المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عليك بتعظيم الحجة وتقديمها على أقوال الرجال


الحاج الخديم البورقيقي
04-29-2009, 03:34 PM
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على اشرف المرسلين محمد بن عبد الله وعلى اله وصحابته الطيبين اما بعد
اعلم أنه لا هداية للعبد إلاَّ بتمسكه, وتعظيمه لكتاب الله عز وجل, وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.
قال الله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ }
وقال الله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}
قال العلامة الطبري رحمه الله في [تفسيره]: (( يقول: فمن اتبع بياني ذلك وعمل به، ولم يزغ منه( فَلا يَضِلُّ ) يقول: فلا يزول عن محجة الحق، ولكنه يرشد في الدنيا ويهتدي(ولا يَشْقَى) في الآخرة بعقاب الله، لأن الله يدخله الجنة، وينجيه من عذابه )).
وقال الله تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}
قال العلامة الطبري رحمه الله في [تفسيره]: (( يعني بذلك جل ثناؤه:( وكيف تكفرون ) أيها المؤمنون بعد إيمانكم بالله وبرسوله، فترتدّوا على أعقابكم (وأنتم تتلى عليكم آيات الله)، يعني: حججُ الله عليكم التي أنزلها في كتابه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (وفيكم رسوله) حجةٌ أخرى عليكم لله، مع آي كتابه، يدعوكم جميع ذلك إلى الحقّ، ويبصِّركم الهدَى والرشاد، وينهاكم عن الغيّ والضلال )).
وقال الله تعالى: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ }
قال العلامة الطبري رحمه الله في [تفسيره]: (( فهذا القرآن يهدي عباد الله المهتدين به إلى قصد السبيل التي ضل عنها سائر أهل الملل المكذبين به.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال ابن زيد، في قوله{ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } قال: التي هي أصوب: هو الصواب وهو الحقّ؛ قال: والمخالف هو الباطل. وقرأ قول الله تعالى{فَيها كُتُبٌ قّيِّمة} قال: فيها الحقّ ليس فيها عوج. وقرأ{ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا } يقول: قيما مستقيماً )).
وقال الله تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}
وقال الله تعالى مخبراً عن الجن:{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}
وقال الله تعالى: { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}
قال الشعبي: (( هُدًى من الضلالة )).
وقال الله تعالى: { طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}
وقال الله تعالى: { الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ }
وقال الله تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}
قال العلامة الطبري رحمه الله في [تفسيره]: (( وأما قوله:{هُدى للناس}، فإنه يعني رَشادًا للناس إلى سبيل الحقّ وقَصْد المنهج.
وأما قوله:{وَبيِّنات}، فإنه يعني: وواضحات{من الهدى} يعني: من البيان الدالّ على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه.
وقوله:{والفرقان} يعني: والفصل بين الحق والباطل )).
وقال الله تعالى: { وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}
وقال الله تعالى: { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ }
وقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ }
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب الله, وسنته, وبين أنَّ بالتمسك بهما نجاة من الزيغ والهلاك.
فروى مسلم (2941) عن جابر بن عبد الله في- حديثه الطويل في حجة الوداع- وفيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله )).
وروى أحمد (16522), وأبو داود (3991), وابن ماجة (43) من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ذات يوم ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبداً حبشياً فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين فتمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" )).
وهذه هي وصية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول الفتن, وحلول المحن.
وروى الحاكم في [المستدرك] (5388): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا السري بن يحيى التميمي، ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، عن أسلم المنقري، قال: سمعت عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، يحدث عن أبيه، قال: لما وقع الناس في أمر عثمان رضي الله عنه قلت لأبي بن كعب: أبا المنذر، ما المخرج من هذا الأمر ؟ قال: (( كتاب الله وسنة نبيه، ما استبان لكم فاعملوا به، وما أشكل عليكم، فكلوه إلى عالمه )).
قلت: هذا إسناد حسن من أجل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في [التهذيب] (( وقال الأثرم: قلت لأحمد: سعيد, وعبد الله أخوان؟ قال: نعم, قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: كلاهما عندي حسن الحديث )).
قلت: هذه هي التربية الصحيحة عند نزول الفتن, وهي أن يربى الناس على التمسك بكتاب الله, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وليس تربية الناس على التقليد الأعمى لأي أحد من أهل العلم مهما بلغ علمه, فإنَّ العالم مهما بلغ من العلم فليس بمعصوم من الخطاء والزلل.
فتأمل في هذه التربية التي تلقاها هذا الصحابي الجليل من نبيه عليه الصلاة والسلام, وحال كثير من الناس في هذه الفتنة القائمة كيف ترك كثير منهم الحجج الظاهر المبنية على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعلقوا أنفسهم على أقوال بعض المشايخ وفقهم الله التي هي في الحقيقة مصادمة للحجج المبنية على كتاب الله, وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام, وما أشبه هذه القضية بفتنة أبي الحسن المصري, فقد تخبط كثير من الناس خبط عشواء, وساروا في عماء لما لم يسيروا على أساس متين وأصل أصيل, وهو تعظيم الحجة, والاستسلام لها, وتقديمها على أقوال الرجال, فلقد كان حال كثير منهم يقضي بالعجب, وأمرهم أمر مستغرب, ولا بأس بذكر ذلك للعظة والاعتبار, وذلك أنه لما تكلم الناصح الأمين أبو عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -وفقه الله وسدده في الأقوال والأعمال- في أبي الحسن المصري بالحجج والبراهين, لم يقبلوا ذلك منه بل قالوا: هذا رجل حسود, فردوا الحجج والبراهين بمثل هذا القول الهجين, فلما تكلم بعد ذلك بعض المشايخ في المملكة, كالشيخ النجمي, وفالح قبل ظهور فتنته الحدادية, قالوا: نحن ننتظر كلام علامة الجرح والتعديل الشيخ ربيع المدخلي سدده الله, فلما تكلم سدده الله بالحجة والبرهان وكشف ما أتى به من البهتان, والروغان انقسموا في كلام الشيخ ربيع وفقه الله إلى قسمين وهما:
القسم الأول: قالوا -من غير حياء, ولا أدب-: هذا رجل حاسد لأبي الحسن.
والقسم الآخر: قالوا: أهل مكة أدرى بشعابها, وصاحب البيت أدرى بأبوابها, نحن مع علماء اليمن, وكان منهم من يقول: بقى علماء المدينة, ثم لما تكلم علماء المدينة بالحجة والبرهان, تمسكوا بعلماء اليمن, فلما تكلم الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي, قالوا: بقى الشيخ الإمام, والبرعي, فلما تكلما وفقهما الله وحذرا منه, قالوا: بقى علماء الشام, ومنهم من قال: بقى الشيخ العباد, والفوزان, ومنهم من قال: نحن مع هيئة كبار العلماء.
ثم تبين أنهم ليسوا مع أحد, وإنما هم مع أهواءهم, وقد عاقب الله عز وجل كثيراً من هؤلاء-بسبب تخبطهم وعدم انقيادهم للحق- بأن أعمى الله أبصارهم فصاروا ينكرون ما كانوا يعرفون, ويعرفون ما كانوا ينكرون.
فاعتبر يا أخي بفتنة أبي الحسن, فإنَّ السعيد من اتعظ بغيره, وقارن بين الهالكين في فتنة
أبي الحسن, والخائضين في هذه الفتنة, فإنك تجد أنَّ السير هو نفس السير, وأخشى أن تتحد العاقبة.
فصحح سيرك أيها المسلم فإنه لا نجاة لك إلاَّ بالتمسك بكتاب الله, وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وتقديمهما على قول كل أحد كائناً من كان, وأما إذا نبذتهما وقدمت عليهما الرأي, أو أقوال الرجال فأنت على شفا ضلالة, بل قد انغمست في وحلها بلا محالة.
روى أحمد (3979), والترمذي (2019), وابن ماجة (2712) من طريق سفيان الثوري عن أبي قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل قال:
(( جاء رجل إلى أبي موسى وسلمان بن ربيعة فسألهما عن الابنة وابنة الابن وأخت لأب وأم فقال: للابنة النصف وللأخت من الأب والأم ما بقي, وقالا له انطلق إلى عبد الله فاسأله فإنه سيتابعنا, فأتى عبد الله فذكر ذلك له وأخبره بما قالا قال عبد الله: قد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين, ولكن أقضي فيهما كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للابنة النصف ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين وللأخت ما بقي )).
قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح وأبو قيس الأودي اسمه عبد الرحمن بن ثروان الكوفي وقد رواه شعبة عن أبي قيس.
قلت: إسناد حسن من أجل أبي قيس الأودي فإنَّه حسن الحديث.
فتمسك أيها المسلم بهذا الأصل الأصيل عند نزول الفتن, فإن الفتن ظلمات حالكة, من سار فيها بغير نور الكتاب والسنة تخبط في ظلماتها, ومن سار فيها بنور من الكتاب والسنة انكشفت له ظلماتها, وبان له شرها, فسهل عليه اجتنابها, وعدم السقوط في أوحالها.
قال الله عز وجل: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}
كتبه
أبو بكربن عبده بن عبد الله بن حامد الحمادي

منقول من شبكة العلوم السلفية