنَا الرَّحمنِ
كَونَ الكِتَابِ كَلاَمَهُ سُبحَانَهُ * وَعُلُوَّهُ مِن فَوقِ كُلِّ مَكَانِ
وَعِدَادُهَا سَبعُونَ حِينَ تُعَدُّ أو * زادَت عَلَى السَّبعِينَ فِي الحُسبَانِ
واذكُر نُصُوصاً ضُمِّنَت رَفعاً وَمِعـ * ـرَاجاً وَإصعَاداً إلَى الدَّيَّانِ
هِيَ خَمسَةٌ مَعلُومَةٌ بِالعَدِّ وَالـ * ـحُسبَانِ فاطلُبهَا مِنَ القُرآنِ
وَلَقَد أتَى فِي سُورَةِ المُلكِ التِي * تُنجِي لِقَارِئِهَا مِنَ النِّيرَانِ
نَصَّانِ أنَّ الله فَوقَ سَمَائِهِ * عِندَ المُحرِّفِ مَا هُمَا نَصَّانِ
وَلَقَد أتَى التَّخصِيصُ بالعِندِ الذِي * قُلنَا بِسَبعٍ بَل أتَى بِثَمَانِ
مِنهَا صَرٍيحٌ مَوضِعَانِ بِسُورَةِ الـ * أعرَافِ ثُمَّ الانبِياءِ الثَّانِي
فَتَدَبَّرِ النَّصينِ وانظُر مَا الذِي * لِسَواهُ ليسَت تَقتَضِي النَّصَّانِ.
وهاهنا أذكر أهمها :
أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة "من" المعينة لفوقية الذات
قال الله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِم} .النحل50
قال ابن خزيمة ((فأعلمنا الجليل جل وعلا في هذه الآية أيضا أن ربنا فوق ملائكته ، وفوق ما في السماوات ، وما في الأرض ، من دابة ، أعلمنا أن ملائكته يخافون ربهم الذي فوقهم))التوحيد ص111.
ثانياً: ذكرها مجردةً عن الأداة, قال تعالى:{ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } الأنعام 18.
رَوَىُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيث سَعْد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ عَامِر بْن سَعْد عَنْ أَبِيهِ , وَفِيهِ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ الْيَوْم بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْق سَبْع سَمَاوَات " . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق فِي حَدِيثه " لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْق سَبْعَة أَرْقِعَة " وَالرَّقِيع مِنْ أَسْمَاء السَّمَاء .
ثالثاً: التصريح بالعروج، قال تعالى:{ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ } المعارج 4.
وقال الله تعالى((يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه) السجدة5
قال مجاهد رحمه الله((يقال ذي المعارج : الملائكة تعرج إلى الله))رواه النسائي في السنن الكبرى وصححه الألباني.
وقال الطبري رحمه الله((يقول تعالى ذكره : تصعد الملائكة والروح وهو جبريل عليه السلام-إليه يعني : إلى الله جلا وعز ,والهاء في قوله(إليه) عائدة على إسم الله))جامع البيان(م14/ج39/ص78).
ومن ذلك الحديث الصحيح المتفق عليه أنه صلى الله عليه وسلم قال: {يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله تعالى: كيف تركتم عبادي؟ قالوا: جئناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون }
قال ابن خزيمة رحمه الله : ( وفي الخير ما بان وثبت وصح أن الله عز وجل في السماء,وأن الملائكة تصعد إليه من الدنيا ,لا كما زعمت الجهمية المعطلة)التوحيد381
رابعاً: التصريح بالصعود إليه، قال تعالى ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]
قال الطبري رحمه الله :(( يقول تعالى ذكره : إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه))تفسير الطبري.
وقال صديق خان رحمه الله )):وفيه دليل على علو تعالى فوق الخلق وكونه بائنا عنه بذاته الكريمة,كما تدل له الآيات الأخرى الصريحة والأحاديث المستفيضة الصحيحة)فتح البيان(11/227)
وقال ابن القيم(وإليه يصعد كل قول طيب***وإليه يرفع سعي ذي الشكران)الكافية الشافية54
وتأمل الأحاديث التالية :
1-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال((من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل)) رواه البخاري
2--عن عبدالله بن السئب رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي أربعا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر, فقال : (إنها ساعة تفتح فيها أبوا السماء وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)كما في الترمذي والحديث صحيح
3-وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله لم أرك تصوم شهر من الشهور كما تصوم شعبان؟ قال ( ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) الحديث رواه النسائي
4-وعن رفاعة بن رافع قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطست, فقلت: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه, مباركا عليه, كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف فقال: (من المتكلم في الصلاة؟) فلم يتكلم أحد, ثم قالها الثانية, فلم يتكلم أحد, ثم قالها الثالثة, فقال رفاعة: أنا يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده! لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها). رواه الترمذي وأبو داود والنسائي.
5-وعن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات, فقال: (إن الله عز وجل لا ينام, ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه, يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار, وعمل النهار قبل عمل الليل, حجابه النور). رواه مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله ((وحجابه نور فلو كشف الحجاب***لأحرق السبحات للأكوان))الكافية الشافية249
فإذا كانت سبحات وجهه الأعلى لا يقوم لها شيء من خلقه ولو كشف حجاب النور تلك السبحات ,لاحترق العالم العلوي والسفلي ,فما الظن بجلال ذلك الوجه الكريم وعظمته وكبريائه وكماله وجلاله؟ !
6-عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة سيارة فضلا, يبتغون مجالس الذكر, فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم, وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم, حتى يملأوا ما بينهم وبين السماء الدنيا, فإذا تفرقوا عرجوا, وصعدوا إلى السماء, قال: فيسألهم الله وهو أعلم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض, يسبحونك ويكبرونك, ويهللونك ويمجدونك, ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا, أي ربِّ! قال: وكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيروني؟ قالوا: من نارك. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: يستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم, فأعطيتهم ما سألوا, وأجرتهم مما استجاروا. قال: يقولون: ربِّ! فيهم فلان عبد خطاء, وإنما مرَّ فجلس معهم! قال: فيقول: وله غفرت, هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) متفق عليه وهذه رواية مسلم.
جاء في السراج الوهاج ( 10/ 567) قوله " هذا الحديث صحيح جليل القدر زكثير الفائدة وهو حسن الافاظ لطيف المعاني ، وفيه إثبات جهة العلو و الفوق لله تعالى).
خامساً: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه, قال تعالى: { بل رفعه الله إليه} النساء158, { إني متوفيك ورافعك إليّ } آل عمران 55.
سادساً: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتاً وقدراً وقهراً ، قال الله تعالى { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ }(البقرة: من الآية255) { وهو العلي الكبير } (سبأ 23 ) { عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ } (الرعد:9){ سبح اسم ربك الأعلى }[ الأعلى 1 ] { سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ }(يونس: من الآية18)
قال ابن القيم رحمه الله تعالى :( الذي هو دالٌ على كمال العلو ونهايته " ( بدائع الفوائد ( 2 / 411 )
وفسر الطبري " العلي " بالعلو والارتفاع " جامع البيان م / 3 / ج2 /ص 19 "
سابعاً: التصريح بتنزيل الكتاب منه سبحانه وتعالى :
قال الله عز وجل { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }(الزمر:1)
{ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } (فصلت:2){ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }(فصلت: من الآية42) {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (السجدة:2)
{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }(الأنعام: من الآية114){ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ } (غافر:2){ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } (الواقعة:80){ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ }النحل: من الآية102)
تفيد هذه الآيات الآتي :
أ- أنه المتكلم ، وأنه منه منزل ، ومنه بدأ وهو الذي تكلم به .
ب- علو الله سبحانه فوق خلقه ، فإن النزول والتنزيل الذي تعقله العقول ، وتعرفه الفِطَر : وهو وصول الشيء من أعلى إلى أسفل . والرب تعالى إنما يخاطب عباده بما تعفه فطرهم ، وتشهد به عقولهم .
قال ابن القيم رحمه الله :
والله أخبرنا بأن كتابه ***تنزيله بالحق والبرهان
أيكون تنزيلا وليس كلام من ***فوق العباد أذاك ذو إمكان
أيكون تنزيلا من الرحمان والر***حمن ليس مباين للأكوان)) الكافية الشافية ص109-110
ثامناً: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض .قال الله تعالى { فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ }(فصلت: من الآية38) وقال تعالى { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ } (الانبياء:19)
وقال تعالى { رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ }(التحريم: من الآية11) { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ}(القمر: 54 – 55 )
{ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ }(يونس: من الآية2){ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ }(لأعراف:206)
فدلت هذه الآيات على أن الذين عنده هم قريبون إليه " ولو كان موجب العندية معناً عاماً ، كدخولهم تحت قدرته ومشيئته وأمثال ذلك لكان كل مخلوق عنده ؛ ولم يكن أحد مستكبراً عن عبادته ، بل مسبحاً له ساجداً ، وقد قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}(غافر: من الآية60) وهو سبحانه وصف الملائكة بذلك رداً على الكفار المستكبرين عن عبادته .
" مجموع الفتاوى ( 5 / 165 – 166 )
قال ابن القيم رحمه الله : لو لم يكن سبحانه فوق الورى ***كانوا جميعا عند ذي السلطان
ويكون عند الله إبليس وجبريل***هما في العند مستويان )) الكافية الشافية ص112
عن مسروق قال سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) الآية قال إنا قد سألنا عن ذلك فقال أرواحهم في أجواف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع إليهم ربهم اطلاعة فقال هل تشتهون شيئا ؟ قالوا أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ففعل ذلك بهم ثلاث مرات فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا قالوا يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا . رواه مسلم .
وقال ابن خزيمة رحمه الله : فكل من له فهم بلغة العرب ، يعلم أن اطِّلاعه إلى الشيء لا يكون إلا من أعلى إلى أسفل . ولو كان كما زعمت الجهمية أن الله مع الإنسان وأسفل منه ،وفي الأرض السابعة السفلى كما هو في السماء السابعة ، لم يكن لقوله " فاطلع إليهم ربهم اطلاعة " معنى - من كتاب التوحيد " ص 381 "
وتدبر الأحاديث التالية :
1-عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم جل وعز قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال يتمون الصفوف المقدمة ويتراصون في الصف))رواه مسلم.
2-عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري
أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من قوم يذكرون الله إلا حفت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده)) رواه الترمذي .
3-عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال)) لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسأل عن خمس عن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وماذا عمل فيما علم)) رواه الترمذي وصححه الألباني .
4-عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ))لما خلق الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إن رحمتي تغلب غضبي))رواه مسلم.
قال ابن خزيمة :((فالخبر دال على ربنا جلا وعلا فوق عرشه الذي كتابه-أن رحمته غلبت غضبه-عنده) كتاب التوحيد ص105
وقال صديق حسن خان رحمه الله : وهذا يدل على العندية والعلو والفوقية.ونحن نؤمن به,بلا كيف ولا تمثيل,ولا ننكره,ولا نؤوله كأهل الكلام.وهذا هو سبيل السلف في مسائل الصفات.
والحديث : دليل على سبق لرحمة وغلبتها على الغضب والسخط.وهذا هو اللائق بشأن أرحم الراحمين.ولولا ذلك لكنا جميعا خاسرين هالكين.نعوذ بالله من غضب الله ونتوب إليه من سخطه ونرجوا رحمته وكرمه وفضله ولطفه.وما أحقه بذلك)السراج الوهاج(11/22-23).
قال ابن القيم رحمه الله :
واذكر حديثا في الصحيح تضمنت***كلماته تكذيب ذي البهتان
لما قضى الله الخليقة ربنا***كتبت يداه كتاب ذي إحسان
وكتابه هو عنده وضع***على العرش المجيد الثابت الأركان
إني أنا الرحمان تسبق***رحمتي غضبي وذاك لرأفتي وحنان
يتبع.........
جمال البليدي
05-02-2009, 09:02 PM
تاسعاً: التصريح بأنه تعالى في السماء والمراد بها العلو، قال تعالى:{ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور/أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} الملك-1716،
والمراد (من في السماء) أي الله -وليس الملائكة كما يدعي المعطلة – لقوله تعالى((أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون))النحل45
قال ابن جرير الطبري _ وهو إمام المفسرين _ في تفسير الآية التي ذكرها (أم أمنتم من في السماء ) وهو الله )
وقال البغوي في تفسيره (8/178) (({ أأمنتم من في السماء } قال ابن عباس: أي: عذاب من في السماء إن عصيتموه. ))
بل قد روى البخاري عن ابن عباس ما يلي: قال: « لما كلم الله موسى كان النداء في السماء وكان الله في السماء » [البخاري: خلق أفعال العباد ص40].
معنى كون الله في السماء :
أما معنى(الله في السماء) فهو العلو كما قال ابن الأعرابي : [كل ما علاك فهو سماء ]،
ومما يؤكد أن السماء لفظ اصطلاحي يراد به العلو هو قول النبي صلى الله عليه وسلم ): الخيمة درّة طولها في السماء ستون ميلاً في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون » (متفق عليه).
يبين ذلك أيضاً قول الإمام النووي رحمه الله: « قوله (طولها في السماء) أي في العلو » [شرح النووي على مسلم ج 17/176].
يقول الحافظ ابن عبد البر رحمه الله :
وأما قوله تعالى : ( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ ) الملك/16 فمعناه مَن على السماء يعني على العرش ، وقد يكون في بمعنى على ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) التوبة/2 أي : على الأرض . وكذلك قوله : ( وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ) طه/71 " انتهى. " التمهيد " (7/130) .
وقال أبي الحسن الأشعري في كتاب الإبانة((ومنها قول الله عز وجل : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) ثم قال : فالسموات فوقها العرش , فلما كان العرش فوق السموات قال : (أأمنتم من في السماء ) لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات , وكل ما علا فهو سماء . فالعرش أعلى السموات , وليس إذا قال : ( أأمنتم من في السماء) يعني جميع السموات . وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات إلى أن قال : ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء , لأن الله عز وجل مستو على العرش الذي هو فوق السموات , فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش)) . انتهى
و قال الشيخ ابن عثيمين في " شرح الواسطية " (ص 252 – 253): لكن ها هنا إشكال, وهو أن (في) للظرفية, فإذا كان الله في السماء, و(في) للظرفية, فإن الظرف محيط بالمظروف! أرأيت لو قلت: الماء في الكأس, فالكأس محيط بالماء وأوسع من الماء! فإذا كان الله يقول: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله, وهذا الظاهر باطل, وإذا كان الظاهر باطلا, فإننا نعلم علم اليقين أنه غير مراد لله, لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة باطلا. فما الجواب على هذا الإشكال؟ قال العلماء: الجواب أن نسلك أحد طريقين:
1- فإما أن نجعل السماء بمعنى العلو, والسماء بمعنى العلو وارد في اللغة, بل في القرآن, قال تعالى: أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا (الرعد 17) والمراد بالسماء العلو, لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ, والسحاب في العلو بين السماء والأرض, كما قال تعالى: وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ (البقرة 164).فيكون معنى: مَنْ فِي السَّمَاءِ أي: من في العلو. ولا يوجد إشكال بعد هذا, فهو في العلو, ليس يحاذيه شيء, ولا يكون فوقه شيء. 2
- أو نجعل (في) بمعنى (على), ونجعل السماء هي السقف المحفوظ المرفوع, يعني: الأجرام السماوية, وتأتي (في) بمعنى (على) في اللغة العربية, بل في القرآن الكريم, قال فرعون لقومه السحرة الذين آمنوا:وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ (طه 71), أي: على جذوع النخل. فيكون معنى: مَنْ فِي السَّمَاءِ. أي: مَنْ على السماء. ولا إشكال بعد هذا.) انتهى كلام الشيخ رحمه الله تعالى.
قال البيهقي في الأسماء والصفات (2 :165): « ومعنى قوله في هذه الأخبار "من في السماء" أي فوق السماء على العرش كما نطق به الكتاب والسنة
».
هذا وقد تواترت الأدلة على أن الله في السماء :
قال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه "الأربعين في صفات رب العالمين"—ص53/54((وكونه-عز وجل-في السماء متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تواتر حرفيا ))فمن ذلك :
1-عن معاوية بن حكم السلمي رضي الله عنه قال :كانت لي جارية ترعى غنما قبل أحد والجوانية .فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها ,وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ,لكني صككتها صكة .فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظم ذلك علي.قلت :يا رسول الله أفلا أعتقها؟ .قال((ائتني بها) فأتيته بها فقال لها((أين الله))؟,قالت في السماء.قال((من أنا)).قالت : أنت رسول الله.قال((أعتقها فإنها مؤمنة))أخرجه مسلم
قال الشيخ الهراس : (هذا الحديث يتألق نصاعة ووضوحا وهو صاعقة على رؤوس أهل التعطيل ,فهذا رجل أخطا في حق جاريته بضربها فأراد أن يكفر عن خطيئته بعتقها,فاستمهله الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يمتحن إيمانها ,فكان السؤال الذي إختاره لهذا الامتحان هو(أين الله)ولما أجابت بأنه في السماء ,رضي جوابها وشهد لها بالإيمان ,ولو أنك قلت لمعطل :أين الله؟لحكم عليك بالكفران)تعليقات الشيخ الهراس على كتاب التوحيد لابن خزيمة.(ص121-122).
ويستفاد من حديث الجارية ما يلي :
أولا: شرعية قول المسلم: أين الله؟
ثانيا: شرعية قول المسؤول "في السماء"،
ثالثا: فيه دليل على أن من لم يعلم أن الله عز وجل على عرشه فوق السماء فليس بمؤمن.
رابعا: وفيه دليل على أن الله عز وجل على عرشه فوق السماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله" قالت: في السماء. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة" وإنما أخبرت عن الفطرة التي فطرها الله تعالى عليها وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وشهد لها بالإيمان. فليتأمل العاقل ذلك يجده هاديا له على معرفة ربه، والإقرار به كما ينبغي.
وقال الحافظ ابن عبد البر في (( الاستذكار ))(23/167):
)) وأمّا قوله في هذا الحديث للجارية (( أين الله؟ )) فعلى ذلك جماعة أهل السنّة، وهم أهل الحديث ورواته المتفقهون فيه وسائر نقلته، كلّهم يقول ما قال الله في كتابه.. . ومخالفونا ينسبونا في ذلك إلى التشبيه، والله المستعان، ومن قال بما نطق به القرآن، فلا عيب عليه عند ذوي الألباب )).
2- جاء صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(( والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها))
قال ابن القيم رحمه الله : وأذكر حديثا في الصحيح وفيه تحذ***ير لذات البعل من الهجران
من سخط رب في السماء على التي***هجرت لا ذنب ولا عدوان.(1)
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله (( وفي هذا الحديث دليل صريح لما ذهب إليه أهل السنة والجماعة وسلف الأمة من أن الله عز وجل في السماء هو نفسه جل وعلا فوق عرشه ، فوق سبع سموات ، وليس المراد بقوله : (( في السماء )) أي ملكه في السماء ؛ بل هذا تحريف للكلم عن مواضعه .
وتحريف الكلم عن مواضعه من صنيع اليهود والعياذ بالله الذين حرفوا التوراة عن مواضعها وعما أراد الله بها ، فإن ملك الله سبحانه وتعالى في السماء وفي الأرض ، كما قال الله تعالى : (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض) [آل عمران: 189] ، وقال أيضاً : (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْه ) [المؤمنون: 88]، وقال أيضاً : (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْض ِ) [الشورى: 12] ))(2).
3-عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((أَلَا تَأْمَنُونِي , وَأَنَا أَمِين مَنْ فِي السَّمَاء , يَأْتِينِي خَبَر السَّمَاء صَبَاحًا وَمَسَاء " .رواه البخاري
فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البين (3)الدال على علو الله سبحانه وتعالى.
4-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((الميت تحضره الملائكة ,فإذا كان الرجل صالحا,قالو : اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب.اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان.فلا يزال يقال لها ذلك ,حتى تخرج ,ثم يعرج بها إلى السماء فيفتح لها فيقال : من هذا ؟فيقولون : فلان.فيقال :مرحبا بالنفس الطيبة كانت في الجسد الطيب .ادخلي حميدة و أبشري بروح وريحان ورب غير غضبان .فلا يزال يقال لها ذلك حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل))أخرجه أحمد وصححه الألباني.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعليقا على هذا الحديث ((قوله (فيها الله) بمنزلة قوله تعالى(:{ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور/أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير))(الملك16-17) .وبمنزلة ما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجارية معاوية بن الحكم(أين الله) ,قالت : في السماء.
وليس المراد بذلك : أن السماء تحصر الرب وتحتويه ,كما تحتوي الشمس والقمر وغيرهما ,فإن هذا لا يقوله مسلم ,ولا يعتقده عاقل فقد قال سبحانه وتعالى(وسع كرسيه السموات والأرض)البقرة255.والسماوات في الكرسي كحلقة ملقاة في أرض فلاة,والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة,والرب سبحانه فوق سمواته ,على عرشه ,بائن من خلقه,ليس في مخلوقاته شيء من ذاته,ولا في ذاته شيء من مخلوقاته-بل معنى ذلك :أنه فوق السماوات,وعليها,بائن من المخلوقات,كما أخبر في كتابه عن نفسه أنه((خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش)السجدة4. وقال(يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي)آل عمران55.وقال تعالى(تعرج الملائكة والروح إليه) المعارج4.وقال(بل رفعه الله إليه)النساء 158.وأمثال ذلك في الكتاب والسنة)(4)
5-عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ( قال الترمذي حديث حسن صحيح.
-----
(1)الكافية الشافية ص154
(2)شرح رياض الصالحين(5/165).
(3)الصواعق ص463
(4)مجموع الفتاوى(4/271-272).
عاشراً: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة (على) مختصاً بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات {ثم استوى على العرش} ونعلم أن ثم تفيد الترتيب.
وقال سبحانه وتعالى في وصف كتابه العزير((تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى/الرحمان على العرش استوى)طه(4-5).
وقد فسر الطبري رحمه الله الاستواء : بالعلو و الارتفاع(1)
وقال مجاهد رحمه الله((استوى :علا على العرش)(2)
وقال سفيان الثوري : كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن فسأله رجل فقال(الرحمان على العرش استوى)طه5 ,كيف استوى؟قال((الكيف غير معقول ,الاستواء منه غير مجهول , ومن الله الرسالة,وعلى الرسول البلاغ ,وعلينا التصديق)(3)
وقال رجل للإمام مالك :يا أبا عبد الله(الرحمن على العرش استوى),كيف استوى؟قال
:(الكيف غير معقول,الاستواء منه غير مجهول,والإيمان به واجب,والسؤال عنه بدعة,وإني أخاف أن تكون ضالا,وأمر به فأخرج)(4)
قال الإمام الذهبي معقبا : )) هذا ثابت عن مالك، وتقدّم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة : أنَّ كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأنَّ استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنَّه كما يليق به، ولا نتعمّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفياً ولا إثباتاً، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنَّه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقيناً مع ذلك أنَّ الله -جلَّ جلاله- لا مثل له في صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً )) - مختصر العلو ص:141،142
وقال بشر بن عمر رحمه الله(207ه) :سمعت غير واحد من المفسرين يقولون(الرحمات على العرس استوى)طه5,على العرش ارتفع)(5).
وقال يزيد بن هارون رحمه الله(206ه) وقيل له :من الجهمية؟قال : من زعم أن(الرحمان على العرش استوى)على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي)(6)
قال الإمام الذهبي معقبا((يقر) مخفف ,و(العامة) مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم ,والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء .هذا الذي وقر في فطرتهم السليمة ,وأذهانهم الصحيحة ,ولو كان له معنى وراء ذلك,لتفوهوا به وما أهملوه ,ولو تأول أحد منهم الاستواء,لتوفرت الهمم على نقله ,ولو نقل لاشتهر ,ولو تأول أحد منهم الاستواء,فإن كان في بعض الجهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصا أو قياسا للشاهد على الغائب ,وللمخلوق على الخالق,فهذا نادر,فمن نطق بذلك زجر وعلم,وما أظن أن أحد من العامة يقر في نفسه ذلك,والله أعلم)(7).
وقال الإمام ابن خزيمة رحمه الله (311ه) :فنحن نؤمن بخبر الله جلا وعلا أن خالقنا مستو على عرشه,لا نبدل كلام الله ولا نقول قولا غير الذي قيل لنا ,كما قالت المعطلة و الجهمية :إنه استولى على عرشه لا استوى,فبدلوا قولا غير الذي قيل لهم كفعل اليهود لما أمروا أن يقولوا(حطة) فقالو :حنطة,مخالفين أمر الله جلا وعلا,وكذلك الجهمية))(8).
-------
(1)تنظر جامع البيان(1/191)
(2) أخرجه البخاري(13/414) معلقا ,وصحح إسناده ابن حجر في(تغليق التعليق)(5/3455).
(3 ) أخرجه الذهبي في العلو ص 911 وصححه.
(4) أخرجه الذهبي في العلو ص954 وقال(هذا ثابت عن مالك)
(5) أخرجه الذهبي في العلو (ص1011),وقال الألباني في مختصر العلو(ص160) : وهذا إسناد صحيح مسلسل بالثقات الحفاظ.
(6)أخرجه أبو داود في المسائل ص268
(7) العلو(2/1031).
(8)كتاب التوحيد ص101
حادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى
1- فعن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين) ،حديث صحيح.
2- عن المقداد رضي الله عنه-في حديثه الطويل-قال(فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه إلى السماء ....فقال((اللهم اطعم من أطعمني واسقي من سقاني))روام مسلم
3- عن أنس ين مالك رضي الله عنه قال : أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال : يا رسول الله ,هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا,فرفع يديه))رواه البخاري.
4- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((إن الله تعالى طيبٌ لا يقبل إلا طيباَّ ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال تعالى : { يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا } ، وقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء : يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغُذِّيَ بالحرام ، فأنَّى يُستجاب له ) رواه مسلم .
5- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((إن صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش,مخافة أن يأمر قبل أن يمتد إليه طرفه,كأن عينيه كوكبان دريان))(1)
6-عن أم سلمة رضي الله عنها قالت مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))رواه أبو داود وصححه الألباني.
قال ابن عبد البر رحمه الله (463ه) في التمهيد ((ومن الحجة أيضا في انه عز وجل فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى ، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى اكثر من حكايته
لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم".
وقال ابن أبي شيبة رحمه الله(297ه)(وأجمع الخلق جميعا أنهم إذا دعو الله جميعا رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله عز وجل في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض)(2)
وقال أبي الحسن الأشعري رحمه الله ( ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات؛ فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو السماء كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض)(3)
وقال ابن قدامة رحمه الله(620ه) : (الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء واجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم وينتظرون مجيء الفرج من ربهم وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته أو مفتون بتقليد و إتباعه على ضلالته))(4)
يتبع...
-----
(1) رواه الحاكم(4/558-559) وحسنه الحافظ في الفتح(11/376)
(2)كتاب العرش ص51
'3) الإبانة ص79-98
(4)إثبات صفة العلو ص63
جمال البليدي
05-03-2009, 11:58 AM
ثاني عشر: التصريح بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، ونحن نعلم أن النزول المعقول عند جميع الأمم يكون من علو إلى سفول، والله أعلم بكيفية النزول.
ونذكر الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ( يتنزّل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه ومن يستغفرني فأغفر له).
اعلم رحمك الله بأن حديث النزول(حديث كبير جليل ,تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة))(1),يجب الأخذ بظاهره من دون تأويل ولا يجب أن يستوحش من إطلاق مثل ذلك.
قال الإمام الشافعي رحمه الله(204ه) (القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يَقرُب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء».(2)
وقال الدارمي رحمه الله(280ه)(والآثار التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في نزول الرب تبارك وتعالى تدل على أن الله عز وجل فوق السماوات على عرشه ,بائن من خلقه))(3)
وقال الإمام الطبري(وأنه سبحانه وتعالى يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا,لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم))(4)
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله عز وجل إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ,ثم يبسط يده فيقول : هل من سائل يعطى سؤله ؟فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر)(5)
وعقد الإمام ابن خزيمة رحمه الله (311ه) بابا في كتاب ((التوحيد)) افتتحه بقوله :باب ذكر أخبار الثابتة السند ,صحيحة القوام,رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي صلى الله عليه وسلم في نزول الرب جلا وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة .
نشهد شهادة مقر بلسانه ,مصدق بقلبه,مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن يصف الكيفية لأن نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى السماء الدنيا وأعلمنا أنه ينزل ,والله عز و جل لم يترك ولا نبيه عليه السلام بيان ما بالمسلمين إليه الحاجة من أمر دينهم,فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية ,إذ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصف لنا كيفية النزول.
وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أنَّ الله جل وعلا فوق سماء الدنيا الذي أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أنه يَنْزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أنَّ النُّزول من أعلى إلى أسفل )(6)
وقال أبو العباس السراج رحمه الله(313ه)((من لم يقر ويؤمن بأن الله تعالى يعجب ويضحك,وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا,فيقول(من يسألني فأعطيه؟) فهو زنديق كافر ,يستتاب,فإن تاب وإلا ضربت عنقه ,ولا يصلى عليه ولا يدفت في مقابر المسلمين)(7)
قال الذهبي معقبا على هذا الأثر((قلت إنما يكفر بعد علمه بأن الرسول قال ذلك ثم إنه جهد ذلك ولم يؤمن به))كتاب العلو.
وقال أبو بكر بن أبي داود محدث بغداد(316) :
تمسك بحبل الله واتبع الهدى...ولا تك بدعيا لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التي... أتت عـن رسـول الله تنجـو وتربـح
وقل ينزل الجبار في كل ليلة *** بـلا كيـف جـل الواحـد المتمـدح
الى طبق الدنيـا يمـن بفضلـه *** فتفـرج أبـواب السمـاء وتفتـح
يقول ألا مستغفر يلـق غافـرا *** و مستمنـح خيـرا ورزقـا فيمنـح
روى ذاك قوم لا يرد حديثهـم *** ألا خـاب قـوم كذبوهـم وقبحـوا(8)
وقال أبي الحسن الأشعري رحمه الله(324 ه) : ""ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها من النزول إلى السماء الدنيا وأن الرب عز وجل يقول : ( هل من سائل ؟ هل من مستغفر ؟ ) وسائر ما نقلوه و أثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل . ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا عز وجل وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها ولا نقول على الله مالا نعلم))(9)
وقال رحمه الله((ومما يؤكد أن الله عز وجل مستو على عرشه دون الأشياء كلها ما نقله أهل الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وذكر حديث النزول بالسند عن ثلاثة من الصحابة وهم:جبير بن مطعم وأبو هريرة ورفاعة الجهني رضي الله عنهم)(10).
وقال الإمام المشهور ابن أبي زمنين رحمه الله(399ه)تعليقا على حديث النزول : هذا الحديث بين أن الله عز وجل على عرشه في السماء دون الأرض,وهو أيضا بين في كتاب الله,وفي غير ما حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .ثم ذكر آيات دالة على علو الله تعالى)(11)
وقال الإمام أبو عمر الداني رحمه الله(444) : ومن قولهم : أن الله جلا جلاله وتقدست أسماؤه : ينزل في كل ليلة إلى السماء الدنيا في الثلث الباقي من اليل ,فيقول(هل من داعي يدعوني فاستجيب له,وهل من سائل يسألني فاعطيه,وهل من مستغفر يستغفرني فاغفر له؟)حتى ينفجر الصبح,على ما صحت به الأخبار ,وتواترت به الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .نزوله تبارك وتعالى كيف شاء,بلا حد ولا تكييف.وهذا دين الأمة وقول أهل السنة في هذه الصفات أن تمر كما جاءت بغير تحديد ولا تكييف,فمن تجاوز المروي فيها وكيف شيئا منها ومثلها بشيء من جوارحنا وآلتنا فقد ضل واعتدى ,وابتدع في الدين ما ليس منه,وخرق إجماع المسلمين,وفارق أئئمة الدين)(12)
وقال ابن عبد البر رحمه الله((هذا الحديث ثابت من جهة النقل ,صحيح الإسناد,لا يختلف أهل الحديث في صحته ولا فيه(13) دليل على أن الله عز و جل في السماء على العرش من فوص سبع سماوات,وعلمه في كل مكان كما قالت الجماعة أهل السنة أهل الفقه والأثر(14),ثم ذكر الآيات الدالة على علو الله عز وجل(15)
وقال الإمام أبو إسماعيل الصابوني رحمه الله(449ه) : ( ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف ، بل يثبتون ما أثبته رسول الله صلى الله عليه وسلم وينتهون فيه إليه ، ويُمِرُّون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويَكِلون علمه إلى الله ) ، قلت : قوله : ( يَكِلون علمه إلى الله ) يقصد به علم كيفية النزول ، فقد استأثر الله بعلم الكيف ، أما المعنى فهو معروف من لغة العرب وهو لائق بجلال الله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [ سورة الشورى ، الآية : 11 ] .(16)
و قال الإمام الإسماعيلي رحمه الله(369ه) : (وأنه عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا اعتقاد كيفية))(17)
وقال أبو الخطاب الكلوذاني رحمه الله(510ه) : (
قالو :النزول؟قلت ***:ناقله لنا قوم تمسكهم بشرع محمد
قالو :فكيف نزول؟فأجبتهم***لم ينقل التكييف لي في مسند(18)
وقال الشيخ عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني المالكي : (
والله ينزل كل آخر ليلة ***لسمائه الدنيا بلا كتمان
فيقول :هل من سائل فأجيبه***فأنا القريب أجيب من ناداني
حاشا الإله بأن تكيف ذاته***فالكيف والتمثيل منتفيان
والأصل أن الله ليس كمثله***شيء تعالى الرب ذو الإحسان(19)
وقال أبو الطيب رحمه الله : حضرت عند أبي جعفر الترمذي (295ه)فسأله سائل عن حديث نزول الرب,فالنزول كيف هو يبقى فوقه علو؟ فقال : (النزول معقول ,والكيف مجهول,والإيمان به واجب,والسؤال عنه بدعة))(20)
قال الإمام الذهبي معقبا-كما في كتابه العلو- : (صدق فقيه بغداد و عالمها في زمانه إذا السؤال عن النزول ما هو عي لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة وإلا فالنزول والكلام والسمع والبصر والعلم والإستواء عبارات جلية واضحة للسامع فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف وكيفية ذلك مجهولة عند البشر).
وقال ابن القيم رحمه الله :
وكذا نزول الرب جلا جلاله***في النصف من الليل وذاك الثاني
فيقول لست بسائل غيري بأح***وال العباد أنا العظيم الشان
من ذا يسألني فيعطي سؤله***من ذا يتوب إلي من عصيان
من ذاك يسألني فاغفر ذنبه***فأنا الودود الواسع الغفران
من ذا يريد شفاءه من سقمه***فأنا القريب مجيب من نادان
ذا شأنه سبحانه وبحمده***حتى يكون الفجر فجر ثان
يا قوم ليس نزوله وعلوه***حقا لديكم بل هما عدمان
وكذلك يقول ليس شيئا عندكم***لا ذا ولا قولا سواه ثان
كل مجاز لا حقيقة تحته ***أول وزد وأنقص بلا برهان(21)
-----------
(1) زاد المعاد(3/677)
(2) الوصية ص54
(3) الرد على الجهمية ص73
(4)التبصير في معالم الدين ص136
(5) رواه ابن خزيمة(ص89) وأحمد(1/388و403و446) والأجري(312) بسند صحيح.
(6) التوحيد(ص125-126).
(7)العلو ص(534)
(8)السير(13/233-234).
(9)الإبانة(ص29-30).
(10)الإبانة
(11) أصول السنةص113-114
(12)الرسالة الوافية ص134-138)
(13)التمهيد(7/128)
(14)الإستذكار(8/148)
(15)التمهيد(7/129).
(16)عقيدة السلف أصحاب الحديث.
(17)اعتقاد أئمة أهل الحديث ص62
(18)اتمام المنة بشرح إعقاد أهل السنة
(19)نونية القحطاني
(20)رواه الذهبي في العلو
(21) الكافية الشافية
ثالث عشر: الإشارة إليه حسا إلى العلو ، كما أشار إليه من هو أعلم بربه وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر ، لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله ، في اليوم الأعظم ، في المكان الأعظم ، يوم أن خطبهم في حجة الوداع خطبته البليغة فبين لهم ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم وأوصاهم بكتاب الله إلى أن قال لهم : « وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون » . قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت . فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : « اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات))أخرجه مسلم.
قال ابن القيم رحمه الله :
والله أكبر من أشار رسوله***حقا إليه بأصبع وبنان
في مجمع الحق العظيم بموقف***دون المعرف موقف الغفران
من قال منكم من أشار بأصبع***قطعت فعند الله يجتمعان(1)
وقال رحمه الله :
ولقد أشار رسوله في مجمع ال***حج العظيم بموقف الغفران
نحو السماء بأصبع قد كرمت***مستشهدا للواحد الرحمان
يا رب فاشهد أنني بلغتهم***ويشير نحوهم لقصد بيان
فغدا البنان مرفعا ومصوبا***صلى الله عليك ذو الغفران
أديت ثم نصحت إذ بلغتنا***حق البلاغ الواجب الشكران(2).
----------
(1)الكافية الشافية
(2)الكافية الشافية
الرابع عشر: التصريح بلفظ " الأين " في حديث الجارية وهو – صلى الله عليه وسلم - أعلم الخلق بربه ، وأكملهم إيمانا ، وأعرفهم بما يجوز وما يمتنع في حقه تعالى ، وأنصحه الخلق لأمته ، وأفصحهم بيانا عن المعنى الصحيح ، وقد قال بلفظ لا يوهم باطلا بوجه : " أين الله " ، في حديث الجارية الطويل وهو في صحيح مسلم فقد قال- صلى الله عليه وسلم- للجارية : « أينَ الله ؟ قالت : في السماء ، قال : مَنْ أنا ؟ قالت : أنتَ رسول الله ، قال : أعتِقها فإِنَّها مؤمِنةٌ »(1) ، وهناك فئة ينكرون هذا السؤال، باحتجاجهم بأن هذا السؤال مثير للفتنة ويعتمدون على قوله تعالى:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به} قال الطبري شيخ المفسرين رحمه الله في خبر روي عن ابن عباس حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا مؤمل قال: حدثنا سفيان عن أبي الزناد، قال ابن عباس: (( التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه)). فالمتشابه بقول بعض العلماء إنه الحروف المقطعة من القرآن وهذه التي لا يعلمها إلا الله ومثلها ما فيه من الخبر عن آجال حادثة، وأوقات آتية، كوقت قيام الساعة، والنفخ في الصور، ونزول عيسى بن مريم، وما أشبه ذلك؛ فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلا الخبر بأشراطها، لاستئثار اللّه بعلم ذلك على خلقه.
ومنهم من قال: إن القرآن جملة وتفصيلاً محكم ولفظ المتشابه أي التشابه بين الآيات وليس لشبهة بينها.
ومنهم من قال: إن التشابه بالآيات هو ما يعلمه الراسخون في العلم مع إيمانهم بها بعيدين عن العوام وعن الذين يبتغون الفتنة كما فعله الجهمية والمعطلة والمعتزلة الذين في قلوبهم زيغ فأرادوا الفتنة ولم يريدوا علماً نافعاً. --------
(1)رواه مسلم
جمال البليدي
05-04-2009, 04:22 PM
الخامس عشر: شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قال: إن ربّه في السماء بالإيمان وهذا ما حدث مع الجارية السوداء حينما أجابته فقال اعتقها فإنها مؤمنة. يقول البعض في هذا الحديث إن رسول الله قد خاطبها على قدر عقلها ولكن هل يعقل لرسول الله أن يطلق حكماً أو شهادةً من عنده، فما كان قول الرسول صلى الله عليه وسلم لتلك الجارية: أين الله؟ إلا لامتحان إيمانها، والدليـل أنه أمر بإعتاقها لأنها مؤمنة بقولها أن الله في السماء، فلو أجابته أنه في الأسفل أو في كل مكان هل سيكون جواب سيد الخلق كذلك بأنها مؤمنة؟ ورسول الله هو الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى.
وصرح الشافعي بأن هذا الذي وصفته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه(1) في ( باب أعتقها فإنها مؤمنة),وذكر حديث الأمة السوداء التي سودت وجوه الجهمية ,وبيضت وجوه المحمدية,فلما وصفت الإيمان قال((أعتقها فإنها مؤمنة)),وهي أنما وصفت كون ربها في السماء ,وأن محمد عبده ورسوله,فقرنت بينهما في الذكر,فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان)(2)
قال شيخ الإسلام الصابوني رحمه الله : (وإنما احتج الشافعي-رحمه الله- على المخالفين....بهذا الخبر لاعتقاده أن الله سبحانه فوق خلقه وفوق سبع سماواته على عرشه كما هو معتقد المسلمين أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم ,إذ كان رحمه الله لا يروي خبرا صحيحا لا يقول به)(3)
وقال الحافظ إسماعيل بن محمد التميمي رحمه الله : فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بإيمانها حين قالت : إن الله في السماء,وتحكم الجهمية بكفر من يقول ذلك)(4)
قوال ابن القيم رحمه الله :
واذكر شهادته لمن قد قال ربي***في السماء بحقيقة الإيمان
وشهادة العدل المعطل للذي***قال ذا بحقيقة الكفران
واحكم بأيهما تشاء وإنني***لأراك تقبل شهادة البطلان
إن كنت من أتباع جهم صاحب الت***عطيل والبهتان والعدوان.(5).
---------
(1)الأم(5/298)
(2)إعلام الموقعين(2/316)
(3) عقيدة السلف أصحاب الحديث .
(4)الحجة في بيان المحجة(2/115)
(5)الكافية الشافية
سادس عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطّلع إلى إله موسى فيكذبه بما أخبره من أن الله فوق السموات فقال: {يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً}.
فمن نفى العلو فهو فرعوني، ومن أثبته فهو موسويٌّ مُحَمَّدِي.
قال ابن القيم رحمه الله : (فكذب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء.وعند الجهمية : بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب.وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به.وكذب موسى في إخباره بذلك إذ من قال عندهم : إن ربه فوق السماوات فهو كاذب.فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون.مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء ,ولذلك سماهم أئئمة السنة فرعونية.قالوا : وهم شر من الجهمية ,فإن الجهمية يقولون : إن الله في كل مكان بذاته ,وهؤلاء عطلوه بالكلية ,وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض ,فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه كان قولهم خير من قولهم ))(1)
وقال ابن قدامة رحمه الله((والمخالف في هذه المسألة قد أنكر هذا يزعم ان موسى كاذب في هذا بطريق القطع واليقين مع مخالفته لرب العالمين وتخطئته لنبيه الصادق الأمين وتركه منهج الصحابة والتابعين والأئمة السابقين وسائر الخلق أجمعين ونسأل الله تعالى ان يجعلنا من أهل الإتباع و يعصمنا من البدع برحمته ويوفقنا لإتباع سنته))(2)
وقال السعدي رحمه الله(فهذا صريح في تكذيبه لموسى في قوله إن الله فوق السماوات والخلق كلهم,وتبع فرعون على قوله هذا جميع(الجهمية الفرعونية)و رموا ببلائهم "أهل السنة والجماعة" وقالوا :إن مذهبهم مذهب فرعون الذي اعتقد علو الله على خلقه ,وهذا من العجائب وقلب الحقائق(3).ومن المعلوم أن الجهمية أولى بفرعون في هذه الحالة ,لأنه قالها إنكارا ,وهو نفس مذهب الجهمية,فإنهم أنكروا كلام الله وعلوه على خلقه,كما أنكر فرعون ذلك بتكذيبه لرسالة موسى ولعلو الله,وليس بينهم فرقّ,إلا أن فرعون صرح بالإنكار وهم موهوا العبارات وزخرفوا الألفاظ ,وقبحوا الحسن وحسنوا القبيح,وسموا أنفسهم أهل الحق ,وسموا غيرهم أهل الباطل ,فانخدعوا لهذه الزخارف وخدعوا غيرهم)(4)
وقال ابن القيم رحمه الله :
ومن المصائب قولهم إن اعتقاد***الفوق من فرعون ذي الكفران
فإذا اعتقدتم هذا فأشياع له***أنتم وذا من أعظم من البهتان
فاسمع إذا من ذا الذي أولى بفر**عون المعطل جاحد الرحمن
وانظر إلى ما جاء في القصص التي***تحكي مقال إمامهم ببيان
والله قد جعل الضلالة قدوة ***بأئمة تدعوا إلى النيران
فإمام كل معطل في نفيه***فرعون مع نمرود مع هامان
طلب الصعود إلى السماء مكذبا***موسى ورام الصرح بالبنيان
بل قال موسى كاذب في زعمه***فوق السماء الرب ذو السلطان
فابنوا لي الصرح الرفيع لعلني***أرقى إليه بحيلة الإنسان
وأظن موسى كاذبا في قوله***الله فوق العرش ذي السلطان
وكذلك كذبه بأن إلهه***ناداه بالتكليم ذو عيان
هو أنكر التكليم والفوقية***العليا كقول جهم ذي الصفوان
فمن الذي أولى بفرعون إذا***منا ومنكم بعد هذا التبيان(5).
-------------
(1)إعلام الموقعين(2/317).
(2) إثبات صفة العلو.
(3)توضيح الكافية الشافية
(4)توضيح الكافية الشافية.تحقيق : أشرف عبد المقصود.
(5) الكافية الشافية.
سابع عشر: إخباره صلى الله عليه وسلم كيف تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه في المعراج
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم و ليلة; فنزلت إلى موسى فقال : ما فرض ربك على أمتك قلت : خمسين صلاة قال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإني قد بلوت بني إسرائيل و خبرتهم فرجعت إلى ربي فقلت : يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا; فرجعت إلى موسى فقلت : حط عني خمسا قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فسله التخفيف; فلم أزل أرجع بين ربي و بين موسى حتى قال : يا محمد إنهن خمس صلوات كل يوم و ليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة و من هم بحسنة فلم يعلمها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا و من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة; فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال : ارجع إلى ربك فسله التخفيف فقلت : قد رجعت إلى ربي: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه . )أخرجه البخاري واللفظ لمسلم.
قال ابن خزيمة رحمه الله : (من الأخبار –أي أخبار المعراج- دلالة واضحة أن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به من الدنيا إلى السماء السابعة وأن الله تعالى فرض عليه الصلوات على ماجاء في الأخبار .فتلك الأخبار كلها دالة على أن الله خالق البارئ فوق سبع سماوات))(1)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : (ومحمد صلى الله عليه وسلما لما عرج به إلى ربه وفرض عليه الصلوات الخمس ,ذكر أنه رجع إلى موسى,وأن موسى قال له : ارجع إلى ربك فسله التخفيف إلى أمتك,كما تواترت أحاديث المعراج(2)فمحمد صلى الله عليه وسلم صدق موسى في أن ربه فوق السموات(3),وفرعون كذب موسى في أن ربه فوق ,فالمقرون بذلك متبعون لموسى ولمحمد,والمكذبون لذلك موافقون لفرعون))(4)
وقال ابن القيم :
والله أكبر من رقا فوق***الطباق رسوله فدنا من الديان
وإليه قد عرج الرسول حقيقة***لا تنكروا المعراج بالبهتان
ودنا من الجبار جلا جلاله***ودنا إليه الرب ذو الإحسان(5).
------
(1) التوحيد ص119
(2) مجموع الفتاوى(13/173)
(3) مجموع الفتاوى(12/351)
(4) مجموع الفتاوى(13/174)
(5) الكافية الشافية ص335
جمال البليدي
05-04-2009, 04:30 PM
ثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة لله تعالى من الكتاب والسنة وإخباره النبي أنهم يرونه كرؤية الشمس والقمر فلا يرونه إلا من فوقهم ونعلم أنه لا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ولهذا نفى الجهمية الأمرين الرؤية والفوقية وأثبت أهل السنة والجماعة الأمرين وصار عندهم من أثبت الرؤية ونفى العلو مذبذباً بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين((وأجلها قدرا,وأعلاها خطرا,وأقرها لعيون أهل السنة والجماعة,وأشدها على أهل البدعة والفرقة ,وهي الغاية التي شمرها لها المشمرون ,وتنافس فيها المتنافسون ,وتسابق إليها المتسابقون,ولمثلها فليعمل العاملون ,اتفق عليها الأنبياء والمرسلون,وجميع الصحابة والتابعون ,وأئمة الإسلام على تتابع القرون,وأنكرها أهل البدع المارقون,و الجهمية المتهوكون,والفرعونية المعطلون,والباطنية الذين هم من جميع الأديان منسلخون,وبحبائل الشيطان متمسكون ,ومن حبل الله منقطعون,وعلى مسبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عاكفون,وللسنة وأهلها محاربون,ولكل عدو لله ورسوله ودينه مسالمون,وكل هؤلاء عن ربهم محجوبون,وعن بابه مطرودون)(1)
وقال سبحانه وتعالى((وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة
))القيامة(22-23)
ومن أدلة رؤيته سبحانه يوم القيامة قوله تعالى:{ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون }(المطففين:15)،
قال الإمام الشافعي :" وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ "، ووجه ذلك أنه لما حجب أعداءه عن رؤيته في حال السخط دل على أن أولياءه يرونه في حال الرضا، وإلا لو كان الكل لا يرى الله تعالى، لما كان في عقوبة الكافرين بالحجب فائدة إذ الكل محجوب .
قال الحافظ الذهبي رحمه الله : (أحاديث رؤية الله في الآخرة متواترة ,والقرآن مصدق لها ))(2).
وهذه بعض الأحاديث الدالة على رؤية الله في الجنة :
1- حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ؟ قالوا : لا، يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا: لا، يا رسول الله، قال: فإنكم ترونه كذلك ) رواه مسلم
قال ابن القيم رحمه الله : (و المخاطبون قوم عرب يعلمون المراد منه,ولا يقع في قلوبهم تشبيه سبحانه (بالشمس والقمر) بل هم أشرف عقولا,وأصح أذهانا,وأسلم قلوبا من ذلك,وحقق صلى الله عليه وسلم وقع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها,ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون)(3)
وقال رحمه الله :
ما بعد تبيان الرسول لناظر***إلا العمى والعيب في العميان
فانظر إلى قول الرسول لسائل***من صحبه عن رؤية الرحمن
حقا ترون ربكم يوم اللقا***رؤيا العيان كما يرى القمران
كالبدر ليل تمامه و الشمس في ***نحر الظهيرة ما هما مثلان
بل قصده تحقيق رؤيتنا له***فأتى بأظهر ما يرى بعيان
ونفى السحاب وذاك أمر مانع***من رؤية القمرين في ذا الآن
فإذا أتى بالمقتضي ونفى الموا***نع خشية التقصير في التبيان
صلى الله عليه ما هذا الذي***يأتي من بعد ذا التبيان
ماذا يقول القاصد التبيان يا***أهل العمى من بعد ذا التبيان(4)
2- حديث صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجينا من النار، قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، ثم تلا هذه الآية { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } رواه مسلم .
قال صديق خان رحمه الله : (وتفسير الزيادة النظر إلى وجه الله سبحانه,وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبقى حينئذ لقائل مقال ولا التفات إلى المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ينتفعون به ,فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم,والله المستعان))(5)
3- حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن ) متفق عليه .
قال ابن القيم رحمه الله : ((فهذا يدل أن رداء الكبرياء على وجهه-تبارك وتعالى-هو المانع من رؤية الذات ,ولا يمنع من أصل الرؤية,فإن الكبرياء والعظمة أمر لازم لذاته تعالىّ,فإذا تجلى سبحانه لعباده يوم القيامة,وكشف الحجاب بينهم وبينه,فهو الحجاب المخلوق.وأما أنوار الذات الذي يحجب عن إدراكها فذاك صفة للذات ,لا تفارق ذات الرب جلا جلاله,ولو كشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه .وتكفي هذه الإشارة في هذا المقام للمصدق الموقن.وأما المعطل الجهمي فكل هذا عنده باطل ومحال))(6)
4-حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((......وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقاءك )) أخرجه النسائي وصححه الألباني .
قال الحافظ إسماعيل بن محمد التميمي رحمه الله : والنبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل سؤالا مستحيلا,لأن الله تعالى لا يبعث نبيا إلا وهو يعلم ما يجري عليه))(7)
وقال ابن القيم رحمه الله :
أو ما سمعت سؤال أعرف خلقه***بجلاله المبعوث بالقرآن
شوقا إليه ولذة النظر الذي***بجلال وجه الرب ذي السلطان
الشوق لذة روحه في هذه الد***نيا ويوم قيامة الأبدان
تلتذ بالنظر الذي فازت به***دون الجوارح هذه العينان
والله ما في هذه الدنيا ألذ***من اشتياق العبد للرحمن
وكذلك رؤية وجهه سبحانه***هي أكمل اللذات للإنسان
لكنما الجهمي ينكر ذا وذا***والوجه أيضا خشية الحدثان
تبا له المخدوع أنكر وجهه***ولقاءه ومحبة الديان
وكلامه وصفاته وعلوه***والعرش عطله من الرحمن
فتراه في واد ورسل الله في***واد وذا من أعظم الكفران(8)
5-عن جرير بن عبد البجلي رضي الله عنه قال :كنا جلوسا ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة,فقال((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا لا تضامون في رؤيته,فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا )) ثم قرأ : (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب)((ق39)أخرجه البخاري ومسلم.
قال الإمام البغوي رحمه الله : ((وقوله : (كما ترون)ليس كاف التشبيه للمرئي بالمرئي ,بل كاف التشبيه للرؤية التي هي فعل الرائي بالرؤية ,ومعناه : ترون ربكم رؤية لا شك فيها ,كما ترون القمر ليلة البدر لا مرية فيها))(9)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- : ((ومعلوم أنا نرى الشمس والقمر عيانا مواجهة,فيجب أن نراه كذلك,وأما رؤية مالا نعاين ولا نواجهه فهذه غير متصورة في العقل ,فضلا على أن تكون كرؤية الشمس والقمر.
وأما قوله(لا تضامون) يروى بالتخفيف .أي : لا يلحقكم ضيم في رؤيته كما يحلق الناس عند رؤية الشيء الحسن كالهلال.فإنه قد يلحقهم ضيم في طلب رؤيته حين يرى,وهو سبحانه يتجلى تجليا ظاهرا فيرونه كما ترى الشمس والقمر بلا ضيم يلحقكم في رؤيته.
وقيل :(لا تضامون) بالتشديد : أي لا ينضم بعضكم إلى بعضكما يتضام الناس عند رؤية الشيء الخفي كالهلال,وهذا كله بيان لرؤيته في غاية التجلي والظهور بحيث لا يلحق الرائي ضرر ولا ضيم كما يلحقه عند رؤية الشيء الخفي والبعيد والمحجوب ونحو ذلك))(10)
6-عن أبي رزين رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله : أنرى الله يوم القيامة؟وما آية ذلك في خلقه؟قال : ((يا أبا رزين !أليس كلكم يرى القمر مخليا به؟)) قلت : بلى !قال : ((فالله أعظم وذلك آية في خلقه))رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وإثباته صلى الله عليه وسلم جواز الرؤية لجميع الخلق في وقت واحد وكل منهم يكون مخليا به بالقياس على رؤية القمر مع قوله((الله أعظم)) دليل واضح على أن الناس يرونه مواجهة عيانا يكون بجهة منهم.وإذا أمكن في بعض مخلوقاته أنه يراه الناس في وقت واحد كلهم يكون مخليا به ,فالله أولى أن يمكن ذلك فيه فإنه أعظم وأجل(11) وأكبر من كل شيء .فهذا يزيل كل إشكال ,ويبطل كل خيال(12).
قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله((وليس تشبيه رؤية الله تعالى برؤية الشمس والقمر تشبيها للهّ,بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية,لا تشبيه المرئي ]وهو الله[ بالمرئي] وهو الشمس والقمر[,ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه,وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة ! ومن قال : يرى لا في جهة(13) فليراجع عقله !! فإما أن يكون مكابرا لعقله,أو في عقله شيء,وإلا فإذا قال : يرى لا أمام الرائي,ولا خلفه,ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا تحته رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة .
ولهذا ألزم المعتزلة من نفى العلو بالذات بنفي الرؤية ,وقالوا : كيف تعقل رؤية بغير جهة))(13)
وقال ابن القيم رحمه الله :
فسل المعطلة هل يرى من تحتنا***أم عن شمائلنا أم عن أيمان
أم خلفنا وأمامنا سبحانه ***أم هل يرى من فوقنا ببيان
يا قوم ما في الأمر شيء غير ذا***أو أن رؤيته بلا إمكان
إذ رؤية لا في مقابلة من الر***ائي محال ليس في الإمكان
ومن ادعى شيئا سوى ذا كان دعو***اه مكابرة على الأذهان(14)
وقال رحمه الله : ((والذي تفهمه الأمم على اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة محدودة غير مفرطة في البعد,فتمتنع الرؤية,ولا في القرب,فلا تمكن الرؤية,لا تعقل الأمم غير هذا,فإما أن يروه سبحانه من تحتهم-تعالى الله- أو من خلفهم,أو من أمامهم,أو عن أيمانهم,أو عن شمائلهم,أو من فوقهم,ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقا ,وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم.
ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية ,ولهذا طرد الجهمية أصلهم,وصرحوا بذلك ,وركبوا النفيين معا ,وصدق أهل السنة بالأمرين معا ,وأقروا بهما ,وصار من أثبت الرؤية,ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبا بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء))(15) .
--------
(1) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح.
(2) سير أعلام النبلاء(10/455)
(3) زاد المعاد(3/681-682)
(4) (الكافية الشافية)
(5) فتح البيان(6/50)
(6)التبيان في أقسام القرآن ص179
(7)الحجة في بيان المحجة
(8)الكافية الشافية
(9) شرح السنة(2/226)للبغوي.
(10) مجموع الفتاوى (16/85-86).
(11)تلبيس الجهمية(2/415)
(12) شرح الطحاوية(ص375)
(13) شرح الطحاوية
(14) الكافية الشافية
(15)إعلام الموقعين(2/317-318).
التاسع عشر : النصوص الواردة في ذكر العرش وصفته وإضافته غالبا إلى خالقه تبارك و تعالى و أنه تعالى فوقه.
قال الله تعالى((رب العرش العظيم))] النمل26[.(رب العرش الكريم)] المؤمنون116[ ((رفيع الدرجات ذو العرش))]غافر15[((إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا))]الإسراء 55[((عند ذي العرش مكين))]التكوير20[ : أي له مكانة ووجاهة عنده ,وهو أقرب الملائكة إليه,وفي قوله((عند ذي العرش)) ]التكوير20[ إشارة إلى علو منزلة جبريل ,إذ كان قريبا من ذي العرش سبحانه(1).
وقال تعالى : ((وهو الغفور الودود /ذو العرش المجيد))]البروج14-15[ فأضاف العرش إلى نفسه ,كما تضاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة ,وهذا يدل على عظمة العرش,وقربه منه وسبحانه واختصاصه به,بل يدل على غاية القرب والاختصاص ,كما يضيف إلى نفسه ب((ذو)) صفاته القائمة به ,كقوله تعالى((ذو القوة المتين))]الذاريات58[ ((ذو الجلال والإكرام))]الرحمان27 [
ويقال : ذو العزة ,وذو الملك,وذو الرحمة ونظائر ذلك.
فلو كان حظ العرش منه حظ الأرض السابعة ,لكان لا فرق أن يقال : ذو العرش,وذو الأرض(2)
وتدبر- رحمك الله –الأحاديث التالية الواردة في ذكر العرش :
1-عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم((ما من عبد أتى أخا له يزوره في الله إلا نادى مناد من السماء : أن طبت وطابت لك الجنة ,وإلا قال الله في ملكوت عرشه : عبدي زار في ,وعلي قراه,فلم أرض له بقري دون الجنة))(3)
2-عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله,من حملة العرش : إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام))رواه أبو داوود وصححه الألباني.
3-عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بلال وعنده صبرة من تمر ,فقال : ((ما هذا يا بلال)) قال : أعد ذلك لأضيافك .قال : ((أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم؟أنفق بلال ! ولا تخشى من ذي العرش إقلالا))رواه البزار وصححه الألباني.
4-عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة,وأعلى الجنة,وفوقه عرش الرحمان))رواه البخاري
قال ابن خزيمة((فالخبر يصرح أن عرش ربنا جل وعلا أنه مستو على عرشه,فخالقنا عال فوق عرشه الذي هو فوق جنته))(4).
-------
(1)التبيان في أقسام القرآن(ص89)
(2)التبيان في أقسام القرآن(ص68)
(3) رواه أبو يعلى في مسنده(7/166)(4140),والبزار(كشف الأستار)(2/388-389)(1918),وجود إسناده الحافظ المنذري في((الترغيب))(3/239).
(4) كتاب التوحيد(ص104).
العشرون : من البراهين الدالة على علو الله على خلقه واستوائه على عرشه الدليل العظيم والبرهان القاطع ,وهو ما يحصل من مجموع الأدلة السابقة وغيرها .
فإنه يحصل من سرد أنواعها وأفرادها ونصوصها وقواطعها ما يوصل إلى اليقين الاضطراري والعلم الضروري الذي لا يمكن دفعه ويحصل الجزم التام الذي لا ريب فيه بعلو الله وارتفاعه واستوائه على عرشه.
وذلك أن واحد من الأدلة يفيد العلم بالمقصود ثم الآخر كذلك ,ثم يستفاد من انضمام أحدهما للآخر دلالة أخرى ,ثم من مجموع الجميع دلالة هي أقوى أنواع الدلالات ,فتتزايد شواهد الإيمان ,وتتعاون أدلته حتى يكون الإيمان في القلب أرسخ من الجبال(1),فأي بيان للمقصود أعظم من هذا ؟(2)
أيرد ذو عقل سليم قط ذا****بعد التصور يا أولي الأذهان
والله ما رد امرؤ هذا بغير***الجهل أو بحمية الشيطان(3)
وهذه الأنواع من الأدلة لو بسطت أفرادها لبلغت محو ألف دليل(4)
ونحن نطالب المشتغلين بعلم الكلام ((بجواب صحيح عن دليل واحد ونعلم قبل المطالبة أنه لو اجتمع كل جهمي على وجه الأرض لما أجابوا عنه بغير المكابرة والتشنيع على أهل الإثبات بالتجسيم والتنفير والسب))(5) والطعن والافتراء والتكفير.
والله مالكم جواب غير تك***فير بلا علم ولا إيقان (6)
وهذه وظيفة كل مبطل قامت عليه حجة الله.
--------
(1)توضيح الكافية الشافية(ص338)
(2)درء التعارض(5/55)
(3) الكافية الشافية(ص112)
(4)شرح الطحاوية(2/386)
(5)الصواعق(ص294-295)
(6)الكافية الشافية(ص320).
جمال البليدي
05-05-2009, 10:30 PM
أقوال الصحابة في أن الله مستو على عرشه فوق السماء
1-أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
قال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه عن نافع عن ابن عمر قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر رضي الله عنه: أيها الناس إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه فإن إلهكم قد مات، وإن كان إلهكم الله الذي في السماء فإن إلهكم لم يمت، ثم تلا { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} حتى ختم الآية.
2-عمر ابن الخطاب رضي الله عنه:
ومن المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم في إثبات العلو لله تعالى، مارواه ابن أبي حاتم والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" عن جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد يحدث قال: لقيت امرأة عمر رضي الله عنه يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس فاستوقفته فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: ياأمير المؤمنين حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال: "ويحك وتدري من هذه؟ قال: لا. قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ماانصرفت عنها حتى تقضي حاجتها إلا أن تحضر صلاة فأصليها ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها" وقد ذكر هذا الأثر أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: رويناه من وجوه.
وقال البخاري في تاريخه قال محمد بن فضيل عن فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل أبو بكر رضي الله عنه عليه فأكب عليه وقبل جبهته وقال " بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا "، وقال: " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله في السماء حي لا يموت ". وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله ذهب إلى بني عمرو بن عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر رضي الله عنه، فذكر الحديث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشار إلى أبي بكر أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ثم استأخر، فذكره.
3-زينب بنت جحش رضي الله عنها:
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي والنسائي، عن أنس رضي الله عنه قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم تقول: "زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
4-ابن عباس رضي الله عنه:
ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لعائشة رضي الله عنها: "كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيبا وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء بها الروح الأمين" ورواه ابن سعد في الطبقات، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
ومن ذلك ما رواه إسحاق بن راهويه، عن عكرمة في قوله تعالى مخبرا عن إبليس أنه قال: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} (17) سورة الأعراف , قال ابن عباس رضي الله عنهما: لم يستطع أن يقول من فوقهم علم أن الله من فوقهم.
وذكر الطبراني في شرح السنة من حديث سفيان عن أبي هاشم عن مجاهد قال قيل لابن عباس إن ناسا يكذبون بالقدر. قال " يكذبون بالكتاب لئن أخذت شعر أحدهم لا ينبتونه إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا فخلق الخلق فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه ".
5-ابن مسعود رضي الله عنه:
ومن ذلك مارواه سنيد بن داود، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "الله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" إسناده صحيح.
وقد رواه عثمان بن سعيد الدارمي عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " ما بين السماء السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء مسيرة خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم علية" إسناده صحيح،
ورواه البهقي في كتاب "الأسماء والصفات" من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة فذكره بنحوه، ورواه ابن عبد البر في التمهيد من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله تبارك وتعالى على العرش يعلم أعمالكم"
ورواه البيهقي أيضا من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة –وهو المسعودي- عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل – واسمه شقيق بن سلمة- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فذكره بنحوه.
ومن ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه: " من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تلقاهن ملك فعرج بهن إلى الله فلا يمر بملأ من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الرحمن" قال ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" أخرجه العسال في كتاب "المعرفة" بإسناد كلهم ثقات.
6-عبد الله بن رواحة رضي الله عنه:
ومن ذلك قصة عبد الله بن رواحة رضي الله عنه مع امرأته حين وقع على أمته وهي مشهورة. وقد ذكرها ابن عبد البر في الاستيعاب وقال: رويناها من وجوه صحاح، وذلك أنه مشى ليلة إلى أمة له فنالها، وفطنت له امرأته فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جماعه لها فقالت له: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فإن الجنب لا يقرأ القران فقال:
شهدت بأن وعد الله حق *** وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء حق *** وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكـة غـلاظ *** ملائكـة الإله مسـومينا
فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني، وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه، وقد رواها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" بإسناده إلى عبد العزيز بن أخي الماجشون، وفيه أن امرأة عبد الله بن رواحة قالت: له لما جحد خلوته بجاريته، إن كنت صادقا فاقرأ آية من القرآن فقال:
شهدت بأن وعد الله حق *** وأن النار مثوى الكافرينا
قالت فزدني آية فقال:
وأن العرش فوق الماء طاف *** وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكـة كـرام *** ملائكـة الإله مقربينـا
فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه فضحك ولم يغير عليه.
7-سعيد ين جبير رضي الله عنه:
و ذكر عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة من حديث سعيد بن جبير رضي الله عنه قال " تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماوات السبع إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك ".
8-حسان ابن ثابت-رضي الله عنه- شاعر الرسول عليه الصلاة والسلام:
ومن ذلك ما رواه ابن سعد أنبأنا مالك بن إسماعيل النهدي أنبأنا عمر بن زياد، عن عبد الملك بن عمير قال: جاء حسان بن ثابت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أسمك يا رسول الله قال: "قل حقا" فقال:
شهدت بإذن الله أن محمدا *** رسول الذي فوق السموات من على
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وأنا أشهد" فقال:
وان الذي عادى اليهود ابن مريم *** له عمل من ربه متقبل
فقال "وأنا أشهد"
وقد ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء" وقال في البيت الأخير:
وان الذي عادى اليهود ابن مريم *** نبي أتى من عند ذي العرش مرسل
وهكذا هو في ديوان حسان بن ثابت رضي الله عنه.
9-عائشة رضي الله عنها:
و قال الدارمي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية بن أسماء قال: سمعت نافعا يقول: " قالت عائشة رضي الله عنها: وأيم الله إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقتلته ـ تعني عثمان ـ ولكن علم الله من فوق عرشه إني لم أحب قتله ".
10-أبي هريرة رضي الله عنه:
ومن ذلك ما رواه عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "النقض" على المريسي بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك".
11- أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه :
ومن ذلك ما روي عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال " لما لعن الله إبليس وأخرجه من سمواته وأخزاه قال: رب أخزيتني ولعنتني وطردتني عن سمواتك وجوارك فوعزتك لأغوين خلقت ما دامت الأرواح في أجسادهم، فأجابه الرب تبارك وتعالى فقال: وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي لو أن عبدي أذنب حتى ملأ السماوات والأرض خطايا ثم لم يبق من عمره إلا نفس واحد فندم على ذنوبه لغفرتها وبدلت سيئاته كلها حسنات " وقد روى هذا المتن مرفوعا، ولفظه " وعزتي وجلالي وارتفاعي لو أن عبدي " ـ وذكره.
اجتماع الجيوش الاسلامية - ص52
قول الصحابة كلهم رضي الله عنهم:
قال يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه حدثنا البكائي عن ابن إسحق قال: حدثني يزيد بن سنان عن سعيد بن الأجود الكندي عن العرس بن قيس الكندي عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال " خرجت مهاجرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر قصة طويلة وقال فيها: فإذا هو ومن معه يسجدون على وجوههم ويزعمون أن إلههم في السماء فأسلمت وتبعته ".
اجتماع الجيوش الاسلامية - ص 52
يتبع...
جمال البليدي
06-10-2009, 02:42 PM
ذكر الاجماع على استواء الله على عرشه فوق سماواته
لقد أجمعت رسل الله تعالى واتفقت كتبه المنزلة([1]) بل العرب والعجم([2]) , والآدميون عربهم وعجمهم مؤمنهم وكافرهم([3]) واتفقت بذلك كلمة المسلمين والكافرين([4]) على أن الله تعالى فوق العالم عالٍ على عباده([5]) .
ولم يخالف في ذلك أحد من بني آدم إلا شرذمة من الفلاسفة والجهمية والمعطلة والأشعرية
والماتريدية([6]) .
فكلهم يشهدون بألسنتهم وفطرهم على أن الله فوق العالم وعليه فطرة المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم وأطفالهم وكل من دعا الله تعالى([7]) .
وأما إجماع أهل السنة والجماعة على استواء الله على عرشه فوق سماواته ، فقد حكاه غير واحد من أكابر العلماء.
1-الإمام أحمد ابن حنبل :
و من أجلهم إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقد روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناد إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبد الله الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بعروقها، العارفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب الني صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا وأدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق.
ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال: وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العليا السابعة، وعرش الرحمن عز وجل فوق الماء، والله عز وجل على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة، وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء، لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله عز وجل: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} وبقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} وبقوله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} إلى قوله {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا } ونحو هذا من متشابه القرآن. فقل: إنما يعنى بذلك العلم، لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان. انتهى.
2-الإمام ابن عبد البر :
وقال أبو عمر ابن عبد البر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله:{مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خلفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في " القاعدة المركشية" وأقره وهو مذكور في صفحة 193 من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى، ثم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف، إذ لم ينقل عنهم غير ذلك، إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية. انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبد البر في كتاب "العلو" ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقره.
3-الإمام أبو عمر الطلمنكي :
قال في كتابه: الوصول إلى معرفة الأصول:
" أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله : وهو معكم أينما كنتم . ونحو ذلك من القرآن : أنه علمه ، وأن الله تعالى فوق السموات بذاتـه مستو على عرشه كيف شاء
وقال: قال أهل السنة في قوله :الرحمن على العرش استوى:إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.". انتهى
قال الذهبي: كان الطلمنكي من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس
درء التعارض 6/250 ، الفتاوى 5/189 ، بيان تلبيس الجهمية 2/38 ، مختصر العلو 264
ونقل شيخ الإسلام أيضا عن أبي عمر الطلمنكي أنه قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من جميع خلقه، وتعالى الله عن قول أهل الزيغ، وعما يقول الظالمون علوا كبيرا. انتهى. وهو المذكور في صفحة 501 من المجلد الخامس من مجموع الفتاوى.
4-الإمام الأوزاعي :
وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته جل وعلا، وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى قول الأوزاعي في "الفتوى الحموية الكبرى" ثم قال: وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق – حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العرش وبصفاته السمعية، وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك. انتهى. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كلام الأوزاعي في كتابه " اجتماع الجيوش الإسلامية" ثم قال: هذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين انتهى.
5- الامام قتيبة بن سعيد:
وقال الذهبي في كتاب "العلو" قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج، قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة، نعرف ربنا أنه في السماء السابعة على عرشه كما قال جل جلاله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} وكذا نقل موسى بن هارون، عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه. قال الذهبي فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة. انتهى. وقد نقل ابن القيم كلام قتيبة في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" بمثل ما ذكره الذهبي.
6-الإمام علي بن مديني :
وروى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي بإسناده إلى الحسن بن محمد بن الحارث قال: سئل علي بن المديني وأنا أسمع: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية وبالكلام، وأن الله عز وجل فوق السموات على عرشه استوى، فسئل عن قوله تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} فقال اقرأ ما قبله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ} انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
7-إسحاق ابن راهوية :
وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أخبرنا أبو بكر المروذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجنماع الجيوش الإسلامية" وقال الذهبي بعد إيراده: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور. انتهى.
8- الإمام أبا زرعة :
وروى الذهبي في كتاب "العلو" بإسناده إلى عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة رحمهما الله تعالى عن مذهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار، حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا، فكان من مذهبهم أن الله تبارك وتعالى على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علما، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. انتهى. وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش المسلمة" ثم قال: وهذان الإمامان إماما أهل الدين وهما من نظراء أحمد والبخاري رحمهم الله تعالى.
9-الإمام الدارمي :
وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب "النقض" على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سمواته، وقال أيضا: إن الله فوق عرشه يعلم ويسمع من فوق العرش، ولا تخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء. انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية".
10-الإمام إسماعيل الكرماني :
وذكر ابن القيم أيضا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق أنه قال: والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش.
قال ابن القيم: هذا لفظه في مسائله وحكاه إجماعا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار. انتهى.
11-الإمام الآجري :
وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجري في كتاب " الشريعة" "باب التحذير من مذاهب الحلولية" ثم ذكر عنهم أنهم يحتجون لمذهبهم بقول الله تعالى في سورة المجادلة: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} وبقوله: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} إلى قوله :{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} قال: فلبسوا على السامع بما تأولوا، وفسروا القرآن على ما تهوى أ،فسهم، فضلوا وأضلوا. قال والذي يذهب إليه أهل العلم أن الله عز وجل على عرشه فوق سمواته، وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العلا، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثرى، يسمع ويرى، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السموات والأرضين وما بينهن إلا وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه سبحانه العلي الأعلى، يرفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها باليل والنهار.
فإن قال قائل: فأي شيء معنى وله: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} الآية التي يحتجون بها.
قيل: علمه عز وجل، والله على عرشه، وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ} إلى قوله: { ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فابتدأ عز وجل الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فعلمه محيط بجميع خلقه وهو على عرشه. وهذا قول المسلمين.
قال: وفي كتاب الله عز وجل آيات تدل على أن الله عز وجل في السماء على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، وذكر آيات في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدم، ثم قال: "باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أن الله عز وجل على عرشه فوق سبع سمواته، وعلمه محيط بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" وذكر أحاديث كيرة في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدم ثم قال: فهذه السنن قد اتفقت معانيها، ويصدق بعضها بعضا، وكلها تدل على ما قلنا أن الله عز وجل على عرشه فوق سمواته، وقد أحاط علمه بكل شيء وأنه سميع بصير خبير. انتهى المقصود من كلامه ملخصا. وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بعض كلام الآجري مختصرا إلى قوله: وهذا قول المسلمين.
12-الإمام العبكري :
وقال الإمام الزاهد أبو عبد الله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة في كتابه « الإبانة » , « باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه » : أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين أن الله على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه ، فأما قوله : ( وهو معكم ) فهو كما قالت العلماء : علمه . وأما قوله : ( وهو الله في السموات وفي الأرض )معناه أنه هو الله في السموات إله وهو الله في الأرض إله . وتصديقه في كتاب الله : ( و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله ) . واحتج الجهمي بقوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) فقال : إن الله معنا وفينا . وقد فسر العلماء أن ذلك علمه . ثم قال تعالى في آخرها : ( إن الله بكل شيء عليم ) انتهى وقد نقله عنه الذهبي في كتاب « العلو » وقال : ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه، وهم الضحاك والثوري ونعيم بن حماد وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه .
13-الإمام القيرواني :
وذكر ابن القيم في كتابه « اجتماع الجيوش الإسلامية » عن أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني أنه ذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو ، واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير فقال : « فصل » فيما عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة أن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى ، والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته - ثم ذكر جملة من الصفات ومنها : أنه فوق سمواته على عرشه دون أرضه ، وأنه في كل مكان بعلمه - ثم ذكر سائر العقيدة وقال في آخرها : وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث ، وكله قول مالك . انتهى المقصود من كلامه .
14-الإمام الزمنين :
وذكر ابن القيم أيضاً في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » عن أبي عبد الله محمد بن أبي زمنين أنه قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة : ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق , ثم استوى عليه كيف شاء كما أخبر من نفسه ، قال : ومن قول أهل السنة : أن الله بائن من خلقه محتجب عنهم بالحجب . انتهى . وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في « الفتوى الحموية الكبرى » .
15-الإمام الزنجاني :
وذكر ابن القيم أيضاً في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » من إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني أنه قال : أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى ، وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو ، فنثبت بذلك أن لله علو الذات ، وعلو الصفات ، وعلو القهر والغلبة . انتهى .
16-الإمام إسماعيل التيمي :
وذكر ابن القيم أيضاً في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » عن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي أنه قال في كتاب « الحجة » : قال علماء السنة : إن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه ، وقال أيضاً : أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى . قال : فنثبت أن لله تعالى علو الذات ، وعلو الصفات ، وعلو القهر والغلبة . انتهى .
17-الإمام الباقلاني :
وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب « الإبانة » ما ملخصه : فإن قيل فهل تقولون : إنه في كل مكان . قيل : معاذ الله ، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال : ( الرحمن على العرش استوى ) وقال تعالى :( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ) قال : ولو كان في كل مكان لكان يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض ، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا , وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله . انتهى . وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية في « الفتوى الحموية الكبرى » ونقله الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتابه « اجتماع الجيوش الإسلامية » وأقروه .
18-الإمام الأصبهاني :
وقال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني مصنف « حلية الأولياء » في كتاب « الاعتقاد » له : طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة , ومما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت في العرش , واستواء الله عليه يقولون بها ، ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ، ولا يمتزج بهم ، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه . انتهى . وقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى والذهبي في كتاب « العلو » ثم قال : فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ، ولله الحمد . ونقل ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » قوله : طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، قال : وساق ذكر اعتقادهم ثم قال : ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه . انتهى .
19-الإمام النيسابوري :
وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني في رسالته في السنة : ويعتقد أصحاب الحديث ، ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه ، وعلماء الأمة , وأعيان الأئمة من السلف ، لم يختلفوا أن الله على عرشه ، وعرشه فوق سمواته . انتهى . وقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى والذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » وأقروه .
20-الإمام أبن عبر البر :
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب « التمهيد » : لما تكلم على حديث النزول في صفحة 128 وما بعدها من الجزء السابع ، قال : هذا حديث ثابت من جهة النقل ، صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته ، وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على العرش من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة ، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم : إن الله عز وجل في كل مكان ، وليس على العرش - إلى أن قال : ومن الحجة في أنه عز وجل على العرش فوق السموات السبع ، أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم تبارك وتعالى ، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته ، لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد ولا أنكره عليهم مسلم .
قال : وأما احتجاجهم بقوله عز وجل : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ) فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية ، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية : هو على العرش ، وعلمه في كل مكان . وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله ، ذكر سنيد عن مقاتل بن حيان ، عن الضحْاك بن مزاحم في قوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية قال : هو على عرشه ، وعلمه معهم أينما كانوا . قال وبلغني عن سفيان الثوري مثله . انتهى . وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى جملة من كلامه وتقدم ذكرها . وكذلك الذهبي فإنه نقل بعض كلام ابن عبد البر في كتاب « العلو » ونقله أيضا ابن القيم في كتابه« اجتماع الجيوش الإسلامية » وأقره كل منهم .
21-الإمام ابن قدامة المقدسي :
وقال الشيخ الموفق أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي في كتابه « لمعة الاعتقاد » بعد أن ذكر قول الله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وقوله : ( أأمنتم من في السماء ) وقول النبي صلى الله عليه وسلم للجارية : « أين الله ؟ » قالت : في السماء ، قال : « اعتقها فإنها مؤمنة » وقوله : « ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك » وقوله لحصين بن عبيد والد عمران بن حصين : «كم إلهاً تعبد ؟ » قال : سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء ، قال : « ومَنْ لرغبتك ورهبتك ؟ » قال: الذي في السماء . قال : « فاترك الستة واعبد الذي في السماء وأنا أعلمك دعوتين » الحديث . وذكر أيضاً حديث الأوعال وفي آخره : « وفوق ذلك العرش ، والله سبحانه فوق ذلك » ثم قال : فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله ، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله . انتهى .
وقال الموفق أيضاً في كتاب « إثبات صفة العلو » أما بعد : فان الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء ، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام ، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء ، وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين , وجمع الله عز وجل عليه قلوب المسلمين ، وجعله مغروزاً في طبائع الخلق أجمعين ، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ، ويرفعون عندها للدعاء أيديهم ، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم سبحانه ، ينطقون بذلك بألسنتهم ، لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته ، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته . انتهى . وقد نقله ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » وفيه أبلغ رد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية .
22-أبو نعيم صاحب الحلية (336-430) هـ
قال في كتاب الاعتقاد له:
" طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ومما اعتقدوه:
أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة ، لا يزول ولا يحول …. وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا: كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة… وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم ، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه". انتهى.
قال الذهبي: " فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد ، وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع … ذكره ابن عساكر الحافظ في أصحاب أبى الحسن الاشعري".
درء التعارض 6/261 ، الفتاوى 5/ 190 ، بيان تلبيس الجهمية 2/ 40 مختصر العلو 261
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) غنية الطالبين 1/63 , الصواعق المرسلة 4/1279 , ومختصر الصواعق 2/205 .
[2] ) تأويل مختلف الحديث 172 , والتمهيد لابن عبدالبر 7/134 .
[3] ) انظر مجموع الفتاوى 5/320 , واجتماع الجيوش 284 .
[4] ) رد الدلرمي على بشر المربسي 25 .
[5] ) راجع درء التعارض 6/208 , ونقض المنطق 52 , ومجموع الفتاوى 4/61 و 5/275 , والرد على الجهمية للدارمي 20-21 .
[6] ) انظر إثبات العلو لابن قدامة 131 , ودرء التعارض 6/209 , 266 , والحموية 24 , ومجموع الفتاوى 5/20 , 271 , وبيان تلبيس الجهمية 1/127 , وشرح الطحاوية 327 .
[7] ) التوحيد لابن خزيمة 1/254 , وانظر الفتاوى 5/275 .
جمال البليدي
06-10-2009, 02:43 PM
أقوال الأئمة الأربعة في استواء الله على عرشه فوق سماواته
1-الامام أبو حنيفة:
قال:«من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر, وكذا من قال إنه على العرش ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض» . الفقه الأبسط ص 46، ونقل نحو هذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/48)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص139، والذهبي في العلو ص 101 - 102، وابن قدامة في العلو ص116، وابن أبي العز في شرح الطحاوية ص 301.
ولما سئُل عن النزول الإلهي قال:«ينزل بلا كيف». عقيدة السلف أصحاب الحديث ص42، الأسماء والصفات للبيهقي ص456، وسكت عليه الكوثري ,وشرح العقيدة الطحاوية ص245 , وشرح الفقه الأكبر للقاري ص60.
وقال أبو حنيفة:«والله تعالى يدعى من أعلى لا من أسفل لأن الأسفل ليس من وصف الربوبية والألوهية في شيء»6. الفقه الأبسط ص51.
وقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده قال:«إن الله سبحانه وتعالى في السماء دون الأرض, فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ) (الحديد: آية 4)، قال: هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه»2. الأسماء والصفات ص 429.
وقال: «لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين, وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف, وهو قول أهل السنة والجماعة وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته ورضاه ثوابه, ونصفه كما وصف نفسه أُحدٌ صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد, حيٌّ قادر سميع بصير عالم, يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه ووجهه ليس كوجوه خلقه»3. الفقه الأبسط ص56.
روى البيهقي في كتاب « الأسماء والصفات » بإسناده إلى نعيم ابن حماد قال : سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول : كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً فدخلت الكوفة فأظنني أقل ما رأيت عليها عشره آلاف من الناس تدعو إلى رأيها فقيل لها : إن ههنا رجلا قد نظر في المعقول يقال له أبو حنيفة . فأتته فقالت : أنت الذي تعلم الناس المسائل وقد تركت دينك . أين إلهك الذي تعبده ؟ فسكت عنها ثم مكث سبعة أيام لا يجيبها ، ثم خرج إليها وقد وضع كتاباً : الله تبارك وتعالى في السماء دون الأرض . فقال له رجل : أرأيت قول الله عز وجل : ( وهو معكم ) قال : هو كما تكتب إلى الرجل إني معك وأنت غائب عنه .
2-الامام مالك:
أخرج أبو داوود عن عبد الله بن نافع قال:« قال مالك : الله في السماء وعلمه في كل مكان». رواه أبو داوود في مسائل الإمام أحمد ص263 , وأخرجه عبد الله بن أحمد في السنة ص11 الطبعة القديمة , وابن عبد البر في التمهيد (7/138).
وأخرج أبو نعيم عن جعفر بن عبد الله قال:« كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله, الرحمن على العرش استوى، كيف استوى .
فما وجد مالك من شيء ما وجد في مسألته , فنظر إلى الأرض وجعل ينكت في بعود يده حتى علاه الرحضاء – يعني العرق – ثم رأسه ورمى العود وقال:« الكيف منه غير معقول, والاستواء منه غير مجهول , والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وأظنك صاحب بدعة وأمر به فأخرج» الحلية (6/325 , 326 )، وأخرجه أيضاً الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث ص17-18 , من طريق جعفر بن عبد الله عن مالك وابن عبد البر في التمهيد (7/151) من طريق عبد الله بن نافع عن مالك والبيهقي في الأسماء والصفات ص408، من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، قال الحافظ بن حجر في الفتح (13/406 – 407) إسناده جيد وصححه الذهبي في العلو ص103 .
.
روى أبو داود في كتاب « المسائل » وأبو بكر الآجري في كتاب « الشريعة » من طريق أبي داود ومن طريق الفضل بن زياد كلاهما عن الإمام أحمد بن حنبل قال : حدثني سريج بن النعمان قال : حدثنا عبد الله بن نافع قال : قال مالك بن أنس : الله عز وجل في السماء ، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان ، وقد رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب « السنة » عن أبيه ، وزاد بعد قوله وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء ، وتلا هذه الآية : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في « القاعدة المراكشية » أن المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنه قال : الله في السماء ، وعلمه في كل مكان ، حتى ذكر ذلك مكي خطيب قرطبة في « كتاب التفسير » الذي جمعه من كلام مالك ، ونقله أبو عمر الطلمنكي ، وأبو عمر بن عبد البر ، وابن أبي زيد في المختصر , وغير واحد ونقله أيضاً عن مالك غير هؤلاء ممن لا يحصى عددهم مثل أحمد بن حنبل ، وابنه عبد الله والأثرم والخلال والآجري وابن بطة وطوائف غير هؤلاء من المصنفين في السنة - إلى أن قال : وكلام أئمة المالكية وقدمائهم في الإثبات كثير مشهور حتى علماؤهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة على أن الله بذاته فوق عرشه . انتهى .
3-الامام الشافعي:
قال الشافعي:« القول في السُّنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها أهل الحديث الذين رأيتهم وأخذت عنهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله وأن الله تعالى على عرشه في سمائه يَقرُب من خلقه كيف شاء وأن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء». اجتماع الجيوش الإسلامية ص165 , إثبات العلو ص124 , وانظر مجموع الفتاوى (4/181-183) , والعلو للذهبي ص120 , ومختصره للألباني ص176.
و روى بن قدامة في صفة العلو عن الشافعي أنه قال: "خلافة أبي بكر حق قضاها الله في سمائه، وجمع عليها قلوب أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأورد الذهبي عن المزني قال:« قلت : إن كان أحد يخرج ما في ضميري وما تعلق به خاطري من أمر التوحيد فالشافعي , فصرت إليه وهو في مسجد مصر , فلما جثوتُ بين يديه قلت : هجس في ضميري مسألة في التوحيد فعلمت أن أحداً لا يعلم علمك، فما الذي عندك فغضب ثم قال : أتدري أين أنت قلت نعم . قال: هذا الموضع الذي أغرق الله فيه فرعون, أَبَلغَك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالسؤال عن ذلك قلت: لا قال: هل تكلم فيه الصحابة, قلت: لا, قال: تدري كم نجماً في السماء ؟ قلت: لا, قال: فكوكب منها تعرف جنسه, طلوعه, أفوله, ممَ خُلق قلت: لا, قال: فشيء تراه بعينك من الخلق لست تعرفه تتكلم في علم خالقَه ثم سألني عن مسألة في الوضوء فأخطأت فيها ففرعها على أربعة أوجه فلم أصب في شيء منه فقال : شيء تحتاج إليه في اليوم خمس مرات تدع علمه وتتكلف علم الخالق إذ هجس في ضميرك ذلك فارجع إلى قول الله تعالى: (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (البقرة: الآيتان 163، 164)، فاستدل بالمخلوق على الخالق ولا تتكلف على ما لم يبلغه عقلك»20. سير أعلام النبلاء (10/31)
4-أحمد بن حنبل:
قول الإمام أحمد:« نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حدّ ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد , فصفات الله منه وله وهو كما وصف نفسه لا تدركه الأبصار»25. درء تعارض العقل والنقل (2/30).
وأورد ابن الجوزي في المناقب كتاب أحمد بن حنبل لمسدد22 وفيه:« صفوا الله بما وصف به نفسه , وانفوا عن الله ما نفاه عن نفسه ...»23. مناقب الإمام أحمد ص221.
جاء في كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد قوله:« وزعم – جهم بن صفوان – أن من وصف الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدّث عن رسوله كان كافراً وكان من المشبهة»24. الرد على الجهمية ص104.
جاء في العقيدة التي رواها أبو العباس الإصطخري عن الإمام احمد في إثبات علو الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة , وأنه بائن من خلقه , وأنه مع الخلق بعلمه لا يخلو من علمه مكان . فليراجع كلامه فإنه مهم جداً
وعن عبد الله بن المبارك أنه قيل له : بماذا نعرف ربنا , قال : بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه , ولا نقول كما تقول الجهمية إنه ههنا في الأرض . قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية : وهكذا قال الإمام أحمد وغيره ,
وقال الذهبي : قيل هذا لأحمد بن حنبل فقال : هكذا هو عندنا ,
وروى القاضي أبو الحسن في « طبقات الحنابلة » عن يوسف بن موسى القطان قال : قيل لأبي عبد الله : والله تعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان , قال : نعم على عرشه , ولا يخلو شيء من علمه .
وذكر الذهبي في كتاب « العلو » عن أبي طالب أحمد بن حميد قال : سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال : الله معنا وتلا ): ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم (فقال : قد تجهم هذا , يأخذون بآخر الآية ويَدَعون أولها . هلاّ قرأت عليه) : ألم تر أن الله يعلم (فعلمه معهم . وقال في سورة ق) : ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ( فعلمه معهم .
.
وذكر الإمام أحمد في كتاب « الرد على الجهمية » أنهم قالوا : إن الله تحت الأرض السابعة كما هو على العرش , فهو على العرش , وفي السموات , وفي الأرض , ولا يخلو منه مكان , ولا يكون في مكان دون مكان , وتلوا آية من القرآن : ( وهو الله في السموات وفي الأرض ) فقلنا : قد عرف المسلمون أماكن كثيرة ليس فيها من عظمة الرب شيء : أجسامكم وأجوافكم وأجواف الخنازير والوحوش , والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء . وقد أخبرنا أنه في السماء – ثم ذكر أحمد الأدلة من القرآن على أن الله تعالى في السماء , وقال بعد ذلك : وإنما معنى قول الله جل ثناؤه : ( وهو الله في السموات وفي الأرض ) يقول : هو إله من في السموات , وإله من في الأرض , وهو على العرش , وقد أحاط علمه بما دون العرش , ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان , فذلك قوله) : لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً ) .
جمال البليدي
06-10-2009, 02:46 PM
أقوال التابعين وأئمة الإسلام عبر العصور:
1-قول كعب الأحبار:
روى أبو صفوان الأموي بإسناده إلى كعب الأحبار قال : قال الله عز وجل في التوراة : « أنا الله فوق عبادي , وعرشي فوق جميع خلقي , وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي ، ولا يخفى علي شيء في السماء ولا في الأرض » وقد ذكره الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » وقال الذهبي : رواته ثقات . وقال ابن القيم رواه أبو الشيخ وابن بطة وغيرهما بإسناد صحيح عن كعب ، وروى أبو الشيخ في كتاب « العظمة » بإسناد إلى كعب الأحبار قال : إن الله عز وجل خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ، ثم جعل بين كل سمائين كما بين السماء الدنيا والأرض ، وجعل كثفها مثل ذلك ، ثم رفع العرش فاستوى عليه ، وقد ذكره الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » وقال الذهبي الإسناد نظيف .
2-قول قتادة بن دعامة:
روى عثمان بن سعيد الدارمي عنه أنه قال : قالت بنو اسرائيل : يارب أنت في السماء ونحن في الأرض فكيف لنا أن نعرف رضاك وغضبك ؟ قال : إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم ، وإذا غضبت عليكم استعملت عليكم شراركم . وقد ذكره الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية »
وقال الذهبي هذا ثابت عن قتادة أحد الحفاظ , وروى ابن جرير في تفسيره عن قتادة في قول الله تعالى : ( وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) قال : يعبد في السماء ويعبد في الأرض ، وقد ذكره البخاري في كتاب « خلق أفعال العباد » بدون إسناد ورواه البيهقي في كتاب « الأسماء والصفات » ثم قال : وفي معنى هذه الآية قول الله عز وجل : ( وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ).
3-قول الضحاك بن مزاحم:
روى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب « السنة » وأبو داود في كتاب « المسائل » بإسناد حسن عن الضحاك في قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ) قال هو على العرش ، وعلمه معهم . وقد رواه ابن جرير في تفسيره ولفظه قال : هو فوق العرش ، وعلمه معهم أينما كانوا ، ورواه الآجري في كتاب « الشريعة » والبيهقي في كتاب « الأسماء والصفات » والقاضي أبو الحسين في « طبقات الحنابلة » وقال بعد إيراده : قال أبو عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - هذه السنة . وذكره ابن عبد البر في التمهيد فقال : ذكر سنيد عن مقاتل بن حيان ، عن الضحاك بن مزاحم في قوله : (مايكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) الآية قال : هو على عرشه ، وعلمه معهم أينما كانوا . قال : وبلغني عن سفيان الثوري مثله . وقد ذكره الذهبي في كتاب « العلو » قال : وفي لفظ « هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا » أخرجه أبو أحمد العسال ، وأبو عبد الله بن بطة ، وأبو عمر بن عبد البر بإسناد جيد .
4-قول مالك بن دينار:
روى أبو نعيم في « الحلية » عنه أنه كان يقول : خذوا فيقرأ ثم يقول : اسمعوا إلى قول الصادق من فوق عرشه . قال الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » إسناده صحيح
.
-5التابعي الجليل مسروق :
كان مسروق إذا حدث عن عائشة رضي الله عنها , قال حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرئة من فوق سبع سماوات . ( أخرجه الذهبي في العلو وقال إسناده صحيح ) .
-6أيوب السختياني :
قال أيوب السختياني : إنما مدار القوم على أن يقولوا ليس في السماء شيء . ( أخرجه الذهبي في العلو وقال : هذا إسناد كالشمس وضوحاً وكالأسطوانة ثبوتاً عن سيد أهل البصرة وعالمهم ) .
7- سليمان التيمي :
قال سليمان التيمي رحمه الله : لو سئلت أين الله لقلت في السماء . ( أخرجه الذهبي في العلو ) .
8- مقاتل بن حيان( ت قبل 150 هـ) :
قال عالم خراسان مقاتل بن حيان ( ت قبل 150 هـ ) في قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) ( المجادلة آية 7 ) : هو على عرشه وعلمه معه . ( أخرجه أبو داود في مسائله ص / 263 بسند حسن ) .
9-الإمام أبو حنيفة(ت 150هـ):
قال الإمام أبو حنيفة : من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض. [الفقه الأبسط ص49، مجموع الفتاوى لابن تيمية ج5 ص48، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم ص139، العلو للذهبي ص101، 102، العلو لابن قدامة ص116، شرح الطحاوية لابن أبي العز ص301]
10-الإمام الأوزاعي( ت 157 هـ ) :
قال عالم الشام الإمام الأوزاعي: كنا والتابعون متوافرون نقول : ( إن الله عز وجل على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته ) . ( أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات وصححه الذهبي في تذكرة الحفاظ 1/182 ) .
11-الإمام سفيان الثوري ت ( 161 هـ ) :
قال معدان : سألت سفيان الثوري عن قوله عز وجل ( وهو معكم أينما كنتم ) قال : علمه .
( أخرجه الذهبي في السير وإسناده صحيح ) .
قلت : كان الجهمية الاوائل يقولون ان الله في كل مكان - تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا - و يستدلون بآيات المعية !! فلما سُئل الامام الثوري اجاب بأن المعية هنا بالعلم , و الامام الثوري يقر بأن الله فوق عرشه قطعا كما نقل ذلك الامام السجزي حيث قال : ( وأئمتنا كالثوري ومالك وابن عيينة وحماد بن زيد والفضيل وأحمد وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته وأن علمه بكل مكان ) ( الابانة للسجزي )
12-الإمام مالك ( ت 179 هـ ) :
قال الإمام مالك)) الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو منه شيء . ( أخرجه أبو داوود في مسائله ص / 263 بسند صحيح ) .
13-الإمام حماد بن زيد( ت 179 هـ ) :
قال الإمام حماد بن زيد: إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله – يعني الجهمية - ( أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح ) .
14-عبد الله ابن المبارك ( ت 181 هـ ) :
شيخ الإسلام عبدالله ابن المبارك قال علي بن حسن بن شقيق : قلت لعبدالله بن المبارك : كيف نعرف ربنا عز وجل ؟ قال : بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه . ( أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية بسند صحيح ص / 67 ) .
15- قول أبي عصمة نوح بن أبي مريم :
قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب « السنة » حدثني أحمد ابن سعيد الدارمي ، سمعت أبا عصمة وسأله رجل عن الله في السماء هو ؟ فحدث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل الأمة : « أين الله » ؟ قالت : في السماء . قال : « فمن أنا ؟ » قالت : رسول الله . قال : « اعتقها فإنها مؤمنة » قال : سماها رسول الله صلى الله عليه مؤمنة أن عرفت أن الله في السماء.
16-الامام جرير الضبي محدث الري ( ت 188 هـ ):
) قال جرير بن عبدالحميد رحمه الله : كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله . ( أخرجه الذهبي في العلو بسند جيد ) .
17-قال الإمام عبدالرحمن بن مهدي ( ت 198 هـ ) :
قال : أن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى , وأن يكون على العرش , أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم . ( أخرجه الذهبي في العلو وقال نقله غير واحد بإسناد صحيح ) .
18-أبو معاذ البلخي ( ت 199 هـ ) :
قال أبو قدامة السرخسي : سمعت أبا معاذ خالد بن سليمان بفرغانة يقول : ( كان جهم على معبر ترمذ , وكان فصيح اللسان ولم يكن له علم ولا مجالسة لأهل العلم فكلم السمنية فقالوا له صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج منه , ثم خرج إليهم بعد أيام فقال : هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء فقال أبو معاذ البلخي رحمه الله : ( كذب عدو الله بل الله عز وجل على العرش كما وصف نفسه ) . ( أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح ) .
19-الامام منصور بن عمار ( ت 200 هـ ) :
كتب بشر المريسي إلى منصور بن عمار يسأله عن قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) كيف استوى ؟ فكتب إليه ( استواؤه غير محدود والجواب به تكلف , مساءلتك عنه بدعة , والإيمان بجملة ذلك واجب ) . ( تاريخ الإسلام حوادث ووفيات ( 191 – 200 هـ ) ص / 413 ) .
20-الإمام الشافعي ( ت 204 هـ ) :
قال رحمه الله : القول في السنة التي أنا عليها ورأيت أصحابنا عليها , أهل الحديث الذين رأيتهم فأخذت عنهم مثل : سفيان ومالك وغيرهما : الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله , وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء . ( وصية الإمام الشافعي ص / 53 – 54 ) .
وقال أيضاً : ( وأن الله عز وجل يرى في الآخرة ينظر إليه المؤمنين أعياناً جهاراً ويسمعون كلامه وأنه فوق العرش ) . ( وصية الإمام الشافعي ص / 38 – 39 ) .
21- يزيد بن هارون الواسطي ت 206 هـ
:
قال : من زعم أن ( الرحمن على العرش استوى ) على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي . ( أخرجه أبو داوود في المسائل ص / 268 بسند جيد.
22-الامام سعيد بن عامر الضبعي ( ت 208 هـ ) :
ذكر الجهمية فقال : هم شر قول من اليهود والنصارى , قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين , على أن الله عز وجل على العرش وقالوا هم ليس على شيء . ( كتاب العلو للذهبي )
23-الامام القعنبي ( ت 221 هـ )
قال بنان بن أحمد كنا عند القعنبي رحمه الله فسمع رجلاً من الجهمية يقول : ( الرحمن على العرش استوى ) فقال القعنبي من لا يوقن أن الرحمن على العرش استوى كما يقر في قلوب العامة فهو جهمي . ( كتاب العلو للذهبي )
24-الامام عاصم بن علي – شيخ الإمام البخاري – ت ( 221 هـ ) :
قال رحمه الله : ناظرت جهماً فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء رباً . ( كتاب العلو )
26-الامام هاشم بن عبيد الله الرازي ت 221 هـ :
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسن بن يزيد السلمي سمعت أبي يقول : سمعت هشام بن عبيدالله الرازي – وحبس رجلاً في التجهم فتاب فجىء به إليه ليمتحنه – فقال له : أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه ؟ فقال لا أدري ما بائن من خلقه , فقال : ردوه فإنه لم يتب بعد . ( العلو )
26-سنيد بن داود المصيصي الحافظ(ت226ه)
قال أبو حاتم الرازي : حدثنا أبو عمران الطرسوسي قال : قلت لسنيد بن داود : هو عز وجل على عرشه بائن من خلقه ؟ قال : نعم ))) ذكره الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية ».
27-بشر الحافي ( ت 227 هـ ) :
قال حمزة بن دهقان قلت لبشر بن الحارث أحب أن اخلوا معك , قال : إذا شئت فيكون يوماً فرأيته قد دخل قبةً فصلى فيها أربعة ركعات لا أحسن أصلي مثلها فسمعته يقول في سجوده : اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الذل أحب إلي من الشرف , اللهم إنك تعلم فوق عرشك أن الفقر أحب إلي من الغنى , اللهم إنك تعلم فوق عرشك أني لا أؤثر على حبك شيئاً , فلما سمعته أخذنا الشهيق والبكاء فقال : اللهم إنك تعلم أني لو أعلم إن هذا هاهنا لم أتكلم . ( السير 10 / ص 473 ) .
28-محمد بن مصعب العابد ( ت 228 هـ ) :
قال :( من زعم انك لا تتكلم ولا ترى في الآخرة فهو كافر بوجهك , أشهد أنك فوق العرش , فوق سبع سماوات , ليس كما تقولوا أعداء الله الزنادقة . ( أخرجه الذهبي في العلو بسند صحيح ) .
29- الامام الحافظ نعيم بن حماد الخزاعي ( ت 228 هـ ):
أخبرنا أبو صفوان الأموي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن كعب قال قال الله في التوراة أنا الله فوق عبادي وعرشي فوق جميع خلقي وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي لا يخفى علي شيء من أمر عبادي في سمائي ولا أرضي وإلي مرجع خلقي فأنبئهم بما خفي عليهم من علمي أغفر لمن شئت منهم بمغفرتي وأعاقب من شئت بعقابي)رواه الذهبي في العلو وصححه الألباني.
30-الامام لغوي زمانه أبو عبدالله ابن الأعرابي ( ت 231 هـ ) :
قال داوود بن علي كنا عند ابن الأعرابي فآتاه رجل فقال : يا أبا عبدالله ما معنى قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) , قال : هو على عرشه كما هو , فقال الرجل ليس كذلك ! إنما معناه استولى , فقال : اسكت ما يدريك ما هذا , العرب لا تقول للرجل استولى على شيء حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب قيل استولى والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر . ثم قال الإستيلاء بعد المغالبة . ( أخرجه الذهبي في العلو وصححه الألباني ) .
31-أبو معمر القطيعي ( ت 236 هـ ) :
قال رحمه الله : آخر كلام الجهمية انه ليس في السماء إله . (أخرجه الذهبي في العلو )
32- الامام الحافظ إسحاق بن راهويه - شيخ البخاري و مسلم - ( ت 238 هـ ) :
قال رحمه الله : قال الله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى , ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة . ( العلو ص / 1128 ) .
33-العزيز بن يحيى الكناني المكي240هـ
قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية في الفتاوى : ومن أصحاب الشافعي عبد العزيز بن يحيى الكناني المكي له كتاب « الرد على الجهمية » وقرر فيه مسألة العلو , وأن الله تعالى فوق عرشه . والأئمة في الحديث والفقه والسنة والتصوف المائلون إلى الشافعي , ما من أحد منهم إلا له كلام فيما يتعلق بهذا الباب ما هو معروف يطول ذكره . انتهى .
34-الامام قتيبة بن سعيد 240 هـ
قال : هذا قول الأئمة في الإسلام السنة والجماعة : نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه كما قال جل وعلى ( الرحمن على العرش استوى ) .
35- الإمام أحمد بن حنبل ( ت 241 هـ )
قال في الرد على الجهمية : (فَقُلْنَا لِهمَ أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَلَى الْعَرْشِ, وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (الرحمن على العرش استوى )
وقال : ( خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش )3
و قال في موضع اخر : ( و قد اخبرنا انه في السماء فقال (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )
( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا )
وقال : ( إليه يصعد الكلم الطيب )
وقال : ( إني متوفيك ورافعك إلي )
وقال : ( بل رفعه الله إليه )
وقال : ( يخافون ربهم من فوقهم )
وقال : ( وهو القاهر فوق عباده )
وقال : ( وهو العلي العظيم )
فَهَذَا خَبَرُ اللَّهِ, أَخْبَرَنَا أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ, وَوَجَدْنَا كُلَّ شَيْءٍ أَسْفَلَ مِنْهُ مَذْمُومًا, يَقُولُ اللَّهُ -جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) ( الرد على الجهمية و الزنادقة )
و ايضا : قال ابو بكر الأثرم وحدثني محمد بن ابراهيم القيسي قال قلت لأحمد ابن حنبل يحكى عن ابن المبارك انه قيل له كيف نعرف ربنا قال في السماء السابعة على عرشه قال احمد هكذا هو عندنا
( اثبات صفة العلو للحافظ ابن قدامة )
36- الإمام الرباني محمد بن أسلم الطوسي ( ت 242 هـ ) :
قال : قال لي عبدالله بن طاهر بلغني أنك ترفع رأسك إلى السماء فقلت ولم ؟ وهل أرجوا الخير إلا ممن هو في السماء . ( أخرجه الذهبي في العلو ) .
37- الحارث بن أسد المحاسبي ( ت 243 هـ ) :
قال : ( وأما قوله : ( الرحمن على العرش استوى )
(وهو القاهر فوق عباده ) و ( أأمنتم من في السماء- و ساق ادلة الفوقية و العلو - ثم قال :
وهذه توجب أنه فوق العرش فوق الأشياء كلها متنزه عن الدخول في خلقه لا يخفى عليه منهم خافية لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد به بنفسه فوق عباده لأنه قال ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) يعني فوق العرش والعرش على السماء لأن من كان فوق كل شيء على السماء في السماء ) ( كتاب العقل و فهم القرآن ص 355 , تحقيق القوتلي )
38- الامام الكبير عبدالوهاب الوراق ( ت 250 هـ ) :
قال : من زعم أن الله هاهنا فهو جهمي خبيث , أن الله عز وجل فوق العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة ( العلو ) .
عقب الامام الذهبي بقوله : ( كان عبد الوهاب ثقة حافظا كبير القدر حدث عنه أبو داود والنسائي والترمذي قيل للإمام أحمد رضي الله عنه من نسأل بعدك فقال سلوا عبد الوهاب وأثنى عليه )
39- الإمام الحافظ الحجة أبو عاصم خشيش بن أصرم ( 253 ه) - شيخ أبي داود والنسائي –
قال في في كتابه الإستقامة:
((وأنكر جهم أن يكون الله في السماء دون الأرض ، وقد دل في كتابه أنه في السماء دون الأرض:
بقوله: ((إني متوفيك ورافعك إلي وطهرك من الذين كفروا)) وقوله : ((وما قتلوه يقيناً))
وقوله : ((بل رفعه الله إليه))
وقال: ((يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه))
وقوله : ((إليه يصعد الكلم الطيب))
وذكر أكثر من 75 دليل من القرآن مثل ((ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور () أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا)) ثم قال:
لو كان في الأرض كما هو في السماء لم ينزل من السماء إلى الأرض شيء ولكان يصعد من الأرض إلى السماء كما ينزل من الأرض إلى السماء ، وقد جاءت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله في السماء دون الأرض ثم ذكر أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.)) نقله بنصه الملطي الشافعي مرتضياً له في التنبيه والرد ص104.
40-الامام البخاري ( ت256هـ ) :
قال رحمه الله في آخر الجامع الصحيح في كتاب الرد على الجهمية باب قوله تعالى وكان عرشه على الماء :
قال أبو العالية استوى إلى السماء إرتفع
وقال مجاهد في استوى علا على العرش )
و قال ايضا في كتابه خلق أفعال العباد :
(باب ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله
- قال حماد بن زيد : "القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يجادلون إلا أنه ليس في السماء إله" ص8
- قال ابن المبارك : "لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى" وقيل له : كيف تعرف ربنا ؟ قال : " فوق سماواته على عرشه " ص8
- قال سعيد بن عامر : " الجهمية أشر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم : ليس على شيء " ص9 )
41-إمام خراسان الامام الذهلي ( ت 258 هـ ) :
قال الحاكم قرأت بخط أبي عمرو المستملي سئل محمد بن يحيى عن حديث عبد الله بن معاوية عن النبي ليعلم العبد أن الله معه حيث كان فقال يريد أن الله علمه محيط بكل ما كان والله على العرش ( العلو للذهبي ص186 )
42-الامام الكبير أبو زرعة الرازي ( ت 264 هـ ) :
قال عبدالرحمن بن أبي حاتم : سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين , وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان في ذلك فقالا : أدركنا العلماء في جميع الأمصار – حجازاً وعراقاً ويمناً – فكان من مذهبهم وأن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف , أحاط بكل شيء علماً , ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) . ( كتاب شرح أصول إعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي , 1 / ص 198 ) .
43-الامام اللغوي ابن قتيبة الدينوري ( ت 276 هـ )
قال : (والأمم كلها عربيها وعجميها تقول إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله تعالى فقالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام هي مؤمنة ( كتاب تأويل مختلف الحديث ص 272)
و قال ايضا في موضع اخر : (وكيف يسوغ لأحد أن يقول إنه بكل مكان على الحلول مع قوله ( الرحمن على العرش استوى ) أي استقر كما قال ( فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ) أي استقررت ومع قوله تعالى ( إليه يصعد الكلم الطيب والعلم الصالح يرفعه )وكيف يصعد إليه شيء هو معه أو يرفع إليه عمل وهو عنده وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء إذا صعد والله عز وجل ذو المعارج والمعارج الدرج فما هذه الدرج وإلى من تؤدي الأعمال الملائكة إذا كان بالمحل الأعلى مثله بالمحل الأدنى ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الأعلى وهو بالمكان الرفيع وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه والأيدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق )
44-الحافظ الكبير إمام اهل الجرح و التعديل أبي حاتم محمد بن ادريس الحنظلي الرازي 277) هـ )
قال الحافظ أبو القاسم الطبري وجدت في كتاب أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي مما سمع منه يقول مذهبنا وإختيارنا: إتباع رسول الله وأصحابه والتابعين من بعدهم والتمسك بمذاهب أهل الأثر مثل الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد رحمهم الله تعالى ولزوم الكتاب والسنة ونعتقد أن الله عزوجل على عرشه بائن من خلقه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ( أخرجه الذهبي في العلو ) .
45- الإمام أبو عيسى الترمذي ( ت 279 هـ ) :
قال رحمه الله : وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه . ( جامع الترمذي ) .
46- أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني ( ت280 هـ ) :
قال في في مسائله التي نقلها عن أحمد بن إسحاق وغيرهما : ( وهو سبحانه بائن من خلقه ولا يخلو من علمه مكان , ولله العرش وللعرش حملة يحملونه .- الى ان قال - والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره ) . ( درء تعارض العقل والنقل 2 / ص 22 – 23 ) .
47-الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي ( ت 280 هـ ) :
قال :( قد اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله فوق عرشه فوق سماواته ) , ( كتاب نقض عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد ) . قال الذهبي معلقاً : كان عثمان الدارمي جذعاً في أعين المبتدعة . ( كتاب السير , 13 / 322 )
48-ابو العباس ثعلب إمام العربية ( ت 291 هـ ) :
قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة : وجدت بخط أبي الحسن الدارقطني رحمه الله ، عن إسحاق الهادي ، قال : سمعت أبا العباس ثعلبا يقول : استوى : أقبل عليه وإن لم يكن معوجا (ثم استوى إلى السماء ) أقبل ( و استوى على العرش ) : علا واستوى وجهه : اتصل واستوى القمر : امتلأواستوى زيد وعمرو تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما هذا الذي يعرف من كلام العرب ) ( شرح اعتقاد اهل السنة و الجماعة للامام اللالكائي 3\443 )
49- حماد البوشنجي الحافظ(ت291هـ)
روى الإسلام الهروي بإسناده إلى حماد بن هناد البوشنجي قال : هذا ما رأينا عليه أهل الأمصار , وما دلت عليه مذاهبهم فيه , وإيضاح منهاج العلماء وصفة السنة وأهلها , أن الله فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه . وعلمه وسلطانه وقدرته بكل مكان . انتهى . ونقله الذهبي في كتاب « العلو » وابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » .
50-الإمام مسند العصر أبو مسلم الكجي الحافظ ( ت 292 هـ ) :
روى قصة ملخصها ما قاله :
)خرجت فإذا الحمام قد فتح سحرا فقلت للحمامي أدخل أحد قال لا فدخلت فساعة افتتحت الباب قال لي قائل أبو مسلم أسلم تسلم ثم أنشأ يقول
لك الحمد إما على نعمة ... وإما على نقمة تدفع
تشاء فتفعل ما شئته ... وتسمع من حيث لا نسمع
قال فبادرت وخرجت وأنا جزع فقلت للحمامي أليس زعمت أنه ليس في الحمام أحد قال ذاك جني يتزايا لنا في كل حين وينشدنا فقلت هل عندك من شعره شيء قال نعم وأنشدني :
أيها المذنب المفرط مهلا ... كم تمادى وتكسب الذنب جهلا
كم وكم تسخط الجليل بفعل ... سمج وهو يحسن الصنع فعلا
كيف تهدي جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا ) ( رواه الذهبي في العلو بسنده و صححه الالباني )
جمال البليدي
06-10-2009, 02:51 PM
51-عمرو بن عثمان المكي ( ت 297 هـ ) :
صنف كتاباً سماه ( التعرف بأحوال العباد والمتعبدين ) قال باب ما يجيب الشيطان للتائبين فذكر في التوحيد , فقال : من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه أو بالجحد لها والتعطيل فقال بعد ذكر حديث الوسوسة :
(فلا تذهب فى أحد الجانبين لا معطلا ولا مشبها وأرض لله بما رضى به لنفسه وقف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما مصدقا بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير الى أن قال فهو تبارك وتعالى القائل انا الله لا الشجرة الجائى قبل أن يكون جائيا لا أمره المتجلى لأوليائه فى المعاد فتبيض به وجوههم وتفلج به على الجاحدين حجتهم المستوى على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان تبارك و تعالى .)
و قال ايضا : (النازل كل ليلة الى سماء الدنيا ليتقرب اليه خلقه بالعبادة وليرغبوا اليه بالوسيلة القريب فى قربه من حبل الوريد البعيد فى علوه من كل مكان بعيد ولا يشبه بالناس .
الى أن قال : ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه القائل أأمنتم من فى السماء ان يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور
أم أمنتم من فى السماء أن يرسل عليكم حاصبا تعالى وتقدس أن يكون فى الأرض كما هو فى السماء جل عن ذلك علوا كبيرا أهـ ( مجموع الفتاوى 5 / 62 )
52-الامام الحافظ ابن أبي شيبة ( ت 297 هـ ):
قال في كتابه العرش : فهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصاً من خلقه بائناً منهم علمه في خلقه لا يخرجون من علمه . ( كتاب العرش 51 )
53- الإمام المحدث زكريا الساجي ( ت 307 هـ ) :
القول في السنة التي رأيت عليها أهل الحديث الذين لقيتهم أن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء . ( تذكر الحفاظ ص 710 ) .
54- الإمام الحافظ شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري ( ت 310 هـ )
قال في تفسير قوله تعالى ( وهو معكم أينما كنتم ) يقول : وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم ويعلم أعمالكم ومتقلبكم ومثواكم , وهو على عرشه فوق سماواته السبع . ( تفسير الطبري 27 / 216 )
و قال رحمه الله في تفسيره : ( وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : { ثم استوى إلى السماء فسواهن } علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات )
و قال رحمه الله في تفسيره لسورة الملك (( {أم أمنتم من في السماء} وهو الله ))
و قال ايضا رحمه الله : (وعني بقوله : { هو رابعهم } بمعنى أنه مشاهدهم بعلمه وهو على عرشه )
وقال ايضا في تفسير سورة المعارج (( يقول تعالى ذكره: تصعد الملائكة والروح، وهو جبريل عليه السلام إليه، يعني إلى الله عز و جل ))
55 -ابن الأخرم ( ت 311 هـ ) :
قال رحمه الله :الله تعالى على العرش وعلمه محيط بالدنيا والآخرة . ( تذكر الحفاظ / 747 )
56- إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله ( ت 311 هـ ) :
قال رحمه الله : من لم يقر بإن الله تعالى على عرشه قد استوى فوق سماواته فهو كافر بربه , يستتاب فإن تاب وألا ضربت عنقه وألقي على بعض المزابل حيث لا يتأذى المسلمون والمعاهدون بالنتن ريحة جيفته , وكان ماله فيئاً لا يرثه أحد من المسلمين إذ المسلم لا يرث الكافر كما قال صلى الله عليه وسلم . ( كتاب التوحيد )
57- نفطويه شيخ العربية ( ت 323 هـ ) :
صنف الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي نفطويه كتابا في الرد على الجهمية وذكر فيه أشياء منها قول ابن العربي الذي مضى ثم قال وسمعت داود بن علي يقول كان المريسي لا رحمه الله يقول سبحان ربي الأسفل , قال : وهذا جهل من قائله ورد لنص كتاب الله إذ يقول ( أأمنتم من في السماء) ( العلو للذهبي )
58-الامام أبو الحسن الأشعري إمام الفرقة الأشعرية ( ت 324 هـ ) :
قال في كتابه الإبانة : ( فإن قال قائل ما تقولون في الإستواء ؟ قيل : نقول إن الله مستو على عرشه كما قال ( الرحمن على العرش استوى ) وقال: ( إليه يصعد الكلم الطيب ) وقال : ( بل رفعه الله إليه ) , وقال حكاية عن فرعون ( وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا )
كذّب موسى في قوله إن الله فوق السموات , وقال عزوجل : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ) فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات وكل ما علا فهو سماء وليس إذا قال ( أأمنتم من في السماء ) يعني جميع السموات وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أنه ذكر السموات فقال وجعل القمر فيهن نورا ولم يرد أنه يملأهن جميعا )
و قال في موضع اخر : ( ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السماوات فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى استوى إستولى وملك وقهر وأنه تعالى في كل مكان وجحدوا أن يكون على عرشه كما قال أهل الحق وذهبوا في الإستواء إلى القدرة فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش وبين الأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء والأرض شيء فالله قادر عليها وعلى الحشوش , وكذا لو كان مستويا على العرش بمعنى الإستيلاء لجاز أن يقال هو مستو على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول إن الله مستو على الأخلية والحشوش فبطل أن يكون الإستواء الإستيلاء ) ( الإبانة للأشعري و ذكر نحوه عدد من اهل العلم كالذهبي و غيره و ذكر انه شهره الحافظ ابن عساكر , و هذا الكتاب مرجع للاشعرية عند دفاعهم عن امامهم , و ممن نقل هذا الكلام منه من المتأخرين : الامام مرعي الكرمي – ت1033 هـ-
و قال في كتابه الذي سماه إختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين فذكر فرق الخوارج والروافض والجهمية وغيرهم إلى أن قال : ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة قولهم الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله .. الى ان قال : وإنه على العرش كما قال : ( الرحمن على العرش استوى ) ولا نتقدم بين يدي الله بالقول بل نقول استوى بلا كيف ) ( قال الذهبي : نقلها ابن فورك بهيئتها في كتابه المقالات و الخلاف بين الاشعري و ابن كلاب )
59-شيخ الحنابلة الامام أبو الحسن علي البربهاري ( ت 329 هـ:
قال : (وهو على عرشه استوى وعلمه بكل مكان ولا يخلو من علمه مكان ) ( شرح السنة للبربهاري ص1 )
60- الوزير علي بن عيسى ( ت 334 هـ ) :
قال محمد بن علي بن حبيش : دخل أبو بكر الشبلي رحمه الله دار المرضى ليعالج فدخل عليه الوزير بن عيسى عائدا فقال الشبلي ما فعل ربك ؟ قال : الرب عز وجل في السماء يقضي ويمضي . ( العلو 1258 )
-61 العلامة الفقيه أبوبكر الصبغي ( ت 342 هـ )
قال رحمه الله: قد تضع العرب في موضع على قال الله تعالى ( فسيحوا في الأرض ) وقال ( ولأصلبنكم في جذوع النخل )ومعناه على الأرض وعلى النخل فكذلك قوله ( من في السماء ) أي من على العرش كما صحت الأخبار عن رسول الله ( كتاب العلو ص1264)
62-شيخ المالكية العلامة ابو إسحاق محمد بن القاسم ابن شعبان المالكي ( ت355 هـ ) :
قال الذهبي رأيت له تأليفا في تسمية الرواة عن مالك، أوله (أوله: الحمد لله الحميد، ذي الرشد والتسديد، والحمد لله أحق مابدي، وأولى من شكر الواحد الصمد، جل عن المثل فلا شبه له ولا عدل، عال على عرشه، فهو دان بعلمه، وذكر باقي الخطبة، ولم يكن له عمل طائل في الرواية. ( السير 16 / 79 )
63- الإمام أبوبكر الآجري ( ت 360 هـ
قال) في كتابه الشريعة : والذي يذهب به أهل العلم أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وعلمه محيط بكل شيء . ( كتاب الشريعة )
-وفي موضع آخر قال : ( وفي كتاب الله عز وجل آيات تدل على أن الله تبارك وتعالى في السماء على عرشه وعلمه محيط بجميع خلقه ) ثم ذكر آيات دالة على العلو وذكر جملة من الأحاديث إلى أن قال : ( هذه السنن قد اتفقت معانيها , ويصدق بعضها بعضاً وكلها تدل على من قلنا أن الله عز وجل على عرشه فوق سماواته وقد أحاط علمه بكل شيء وانه سميع بصير عليم خبير . )
و قال ايضا في موضع اخر من كتابه الشريعة :
- (وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن يقولوا في السجود : [ سبحان ربي الأعلى ثلاثا ]
وهذا كله يقوي ما قلنا : أن الله عز وجل العلي الأعلى : على عرشه فوق السموات العلا وعلمه محيط بكل شيء خلاف ما قالته الحلولية نعوذ بالله من سوء مذهبهم ) ص 295
64-الحافظ الامام أبو الشيخ ( ت 369 هـ ) :
قال في كتاب العظمة : له ذكر عرش الرب تبارك وتعالى وكرسيه وعظم خلقهما و علو الرب فوق عرشه . ثم ساق جملة من الأحاديث في ذلك . ( العظمة 2 / 543 ) .
65- العلامة أبوبكر الإسماعيلي ) ت 371 هـ )
قال في كتاب إعتقاد أئمة الحديث ص 50 : يعتقدون إن الله تعالى ... استوى على العرش , بلا كيف , إن الله انتهى من ذلك إلى إنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه .
66-أبو الحسن بن مهدي المتكلم ( ت 380 هـ ) :
قال في كتابه مشكل الآيات : في باب قوله ( الرحمن على العرش استوى )
( أعلم أن الله في السماء فوق كل شيء مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه ومعنى الإستواء الإعتلاء كما تقول العرب إستويت على ظهر الدابة وإستويت على السطح بمعنى علوته وإستوت الشمس على رأسي واستوى الطير على قمة رأسي بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي )
-و قال ايضا : ( فالقديم جل جلاله عال على عرشه , يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله : ( أأمنتم من في السماء ) وقوله : ( يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ) وقوله : ( إليه يصعد الكلم الطيب وقوله ثم يعرج إليه )
(العلو للذهبي , و كذا كتاب الكلمات الحسان نقله صاحبه عن المخطوط الأصلي لكتاب أبي الحسن بن مهدي الموجود في مكتبة طلعت في مصر ورقة 132 )
67- الإمام الزاهد أبو عبدالله بن بطة العكبري ( ت 387 هـ ) :
قال :أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه لا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية . )
- و قال في موضع اخر : ( و قال : ( الرحمن على العرش استوى ) فهذا خبر الله أخبر به عن نفسه , و أنه على العرش .( المختار من الإبانة
- و قال أيضا في موضع آخر : ( و قال ( يخافون ربهم من فوقهم ) فأخبر انه فوق الملائكة , و قد أخبرنا الله تعالى انه في السماء على العرش , أوَ مَا سمع الحلولي قول الله تعالى { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) } ) ( المختار من الإبانة 3\136 -144 )
- و قال ايضا : (وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ0 ) ( متن كتاب الشرح و الإبانة )
قال الحافظ ابن حجر عن الإمام ابن بطة : (كان إماما في السنة ) لسان الميزان ( 4\113 )
68-الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني المالكي ( ت 386 هـ ) :
قال في كتابه الجامع ( ص 139 – 141 ) ( مما اجتمعت الأئمة عليه من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعه وضلالة أن الله تبارك وتعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه وإنه في كل مكان بعلمه .)
ثم قال في آخره : وكل هذا قول مالك ، فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه
-وقال رحمه الله في أول رسالته المشهور في مذهب الإمام مالك ( وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو بكل مكان بعلمه ) . ( مقدمة ابن أبي زيد القيرواني لكتابه الرسالة ص 56 ) .
قال الحافظ الذهبي عن الإمام ابن أبي زيد القيرواني : (وكان رحمه الله على طريقة السلف في الاصول، لا يدري الكلام، ولا يتأول، فنسأل الله التوفيق.) السير ( 12\17 )
69-الإمام الحافظ محدث الشرق ابن مندة ( ت 395 هـ ) :
قال في كتابه التوحيد : ذكرُ الآي المتلوة والأخبار المأثورة في أن الله عز وجل على العرش فوق خلقه بائن عنهم وبدء خلق العرش والماء . ثم ذكر ثلاث آيات في استواء الرحمن على العرش .( 3\185 )
- وقال رحمه الله : ذكر الآيات المتلوة والأخبار المأثورة بنقل الرواة المقبولة التي تدل على أن الله تعالى فوق سماواته وعرشه وخلقه قاهراً لهم عالماً بهم . ثم ذكر آيات دالة على العلو وساق جملة من الأحاديث في ذلك . ( كتاب التوحيد 3 / 185 – 190 ) .
70-الإمام ابن أبي زمنين ( ت 399 هـ) :
) قال : ومن قول أهل السنة أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والإرتفاع فوق جميع ما خلق وسبحان من بَعُدَ فلا يُرى وقَرُبَ بعلمه فسمع النجوى . ( أصول السنة ص / 88 ) .
- 71 القاضي أبوبكر محمد بن الطيب الباقلاني الأشعري ( 403 هـ ) :
جاء في كتاب التمهيد : فإن قالوا فهل تقولون إنه في كل مكان قيل معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال تعالى : ( الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى ) . ( التمهيد ص / 260 )
- ثم قال في موضع آخر : ولا يجوز أن يكون معنى استواؤه على العرش هو استيلاؤه عليه ؛ لأن الإستيلاء هو القدرة والقهر والله تعالى لم يزل قادراً قاهراً عزيزاً مقتدراً . (التمهيد ص\260 – 262 )
قال الحافظ الذهبي معلقا على كلام الباقلاني
( فهذا النفس نفس هذا الإمام وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف ولا يعرفون إلا السلب ونفي الصفات وردها صم بكم غتم عجم يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل فإنا لله وإنا إليه راجعون ) العلو
72- الشيخ العلامة أبوبكر بن محمد ابن موهب المالكي ( ت 406 هـ ) :
قال في شرحه لرسالة الإمام محمد بن أبي زيد القيرواني : ( أما قوله إنه فوق عرشه المجيد بذاته , فمعنى فوق وعلى عند جميع العرب واحد وبالكتاب والسنة تصديق ذلك .
- وساق حديث الجارية والمعراج إلى سدرة المنتهى
إلى أن قال : ( وقد تأتي لفظة في في لغة العرب بمعنى فوق كقوله فأمشوا في مناكبها و في جذوع النخل و أأمنتم من في السماء قال أهل التأويل يريد فوقها وهو قول مالك مما فهمه عمن أدرك من التابعين مما فهموه عن الصحابة مما فهموه عن النبي أن الله في السماء يعني فوقها وعليها فلذلك قال الشيخ أبو محمد إنه فوق عرشه ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته لا تحويه الأماكن وأنه أعظم منها )
- و قال ايضا : ( ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته ، لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف ، وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته ، لا تحويه الأماكن وأنه أعظم منها ، وقد كان ولا مكان .... ) ، نقله عنه الحافظ الذهبي في كتاب العلو ص 264
و العلامة ابن موهب من أخص تلامذة الامام ابن أبي زيد و هو أعرف بأقواله من المتأخرين الذين حرّفوا كلام الامام ابن ابي زيد بكل صفاقة و الله المستعان
-73الإمام العارف معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني ( ت418 هـ ) :
قال في وصيته لأصحابه : " وإن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف فيه مجهول . وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق منه بائنون ; بلا حلول ولا ممازجة ولا اختلاط ولا ملاصقة ; لأنه الفرد البائن من الخلق الواحد الغني عن الخلق ) ( الفتوى الحموية لابن تيمية )
74-الإمام الحافظ أبو القاسم اللالكائي ( ت418 هـ ) :
قال رحمه الله في كتابه النفيس شرح أصول اعتقاد اهل السنة: (سياق ما روي في قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) وأن الله على عرشه في السماء وقال عز وجل ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) وقال : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض )وقال : ( وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة ) فدلت هذه الآيات أنه تعالى في السماء وعلمه بكل مكان من أرضه وسمائه . وروى ذلك من الصحابة : عن عمر ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأم سلمة ومن التابعين : ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، وسليمان التيمي ، ومقاتل بن حيان وبه قال من الفقهاء : مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، وأحمد بن حنبل )( شرح أصول اعتقاد أهل السنة و الجماعة 3 \429-430 )
75-السلطان العادل يمين الدولة محمود سبكتكين ( ت421 هـ ) :
قال أبو علي بن البناء: حكى علي بن الحسين العكبري أنه سمع أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لان لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت.
فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه.
فبهت ابن فورك، فلما خرج من عنده مات , فيقال: انشقت مرارته.) ( سير أعلام النبلاء 17\487 )
76-المفسر الأصولي يحيي بن عمار ( ت 422 هـ ) :
قال رحمه الله : ( كل مسلم من أول العصر الى عصرنا هذا اذا دعا الله سبحانه رفع يديه الى السماء . و المسلمون من عهد النبي صلى الله عليه وسلم الى يومنا هذا يقولون في الصلاة ما أمرهم الله به في قوله : ( سبح اسم ربك الأعلى ) – الى ان قال :
و نقول : هو بذاته على العرش , و علمه محيط بكل شيء )
- و قال ايضا : ( و لا نقول كما قالت الجهمية انه مداخل للأمكنة و ممازج لكل شيء و لا نعلم أين هو ؟ بل نقولُ هو بذاته على العرش و علمه محيط بكل شيء و علمه و سمعه و بصره و قدرته مدركة لكل شيء و ذلك معنى قوله : ( و هو معكم أين ما كنتم ) فهذا الذي قلناه هو ما قاله الله و قاله الرسول ( الحجة في بيان المحجة 2 \ 106 – 107 )
77- الامام الحافظ أبوعمر الطلمنكي المالكي ( ت429 هـ ) :
قال في كتابه الوصول الى معرفة الأصول : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله ( وهو معكم أينما كنتم ) ونحو ذلك من القرآن أنه علمه وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء ) ( العلو للذهبي و اجتماع الجيوش لابن القيم)
- و قال ايضا في نفس الكتاب : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته ) ( اجتماع الجيوش لابن القيم )
- وقال في هذا الكتاب أيضا : ( أجمع أهل السنة على أنه تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز ) ثم ساق بسنده عن مالك قوله : ( الله في السماء وعلمه في كل مكان )
قال الامام الذهبي : (كان الطلمنكي من كبار الحفاظ وأئمة القراء بالأندلس )
78-الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني الشافعي ( ت430 هـ )
قال في مصنف حلية الأولياء, قال في كتاب الإعتقاد له : ( طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة لا يزول ولا يحول لم يزل عالما بعلم بصيرا ببصر سميعا بسمع متكلما بكلام ثم أحدث الأشياء من غير شيء وأن القرآن كلام الله وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق وأن القرآن في جميع الجهات مقروءا ومتلوا ومحفوظا ومسموعا ومكتوبا وملفوظا كلام الله حقيقة لا حكاية ولا ترجمة وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق وأن الواقفة واللفظية من الجهمية وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية وأن الجهمي عندهم كافر إلى أن قال وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش وإستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه )( العلو للذهبي ص 243 )
وقال رحمه الله فى كتابه محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه : ( وأجمعوا أن الله فوق سمواته عال على عرشه مستو عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان خلافا لما نزل فى كتابه أأمنتم من فى السماء اليه يصعد الكلم الطيب الرحمن على العرش استوى (مجموع الفتاوى لابن تيمية 5/60 )
-79إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي(535ه):
ذكر ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » عنه أنه قال في كتاب « الحجة » « باب في بيان استواء الله على عرشه » قال الله تعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) وذكر آيات ثم قال : قال أهل السنة : الله فوق السموات لا يعلوه خلق من خلقه , ومن الدليل على ذلك أن الخلق يشيرون إلى السماء بأصابعهم , ويدعونه ويرفعون إليه رءوسهم وأبصارهم – ثم قال : « فصل في بيان أن العرش فوق السموات وأن الله سبحانه وتعالى فوق العرش » إلى أن قال : قال علماء السنة : إن الله عز وجل على عرشه بائن من خلقه . وقالت المعتزلة : هو بذاته في كل مكان – إلى أن قال : وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) قال : هو على عرشه , وعلمه في كل مكان – إلى أن قال : وزعم هؤلاء – يعني المعتزلة – أنه لا تجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرءوس والأصابع إلى فوق , فإن ذلك يوجب التحديد , وقد أجمع المسلمون أن الله سبحانه العلي الأعلى , ونطق بذلك القرآن , فزعم هؤلاء أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات . وعند المسلمين أن لله عز وجل علو الغلبة , والعلو من سائر وجوه العلو , لأن العلو صفة مدح فنثبت أن لله تعالى علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة . وفي منعهم الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق خلاف منهم لسائر الملل , لأن جماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله سبحانه وتعالى من جهة الفوق في الدعاء والسؤال , واتفاقهم بإجماعهم على ذلك حجة , ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق . انتهى المقصود من كلامه
جمال البليدي
06-10-2009, 02:52 PM
-80 أبي نصر السجزي(ت 444هـ)
لقد نقل في كتابه الإبانة عن الثوري ومالك والحمادين وسفيان بن عيينة والفضيل وابن المبارك وأحمد وإسحاق أنهم متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وعلمه بكل مكان .
وقال في كتابه(الرد على من أنكر الحرف والصوت ص123 : ((وعند أهل الحق أن الله سبحانه مباين لخلقه بذاته فوق العرش بلا كيفية بحيث لا مكان))
81- أبي عثمان الصابوني(ت449هـ):
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل عن أصحاب الحديث أنهم يعتقدون ويشهدون أن الله فوق سبع سمواته على عرشه كما نطق به كتابه , وأن علماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا أن الله على عرشه وعرشه فوق سمواته .
-82قول أبي عمرو عثمان بن أبي الحسن بن الحسين السهروردي الفقيه المحدث من أئمة أصحاب الشافعي:
ذكر ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » عنه أنه قال في كتابه في أصول الدين : ومن صفاته تبارك وتعالى فوقيته واستواؤه على عرشه بذاته كما وصف نفسه في كتابه , وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بلا كيف – ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن إلى أن قال : وعلماء الأمة واعيان الأئمة من السلف لم يختلفوا في أن الله سبحانه مستو على عرشه . وعرشه فوق سبع سمواته , ثم ذكر كلام عبد الله بن المبارك : نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته على عرشه , بائن من خلقه . وساق قول ابن خزيمة : من لم يقر بأن الله تعالى فوق عرشه قد استوى فوق سبع سمواته فهو كافر – ثم ذكر حديث الجارية التي قال لها النبي صلى الله عليه وسلم : « أين الله ؟ » فأشارت إلى السماء فقال لها : « من أنا ؟ » فأشارت إليه وإلى السماء . تعني أنك رسول الله الذي في السماء فقال : « اعتقها فإنها مؤمنة » فحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية . انتهى
-83 أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي(458هـ):
قال في كتابه المسمى ب « الاعتقاد » : « باب القول في الاستواء » قال الله تبارك وتعالى : ( الرحمن على العرش استوى ) ثم ذكر آيات في ذكر استواء الرب على العرش , وآيات في ذكر علو الله على خلقه , وقد ذكر الآيات أيضاً والكلام عليها في كتابه المسمى ب « الأسماء والصفات » ونقلت من كلامه ما يتعلق بالرد على من زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية فليراجع ذلك مع الكلام على قول الله تعالى : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) الآية .
84- أبي عمر بن عبد البر(463هـ):
قد ذكرت عنه فيما تقدم أنه نقل إجماع الصحابة والتابعين على القول بأن الله تعالى على العرش وعلمه في كل مكان , وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله , وذكرت له أيضاً كلاماً حسناً على حديث النزول فليراجع كل ما تقدم عنه .
85- سعيد الزنجاني(471هـ)
قال رحمه الله((وهو فوق عرشه بوجود ذاته))إجتماع الجيوش الإسلامية ص197
-86 الإمام أبي بكر محمد بن محمود بن سورة التميمي فقيه نيسابور(477هـ):
ذكر ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » ما رواه الحافظ عبد القاهر الرهاوي عنه أنه قال : لا أصلي خلف من لا يقر بأن الله تعالى فوق عرشه بائن من خلقه .
87-شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي: (481هـ)
ذكر الذهبي في كتاب « العلو » عنه أنه قال في كتاب « الصفات » له « باب استواء الله على عرشه فوق السماء السابعة بائنا من خلقه من الكتاب والسنة » ثم ساق آيات وأحاديث – إلى أن قال : وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه وهو ينظر كيف تعملون . وعلمه وقدرته واستماعه ونظره ورحمته في كل مكان .
-88- أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي(490هـ):
ذكر الذهبي في كتاب « العلو » عنه أنه قال في كتاب « الحجة » له , وأن الله تعالى مستو على عرشه بائن من خلقه كما قال في كتابه .
89-أبي الحسن الكرجي من كبار فقهاء الشافعية: (491هـ)
ذكر الذهبي في كتاب « العلو » عنه أنه قال في عقيدته الشهيرة :
عقيدة أصحاب الحديث فقد سمعت***بأرباب دين الله أسمى المراتب
عقائدهم أن الإله بذاته *** على عرشه مع علمه بالغوائب
وقد ذكرت فيما تقدم قول الذهبي أنه مكتوب على هذه القصيدة بخط العلامة تقي الدين ابن الصلاح : هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث
90- الحسين بن مسعود البغوي:(516هـ)
قال في الكلام على قول الله تعالى في سورة الحديد : (وهو معكم ) بالعلم . وقال في الكلام على قول الله تعالى في سورة المجادلة : ( ما يكون من نجوى ثلاثة ) أي من إسرار ثلاثة ? إلا هو رابعهم ? بالعلم يعلم نجواهم .
91- أبي جعفر الهمداني(531هـ) :
قال شارح العقيدة الطحاوية : ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين , وهو يتكلم في نفي صفة العلو ويقول : كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان . فقال الشيخ أبو جعفر : أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا , فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة يطلب العلو , ولا يلتفت يمنة ولا يسرة . فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا ؟ قال : فلطم أبو المعالي على رأسه ونزل , وأظنه قال : وبكى , وقال : حيّرني الهمداني . وقد ذكر هذه القصة ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » بنحو ما ذكرها شارح العقيدة الطحاوية . وذكرها الذهبي في كتاب « العلو » فقال : قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني : أنبأنا عبد القادر الحافظ بحران , أنبأنا الحافظ أبو العلاء , أنبأنا أبو جعفر ابن أبي علي الحافظ قال : سمعت أبا المعالي الجويني , وقد سئل عن قوله) الرحمن على العرش استوى ) فقال : كان الله ولا عرش , وجعل يتخبط في الكلام فقلت : قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيلة ؟ فقال : ما تريد بهذا القول , وما تعني بهذه الإشارة ؟ فقلت : ما قال عرف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق , فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة , فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت , وبكيت وبكى الخلق , فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح يا للحيرة وخرق ما كان عليه , وانخلع وصارت قيامة في المسجد , ونزل ولم يجبني إلا يا حبيبي الحيرة الحيرة والدهشة الدهشة , فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون : سمعناه يقول : حيرني الهمداني . قال شارح العقيدة الطحاوية في الكلام على هذه القصة : أراد الشيخ أن هذا أمر فطر الله عليه عباده من أن يتلقوه من المرسلين يجدون في قلوبهم طلباً ضرورياً يتوجه إلى الله ويطلبه في العلو . انتهى .
92- عدي بن مسافر الأموي الهكاري(555هـ) :
قال رحمه الله : ((وأن الله على عرشه بائن من خلقه,كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف,أحاط بكل شيء علما وهو بكل شيء عليم))إعتقاد أهل السنة والجماعة ص30
93- الشيخ عبد القادر الجيلي الحنبلي 561( هـ)
قال الشيخ عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، في كتاب "الغنية" له: "وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}، {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، وكونه سبحانه وتعالى على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف"[ كتاب الغنية لطالبي طريق الحق لعبد القادر الجيلاني (1/54-57)، ط: الحلبي،
94- ابن رشد :(ت590هـ)
قال ((في "مناهج الأدلة": وأما هذه الصفة – أي الجهة - فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي, ومن اقتدى بقوله, وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، ومثل قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، ومثل قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، ومثل قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً, وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهاً، لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء, وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين, وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى.
-95 بن قدامة المقدسي(ت600هـ):
قد ذكرت فيما تقدم أنه نقل إجماع السلف على أن الله تعالى فوق العرش , وذكرت أيضاً كلامه في كتابه « إثبات صفة العلو » وما ذكر فيه من إجماع جميع العلماء من الصحابة والأئمة من الفقهاء على إثبات صفة العلو لله تعالى , وأن الأخبار قد تواترت في ذلك على وجه حصل به اليقين . فليراجع كلامه في ذلك . الله سبحانه وتعالى وليراجع أيضاً ما ذكره مما جعله الله مغروزاً في طبائع الخلق عند نزول الكرب من لحظ السماء بالأعين , ورفع الأيدي للدعاء نحوها . وانتظار مجيء الفرج من الله تعالى , وأنه لا ينكر ذلك إلا مبتدع غالٍ في بدعته , أو مفتون بتقليده على ضلالته .
-96 أبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي مؤلف التفسير الكبير المسمى ب « الجامع لأحكام القرآن »:(677هـ)
قال في كتابه المسمى ب « الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى » وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى , كما نطق كتابه وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم , ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة , ثم ذكر كلام أبي بكر الحضرمي في رسالته التي سماها ب « الإيماء إلى مسألة الاستواء » وحكايته عن القاضي عبد الوهاب أنه استواء الذات على العرش وذكر أن ذلك قول القاضي أبي بكر بن الطيب الأشعري كبير الطائفة , وأن القاضي عبد الوهاب نقله عنه نصاً وأنه قول الأشعري وابن فورك في بعض كتبه , وقول الخطابي وغيره من الفقهاء والمحدثين .
قال القرطبي : وهو قول أبي عمر بن عبد البر والطلمنكي وغيرهم من الأندلسيين , ثم قال بعد أن حكى أربعة عشر قولاً : وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار , وقال جميع الفضلاء الأخيار : إن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه , هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات . انتهى . وقد نقله ابن القيم في كتاب « اجتماع الجيوش الإسلامية » وأقره .
-97 شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية (728 هـ)
قال في بعض فتاويه : والرب سبحانه فوق سمواته على عرشه , بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته , ولا في ذاته شيء من مخلوقاته . انتهى . وهو في صفحة 406 من الجزء الأول من مجموع الفتاوى المطبوع في القاهرة في سنة 1326 ه .
وقال في أول « الفتوى الحموية الكبرى » : فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره , وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أولها إلى آخرها , ثم عامة كلام الصحابة والتابعين , ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص أو ظاهر في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى , وهو فوق كل شيء , وأنه فوق العرش , وأنه فوق السماء ثم ذكر الأدلة على ذلك من القرآن , ثم قال : وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بكلفة – وذكر عدة أحاديث في ذلك وقال بعد ذكرها – إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله مما هو من أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علماً يقيناً من ابلغ العلوم الضرورية أن الرسول صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين – أن الله سبحانه على العرش , وأنه فوق السماء كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم في الجاهلية والإسلام إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته . ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جمع لبلغ مئين أو ألوفاً . ثم ليس في كتاب الله , ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولا أحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان , ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف – حرف واحد يخالف ذلك . لا نصاً ولا ظاهراً . انتهى .
وفي كتب شيخ الإسلام وفتاويه من كلامه وما نقله عن أكابر العلماء في إثبات علو الرب على خلقه , وأنه سبحانه مستو على عرشه , بائن من خلقه , وتقرير ذلك بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع شيء كثير جداً . وقد ذكرت جملة منه فيما تقدم . وأما كلامه في المعية , وقوله إنها معية العلم فهو كثير أيضاً , وقد نقل أقوال بعض الذين حكوا الإجماع على ذلك في مواضع كثيرة من كتبه وفتاويه , وقد ذكرت بعض نقوله عنهم فيما تقدم فلتراجع ففيها أبلغ رد على من وعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية .
وقد ذكر في « الفتوى الحموية الكبرى » عن سلف الأمة وأئمتها أئمة أهل العلم والدين
من شيوخ العلم والعبادة أنهم أثبتوا أن الله فوق سمواته على عرشه , بائن من خلقه وهم بائنون منه . وهو أيضاً مع العباد عموماً بعلمه , ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية , وهو أيضاً قريب مجيب . ففي آية النجوى دلالة على أنه عالم بهم . انتهى . وذكر في « شرح حديث النزول » قول الله تعالى في سورة الحديد : ( وهو معكم أينما كنتم )وقوله تعالى في سورة المجادلة : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ) ثم قال : وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا : هو معهم بعلمه . وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان , ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله , وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم .
ثم ذكر ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله : ) وهو معكم) قال : هو على العرش وعلمه معهم , قال : روى عن سفيان الثوري أنه قال : علمه معهم , وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم في قوله : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) إلى قوله : ( أينما كانوا ) قال : هو على العرش وعلمه معهم . ورواه بإسناد آخر عن مقاتل ابن حيان . وهو ثقة في التفسير ليس بمجروح كما جرح مقاتل بن سليمان . وذكر أيضاً ما رواه عبد الله بن أحمد عن الضحاك في قوله تعالى : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ) قال : هو على العرش , وعلمه معهم , وروى أيضاً عن سفيان الثوري في قوله : ( وهو معكم أينما كنتم ) قال علمه . وذكر أيضاً ما رواه حنبل بن إسحاق في كتاب « السنة » قال : قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل : ما معنى قوله تعالى : ( وهو معكم أينما كنتم ) و : ( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ) إلى قوله : ( إلا هو معهم أينما كانوا ) قال : علمه , عالم الغيب والشهادة , محيط بكل شيء , شاهد علام الغيوب , يعلم الغيب , ربنا على العرش بلا حد ولا صفة , وسع كرسيه السموات والأرض .
قلت : قوله : بلا حد ولا صفة معناه أنه لا يحد استواء الرب على العرش ولا توصف كيفيته كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومالك بن أنس : الاستواء معلوم , والكيف غير معقول . قال شيخ الإسلام : وأيضاً فإنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم , فكان السياق يدل على أنه أراد أنه عالم بهم . ثم ذكر أن لفظ المعية في اللغة – وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة , فهو إذا كان مع العباد لم يناف ذلك علوه على عرشه , ويكون حكم معيته في كل موطن بحسبه , فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان , ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد . انتهى .
98-قول الحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (748 هـ)
قد صنف الذهبي رحمه الله تعالى في إثبات علو الله على عرشه كتابه المسمى ب « العلو للعلي الغفار » وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه , ومنهم من حكى الإجماع على أن الله تعالى فوق عرشه ومع الخلق بعلمه , وقال في أثناء الكتاب : ويدل على أن الباري تبارك وتعالى عالٍ على الأشياء فوق عرشه المجيد , غير حال في الأمكنة قوله تعالى : ( وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم ) ثم ساق آيات وأحاديث كثيرة في إثبات العلو فليراجع , وليراجع الكتاب كله فإنه كثير الفوائد عظيم المنفعة .
-99قول العلامة شمس الدين ابن القيم (751 هـ)
قد صنف ابن القيم رحمه الله تعالى في إثبات علو الله على خلقه كتابه المسمى ب « اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية » وساق فيه أدلة العلو من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء إلى قريب من زمانه , ومنهم من حكى الإجماع على أن الله تعالى فوق عرشه , وهو مع الخلق بعلمه , فليراجع الكتاب كله فإنه كثير الفوائد عظيم المنفعة .
ولابن القيم أيضاً فصول في كتابه المسمى ب « الكافية الشافية » وفي كتابه المسمى ب « الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة » قرر فيها علو الرب تبارك وتعالى فوق جميع المخلوقات , ورد فيها على أهل التشبيه والتعطيل . فلتراجع أيضاً .
-100قول الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير:(ت774هـ)
قال في تفسير سورة الحديد وقوله تعالى : ( وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) أي رقيب عليكم , شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر , في ليل أو نهار , في البيوت أو في القفار , الجميع في علمه على السواء , وتحت بصره وسمعه فيسمع كلامكم , ويرى مكانكم , ويعلم سركم ونجواكم . وقال في تفسير سورة المجادلة : ثم قال تعالى مخبراً عن إحاطة علمه بخلقه , واطلاعه عليهم وسماعه كلامهم , ورؤيته مكانهم حيث كانوا وأين كانوا فقال تعالى : ( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ) أي من سر ثلاثة ( إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ( أي مطلع عليهم يسمع كلامهم وسرهم ونجواهم , ورسله أيضاً مع ذلك تكتب ما يتناجون به مع علم الله به وسمعه له . ولهذا حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بهذه الآية معية علمه تعالى , ولا شك في إرادة ذلك , ولكن سمعه أيضاً مع علمه بهم , وبصره نافذ فيهم , فهو سبحانه وتعالى مطلع على خلقه لا يغيب عنه من أمورهم شيء . ثم قال تعالى ) ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم ) قال الإمام أحمد : افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم . انتهى .
فهذا ما تيسر إيراده من أقوال أكابر العلماء في إثبات العلو لله تعالى , وأنه فوق جميع المخلوقات , مستو على عرشه , بائن من خلقه , والخلق بائنون منه , وأن معيته لخلقه معية العلم والإحاطة والاطلاع والسماع والرؤية . وأن له معية خاصة مع أنبيائه وأوليائه , وهي معية النصر والتأييد والكفاية . ولم يأت في القرآن ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان ما يدل على أن معية الله لخلقه معية ذاتية , وإنما جاء ذلك عن بعض أهل البدع , وهم الذين يقولون : إن الله بذاته فوق العالم , وهو بذاته في كل مكان . وهذا قول باطل مردود بالأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب فليراجع .
وكلام أكابر العلماء المتأخرين في المائة الثامنة من الهجرة فما بعدها في إثبات العلو والرد على من قال بخلاف ما عليه أهل السنة والجماعة كثير جداً , وفيما ذكرته عن المتقدمين كفاية إن شاء الله تعالى .
جمال البليدي
06-11-2009, 03:33 PM
الدليل من الفطرة على علو الله على خلقه
لقد شهدت قلوب بني آدم أن الله تعالى فوق العالم كله , ولأجل هذه الفطرة السليمة , ولأجل هذه الضرورة التي يحسونها في قلوبهم تراهم يرفعون أيديهم عند الدعاء والتضرع إلى الفوق وهكذا تتوجه قلوبهم إلى العلو لاعتقادهم وشهادة قلوبهم بأن الله تعالى فوق العالم عال على خلقه أجمعين .
وأول من صرح بهذا الدليل الفطري واستدل به على علو الله تعالى على خلقه وفوقيته على عباده : الإمام أبو حنيفة – رحمه الله – ([1]) .
كما استدل بهذا الدليل غيره من أئمة الإسلام كالإمام يزيد بن هارون([2]) , وابن كلاب([3]) , وابن قتيبة([4]) , والدارمي([5]) , وابن خزيمة([6]) , والأشعري([7]) , والخطابي([8]) , والباقلاني([9]) , وابن فورك([10]) , وابن عبدالبر([11]) , وغيرهم من أئمة الإسلام قبلهم وبعدهم .
فكلهم استدلوا على علو الله تعالى وأنه فوق العالم – بأن بني آدم يرفعون أيديهم وتتجه قلوبهم إلى جهة الفوق عند الدعاء .
فدل ذلك على أن الله تعالى فوق العالم بائن عن هذا الكون .
قال الإمام ابن القيم : وإليه أيدي السائلين توجهت ***نحو العلو بفطرة الرحمن
وإليه آمال العباد توجهت***نحو العلو بلا تواص ثان
بل فطرة الله التي لم يفطرو***إلا عليها الخلق والثقلان
ونظير هذا أنهم فطروا على ***إقرارهم لا شك بالديان
لكن أولو التعطيل منهم أصبحوا***مرضى بداء الجهل والخذلان(12)
وجميع الطوائف تنكر قول المعطلة إلا من تلقاه منهم,وأما العامة من جميع الأمم ففطرهم جميعهم مقرة بأن الله فوق العالم,وإذا قيل لهم لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ,ولا ترفع إليه الأيدي ,ولا تتوجه إليه القلوب نحو العلو أنكرت فطرهم ذلك غاية الإنكار ودفعته غاية الدفع(13). ومنهم من لا يصدق أن عاقلا يقول ذلك,لظهور هذه القضية عندهم,واستقرارها في أنفسهم,فينسبون من خالفها بالجنون(14).
قال ابن القيم رحمه الله :
وعلوه فوق الخليقة كلها ***فطرت عليه الخلق والثقلان
لا يستطيع معطل تبديلها ***أبدا وذلك سنة الرحمان
كل إذا ما نابه أمر يرى ***متوجها بضرورة الإنسان
نحو العلو فليس يطلب خلفه***وأمامه أو جانب الإنسان(15)
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تقرير ذلك((...وأن الخلق كلهم إذا حزبهم شدة أو حاجة في أمر,وجهوا قلوبهم إلى الله يدعونه ويسألونه,وأن هذا أمر متفق عليه بين الأمم التي لم تغير فطرتها,لم يحصل بينهم بتواطئ و اتفاق.ولهذا يوجد هذا في فطرة الأعراب والعجائز والصبيان من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين ,ومن لم يقرأ كتابا ,ومن لم يتلق مثل هذا عن معلم ولا أستاذ....))(16)
قال أبو الحسن الأشعري في كتبه: ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله عز وجل مستوٍ على العرش الذي هو فوق السماوات؛ فلولا أن الله عز وجل على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو السماء كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض.
هذا لفظه في أجل كتبه وأكبرها وهو "الموجز", وفي أشهرها وهو "الإبانة" التي اعتمد عليها أبصر الناس له, وأعظمهم ذباً عنه من أهل الحديث أبو القاسم ابن عساكر؛ فإنه اعتمد على هذا الكتاب وجعله من أعظم مناقبه في كتاب "تبيين كذب المفتري" ثم قال في كتابه: ومن دعاء أهل الإسلام جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم يقولون يا ساكن العرش ويقولون: لا والذي احتجب بسبع سماوات.
وقال أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب في كتاب "الصفات", وقد ذكر مسألة الاستواء ... قال: ولو لم يشهد بصحة مذهب الجماعة في هذا إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي؛ كيف وقد غرس في بنية الفطرة, ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه, ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدا عنه عربياً ولا عجمياً ولا مؤمناً ولا كافراً فتقول أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح أو أومأ بيده أو أشار بطرفه، وإن كان لا يفصح لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل, ولا رأينا أحداً داعياً إلا رافعاً يديه إلى السماء.
-
-وقال ابن عبد البر إمام أهل السنة ببلاد المغرب في "التمهيد" لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته, وهو منقول من طرق سوى هذه من أخبار العدول عن النبي صلى الله عليه وسلم, وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش فوق سبع سماوات كما قال الجماعة, وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم إن الله بكل مكان، قال: والدليل على صحة قول أهل الحق قوله تعالى - وذكر عدة آيات - إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد, ولا أنكره عليهم مسلم وهذا قليل من كثير من كلام من ذكر أن مسألة العلو فطرية ضرورية, وأما من نقل إجماع الأنبياء والرسل والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين؛ فأكثر من أن يذكر ولكن ننبه على اليسير منه)).
وليتأمل القارئ اللبيب القصة التالية : قال أبو منصور بن الوليد الحافظ في رسالة له إلى الزنجاني انبأنا عبد القادر الحافظ بحران أنبأنا الحافظ أبو العلاء أنبأنا أبو جعفر بن أبي علي الحافظ قال سمعت أبا المعالي الجويني وقد سئل عن قوله الرحمن على العرش استوى فقال كان الله ولا عرش وجعل يتخبط في الكلام فقلت قد علمنا ما أشرت إليه فهل عندك للضرورات من حيله فقال ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة فقلت ما قال عارف قط يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة يقصد الفوق فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فنبئنا نتخلص من الفوق والتحت وبكيت وبكى الخلق فضرب الأستاذ بكمه على السرير وصاح ياللحيرة وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد ونزل ولم يجبني إلا يا حبيبي الحيرة الحيرة والدهشة الدهشة فسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون سمعناه يقول حيرني الهمداني))(17)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعليقا على هذا الكلام : ((فهذا الشيخ تكلم بلسان جميع بني آدم,فأخبر أن العرش والعلم باستواء الله عليه إنما أخذ من جهة الشرع وخبر الكتاب والسنة.بخلاف الإقرار بعلو الله على الخلق من غير تعيين عرش ولا استواء,فإن هذا أمر فطري ضروري نجده في قلوبنا نحن وجميع من يدعو الله تعالى,فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ !))(18)
ونذكر في هذا المقام : ما جرى بين شيخ الإسلام ابن تيمية وبين أحد المشايخ النافين للعلو ,يقول شيخ الإسلام مخبرا عن ذلك : ((وقد كان عندي من هؤلاء النافين لهذا –يعني صفى العو-من هو من مشايخهم, وهو يطلب مني حاجة ، وأنا أخاطبه في هذا المذهب ، كأني غير منكر له ، وأخرت قضاء حاجته حتى ضاق صدره ، فرفع طرفه ورأسه إلى السماء ، وقال: يا الله ، فقلت له: أنت محقق لمن ترفع طرفك ورأسك ؟ وهل فوق عندك أحد ؟!
فقال: استغفر الله ، ورجع عن ذلك لما تبين له أن اعتقاده يخالف فطرته ، ثم بينت له فساد هذا القول ، فتاب من ذلك ، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم.))(19)
---------------------------------------------
[1] ) انظر الفقه الأبسط بشرح السمرقندي 16-20 , والفقه الأبسط بتحقيق الكوثري 46-52 .
[2] ) روى نصه أبو داود في مسائله 262 , وعبدالله بن أحمد في السنة 119-120 .
[3] ) نقل عنه شيخ الإسلام في درء التعارض 6/194 .
[4] ) انظر نصه في تأويل مختلف الحديث 271-272 .
[5] ) انظر الرد على الجهمية له 20-21 .
[6] ) انظر كتاب التوحيد له 1/254 .
[7] ) انظر الإبانة 2/107 .
[8] ) انظر تلبيس الجهمية 2/436-437 عن كتاب شعار الدين للخطابي .
[9] ) انظر نصه في التمهيد له 260-262 .
[10] ) انظر تفسير سورة الأعلى ضمن دقائق التفسير 5/39 , وضمن مجموع الفتاوى 6/90 عن كتاب ابن فورك الذي صنفه في أصول الدين .
[11] ) انظر نصه في التمهيد له 7/134/135 .
(12)الكافية الشافية(ص54-55)
(13)الصواعق المرسلة(ص1281)
(14) درء التعارض العقل والنقل(6/243).
(15)الكافية الشافية(ص104-105).
(16) درء تعارض العقل والنقل(6/12).
(17) كتاب العلو للإمام الذهبي (ص1347) وقال العلامة الألباني في(مختصر العلو) : ((وإسناد هذه القصة صحيح مسلسل بالأسانيد).
(18)مجموع الفتاوى(4/61).
(19)درء تعارض العقل والنقل(6/3436-344).
جمال البليدي
06-18-2009, 09:14 PM
هل نجزم بإثبات العلو على العرش أم نفوض ونؤول؟ !
لقد انقسمت الطوائف الإسلامية إلى ثلاث أقسام:
القسم الأول: من جعلوا الظاهر المتبادر منها معنى حقاً يليق بالله - عز وجل - وأبقوا دلالتها على ذلك، وهؤلاء هم السلف الذين اجتمعوا على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، والذين لا يصدق لقب أهل السنة والجماعة إلا عليهم.
وقد أجمعوا على ذلك كما نقله ابن عبد البر فقال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن الكريم والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة" أهـ.
القسم الثاني: من جعلوا الظاهر المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً لا يليق بالله وهو: التشبيه، وأبقوا دلالتها على ذلك. وهؤلاء هم المشبهة
القسم الثالث: من جعلوا المعنى المتبادر من نصوص الصفات معنى باطلاً، لا يليق بالله وهو التشبيه، ثم إنهم من أجل ذلك أنكروا ما دلت عليه من المعنى اللائق بالله، وهم أهل التعطيل سواء كان تعطيلهم عاماً في الأسماء والصفات، أم خاصاً فيهما، أو في أحدهما، فهؤلاء صرفوا النصوص عن ظاهرها إلى معاني عينوها بعقولهم، واضطربوا في تعيينها اضطراباً كثيراً، وسموا ذلك تأويلاً، وهو في الحقيقة تحريف.
أين الحق؟؟؟
والحق بلا ريب ولا شك مع القسم الأول أهل السنة والجماعة الذين يثبتون العلو على حقيقته دون تفويض ولا تأويل وبيان ذلك من أوجه :
((الوجه الأول : أنه تطبيق تام لما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الأخذ بما جاء فيهما من أسماء الله وصفاته كما يعلم ذلك من تتبعه بعلم وإنصاف.
الوجه الثاني : يقال: إن الحق إما أن يكون فيما قاله السلف من إثبات العلو أو فيما قاله غيرهم من نفيه، والثاني باطل لأنه يلزم منه أن يكون السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان الذين أثبتوا العلو تكلموا بالباطل تصريحاً أو ظاهراً، ولم يتكلموا مرة واحدة لا تصريحاً ولا ظاهراً بالحق الذي يجب اعتقاده. وهذا يستلزم أن يكونوا إما جاهلين بالحق وإما عالمين به لكن كتموه، وكلاهما باطل، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فتعين أن يكون الحق فيما قاله السلف دون غيرهم.
قال الإمام ابن القيم :
لو كان حقا ما يقوله معطل ***لعلوه وصفاته الرحمن
لزمتكم شنع ثلاث فارتؤوا*** أو خلة منهن أو ثنتان
تقديمهم في العلم أو في نصحهم***أو في البيان أذاك ذو إمكان
إن كان ما قد قلتم حقا فقد***ضل الورى بالوحي والقرآن
إذ فيهما ضد الذي قلتم وما***ضدان في المعقول يجتمعان
بل كان أولى أن يعطل منهما***ويحال في علم وفي عرفان
إما على جهم وجعد أو على النظ***ام أو ذي المذهب اليونان
وكذلك أتباع لهم فقع الفلاصم***وبكم تابعو العميان
وكذلك أفراخ القرامطة الألى***قد جاهروا بعداوة الرحمن(1)
الوجه الثالث : أن التأويل صرف لكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم عن ظاهره، والله - تعالى - خاطب الناس بلسان عربي مبين، ليعقلوا الكلام ويفهموه على ما يقتضيه هذا اللسان العربي، والنبي صلى الله عليه وسلم خاطبهم بأفصح لسان البشر؛ فوجب حمل كلام الله ورسوله على ظاهره المفهوم بذلك اللسان العربي؛ غير أنه يجب أن يصان عن التكييف والتمثيل في حق الله - عز وجل.
الوجه الرابع :أن صرف كلام الله ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه، قول على الله بلا علم وهو محرم ؛ لقوله - تعالى - : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ). ولقوله - سبحانه -: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).
فالصارف لكلام الله - تعالى - ورسوله عن ظاهره إلى معنى يخالفه قد قفا ما ليس له به علم. وقال على الله ما لا يعلم من وجهين:
الأول: أنه زعم أنه ليس المراد بكلام الله - تعالى - ورسوله كذا، مع أنه ظاهر الكلام.
الثاني: أنه زعم أن المراد به كذا لمعنى آخر لا يدل عليه ظاهر الكلام.
وإذا كان من المعلوم أن تعيين أحد المعنيين المتساويين في الاحتمال قول بلا علم؛ فما ظنك بتعيين المعنى المرجوح المخالف لظاهر الكلام؟!
مثال ذلك: قوله - تعالى - لإبليس (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَي)
إذا صرف الكلام عن ظاهره، وقال: لم يرد باليدين اليدين الحقيقيتين وإنما أراد كذا وكذا. قلنا له: ما دليلك على ما نفيت؟! وما دليلك على ما أثبت؟! فإن أتى بدليل - وأنى له ذلك - وإلا كان قائلاً على الله بلا علم في نفيه وإثباته.
الوجه الخامس : أن يقال للمعطل:
هل أنت أعلم بالله من نفسه؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر الله به عن نفسه صدق وحق؟ فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم كلاماً أفصح وأبين من كلام الله - تعالى؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل تظن أن الله - سبحانه وتعالى - أراد أن يعمي الحق على الخلق في هذه النصوص ليستخرجوه بعقولهم؟ فسيقول: لا.
هذا ما يقال له باعتبار ما جاء في القرآن.
أما باعتبار ما جاء في السنة فيقال له:
هل أنت أعلم بالله من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول: لا.
ثم يقال له: هل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحق صدق وحق؟ فسيقول: نعم.
ثم يقال له: هل تعلم أن أحداً من الناس أفصح كلاماً، وأبين من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فسيقول لا ثم يقال له هل تعلم أن أحداً من الناس أنصح لعباد الله من رسول الله ؟ فسيقول : لا
فيقال له: إذا كنت تقر بذلك فلماذا لا يكون عندك الإقدام والشجاعة في إثبات ما أثبته الله - تعالى - لنفسه، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم على حقيقته وظاهره اللائق بالله؟ وكيف يكون عندك الإقدام والشجاعة في نفي حقيقته تلك، وصرفه إلى معنى يخالف ظاهره بغير علم؟
وماذا يضيرك إذا أثبت لله - تعالى - ما أثبته لنفسه في كتابه، أو سنة نبيه على الوجه اللائق به، فأخذت بما جاء في الكتاب والسنة إثباتاً ونفياً؟
أليس هذا أسلم لك وأقوم لجوابك إذا سئلت يوم القيامة: (مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ).
أوليس صرفك لهذه النصوص عن ظاهرها، وتعيين معنى آخر مخاطرة منك؟! فلعل المراد يكون - على تقدير جواز صرفها - غير ما صرفتها إليه.
الوجه السادس في إبطال مذهب أهل التعطيل: أنه يلزم عليه لوازم باطلة؛ وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
فمن هذه اللوازم:
أولاً: أن أهل التعطيل لم يصرفوا نصوص الصفات عن ظاهرها إلا حيث اعتقدوا أنه مستلزم أو موهم لتشبيه الله - تعالى - بخلقه، وتشبيه الله - تعالى - بخلقه كفر؛ لأنه تكذيب لقوله - تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(131).
قال نعيم بن حماد الخزاعي أحد مشايخ البخاري - رحمهما الله -: من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً. أهـ.
ومن المعلوم أن من أبطل الباطل أن يجعل ظاهر كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم تشبيهاً وكفراً أو موهماً لذلك.
ثانياً: أن كتاب الله - تعالى - الذي أنزله تبياناً لكل شيء، وهدى للناس، وشفاءً لما في الصدور، ونوراً مبيناً، وفرقاناً بين الحق والباطل لم يبين الله - تعالى - فيه ما يجب على العباد اعتقاده في أسمائه وصفاته، وإنما جعل ذلك موكلاً إلى عقولهم، يثبتون لله ما يشاءون، وينكرون ما لا يريدون. وهذا ظاهر البطلان.
ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين وأصحابه وسلف الأمة وأئمتها، كانوا قاصرين أو مقصرين في معرفة وتبيين ما يجب لله تعالى من الصفات أو يمتنع عليه أو يجوز؛ إذ لم يرد عنهم حرف واحد فيما ذهب إليه أهل التعطيل في صفات الله - تعالى - وسموه تأويلاً فلم يقل أي أحد منهم ألبتة أن ((الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال)) فهذه العقيدة لم تثبت عنهم ألبتة ولم تثبت لا في كتاب ولا في سنة إطلاقا !
وحينئذ إما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وسلف الأمة وأئمتها قاصرين لجهلهم بذلك وعجزهم عن معرفته، أو مقصرين لعدم بيانهم للأمة، وكلا الأمرين باطل!!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((فلئن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة ; من هذه العبارات ونحوها ; دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصا وإما ظاهرا فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم على خير الأمة : أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط ولا يدلون عليه لا نصا ولا ظاهرا ; حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلف أو كل فاضل أن يعتقدها .
لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب وهم مع ذلك أحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا ; لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة : أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير ; بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين .
فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء : إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة .)) إلى أن قال((ولازم هذه المقالة : أن يكون ترك الناس بلا رسالة : خيرا لهم في أصل دينهم . لأن مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد ; وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة .
يا سبحان الله كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ولا أحد من سلف الأمة : هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه . ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم أو اعتقدوا كذا وكذا . فإنه الحق وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه وما لا فتوقفوا فيه أو انفوه ؟ .
ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة فقد علم ما سيكون . ثم قال : { إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله } .
وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية { هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي } .
فهلا قال من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات : فهو ضال ؟ وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة - في هذه المقالة - وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين .
ثم أصل هذه المقالة - مقالة التعطيل للصفات - إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين ; فإن أول من حفظ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام - أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة وأن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك - هو الجعد بن درهم وأخذها عنه الجهم بن صفوان ; وأظهرها فنسبت مقالة الجهمية إليه .))مجموع الفتاوى(5/15-19).
رابعاً: أن كلام الله ورسوله ليس مرجعاً للناس فيما يعتقدونه في ربهم وإلاههم الذي معرفتهم به من أهم ما جاءت به الشرائع بل هو زبدة الرسالات، وإنما المرجع تلك العقول المضطربة المتناقضة وما خالفها، فسبيله التكذيب إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، أو التحريف الذي يسمونه تأويلاً، إن لم يتمكنوا من تكذيبه.
خامساً: أنه يلزم منه جواز نفي ما أثبته الله ورسوله، فيقال في قوله - تعالى -: (وَجَاءَ رَبُّكَ).إنه لا يجيء،وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا" إنه لا ينزل لأن إسناد المجيء والنزول إلى الله مجاز عندهم، وأظهر علامات المجاز عند القائلين به صحة نفيه، ونفي ما أثبته الله ورسوله من أبطل الباطل، ولا يمكن الانفكاك عنه بتأويله إلى أمره؛ لأنه ليس في السياق ما يدل عليه.
ثم إن من أهل التعطيل من طرد قاعدته في جميع الصفات، أو تعدى إلى الأسماء - أيضاً - ومنهم من تناقض فأثبت بعض الصفات دون بعض، كالأشعرية والماتريدية: أثبتوا ما أثبتوه بحجة أن العقل يدل عليه، ونفوا ما نفوه بحجة أن العقل ينفيه أو لا يدل عليه.
فنقول لهم: نفيكم لما نفيتموه بحجة أن العقل لا يدل عليه يمكن إثباته بالطريق العقلي الذي أثبتم به ما أثبتموه كما هو ثابت بالدليل السمعي.
مثال ذلك: أنهم أثبتوا صفة الإرادة، ونفوا صفة الرحمة.
أثبتوا صفة الإرادة لدلالة السمع والعقل عليها.
أما السمع: فمنه قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)(
وأما العقل: فإن اختلاف المخلوقات وتخصيص بعضها بما يختص به من ذات أو وصف دليل على الإرادة.
ونفوا الرحمة؛ لأنها تستلزم لين الراحم ورقته للمرحوم، وهذا محال في حق الله تعالى.
وأولوا الأدلة السمعية المثبتة للرحمة إلى الفعل أو إرادة الفعل ففسروا الرحيم بالمنعم أو مريد الإنعام.
فنقول لهم: الرحمة ثابتة لله تعالى بالأدلة السمعية، وأدلة ثبوتها أكثر عدداً وتنوعاً من أدلة الإرادة. فقد وردت بالاسم مثل: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) والصفة مثل: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ)( والفعل مثل: (وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ)
ويمكن إثباتها بالعقل فإن النعم التي تترى على العباد من كل وجه، والنقم التي تدفع عنهم في كل حين دالة على ثبوت الرحمة لله - عز وجل - ودلالتها على ذلك أبين وأجلى من دلالة التخصيص على الإرادة، لظهور ذلك للخاصة والعامة، بخلاف دلالة التخصيص على الإرادة، فإنه لا يظهر إلا لأفراد من الناس.
وأما نفيها بحجة أنها تستلزم اللين والرقة؛ فجوابه: أن هذه الحجة لو كانت مستقيمة لأمكن نفي الإرادة بمثلها فيقال: الإرادة ميل المريد إلى ما يرجو به حصول منفعة أو دفع مضرة، وهذا يستلزم الحاجة، والله تعالى منزه عن ذلك.
فإن أجيب: بأن هذه إرادة المخلوق أمكن الجواب بمثله في الرحمة بأن الرحمة المستلزمة للنقص هي رحمة المخلوق.
وبهذا تبين بطلان مذهب أهل التعطيل سواء كانت تعطيلاً عاماً أو خاصاً.
وبه علم أن طريق الأشاعرة والماتريدية في أسماء وصفاته وما احتجوا به لذلك لا تندفع به شبه المعتزلة والجهمية وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه طريق مبتدع لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولا سلف الأمة وأئمتها، والبدعة لا تدفع بالبدعة وإنما تدفع بالسنة.
الثاني: أن المعتزلة والجهمية يمكنهم أن يحتجوا لما نفوه على الأشاعرة والماتريدية بمثل ما احتج به الأشاعرة والماتريدية لما نفوه على أهل السنة، فيقولون: لقد أبحتم لأنفسكم نفي ما نفيتم من الصفات بما زعمتموه دليلاً عقلياً وأولتم دليله السمعي، فلماذا تحرمون علينا نفي ما نفيناه بما نراه دليلاً عقلياً، ونأول دليله السمعي، فلنا عقول كما أن لكم عقولاً، فإن كانت عقولنا خاطئة فكيف كانت عقولكم صائبة، وإن كانت عقولكم صائبة فكيف كانت عقولنا خاطئة، وليس لكم حجة في الإنكار علينا سوى مجرد التحكم وإتباع الهوى.
وهذه حجة دامغة وإلزام صحيح من الجهمية والمعتزلة للأشعرية والماتريدية، ولا مدفع لذلك ولا محيص عنه إلا بالرجوع لمذهب السلف الذين يطردون هذا الباب، ويثبتون لله تعالى من الأسماء والصفات ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم إثباتاً لا تمثيل فيه ولا تكييف، وتنزيهاً لا تعطيل فيه ولا تحريف، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)))(2)
-----------------
(1)الكافية الشافية138
(2) ملخص من كلام الإمام ابن عثيمين (كتاب : القواعد المثلى) مع كثير من التصرف .
جمال البليدي
06-18-2009, 09:16 PM
قاعدة عظيمة في إثبات علو الله تعالى:
(وهو واجب بالعقل الصريح، والفطرة الإنسانية الصحيحة. وهو أن يقال: كان الله ولا شيء معه ثم خلق العالم، فلا يخلو: إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه، وهذا محال، تعالى الله عن مماسة الأقذار وغيرها، وإما أن يكون خلقه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محال أيضا، تعالى أن يحل في خلقه وهاتان لا نزاع فيهما بين أحد من المسلمين وإما إن يكون خلقه خارجًا عن نفسه الكريمة ولم يحل فيه، فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، ولا يليق بالله إلا هو. وهذه القاعدة للإمام أحمد من حججه على الجهمية في زمن المحنة. وذكر الأشعري في المقالات مقالة محمد بن كُلاب الذي ائتم به الأشعري: إنه يعرف بالعقل أن الله فوق العالم، والاستواء بالسمع، وبأخبار الرسل الذين بعثوا بتكميل الفطر، ولا تبديل لفطرة الله، وجاءت الشريعة بها، خلافًا لأهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم فإنهم قلبوا الحقائق.)مجموع الفتاوى المجلد الخامس .
قلت : لهذا قال الجويني في رسالته(إثبات الفوقية) : ((واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته إذ لا فوق فيها ولا تحت، ولكن الرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان، لكن لما حدث المربوب المخلوق، والجهات، والحدود ذو الخلا، والملا، وذو الفوقية، والتحتية، كان مقتضى حكم عظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية، أو من جهة اليمنى، أو من جهة اليسرى، بل لا يليق أن يشار إليه من جهة العلو والفوقية ثم الإشارة هي بحسب الكون وحدوثه، وتسفله، فالإشارة تقع على أعلى جزء من الكون حقيقة وتقع على عظمة الإله تعالى كما يليق به لا كما تقع على الحقيقة المعقولة عندنا في أعلا جزء من الكون، فإنها إشارة إلى جسم، وتلك إشارة إلى إثبات، إذا علم ذلك فالاستــــواء صفة كانت له سبحانه في قدمه لكن لم يظهر حكمه إلا في الآخرة، وكذلك التجلي في الآخرة لا يظهر حكمه إلا في محله.)) انتهى.
جمال البليدي
06-18-2009, 09:17 PM
كشف الشبهات ورد الإعتراضات:
اعلم رحمك الله أنه ما من صاحب بدعة وهوى إلا وينتصر لباطله بشبهات وإعتراضات واهيات و إلزامات ,والنصوص الدالة على علو الله تعالى على خلقه ((لم يعاضرها قط صريح معقول,فضلا على أن يكون مقدما عليها,وإنما الذي يعارضها((جهليات))’و((ضلالات)) ,و((شبهات مكذوبات)),و((أوهام فاسدات)),وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها,بل هي من جنس تسمية الأوثان((آلهة)) و((أربابا)),وتسمية ((مسيلمة الكذاب)) وأمثاله((أنبياء)) : ((إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى )) النجم23(1)
,مبناها على معاني متشابهة وألفاظ مجملة,فمتى وقع الاستفسار والبيان ظهر أن ما عارضها شبه سوفسطائية,لا براهين عقلية.
قال ابن القيم رحمه الله :
فأدلة الإثبات حقا لا يقوم ***لها الجبال وسائر الأكوان
تنزيل رب العالمين ووحيه***مع فطرة الرحمن والبرهان
أنى يعارضها كناسة هذه***الأذهان بالشبهات والهذيان
وجعاجع وفراقع ما تحتها***إلا السراب لوارد ظمآن(2)
وإن المشتغلين بعلم الكلام قد جعلوا أقوالهم التي ابتدعوها,أصول دينهم –وإن سموها((أصول العلم والدين))فهي(ترتيب الأصول في مخالفة الرسول والمعقول))-ومعتقدهم في رب العالمين هي المحكمة,وجعلوا قول الله ورسوله هو المتشابه الذي لا يستفاد منه علم ولا يقين,ثم ردوا تشابه الوحي إلى محكم كلامهم وقواعدهم.
وهذا كما أحدثوه من الأصول التي نفوا بها صفات الرب جلا جلاله ,ونعوت كماله,ونفوا بها كلامه,وتكلميه,وعلو على عرشه,محكما,وجعلوا وجعلوا النصوص الدالة على خلاف تلك القواعد والأصول متشابهة يقضي بتلك القواعد عليها وترد النصوص إليها .
وأما أهل العلم والإيمان فطريقهم عكس هذه الطريقة من كل وجه,يجعلون كلام الله ورسوله هو الأصل الذي يعتمد عليه,ويرد ما يتنازع الناس فيه إليه,فما وافقه كان حقا,وما خالفه كان باطلا,وإذا ورد عليهم لفظ مشتبه ليس في القرآن ولا في السنة ]كالحيز والجهة والمكان والجسم والحركة[ لم يتلقوه بالقبول,ولم يردوه بالإنكار حتى يستفصلوا قائله عن مراده,فإن كان حقا موافقا للعقل والنقل قبلوه,وإن كان باطلا مخالفا للعقل والنقل ردوه,ونصوص الوحي عندهم أعظم وأكبر في صدورهم من أن يقدموا عليها ألفاظ مجملة ,لها معاني مشتبهة (3).
وهذا أصل مهم ,من تصوره وتدبره انتفع به غاية النفع وتخلص به من ضلال المتفلسفين,وحيرة المتكلمين,((وعرف حقيقة الأقوال الباطلة ,وما يلزمها من اللوازم ,وعرف الحق الذي دل عليه صحيح المنقول,وصريح المعقول لا سيما في هذه الأصول التي هي أصول كل الأصول,و الضالون فيها لما ضيعوا الأصول حرموا الوصول))(4) .والأصول اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم(5).كما قيل :
أيها المتغذي لتطلب علما***كل علم عبد لعلم الرسول
تطلب الفرع كي تصحح حكما***ثم أغفلت أصل الأصول(6).
يتبع...
(1)درء تعارض العقل والنقل(5/255-256)
(2)الكافية الشافية ص154
(3) الصواعق(ص991-992).
(4)مجموع الفتاوى(8/27)
(5)مجموع الفتاوى(13/157).
(6)مجموع الفتاوى(13/158).
جمال البليدي
06-18-2009, 09:17 PM
الرد المجمل على جميع الشبهات والاعتراضات :
قد تبين مما تقدم أن شبهات المنكرين للعلو أو غيرها من الصفات الثابتة في الكتاب والسنة هي عبارة عن ألفاظ مجملة ولوازم باطلة ردو بها الآيات والأحاديث الصريحة ,فالرد عليهم من وجهين :
الوجه الأول: إجمالي وهو أن يقال: إن الله أخبرنا بأنه مستو على عرشه، عال على خلقه، ونحن نصدقه فيما قال، ونؤمن بما أخبر، ونسكت عما وراء ذلك، ولا نخوض في تلك اللوازم المدعاة ولا نتكلم فيها، فإنها من جملة المسكوت عنه في الشرع؛ إذ لم يرد في الشرع نفي أو إثبات أن يكون الله جسماً، أو محدوداً، أو محصوراً، فالسكوت فيه سلامة للمرء في دينه واعتقاده .
الوجه الثاني: تفصيلي وهو بأن نسأل عن تلك اللوازم، فنقول إن أردتم بالجسم ما هو قائم بذاته مستغن عن خلقه فذلك ما نثبته ونؤيده ونلتزم به مع عدم تسميتنا له جسماً لكونه لم يرد في الشرع وصفه بذلك، وإن أردتم بالجسم ما زعمتم أن كل طرف فيه محتاج للطرف الآخر فذلك مما نكره وننفيه، ولكننا لا نعتقد أن نفيه يلزم منه نفي العلو . بل نرى أن قولكم: أنه من لوازم القول بالعلو ما هو إلا بسبب تشبيهكم أولاً فأنتم شبهتم استواء الله على عرشه باستواء المخلوقين، فقلتم: كل مستو فهو جسم، والله ليس بجسم، فهو ليس بمستو والمقدمة باطلة وما ترتب عليها باطل، فالله ليس كمثله شيء، واستواؤه ليس كاستواء المخلوقين .
يتبع.......
جمال البليدي
06-21-2009, 12:41 AM
شبهة الجهة :
والجواب عنها ما قاله ابن تيمية في ( التدمرية ) ( ص 45 ) : قد يراد ب ( الجهة ) شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا كما إذا أريد ب ( الجهة ) نفس العرش أو نفس السماوات وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم . ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه كما فيه إثبات العلو والاستواء والوفوقية والعروج إليه ونحو ذلك وقد علم أن ما ثم موجود إلا الخالق والمخلوق والخالق سبحانه وتعالى مباين للمخلوق ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته فيقال لمن نفى : أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق ؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم . وكذلك يقال لمن قال : الله في جهة . أتريد بذلك أن الله فوق العالم أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات ؟ فإن أردت الأول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل ).
وقد يقول قائل : ((هل كان الله تعالى في هذا الحال – أي قبل خلق الكون – جهة وغيرها , إن قالوا نعم كفروا وتناقضوا ) شبهة ذكرها سعيد فودة.
والجواب ما جاء في رسالة إثبات الفوقية للجويني :
((، فلما اقتضت الإرادة المقدسة بخلق الأكوان المحدثة المخلوقة المحدودة ذات الجهات اقتضت الإرادة المقدسة على أن يكون الكون له جهات من العلو، والسفل، وهو سبحانه منزه عن صفات الحدث، فكوَّن الأكوان، وجعل لها جهتا العلو والسفل، واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الكون في جملة التحت؛ لكونه مربوباً مخلوقاً، واقتضت العظمة الربانية أن يكون هو فوق الكون باعتبار الكون لا باعتبار فردانيته إذ لا فوق فيها ولا تحت، ولكن الرب سبحانه وتعالى كما كان في قدمه وأزليته، فهو الآن كما كان، لكن لما حدث المربوب المخلوق، والجهات، والحدود ذو الخلا، والملا، وذو الفوقية، والتحتية، كان مقتضى حكم عظمة الربوبية أن يكون فوق ملكه، وأن تكون المملكة تحته باعتبار الحدوث من الكون لا باعتبار القدم من المكون، فإذا أشير إليه يستحيل أن يشار إليه من جهة التحتية، أو من جهة اليمنى، أو من جهة اليسرى، بل لا يليق أن يشار إليه من جهة العلو والفوقية))(1)
وقال ابن القيم: وكذلك قولهم ننزهه عن الجهة؛ إن أردتم أنه منزه عن جهة وجودية تحيط به وتحويه وتحصره إحاطة الظرف بالمظروف فنعم هو أعظم من ذلك وأكبر وأعلى. ولكن لا يلزم من كونه فوق العرش هذا المعنى. وإن أردتم بالجهة أمراً يوجب مباينة الخالق للمخلوق, وعلوه على خلقه, واستواءه على عرشه فنفيكم لهذا المعنى الباطل, وتسميته جهة اصطلاح منكم توصلتم به إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل والفطرة, وسميتم ما فوق العالم جهة, وقلتم منزه عن الجهات, وسميتم العرش حيزاً, و قلتم ليس بمتحيز, وسميتم الصفات أعراضاً, وقلتم الرب منزه عن قيام الأعراض به([2]).
ومنه يتبين أن لفظة الجهة غير وارد في الكتاب والسنة وعليه فلا ينبغي إثباتها ولا نفيها لأن في كل من الإثبات والنفي ما تقدم من المحذور ولو لم يكن في إثبات الجهة إلا إفساح المجال للمخالف أن ينسب إلى متبني العلو ما لا يقولون به لكفى.
وقال القرطبي ( 671 هـ ) بعدما ذكر مذهب المعطلة نفاة العلو لله تعالى ( وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة , ولا ينطقون بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله , كما نطق كتابه وأخبرت رسله , ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة .... , وإنما جهلوا كيفية الاستواء ) الجامع لأحكام القرآن 7/219-220
وكذلك لا ينبغي نفي الجهة توهما من أن إثبات العلو لله تعالى يلزم منه إثبات الجهة لأن في ذلك محاذير عديدة منها نفي الأدلة القاطعة على العلو له تعالى . ومنها نفي رؤية المؤمنين لربهم عز وجل يوم القيامة فصرح بنفيها المعتزلة والشيعة وعلل ابن المطهر الشيعي في ( منهاجه ) النفي المذكور بقوله : ( لأنه ليس في جهة ) وأما الأشاعرة أو على الأصح متأخروهم الذين أثبتوا الرؤية فتناقضوا حين قالوا : ( إنه يرى لا في جهة ) يعنون العلو قال شيخ الإسلام في ( منهاج السنة ) ( 2 / 252 ) :
( وجمهور الناس من مثبتة الرؤية ونفاتها يقولون : إن قول هؤلاء معلوم الفساد بضرورة العقل كقولهم في الكلام ولهذا يذكر أبو عبد الله الرازي أنه لا يقول بقولهم في مسألة الكلام والرؤية أحد من طوائف المسلمين
ثم أخذ يرد على النفاة من المعتزلة والشيعة بكلام رصين متين فراجعه فإنه نفيس
وجملة القول في الجهة أنه إن أريد به أمر وجودي غير الله كان مخلوقا والله تعالى فوق خلقه لا يحصره ولا يحيط به شيء من المخلوقات فإنه بائن من المخلوقات كما سيأتي في الكتاب عن جمع من الأئمة وإن أريد ب ( الجهة ) أمر عدمي وهو ما فوق العالم فليس هناك إلا الله وحده
قال ابن رشد في "مناهج الأدلة": وأما هذه الصفة – أي الجهة - فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي, ومن اقتدى بقوله, وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، ومثل قوله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}، ومثل قوله: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}، ومثل قوله: {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ}، ومثل قوله: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، ومثل قوله: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}، إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً, وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهاً، لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء, وأن منها تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين, وأن من السماء نزلت الكتب وإليها كان الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى قرب من سدرة المنتهى.
قال: "وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك, والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هو أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية. قال: ونحن نقول: إن هذا كله غير لازم؛ فإن الجهة غير المكان"([3]).
-----------
(1) رسالة إثبات الفوقية للجويني.
(2) "مختصر الصواعق" (1/181).
(3 "در التعارض" (3/211).
جمال البليدي
06-21-2009, 12:41 AM
شبهة الحيز والمكان و الحد:
إذا عرفت الجواب عن الشبهة السابقة ( الجهة ) يسهل عليك فهم الجواب عن هذه الشبهة وهو أن يقال :
إما أن يراد بالمكان أمر وجودي وهو الذي يتبادر لأذهان جماهير الناس اليوم ويتوهمون أنه المراد بإثباتنا لله تعالى صفة العلو .
فالجواب : أن الله تعالى منزه عن أن يكون في مكان بهذا الاعتبار فهو تعالى لا تحوزه المخلوقات إذ هو أعظم وأكبر بل قد وسع كرسيه السموات والأرض وقد قال تعالى : { وما قدر الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه } وثبت في ( الصحيحين ) وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يقبض الله بالأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض ؟ )
وأما أن يراد بالمكان أمر عدمي وهو ما وراء العالم من العلو فالله تعالى فوق العالم وليس في مكان بالمعنى الوجودي كما كان قبل أن يخلق المخلوقات
فإذا سمعت أوقرأت عن أحد الأئمة والعلماء نسبة المكان إليه تعالى .
فاعلم أن المراد به معناه العدمي يريدون به إثبات صفة العلو له تعالى والرد على الجهمية والمعطلة الذين نفو عنه سبحانه هذه الصفة ثم زعموا أنه في كل مكان بمعناه الوجودي قال العلامة ابن القيم في قصيدته ( النونية ) ( 2 / 446 - 447 - المطبوعة مع شرحها ( توضيح المقاصد ) طبع المكتب الإسلامي )
والله أكبر ظاهر ما فوقه شيء وشأن الله أعظم شان
والله أكبر عرشه وسع السما والأرض والكرسي ذا الأركان
وكذلك الكرسي قد وسع الطبا ق السبع والأرضين بالبرهان
والله فوق العرش والكرسي لا تخفى عليه خواطر الإنسان
لا تحصروه في مكان إذ تقو لوا : ربنا حقا بكل مكان
نزهمتوه بجهلكم عن عرشه وحصرتموه في مكان ثان
لا تعدموه بقولكم : لا داخل فينا ولا هو خارج الأكوان
الله أكبر هتكت أستاركم وبدت لمن كانت له عينان
والله أكبر جل عن شبه وعن مثل وعن تعطيل ذي كفران.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ((ومن قال بنفي المكان عن الله عن الله عز وجل فقد يراد بالمكان ما يحويه الشيء ويحيط به,وقد يراد به ما يستقر الشيء عليه بحيث يكون محتاجا إليه,وقد يراد به ما كان الشيء فوقه وإن لم يكن محتاجا إليه,وقد يراد به ما فوق العالم وإن لم يكن شيئا موجودا. فإن قيل
هو في مكان بمعنى إحاطة غيره به وافتقاره إلى غيره
فالله منزه عن الحاجة إلى الغير وإحاطة الغير به ونحو ذلك
وإن أريد بالمكان ما فوق العالم وما هو الرب فوقه
قيل إذا لم يكن إلا خالق أو مخلوق والخالق بائن من المخلوق كان هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء
وإذا قال القائل
هو سبحانه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه فهذا المعنى حق سواء سميت ذلك مكانا أو لم تسمه
وإذا عرف المقصود فمذهب أهل السنة والجماعة ما دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وهو القول المطابق لصحيح المنقول وصريح المعقول))(1).
وقال رحمه الله((وحقيقة الأمر في المعنى أن ينظر في المقصود ,فمن اعتقد أن المكان لا يكون إلا ما يفتقر إليه المتمكن,سواء كان محيطا به,أو كان تحته,فمعلوم أن الله سبحانه ليس في مكان بهذا الإعتبار ,ومن اعتقد أن العرش هو المكان,وأن الله فوقه,مع غناه عنه ,فلا ريب أنه في مكان بهذا الإعتبار.
فمما يجب نفيه بلا ريب افتقار الله تعالى إلى ما سواه,فإنه سبحانه غني عن ما سواه,وكل شيء فقير إليه ,فلا يجوز أن يوصف بصفة تتضمن افتقاره إلى ما سواه))(2).
الحيز:
وما قيل في المكان يقال في الحيز((إن أراد بقوله متحيز أن المخلوقات تحوزه وتحيط به ,وليس هو بقدرته يحمل عرشه وحملته,وليس هو العلي الأعلى الكبير العظيم الذي لا تدركه الأبصار,فقد أخطأ.وإن أراد بأنه منحاز عن المخلوقات مباين لها عال عليها فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه فقد أصاب.ومن قال : ليس متحيز ,إن أراد المخلوقات لا تحوزه فقد أصاب.وإن أراد ليس ببائن عنها بل هو لا داخل فيها ولا خارج عنها فقد أخطأ.))(3)
الحد:
وكذلك يقال في الحد
فتقول:ما المراد من قولكم ( الحد ) , و ( المحدود ) ؟
فإن كنتم تعنون أن المراد من الحد والمحدود : أن يكون الله تعالى محبوساً محاطاً , فهذا منفي عن الله تعالى بلاريب ولكن لا يلزم من قولنا ( إن الله فوق العالم بائن عنه ) أن الله محدود محبوس محاط .
فإن الله تعالى وهو المدبر وهو الرب الخالق للخلق والكون , على هذا المعنى يحمل قول من نفي ( الحد ) عن الله تعالى من بعض السلف( 4) .
وإن كنتم تعنون بالحد والمحدود : أن الله تعالى متميز عن الخلق بائن عنه .
فالحد بهذا المعنى صحيح , ولا يلزم عن هذا المعنى أي محذور , لأن الله فوق العالم عال على العرش , وعلى هذا المعنى يحمل قول من أثبت الحد لله تعالى من بعض السلف كعبدالله بن المبارك والدارمي , وهو رواية عن الإمام أحمد(5 ) .
يتبع........
-------------------
(1) منهاج السنة (2/144-145).
(2) درء تعارض العقل والنقل(6/249).
(3) المصدر السابق.
(4) انظر التمهيد لابن عبدالبر 7/142 , ورد الدارمي على المريسي 23-25 , ودرء التعارض 2/34 .
(5) التدمرية 66-67 , مجموع الفتاوى 3/41-42 , 4/58-59 , 5/262-263 , 6/38-40 , ونقض المنطق 50 , ودرء التعارض 1/253-254 , والتسعينية ضمن الفتاوى الكبرى 5/ 4 - 5 , 23 , 21 , 31 , 37 , ومختصر الفتاوى المصرية 585 , وشرح الطحاوية 242-244 , وروح المعاني 7/116 , وجلاء العينين 359 , وغاية الأماني 1/77 , 493 .
جمال البليدي
06-21-2009, 12:42 AM
شبهة التشبيه :
إننا وإياكم متفقون على وجوب نفي مشابهة الخالق للمخلوق، ولكننا مختلفون في حدود هذا النفي، ونرى أن الناس فيه طرفان ووسط، فأما الطرف الأول فاتخذ قاعدة التنزيه ذريعة لنفي كل أو أكثر الصفات الثابتة لله - عز وجل - حتى نفى الغلاة منهم أن يوصف الله بالوجود أو الحياة، فعندما يُسأل عن صفة الله لا يجد سوى النفي سبيلا لتعريف ربه، فيقول: لا هو موجود ولا معدوم، ولا عَرَضٌ ولا جَوْهَرٌ، ولا حي ولا ميت، ويظن بذلك أنه فر من التشبيه وما علم أنه وقع في التعطيل والتشبيه معاً؛ إذ نفى صفات الله التي أخبر الله بها، وشبه الله بالمحالات والممتنعات والمعدومات.
والطرف الثاني: ألغى قاعدة التنزيه فشبه الله بخلقه تشبيها مطلقا أو جزئياً، وهو مذهب لا شك في بطلانه وضلاله.
والمذهب الوسط هو المذهب الحق الذي أثبت الصفات ونفى المشابهة، وهو ما تنص عليه الآية الكريمة حيث صرّحت بالتنزيه { ليس كمثله شيء } وفي ذات الوقت صرّحت بالإثبات { وهو السميع البصير } فأخذ مذهب أهل الحق بجزئي الآية، أما المذهبان السابقان فأخذ كل منهم بأحد شطري الآية - وفق فهمه - ولم يأخذ بالآخر.
وعليه، فيجب الوقوف عند حدود النفي، وحدود الإثبات، فنثبت الصفة التي أخبر بها الله ورسوله، وننفي المماثلة، فنقول: لله علمٌ ليس كعلمنا، وسمعٌ ليس كسمعنا، واستواء ليس كاستوائنا، وهكذا . وهو المنهج الوسط الذي سار عليه الأئمة، وإليك أخي القارئ نصوصهم حول هذا :
((1- قال نعيم بن حماد الحافظ: من شبه الله بخلقه, فقد كفر, ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر, وليس ما وصف به نفسه, ولا رسوله تشبيها.
2- يقول الإمام إسحاق بن راهويه :" إنما يكون التشبيه إذا قال: يد مثل يدي، أو سمع كسمعي، فهذا تشبيه، وأما إذا قال كما قال الله: يد وسمع وبصر، فلا يقول: كيف ولا يقول: مثل، فهذا لا يكون تشبيهاً، قال تعالى:{ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير }" ذكره الترمذي في جامعه .
ولو كان إثبات الفوقية لله تعالى معناه التشبيه, لكان كل من أثبت الصفات الأخرى لله تعالى ككونه حيا قديرا سميعا بصيرا مشبها أيضا, وهذا ما لا يقول به مسلم ممن ينتسبون اليوم إلى أهل السنة والجماعة خلافا لنفات الصفات والمعتزلة وغيرهم قال شيخ الإسلام في "منهاج السنة" "2/ 75":
"فالمعتزلة والجهمية ونحوهم من نفات الصفات يجعلون كل من أثبتها مجسما مشبها, ومن هؤلاء من يعد من المجسمة والمشبهة الأئمة المشهورين كمالك والشافعي وأحمد وأصحابهم, كما ذكر ذلك أبو حاتم صاحب كتاب "الزينة" وغيره.
وشبهة هؤلاء أن الأئمة المشهورين كلهم يثبتون الصفات لله تعالى ويقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق, ويقولون: إن الله يرى في الآخرة". هذا مذهب الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أهل البيت وغيرهم.
ثم قال ص80:
"والمقصود هنا أن أهل السنة متفقون على أن الله ليس كمثله شيء, لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله, ولكن لفظ التشبيه في كلام الناس لفظ مجمل, فإن أراد بنفي التشبيه ما نفاه القرآن, ودل عليه العقل فهذا حق, فإن خصائص الرب تعالى لا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من
صفاته.., وإن أراد بالتشبيه أنه لا يثبت لله شيء من الصفات, فلا يقال له علم, ولا قدرة ولا حياة, لأن العبد موضوف بهذه الصفات فيلزم أن لا يقال له: حي, عليم, قدير لأن العبد يسمى بهذه الأسماء, وكذلك في كلامه وسمعه وبصره ورؤيته وغير ذلك, وهم يوافقون أهل السنة على أن الله موجود حي عليم قادر, والمخلوق يقال له: موجود حي عليم قادر, ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه".))(1)
وقد إعترف كبار الأشاعرة بهذا فقال الرازي في رده على المعتزلة((إن كنتم بالمشبهة من يقول بكون الله مشابها لخلقه من بعض الوجوه فهذا لا يقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أن الله موجود...))..
يتبع........
-------------
(1) مختصر العلو للألباني.
جمال البليدي
06-21-2009, 12:44 AM
شبهة التجسيم:
قولهم : ((لو كان موصوفا بالعلو لكان جسما,ولو كان جسما لكان مماثلا لسائر الأجسام,والله قد نفى عنه المثل)).
والجواب على هذا من أوجه :
الوجه الأول :قد ادعيت أيها الجهمي أن ظاهر القرآن,الذي هو حجة الله على عباده ,والذي هو خير الكلام ,وأصدقه,وأحسنه,وأفصحه,وهو الذي هدى الله به عباده,وجعله شفاء لما في الصدور,وهدى ورحمة للمؤمنين,ولم ينزل كتاب من السماء أهدى منه ,ولا أحسن ,ولا أكمل,فانتهكت حرمته ,وادعيت أن ظاهره يستلزم التشبيه والتجسيم (1).وهذا الإلزام إنما هو لمن جاء بالنصوص الدالة على علو الله على عرشه,وتكلم بها,ودعا الأمة إلى الإيمان بها ومعرفتها,ونهاهم عن تحريفها وتبدليها.
يا قوم والله العظيم أسأتم***بأئئمة الإسلام ظن الشأنِ.
ما ذنبهم ونبيهم قد قال***ما قالوا كذلك منزل الفرقانِ
ما الذنب إلا للنصوص لديكم***إذ جسمت بل شبهت صنفان ِ
ما ذنب من قد قال ما نطقت به***مِنْ غير تحريفٍ ولا عدوانِ(2).
الوجه الثاني :
نحن أثبتنا لله غاية الكمال,ونعوت الجلال,ووصفناه بكل صفة كمال فإن لزم من هذا تجسيم ,أو تشبيه لم يكن هذا نقصا ولا ذما ولا عيبا ,بوجه من الوجوه ,فإن لا زم الحق حق,ومالزم من إثبات كمال الرب ليس بنقص ,وأما أنتم فنيتم عنه صفات الكمال ,ولا ريب أن لازم هذا النفي وصفه بأضدادها العيوب,والنقائص, فما سَوَّى الله ولا رسوله ولا عقلاء عباده بين من نفى كماله المقدس حذرا من التجسيم,وبين من أثبت كماله الأعظم وصفاته العلى بلوازم ذلك كائنة من كانت(3).
لا تجعلوا الإثبات تشبيها له يا فرقة التشبيه والطغيان
كم ترتقون بسلم التنزيه للت عطيل ترويجا على العميان
فالله أكبر أن تكون صفاته كصفاتنا جل عظيم الشَّانِ
هذا هو التشبيه لا إثبات أوصاف كمال فما هما سِيَّانِ(4)
سميتم التحريف تأويلا كذا التعطيل تنزيها هما لقبان
وأضفتم أمرا إلى ذا ثالثا شرا وأقبح منه ذا بهتان
فجعلتم الإثبات تجسيما و تشبيها وذا من أقبح العدوان
فقلبتم تلك الحقائق مثل ما قُلِبَتْ قلوبكم عن الإيمان
وجعلتم الممدوح مذموما كذا بالعكس حتى استكمل اللّبْسَانِ(5).
الوجه الثالث : ماذا تعنون بقولكم((لو كان فوق العرش لكان جسما))؟
أتعنون به أنه ما يتضمن مماثلة الله لشي من المخلوقات في شيء من صفاته,فالله سبحانه منزه عن أن يوصف بشيء من الصفات المختصة بالمخلوقين ,وكل ما اختص بالمخلوق فهو صفة نقص,والله تعالى منزه عن كل نقصو مستحق لغاية الكمال,وليس له مثل في شيء من صفات الكمال فهو منزه عن النقص مطلقا ومنزه في الكمال أن يكون له مثل كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} سورة الإخلاص فبين أنه أحد صمد واسمه الأحد يتضمن نفى المثل واسمه الصمد يتضمن جميع صفات الكمال (6).
وإذا كان الله ليس من جنس الماء والهواء ولا الروح المنفوخة فينا ولا من جنس الملائكة ولا الأفلاك فلأن لا يكون من جنس بدن الإنسان ولحمه وعصبه وعظامه ويده ورجله ووجهه وغير ذلك من أعضائه وأبعاضه أولى وأحرى(7).
وإذا أردتم بالجسم المركب وهو ما كان مفترقا فركبه غيره, والمركب المعقول هو ما كان مفترقا فركبه غيره كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية ونحو ذلك من أجزائها المفترقة
والله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ومن قال ذلك(8) فهو من أكفر الناس وأضلهم وأجهلهم وأشدهم محاربة لله(9).
وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ,و يُرَى بالأبصار,ويتكلم,و يُكلِمْ,ويسمع,ويبصر,ويرضى ويغضب,فهذه المعاني ثابة للرب تعالى وهو موصوف بها,فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما,ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية الأعداء الحديث لنا حشوية,ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه وإستواءه على عرشه,لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها.
فإن كان تجسيما ثبوت استوائه ***على عرشه إني إذا لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته***فمن ذلك التشبيه لا أتكتم
وإن كان تنزيها جحود استوائه***وأوصافه أو كونه يتكلم
فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا***بتوفيقه والله أعلى وأعلم.
وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية,فقد أشار إليه أعرف الخلق بأصبعه رافعا لها إلى السماء, يُشْهِدُ الجمع الأعظم مشيرا له.
وإن أردتم بالجسم ما يقال أين هو؟فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين منبها على علوه على عرشه.
وإن أردتم بالجسم ما يلحقه(من) و(إلى) فقد نزل جبريل من عنده ,ونزل كلامه من عنده,وعلاج برسوله صلى الله عليه وسلم إليه,وإليه يصعد الكلم الطيب,وعنده المسيح رفع إليه.
وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ,ومستويا على غيره ,فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه.
الوجه الرابع :
لا يلزم من إستواء الله على عرشه,أن يكون جسما بالمعنى الذي اصطلحوا عليه,لا عقلا ولا سمعا إلا بالدعاوي الكاذبة.فدعوى هذا اللزوم عين البهت والكذب الصراح,بل العرش خلق من خلقه,ولا يلزم من كونه فوق السموات كلها أن يكون مركبا من جواهر الفردة ولا من المادة والصورة ولا مماثلا لغيره من الأجسام ,وكذلك جبريل مخلوق من مخلوقاته وهو ذو قوة وحياء وسمع وبصر وأجنحة ويصعد وينزل ويرى بالأبصار ,ولا يلزم منه وصفه بذلك أن يكون مركبا من الجواهر الفردة,ولا من المادة والصورة,ولا أن يكون جسمه مماثلا لأجسام الشياطين,فدعونا من هذا الفشر(10) والهذيان,والدعاوى الكاذبة,والتفاوت الذي بين الله وخلقه أعظم من التفاوت الذي بين جسم العرش وجسم الثرى والهواء والماء,وأعظم من التفاوت الذي بين أجسام الملائكة وأجسام الشياطين,والعاقل إذا أطلق على جسم صفة من صفاته-وعنده من كل وجه موصوف بتلك الصفة-لم يلزم من ذلك تماثلها,فإذا أطلق على الرجيع,الذي بلغ غاية الخبث,أنه جسم قائم بنفسه ذو رائحة ولون,وأطلق ذلك على المسك,لم يقل ذو حس سليم ولا عقل مستقيم,إنهما متماثلان,وأين التفاوت الذي بينهما من التفاوت الذي بين الله وخلقه ,فَكَمْ تُلَبِسُونْ وكم تُدلسونْ وكم تُمَوِّهون؟ !
فكيف يجوز بعد هذا أن يقال : إذا كان الرحمن فوق العرش أن يكون مماثلا لخلقه؟ ! والله تعالى ليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله حتَّى لو قُدِّر لزوم ذلك كله لكان التزامه سهل من تعطيل علوه على عرشه,وجعله بمنزلة المعدوم الممتنع,الذي لا هو داخل العالم ولا خارجه(11).
عطلتم السبع السموات العلى والعرش أخليتم من الرحمن(12)
قال ابن القيم رحمه الله :
قد عطل الرحمن أفئدة لهم***من كل معرفة وإيمان
إذ عطلوا الرحمن من أوصافه***والعرش أخلوه من الرحمن(13)
أيها المشتغلون بعلم الكلام : إن نفيكم لعلو الله تعالى على العرش بدعوى التجسيم خطأ في اللفظ والمعنى ,وجناية على ألفاظ الوحي.
أما اللفظي :فتسميتكم علو الله على العرش تجسيما وتشبيها وتحيزا.وتواصيكم بهذا المكر الكبار إلى نفي ما دل عليه الوحي,والعقل والفطرة,فكذبتم على القرآن وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى اللغة,ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود.
وأما خطأكم في المعنى : فنفيكم,وتعطيلكم لعلو الرحمن بواسطة هذه التسميات والألقاب ,فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر ,وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يراه,فسأل عنه فقيل له : مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير,ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف ,ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له,ورغبة فيه,وما أحسن ما قال القائل :
تقول هذا جني النحل تمدحه***وإن تشاء قل ذا قيئ الزنابير
مدحا وذما وما جاوزت وصفهما***والحق قد يعتريه سوء التعبير
أ فيظن الجاهل أنَّا نجحد علو الله على عرشه,لأسماء سموها,هم وسلفهم,ما أنزل الله بها من سلطان,وألقاب وضعوها من تلقاء أنفسهم,لم يأت بها سنة ولا قرآن ,وشبهات قذفت بها قلوب,ما استنارت بنور الوحي,ولا خالطتها بشاشة الإيمان,وخيالات هي من تخييلات الممرورين,وأصحاب الهوس,أشبه منها بقضايا العقل والبرهان,ووهميات نسبتها إلى العقل الصحيح كنسبة السراب إلى الأبصار في القيعان.
فدعونا من هذه الدعاوي الباطلة ,التي لا تفيد إلا تضييع الزمان,وإتعاب الأذهان,وكثرة الهذيان,وحاكمونا إلى الوحي,لا إلى نخالة الأفكار وزبالة الأذهان وعفارة الآراء,ووساوس الصدور,التي لا حقيقة لها في التحقيق ,ولا تثبت على قدم الحق والتصديق,فملأتم بها الأوراق سوادا ,والقلوب شكوكا,والعالم فاسدا.
يا قومنا والله إن لقولنا ألفا تدل عليه بل ألفان
عقلا ونقلا مع صريح الفطرة الأ ولى وذوق حلاوة القرآن
كل يدل بأنه سبحانه فوق السماء مباين الأكوان
أترون أنا تاركون ذا كله لجعاجع التعطيل والهذيان(14)
وهذه الشبهة قد تكلمنا عنها ((بالإستقصاء حتى يتبين أنها من القول الهراء فهاتو برهانكم إن كنتم صادقين))(15)
نقلته كاملا من كتاب(الكلمات الحسان في بيان علو الرحمان).
----------------
(1)الصواعق(239)
(2)الكافية الشافية(ص129).
(3)الصواعق (ص263).
(4)الكافية الشافية(ص336).
(5) الكافية الشافية(ص155).
(6) منهاج السنة(2/527-530).
(7) درء تعارض العقل والنقل(10/307).
(8)درء التعارض(5/145).
(9)مجموع الفتاوى(427-428).
(10)الفشر : فشر فشرا كذب وبالغ في الكذب والإدعاء.
(11) الصواعق(ص1016-1017).
(12) نونية القحطاني.
(13)الكافية الشافية(ص268).
(14) الكافية الشافية(ص131).
(15) الفتاوى الكبرى(6/355).
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir