أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
04-28-2011, 12:18 PM
شبهاتُ أهلِ الفتن والعناد
لصدّ أبناء الأمة عن منهج أهل الحديث في نقد أهل الزيغ والفساد.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
لقد عارض أقوامٌ مذهبَ أهل الحديث والأثر في الإنكار على المخطئين، والمبتدعة وأهل الفساد الذين يسعون شرا بين ظهراني الأمة، وأشهروا أنفسهم على الملأ أنهم دعاة الوسطية، وحملة راية الإنصاف والاعتدال، وجبهة للمحافظة على حقوق المسلم المبتدع، ومن مكرهم ينتقون من كلام أهل العلم ما ينصر باطلهم ويقربه من الناس، ويكثرون من النقل المبتور والمطلق عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لينالوا بالنقل عنه وبذكره من شرف الدنيا والثناء الحسن مثل ما نال، متشبهين بفرقة التكفير والهجرة في التدليس على الخلق، وقد تولى الإساءة إلى أهل الحديث وآق على العلامة المحدث وإمام أهل السنة أبي محمد ربيع بن هادي وغدٌ من أولئك القوم ينسب نفسه الأمارة بالسوء إلى الإنصاف، وهو صاحب شبهٍ وغِواية؛ يأسفُّ الأمرَ الدّنيّ، ويسخر من أهل الحديث، ويهزأ بهم، وينقض بالباطل ويعارض بالهوى ما يروُونه عن السّلف الصالح في التحذير من المخطئين وأهل الأهواء، ويتعسف ويؤوِّل كلامهم ليصرفه عن حقيقته ويظهره في ثوبٍ مرقعٍ بالٍ متعاكسِ الخياطة والطرز، فحاله كالريح الحارة التي تيبس النبات وتعطش الحيوان وتنشف المياه، وقد تتبعت ما سطر على إحدى المنتديات التي جمعت من السفهاء عددا، ومن المناهج طرائق قددا، فوجدته يعارض زورا نقد أهل الشأن الجلي في بيان ضلال عدنان عرعور القطبي، الذي يقول: لا أعلم أحدا أعلم بالمنهج من سيد قطب، ويناضل عن سفر الحوالي المنظر لفكر الخروج في ثوب جديد، ويدافع عن سلمان بن فهد العودة الذي كان يتمنى أن تتحول المملكة العربية السعودية إلى رومانيا الخليج حين أطاحوا برئيسها، وعن محمد الحسن ولد الددو صاحب الشبه، والدعم الخلفي لفكر الإخوان المفلسين، وعن محمد بن عبد الرحمن المغراوي الجاهل الذي لا يدري ما يخرج من رأسه، وعن محمد حسان الثوري الذي كشفته ثورة ميدان التحرير وأخرجت أضغانه، وعن أسامة القوصي الذي صار يهذي بما لا يدري كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، ويدعو إلى دولة مدنية لا دينية!، ولَلْغناء والنوح ونبيح الكلاب أحسن مما حكى أسامة القوصي وقرر. وهذا الهول يحدث على مرأى من الشيخ علي بن حسن الحلبي هداه الله في موقعه، فهنيئا للشيخ علي الحلبي بميراث القوم غير محسود ولا مغبوط، فأي متكلم منهم تستطيل به يا شيخ؟
أ بالذي زعم أنه يجوز أن يتولى أمرَ المسلمين قبطيٌ كافر؟
أم بالذي يصرح أن الإخوان المسلين أحق بالإمامة في مصر، ويمدح شباب الثورة دون أن يدعوهم إلى التوحيد وترك المجون والخنى؟.
أهؤلاء عند الشيخ أهل النقاوة والتمييز، وأهل البصر في الكلام حتى ينافح عنهم ويسيء الظن بمن انتقدهم وحذر المسلمين من خبطهم وخرطهم؟
الله أسأل أن يبصرنا بمنهج أهل الحديث والأثر في التعامل مع الناس.
قلت:
وزيّن البقباق والمنتقد للعلامة ربيع باطله بشيء من الحقّ، إذ الباطل المحض لا يكون مذهبا لأحد فتنبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل (7 /170): (الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنّه باطل لما فيه من الشّبهة فإنّ الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكلِّ أحد لا يكون قولاً، ولا مذهباً لطائفة تذبُّ عنه، وإنما يكون باطلا مشوبا بحقٍّ كما قال تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:71].)اهـ
وقال كذلك رحمه الله في مجموع الفتاوى المجلد الثالث: (ولا ينفق الباطل في الوجود إلا بشوب من الحق، كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل بسبب الحق اليسير الذي معهم، يُضلون خلقاً كثيراً عن الحق الذي يجب الإيمان به، ويدعونه إلى الباطل الكثير الذي هم عليه).
وقال العلامة الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام (2 /136): (يَبعُد في مجاري العادات أن يبتدع أحدٌ بدعة من غير شبهة دليل يقدح له، بل عامة البدع لابد لصاحبها من متعلق دليل شرعي).اهـ
ولكن....
كان من صنع الله لأهل الحديث والأثر في ذلك اعتماد المبطل والمعارض للحق والمستهزئ من العلامة ربيع وطلابه في غالب طرحه المتهاوي على كلام الفلاسفة وعلماء الغرب المشهورين عند العامة والخاصة بأقبح ذكر، المفتضحين بكفرهم وضلالهم في كل مصر، فصار عمله المشين عونا لأهل الحديث عند الخلق، ونجوعا في قلوبهم لقبول الحق ونبذ طريق المعارض لمنهج أهل الحديث بصدق، ووبالا ومهلكة للخائضين معه في معارضة أنوار أهل الحديث في مقارعة أهل الأهواء.
قال العلامة ناصر السعدي رحمه الله في مجموع الفوائد (ص229): (الشبة الباطلة والمقالات الفاسدة: تختلف نتائجها، وثمراتها باختلاف الناس، فتحدث لأناس الجهل والضلال، ولأناس الشك والارتياب، ولأناس زيادة العلم واليقين).
إن المعارض والمناقض لكلام أهل العلم كان عليه أن يدلِّس أكثر ويوغل في التدليس ويعمي منهجه الفلسفي بشتى أنواع الدّس؛ عسى أن ينفذ بعضُ باطله إلى قلوب العامة في خفاء وستر، ولن يتفطن له من الناس إلا كل من تبصر، غير أنه من غبائه أفصح عن منهجه وصرح، وحقق على نفسه بالظن وصحح، ولم ينظر لنفسه ولا لأهل بلده ولم ينصح، وحالَ الجريضُ دون القريض، فحسبه من الخيبة والحرمان، والفضيحة وفي الكور والبلدان أن يكون مدافعا عن أهل الجور والطغيان، ومعاديا لأهل العلم والاستنان، وأنشأ هذا المعارض المسكين يحكي في أحد المنتديات التي اجتمع فيها أهل القلوب المريضة عن الفلاسفة وعلماء الكلام وأهل المنطق من أنواع الضلال، وشنيع المقال والحجج المحال؛ ما لم يكن يعرفه أهل الحديث في الجزائر وسائر المعمورة، فهو في ترد كلما نطق وباق، فأولها شهقة وآخره صعقة.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (8 /425): (فالبدع تكون أولها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ).
ولما كان منهج المعارض والمناقض لكلام علماء السّلف في الرد على أهل الزيغ عاثر، وحججه داحضة، ونهجه أعرج مكسور؛ تجافيت بصدق عن تتبع هرائه، والخوض في شناعة مقاله، وقصد إذاعة نقائصه وبثها على العامة خشية أن تثبت بعد ما تأكدت أنها هباء منثور ما يفتأ أن يبور، تأممت أن أرتب بعض الشبه على صورة الإجمال دون حصر لها نطق بها أهل التشكيك والتجهيل، وأردفت عقبها بنقل كلام أهل الحديث في نقضها بالقسطاس المستقيم، مستعينا بالله جل جلاله، القوي العزيز، ثم بما قرره أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وقد استفدت من جزء أخي حمد بن عبد العزيز بن حمد بن عتيق الذي علونه بـ: (شذور ولطائف في آداب الرد على المخالف)، غير أني أضفت إليه وحررت وغيرت للأفضل وحبرت عسى أن يخرج المقال في حلة ييسر الاستفادة منه، ويقوى على زهق شبه أهل البطل والجدل والفجور في الخصومة، والله من وراء القصد وهو يهدي سواء السبيل.
أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رَضي الله عَنهَا قالت: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَبغضُ الرّجال إلى اللهِ الألدُّ الخَصِم).
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أَربَع خِلال مَن كنَّ فِيه كان مُنافِقا خالصا: مَن إِذا حَدَّث كَذَب، وإِذا وعَد أَخلفَ، وإِذا عاهَدَ غدَر، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ، ومن كانَت فِيه خَصلَةٌ مِنهُنَّ كَانَت فِيه خَصلَة مِن النِّفاق).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال). صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (4/23) وأحمد في المسند (2/70) والحاكم في المستدرك (2/27) والبيهقي في السنن الكبرى (6/82) وفي شعب الإيمان (6/121) من طريق زهير ثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد عن ابن عمر به.
قلت : وهذا سنده صحيح ، وقد صححه الألباني في الصحيحة (1/798).
وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي .
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (3/1947): (فلا يجوز لأحد أن يخاصم على أحد إلا بعد أن يعلم أنه مُحـِقٌّ).اهـ
وأخرج الهروي في ذم الكلام، والآجري في الشريعة، بإسناد صحيح عن عمرِو بنِ قَيسٍ: قلتُ للحَكَمِ الكُوفِيّ: (ما اضطر المُرجئَة إلى رَأْيِهم؟ قال: الخُصُومات).
وقال قتادة رحمه الله بإسناد صحيح في قوله تعالى: [وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ]: (جدلٌ بالباطل).
و أخرج اللالكائي في الاعتقاد، والآجري في الشريعة، وعبد الله بن أحمد في السنة؛ بإسناد صحيح عن معاويةَ بن قرّة رحمه الله قال: (الخصُومات في الدِّين تُحبط الأعمال).
و أخرج الآجري في الشريعة بإسناد صحيح. عن عمران القصِير رحمه الله قال: (إيَّاكُم والمُنَازعَة والخُصومَة، وإيّاكَم وهؤلاء الذين يقولون: أَرَأَيتَ، أرأيت).
و أخرج الإمام أبو عيسى الترمذي في السنن، والآجري في الشريعة، والفريابي في القدر، وابن عبد البر في جامع؛ عن عمر بنِ عبد العزيز رحمه الله قال: (مَن جعل دِينه غَرَضا للخصومات أكثرَ التَّنقل).
و أخرجه الهروي في ذم الكلام، واللالكائي في الاعتقاد عن الأَوْزاعي رحمه الله قال: (إذا أَراد اللهُ بقوم شراً فَتَحَ عليهم الـجَدَلَ، ومنعَهم العمل).
وقال الآجري رحمه الله في الشريعة: (لما سمع هذا أهل العلم؛ من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يُماروا في الدين، ولم يُجادلوا، وحَذّروا المسلمين المِراءَ والجدالَ، وأمروهم بالأخذ بالسُّنن، وبما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا طريق أهْلِ الحقِّ مِمَّن وفّقَه الله تعالى).اهـ
و أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى بإسناد صحيح قال أحمد بن أَبي الحواريّ: قال لي عبد الله بن السَّريِّ (ليسَ السُّنة عندنا أن تَرد على أَهلِ الأَهواءِ، ولكنّ السُّنة عِندنا أن لا تُكلّم أَحَداً منهُم).
الشبهة الأولى التي يدلس بها المعارضون لأهل الحديث بالباطل على العامة:
(لا يجوز ولا ينبغي الردّ على المنتسبين إلى أهل القبلة من المبتدعة والزائغين عن الحق ما دام الكفار متسلطين على ديار الإسلام، والقدس تأن تحت وطأة اليهود، والعراق يحترق بأيدي الأمريكان، فنحن والحال هذه في معركة مع الكفار الأصليين والطغاة الظالمين الذين يقتلون شعوبهم، فالابتداء بالرد عليهم ومجاهدتهم سابق على الرد على أهل القبلة من أهل الإسلام، ويستشهدون ببعض مواقف أهل العلم فيقولون: إن شيخ الإسلام ابن تيمية خرج جنبا إلى جنب مع الأشاعرة والمعتزلة والصوفية في قتال الكفار من التتار، فينبغي أن نقف مع هؤلاء صفاً واحداً ضد الكفار والطغاة ونكتم أو نردم الخلاف الذي بيننا ولو كان في أصل الدين، ونرجأ أو ندع الرد عليهم إلى تحرير ديار الإسلام من قبضة الكفار وبطش الطغاة، ورأس هذه الشبهة المنكرة هم الإخوان المسلمون، ومن تأثر بباطلهم ممن ينتسب إلى المنهج السلفي من دعاة الإسكندرية، والذي تولى كبر هذا الباطل وروج له بالتزين والدّس، صلاح الصاوي في كتابة (الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي).
الجواب عن هذه الشبهة الباطلة التي نعق بها البقباقون من الإخوان المسلمين وأذنابهم من عدة وجوه:
الوجه الأول:
إن الله جلّ وعز قد أخذ العهد والميثاق على أهل العلم والفضل ببيان الحق ونشره، والذّب عن جنابه وحفظه، وعدم كتمه عن الخلق ودسه، وتوعد بالوعيد الشديد على من خالف ذلك أو أهمله، ولم يحدد لذلك ميقاتا زمنيا، ولم يحصر البيان بعهد غلبة أهل الإسلام على الكفار، قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون](آل عمران:187). وقال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] وقال تعالى: [إنّ الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاّ النّار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم] البقرة174.
قال العلامة الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله: (...وقال بعضُهم لأحمدَ بنِ حنبل: إنه ليثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا...فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يَعرف الجاهلُ الصحيحَ من السقيمِ؟! ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإنّ بيان حالهم وتحذير الأمة منّهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم في أهل البدع، فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنّما هو للمسلمين، وهذا أفضل، فتبيّن أنّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداء). انظر: مجموع الرسائل والمسائل (5/110) لابن تيمية، ومجموع الفتاوى (28/231-236)، انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي [(1/6) تحقيق أبي الفداء]، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/287 ، رقم:393)، والقائل أبو بكر محمد بن بندار السباك الجرجاني.
إن الإمام أحمد لم يحدد لهذا الواجب ميقاتا زمنيا كما يدعي المدلسون على العامة.
وقال كذلك شيخ الإسلام رحمه الله في ذم أهل البدع، وبيان فضل من تصدى لهم بالحجة والبرهان، فأفحمهم بقوة البيان، وقطع جهيزتهم بالسنة والقرآن: (الردود على المعتزلة والقدرية وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد"). انظر: نقض المنطق لابن تيمية [(ص:12) ، تحقيق محمد حمزة وسليمان الصنيع]، ومجموع الفتاوى (4/13).
وقال كذلك العلامة أحمد بن تيمية أيضاً بعد ما ذكر مسوغات ذكر العيوب قال:(...وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في الرواية عن النبي، أو تعمد الكذب عليه، أو على من ينقل عنه العلم، وكذلك بيان من غلط في رأي رآه في الدين من المسائل العلمية والعملية، فهذا إن تكلم فيه إنسان بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لاسيما إذا كان المُتَكلَّم فيه داعياً إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس، فإن دفـع شـرّه عنهم أعظم من دفع شـرّ قاطـع الطريق). انظر: منهاج السنة (5/146).
وقال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله: (لو سكت أهل الحق عن بيان الحق لاستمر المخطئون على أخطائهم، وقلّدهم غيرهم في ذلك، وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعّدهم الله في قوله سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة: 159_160)، وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وذمّهم على نبذه وراء ظهورهم، وحذرنا من اتّباعهم، فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة شابهوا بذلك أهل الكتاب المغضوب عليهم والضالين) اهـ انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (3/72).
الوجه الثاني:
إن السّنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم ترد بوضوح وجلاء على هذه الشبهة المخرومة، وتبطلها من أساسها، ويزيدها عمل السّلف إحكاما ورسوخا، وينفي عنها الخصوصية أو النسخ، فلا يبقى للمعترض متمسك يرتكز عليه أو ركن يأوي إليه.
أخرج الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي في جامعه (كتاب الفتن، باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، برقم2180)، والإمام الطياليسي في مسنده، والحميدي، وابن أبي عاصم في السنة وغيرهم من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين، مرّ بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: [اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة] [الأعراف] والذي نفسي بيده لتركبُنّ سُنّةَ من كان قبلكم). وهذا لفظ الإمام الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده (5/218) وغيره من طريق عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرةٌ يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: [اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون] [الأعراف138] إنّها السُّنن، لتركبُنّ سَُنن من كان قبلكم سُنّة سُنّة).
الوجه الثالث:....
يتبع........
لصدّ أبناء الأمة عن منهج أهل الحديث في نقد أهل الزيغ والفساد.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
لقد عارض أقوامٌ مذهبَ أهل الحديث والأثر في الإنكار على المخطئين، والمبتدعة وأهل الفساد الذين يسعون شرا بين ظهراني الأمة، وأشهروا أنفسهم على الملأ أنهم دعاة الوسطية، وحملة راية الإنصاف والاعتدال، وجبهة للمحافظة على حقوق المسلم المبتدع، ومن مكرهم ينتقون من كلام أهل العلم ما ينصر باطلهم ويقربه من الناس، ويكثرون من النقل المبتور والمطلق عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لينالوا بالنقل عنه وبذكره من شرف الدنيا والثناء الحسن مثل ما نال، متشبهين بفرقة التكفير والهجرة في التدليس على الخلق، وقد تولى الإساءة إلى أهل الحديث وآق على العلامة المحدث وإمام أهل السنة أبي محمد ربيع بن هادي وغدٌ من أولئك القوم ينسب نفسه الأمارة بالسوء إلى الإنصاف، وهو صاحب شبهٍ وغِواية؛ يأسفُّ الأمرَ الدّنيّ، ويسخر من أهل الحديث، ويهزأ بهم، وينقض بالباطل ويعارض بالهوى ما يروُونه عن السّلف الصالح في التحذير من المخطئين وأهل الأهواء، ويتعسف ويؤوِّل كلامهم ليصرفه عن حقيقته ويظهره في ثوبٍ مرقعٍ بالٍ متعاكسِ الخياطة والطرز، فحاله كالريح الحارة التي تيبس النبات وتعطش الحيوان وتنشف المياه، وقد تتبعت ما سطر على إحدى المنتديات التي جمعت من السفهاء عددا، ومن المناهج طرائق قددا، فوجدته يعارض زورا نقد أهل الشأن الجلي في بيان ضلال عدنان عرعور القطبي، الذي يقول: لا أعلم أحدا أعلم بالمنهج من سيد قطب، ويناضل عن سفر الحوالي المنظر لفكر الخروج في ثوب جديد، ويدافع عن سلمان بن فهد العودة الذي كان يتمنى أن تتحول المملكة العربية السعودية إلى رومانيا الخليج حين أطاحوا برئيسها، وعن محمد الحسن ولد الددو صاحب الشبه، والدعم الخلفي لفكر الإخوان المفلسين، وعن محمد بن عبد الرحمن المغراوي الجاهل الذي لا يدري ما يخرج من رأسه، وعن محمد حسان الثوري الذي كشفته ثورة ميدان التحرير وأخرجت أضغانه، وعن أسامة القوصي الذي صار يهذي بما لا يدري كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، ويدعو إلى دولة مدنية لا دينية!، ولَلْغناء والنوح ونبيح الكلاب أحسن مما حكى أسامة القوصي وقرر. وهذا الهول يحدث على مرأى من الشيخ علي بن حسن الحلبي هداه الله في موقعه، فهنيئا للشيخ علي الحلبي بميراث القوم غير محسود ولا مغبوط، فأي متكلم منهم تستطيل به يا شيخ؟
أ بالذي زعم أنه يجوز أن يتولى أمرَ المسلمين قبطيٌ كافر؟
أم بالذي يصرح أن الإخوان المسلين أحق بالإمامة في مصر، ويمدح شباب الثورة دون أن يدعوهم إلى التوحيد وترك المجون والخنى؟.
أهؤلاء عند الشيخ أهل النقاوة والتمييز، وأهل البصر في الكلام حتى ينافح عنهم ويسيء الظن بمن انتقدهم وحذر المسلمين من خبطهم وخرطهم؟
الله أسأل أن يبصرنا بمنهج أهل الحديث والأثر في التعامل مع الناس.
قلت:
وزيّن البقباق والمنتقد للعلامة ربيع باطله بشيء من الحقّ، إذ الباطل المحض لا يكون مذهبا لأحد فتنبه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في درء تعارض العقل والنقل (7 /170): (الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنّه باطل لما فيه من الشّبهة فإنّ الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكلِّ أحد لا يكون قولاً، ولا مذهباً لطائفة تذبُّ عنه، وإنما يكون باطلا مشوبا بحقٍّ كما قال تعالى: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:71].)اهـ
وقال كذلك رحمه الله في مجموع الفتاوى المجلد الثالث: (ولا ينفق الباطل في الوجود إلا بشوب من الحق، كما أن أهل الكتاب لبسوا الحق بالباطل بسبب الحق اليسير الذي معهم، يُضلون خلقاً كثيراً عن الحق الذي يجب الإيمان به، ويدعونه إلى الباطل الكثير الذي هم عليه).
وقال العلامة الشاطبي رحمه الله تعالى في الاعتصام (2 /136): (يَبعُد في مجاري العادات أن يبتدع أحدٌ بدعة من غير شبهة دليل يقدح له، بل عامة البدع لابد لصاحبها من متعلق دليل شرعي).اهـ
ولكن....
كان من صنع الله لأهل الحديث والأثر في ذلك اعتماد المبطل والمعارض للحق والمستهزئ من العلامة ربيع وطلابه في غالب طرحه المتهاوي على كلام الفلاسفة وعلماء الغرب المشهورين عند العامة والخاصة بأقبح ذكر، المفتضحين بكفرهم وضلالهم في كل مصر، فصار عمله المشين عونا لأهل الحديث عند الخلق، ونجوعا في قلوبهم لقبول الحق ونبذ طريق المعارض لمنهج أهل الحديث بصدق، ووبالا ومهلكة للخائضين معه في معارضة أنوار أهل الحديث في مقارعة أهل الأهواء.
قال العلامة ناصر السعدي رحمه الله في مجموع الفوائد (ص229): (الشبة الباطلة والمقالات الفاسدة: تختلف نتائجها، وثمراتها باختلاف الناس، فتحدث لأناس الجهل والضلال، ولأناس الشك والارتياب، ولأناس زيادة العلم واليقين).
إن المعارض والمناقض لكلام أهل العلم كان عليه أن يدلِّس أكثر ويوغل في التدليس ويعمي منهجه الفلسفي بشتى أنواع الدّس؛ عسى أن ينفذ بعضُ باطله إلى قلوب العامة في خفاء وستر، ولن يتفطن له من الناس إلا كل من تبصر، غير أنه من غبائه أفصح عن منهجه وصرح، وحقق على نفسه بالظن وصحح، ولم ينظر لنفسه ولا لأهل بلده ولم ينصح، وحالَ الجريضُ دون القريض، فحسبه من الخيبة والحرمان، والفضيحة وفي الكور والبلدان أن يكون مدافعا عن أهل الجور والطغيان، ومعاديا لأهل العلم والاستنان، وأنشأ هذا المعارض المسكين يحكي في أحد المنتديات التي اجتمع فيها أهل القلوب المريضة عن الفلاسفة وعلماء الكلام وأهل المنطق من أنواع الضلال، وشنيع المقال والحجج المحال؛ ما لم يكن يعرفه أهل الحديث في الجزائر وسائر المعمورة، فهو في ترد كلما نطق وباق، فأولها شهقة وآخره صعقة.
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (8 /425): (فالبدع تكون أولها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ).
ولما كان منهج المعارض والمناقض لكلام علماء السّلف في الرد على أهل الزيغ عاثر، وحججه داحضة، ونهجه أعرج مكسور؛ تجافيت بصدق عن تتبع هرائه، والخوض في شناعة مقاله، وقصد إذاعة نقائصه وبثها على العامة خشية أن تثبت بعد ما تأكدت أنها هباء منثور ما يفتأ أن يبور، تأممت أن أرتب بعض الشبه على صورة الإجمال دون حصر لها نطق بها أهل التشكيك والتجهيل، وأردفت عقبها بنقل كلام أهل الحديث في نقضها بالقسطاس المستقيم، مستعينا بالله جل جلاله، القوي العزيز، ثم بما قرره أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين، وقد استفدت من جزء أخي حمد بن عبد العزيز بن حمد بن عتيق الذي علونه بـ: (شذور ولطائف في آداب الرد على المخالف)، غير أني أضفت إليه وحررت وغيرت للأفضل وحبرت عسى أن يخرج المقال في حلة ييسر الاستفادة منه، ويقوى على زهق شبه أهل البطل والجدل والفجور في الخصومة، والله من وراء القصد وهو يهدي سواء السبيل.
أخرج الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة رَضي الله عَنهَا قالت: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (أَبغضُ الرّجال إلى اللهِ الألدُّ الخَصِم).
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أَربَع خِلال مَن كنَّ فِيه كان مُنافِقا خالصا: مَن إِذا حَدَّث كَذَب، وإِذا وعَد أَخلفَ، وإِذا عاهَدَ غدَر، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ، ومن كانَت فِيه خَصلَةٌ مِنهُنَّ كَانَت فِيه خَصلَة مِن النِّفاق).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومن خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال). صحيح: أخرجه أبو داود في سننه (4/23) وأحمد في المسند (2/70) والحاكم في المستدرك (2/27) والبيهقي في السنن الكبرى (6/82) وفي شعب الإيمان (6/121) من طريق زهير ثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن راشد عن ابن عمر به.
قلت : وهذا سنده صحيح ، وقد صححه الألباني في الصحيحة (1/798).
وقال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي .
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره (3/1947): (فلا يجوز لأحد أن يخاصم على أحد إلا بعد أن يعلم أنه مُحـِقٌّ).اهـ
وأخرج الهروي في ذم الكلام، والآجري في الشريعة، بإسناد صحيح عن عمرِو بنِ قَيسٍ: قلتُ للحَكَمِ الكُوفِيّ: (ما اضطر المُرجئَة إلى رَأْيِهم؟ قال: الخُصُومات).
وقال قتادة رحمه الله بإسناد صحيح في قوله تعالى: [وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ]: (جدلٌ بالباطل).
و أخرج اللالكائي في الاعتقاد، والآجري في الشريعة، وعبد الله بن أحمد في السنة؛ بإسناد صحيح عن معاويةَ بن قرّة رحمه الله قال: (الخصُومات في الدِّين تُحبط الأعمال).
و أخرج الآجري في الشريعة بإسناد صحيح. عن عمران القصِير رحمه الله قال: (إيَّاكُم والمُنَازعَة والخُصومَة، وإيّاكَم وهؤلاء الذين يقولون: أَرَأَيتَ، أرأيت).
و أخرج الإمام أبو عيسى الترمذي في السنن، والآجري في الشريعة، والفريابي في القدر، وابن عبد البر في جامع؛ عن عمر بنِ عبد العزيز رحمه الله قال: (مَن جعل دِينه غَرَضا للخصومات أكثرَ التَّنقل).
و أخرجه الهروي في ذم الكلام، واللالكائي في الاعتقاد عن الأَوْزاعي رحمه الله قال: (إذا أَراد اللهُ بقوم شراً فَتَحَ عليهم الـجَدَلَ، ومنعَهم العمل).
وقال الآجري رحمه الله في الشريعة: (لما سمع هذا أهل العلم؛ من التابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين لم يُماروا في الدين، ولم يُجادلوا، وحَذّروا المسلمين المِراءَ والجدالَ، وأمروهم بالأخذ بالسُّنن، وبما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وهذا طريق أهْلِ الحقِّ مِمَّن وفّقَه الله تعالى).اهـ
و أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى بإسناد صحيح قال أحمد بن أَبي الحواريّ: قال لي عبد الله بن السَّريِّ (ليسَ السُّنة عندنا أن تَرد على أَهلِ الأَهواءِ، ولكنّ السُّنة عِندنا أن لا تُكلّم أَحَداً منهُم).
الشبهة الأولى التي يدلس بها المعارضون لأهل الحديث بالباطل على العامة:
(لا يجوز ولا ينبغي الردّ على المنتسبين إلى أهل القبلة من المبتدعة والزائغين عن الحق ما دام الكفار متسلطين على ديار الإسلام، والقدس تأن تحت وطأة اليهود، والعراق يحترق بأيدي الأمريكان، فنحن والحال هذه في معركة مع الكفار الأصليين والطغاة الظالمين الذين يقتلون شعوبهم، فالابتداء بالرد عليهم ومجاهدتهم سابق على الرد على أهل القبلة من أهل الإسلام، ويستشهدون ببعض مواقف أهل العلم فيقولون: إن شيخ الإسلام ابن تيمية خرج جنبا إلى جنب مع الأشاعرة والمعتزلة والصوفية في قتال الكفار من التتار، فينبغي أن نقف مع هؤلاء صفاً واحداً ضد الكفار والطغاة ونكتم أو نردم الخلاف الذي بيننا ولو كان في أصل الدين، ونرجأ أو ندع الرد عليهم إلى تحرير ديار الإسلام من قبضة الكفار وبطش الطغاة، ورأس هذه الشبهة المنكرة هم الإخوان المسلمون، ومن تأثر بباطلهم ممن ينتسب إلى المنهج السلفي من دعاة الإسكندرية، والذي تولى كبر هذا الباطل وروج له بالتزين والدّس، صلاح الصاوي في كتابة (الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي).
الجواب عن هذه الشبهة الباطلة التي نعق بها البقباقون من الإخوان المسلمين وأذنابهم من عدة وجوه:
الوجه الأول:
إن الله جلّ وعز قد أخذ العهد والميثاق على أهل العلم والفضل ببيان الحق ونشره، والذّب عن جنابه وحفظه، وعدم كتمه عن الخلق ودسه، وتوعد بالوعيد الشديد على من خالف ذلك أو أهمله، ولم يحدد لذلك ميقاتا زمنيا، ولم يحصر البيان بعهد غلبة أهل الإسلام على الكفار، قال تعالى: [وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون](آل عمران:187). وقال الله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] وقال تعالى: [إنّ الذين يكتمون مآ أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلاّ النّار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم] البقرة174.
قال العلامة الإمام أحمد بن تيمية رحمه الله: (...وقال بعضُهم لأحمدَ بنِ حنبل: إنه ليثقل عليّ أن أقول فلان كذا وفلان كذا...فقال: إذا سكتَ أنت وسكتُ أنا فمتى يَعرف الجاهلُ الصحيحَ من السقيمِ؟! ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإنّ بيان حالهم وتحذير الأمة منّهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبّ إليك أو يتكلم في أهل البدع، فقال: إذا قام وصلى واعتكف، فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنّما هو للمسلمين، وهذا أفضل، فتبيّن أنّ نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله، إذ تطهير سبيل الله ودينه ومنهاجه وشريعته ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين، وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون ابتداء). انظر: مجموع الرسائل والمسائل (5/110) لابن تيمية، ومجموع الفتاوى (28/231-236)، انظر الضعفاء والمتروكين لابن الجوزي [(1/6) تحقيق أبي الفداء]، وطبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/287 ، رقم:393)، والقائل أبو بكر محمد بن بندار السباك الجرجاني.
إن الإمام أحمد لم يحدد لهذا الواجب ميقاتا زمنيا كما يدعي المدلسون على العامة.
وقال كذلك شيخ الإسلام رحمه الله في ذم أهل البدع، وبيان فضل من تصدى لهم بالحجة والبرهان، فأفحمهم بقوة البيان، وقطع جهيزتهم بالسنة والقرآن: (الردود على المعتزلة والقدرية وبيان تناقضهم فيها قهر المخالف، وإظهار فساد قوله هي من جنس المجاهد المنتصر، فالراد على أهل البدع مجاهد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: "الذبّ عن السنة أفضل من الجهاد"). انظر: نقض المنطق لابن تيمية [(ص:12) ، تحقيق محمد حمزة وسليمان الصنيع]، ومجموع الفتاوى (4/13).
وقال كذلك العلامة أحمد بن تيمية أيضاً بعد ما ذكر مسوغات ذكر العيوب قال:(...وكذلك بيان أهل العلم لمن غلط في الرواية عن النبي، أو تعمد الكذب عليه، أو على من ينقل عنه العلم، وكذلك بيان من غلط في رأي رآه في الدين من المسائل العلمية والعملية، فهذا إن تكلم فيه إنسان بعلم وعدل وقصد النصيحة فالله تعالى يثيبه على ذلك لاسيما إذا كان المُتَكلَّم فيه داعياً إلى بدعة فهذا يجب بيان أمره للناس، فإن دفـع شـرّه عنهم أعظم من دفع شـرّ قاطـع الطريق). انظر: منهاج السنة (5/146).
وقال العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله: (لو سكت أهل الحق عن بيان الحق لاستمر المخطئون على أخطائهم، وقلّدهم غيرهم في ذلك، وباء الساكتون بإثم الكتمان الذي توعّدهم الله في قوله سبحانه: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ] (البقرة: 159_160)، وقد أخذ الله على علماء أهل الكتاب الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، وذمّهم على نبذه وراء ظهورهم، وحذرنا من اتّباعهم، فإذا سكت أهل السنة عن بيان أخطاء من خالف الكتاب والسنة شابهوا بذلك أهل الكتاب المغضوب عليهم والضالين) اهـ انظر: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله (3/72).
الوجه الثاني:
إن السّنة العملية للنبي صلى الله عليه وسلم ترد بوضوح وجلاء على هذه الشبهة المخرومة، وتبطلها من أساسها، ويزيدها عمل السّلف إحكاما ورسوخا، وينفي عنها الخصوصية أو النسخ، فلا يبقى للمعترض متمسك يرتكز عليه أو ركن يأوي إليه.
أخرج الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي في جامعه (كتاب الفتن، باب: ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم، برقم2180)، والإمام الطياليسي في مسنده، والحميدي، وابن أبي عاصم في السنة وغيرهم من طرق عن ابن شهاب الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى حنين، مرّ بشجرة للمشركين يقال لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: [اجعل لنا إلها كما لهم ءالهة] [الأعراف] والذي نفسي بيده لتركبُنّ سُنّةَ من كان قبلكم). وهذا لفظ الإمام الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وأخرج الإمام أحمد في مسنده (5/218) وغيره من طريق عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي: أنهم خرجوا من مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين، قال: وكان للكفار سدرةٌ يعكفون عندها، ويعلقون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواط، قال: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى: [اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون] [الأعراف138] إنّها السُّنن، لتركبُنّ سَُنن من كان قبلكم سُنّة سُنّة).
الوجه الثالث:....
يتبع........