المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عواقب الصبر على أذى الخلق (جمل مستفادة من كلام الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله مع بعض التعديل والزيادة.) نقدمها لإخواننا جميعا في ليبيا عسى أن يفرج الله عنهم كربهم ويجمع كلمتهم على البر


أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
03-06-2011, 01:36 PM
عواقب الصبر على أذى الخلق
(جمل مستفادة من كلام الشيخين ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله مع بعض التعديل والزيادة)



كلمة نقدمها لإخواننا جميعا في ليبيا عسى أن يفرج الله عنهم كربهم ويجمع كلمتهم على البر والتقوى ).


بسم الله الرحمن الرحيم.



إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
لا تزال الأرضُ منذ دحاها الله تبارك وتعالى ميدانا لاصطدامات عنيفة بين الحق والباطل، وبساطا فسيحا تموج وتروج عليه فئات من البشر تتنوع رغائبها بتنوع أجناسها، بيد أن هذه الفئات مهما تعددت لا تتجاوز فئتين؛ فئة لله، وفئة للشيطان.
إن الباطل ضعيف، وضعفه مستند من هيولته ومادته، ولذلك لا تجد مبطلا يعترف بباطله، بل على الضد تجده بكل ما أوتي من غواية يستر فضيحته برداء يوهم الأغرار أنه على الحق انطوى، وغيره في الفتنة هوى.
الباطل إنما يستمد ثباته على باطله من هواه، وشيطانه الذي أغواه، وما رأينا مبطلا ثاب إلى عقله بحواسه إلا أن يشاء الله، لأن العقل نعمة عظيمة من الله يحتاج إلى مادة ربانية تربيه.
قال ابن قيم الجوزية رحمه الله في مفتاح دار السعادة (1/384): (والعقل عقلان: عقل غريزةٍ، وهو أب العِلْم، ومُرَبِّيه، ومُثْمِرُه، وعقلٌ مُكتسَبٌ مستفادٌ: وهو وَلَدُ العلم، وثمرته، ونتيجته، فإذا اجتمعا في العبد؛ فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واستقام له أمره، وأقبلتْ عليه جيوش السعادة من كل جانب، وإذا فقدهما؛ فالحيوان البهيم أحسن حالًا منه، وإذا انفردا؛ نقص الرجل بنقصان أحدهما...).
إن العقل بنوعيه نور إذا سلطت شعلته على الأشياء أجلى حقيقتها، وكشف للنفس مهيتها، وقد لا يثوب في الظاهر وإن تجلى له من الحق ما تجلى، ولكنه في قرارة نفسه يعلم أنه في ضحضح من رجسه، والعياذ بالله من شر الجاحدين للحق وهم يعلمون.
أما عباد الله المؤمنين فقد جعل الله سبحانه وتعالى لهم بكل منزلة خيرا ابتداء منه، فهم دائما في نعمة من ربهم، أصابهم ما يحبون أو ما يكرهون، وجعل أقضيته وأقداره التي يقضيها لهم ويقدرها عليهم متاجر يربحون بها عليه، وطرقا يصلون منها إليه سبحانه وتعالى، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب الرومي عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له).
فهذا الحديث العظيم يعمّ جميع أقضيته لعبده المؤمن، وأنّها خير له إذا صبر على مكروهها وشكر لمحبوبها، بل هذا داخل في مسمى الإيمان، فإنه كما قال بعض السّلف: (الإيمان نصفان، نصف صبر ونصف شكر)، وربنا عز وجل يقول: [إنّ في ذلك لآيات لكل صبّار شكور]، وإذا اعتبر العبد الدّين كله ونظر فيه بعين فقيه رآه يرجع بجملته إلى الصبر والشكر، وذلك لأن الصبر ثلاثة أقسام:

1=صبر على الطاعة حتى يفعلها: فإن العبد لا يكاد يفعل المأمور به إلا بعد صبر ومصابرة ومجاهدة لعدوه الظاهر والباطن، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه للمأمورات، وفعله للمستحبات.
2= النوع الثاني: صبر عن المنهي عنه حتى لا يفعله؛ فإن النفس ودواعيها، وتزيين الشيطان وقرناء السوء، تأمره بالمعصية وتجرئه عليها، فبحسب قوة صبره يكون تركه لها، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه كتاب الجنة من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني وحميد الطويل، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( حُفّت الجنةُ بالـمكاره، وحُفّت النّار بالشّهوات).
وقال عبد الله بن سهل التستري: (أعمال البر يفعلها البّر والفاجر، ولا يقدر على ترك المعاصي إلا الصديق).
3=النوع الثالث: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب، وهي نوعان:
النوع الأول: لا اختيار للخلق فيه، كالأمراض والزلازل والبراكين وغيرها من المصائب السماوية، فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبد يشهدُ فيها قضاءَ الله وقدرَه، وأنه لا مدخل للناس فيها، فيصبر إما اضطرار، أو اختيارا، فإن فتح الله على قلبه باب الفكرة في فوائدها، وما في حشوها من النّعم والألطاف والمكارم والمنازل انتقل من الصبر عليها إلى الشكر لها والرضا بها، فانقلبت حينئذ في حقه نعمة، فلا يزال هِجِّيرا قلبه ولسانه فيها: (ربي أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، وهذا يقوى ويضعف بحسب قوة محبة العبد لله وضعفها، بل هذا يجده أحدنا في الشاهد، كما قال ابن الدمينة يخاطب محبوبا له ناله بعض ما يكره:

لَئن ساءني أنْ نِلتَني بمساءة === لقد سرّني أنّي خطرتُ ببالك.

النوع الثاني: أذًى يحصل له بفعل الناس في ماله، أو عرضه، أو نفسه، وهذا النوع يصعب الصبر عليه جدا؛ لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون، وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم إذا أوذيَ يقول كما في الصحيحين: (يرحم الله موسى فقد أوذي أكثر من هذا فصبر).
وأخرج الإمام البخاري والإمام مسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش قال: حدثني شقيق، قال: عبد الله: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، الاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.

عاقبة الصبر على أذى الخلق:

إن عاقبة الصبر على أذى الخلق النصرُ والهدى والسرور والأمن والقوة في ذات الله، والزيادة في محبة الله، ومحبة الناس له، والزيادة في العلم، ولهذا قال الله تعالى: [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون].
فبالصبر واليقين ينال العبد الإمامة في الدين، فإذا انضاف إلى هذا الصبر قوة اليقين والإيمان؛ ترقى العبد في درجات السعادة بفضل الله تعالى، ولهذا قال الله تعالى: [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليّ حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاه إلا ذو حظ عظيم]، فلا راحة للعبد إلى بالصبر واليقين في نصر الله وعونه، وعليه أن يستحضر الأسباب التي تعينه على الصبر على أذى الخلق له وهي:
1= أن يشهد أن الله تعالى خالق أفعال العباد وحركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فالعباد آلة فانظر إلى الذي سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، تستريح من الهم والغم.
2= أن يشهد ذنوبه، وأن الله تعالى إنما سلطهم عليه بذنبه
فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطهم عليه بسببها عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم.
وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي صارت في حقه نعمة.
أخرج معمر بن راشد الأزدي في جامعه وغيره من طرق مختلفة بمجموعها تطمأن النفس إلى ثبوت الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (خمس احفظوهن لو ركبتم الإبل لأنضيتموها قبل أن تدركوهن: لا يخاف العبد إلا ذنبه، ولا يرجوا إلا ربه، ولا يستحيي جاهل أن يسأل، ولا يستحيي عالم إن لم يعلم أن يقول: الله أعلم، والصبر من الإيمان بموضع الرأس من الجسد، وإذا قطع الرأس ييبس ما في الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له).
3= أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر.
4= أن يشهد أنّه إذا عفى وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش والغل وطلب الانتقام وإرادة الشر، وحصل له من حلاة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلا وآجلا على المنفعة الحاصلة له بالانتقام أضعافا مضاعفة، ويدخل في قوله تعاى: [والله يحب المحسنين].
5= أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلا يجده في نفسه، فإذا عفى أعزّه الله تعالى، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيح من حديث العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزة، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله).
فالعز الحاصل بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام؛ فإن هذا عزٌ في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلا، والعفو ذلٌ في الباطن، وهو يورث العزّ باطنا وظاهرا.
6= أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسُه بالانتقام وطلب المقابلة، ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه ما لا يمكن استدراكه، ولعل هذا يكون أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم، فإذا عفى وصفح فرّغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام.
7= أن يعلم أنه إن أوذي على ما فعله لله، أو على ما أمر به من طاعته، ونهى عنه من معصيته؛ وجب عليه الصبر، ولم يكن له الانتقام، فإنه قد أوذي في الله، فأجره على الله، ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونة، فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق، فمن طلب الثمن منهم لم يكن له على الله ثمن، فإنه من كان في الله تلفه كان على الله خلفه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أبوسيف الجزائري
03-06-2011, 03:34 PM
بارك الله فيكم شيخنا الناصح ، ما أحوجنا لمثل هذه اللفتات الطيبة منكم خاصة في هذه الأيام .

ابو تميم الطارفي
03-06-2011, 10:10 PM
بارك الله في الشيخ الناصح , اللهم بارك له في علمه ووقته, واللهم ثبت إخواننا في لبيا على كلمة الحق وعلى نصائح علمائنا الربانيين.

..وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه، ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار، فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي صارت في حقه نعمة.

...إن عاقبة الصبر على أذى الخلق النصرُ والهدى والسرور والأمن والقوة في ذات الله، والزيادة في محبة الله، ومحبة الناس له، والزيادة في العلم، ولهذا قال الله تعالى: [وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون].

...إن الباطل ضعيف، وضعفه مستند من هيولته ومادته، ولذلك لا تجد مبطلا يعترف بباطله، بل على الضد تجده بكل ما أوتي من غواية يستر فضيحته برداء يوهم الأغرار أنه على الحق انطوى، وغيره في الفتنة هوى.

...فالعز الحاصل بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام؛ فإن هذا عزٌ في الظاهر، وهو يورث في الباطن ذلا، والعفو ذلٌ في الباطن، وهو يورث العزّ باطنا وظاهرا.

تدبر و تأمل بارك الله فيك.

محمد بن سلة
03-07-2011, 07:53 AM
بارك الله في الشيخ على كلماته النافعة التي تشحذ الهمم على الصبر والمصابرة.
وإتماما للفائدة هذه بعض النقول عن ابن القيم في الصبر:
قال ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان" قرن الله سبحانه الفتنة بالصبر ههنا وفي قوله : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا" فليس لمن قد فتن بفتنة دواء مثل الصبر فإن صبر كانت الفتنة ممحصة له ومخلصة من الذنوب كما يخلص الكير خبث الذهب والفضة،
فالفتنة كير القلوب ومحك الإيمان وبها يتبين الصادق من الكاذب.
قال تعالى : ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".
فالفتنة قسمت الناس إلى صادق وكاذب ومؤمن ومنافق وطيب وخبيث، فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه ونجا بصبره من فتنة أعظم منها ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها.
فالفتنة لا بد منها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى : يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون" فالنار فتنة من لم يصبر على فتنة الدنيا، قال تعالى في شجرة الزقوم : إنا جعلناها فتنة للظالمين"، والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون به، ولهذا سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا، كما قال الحنفاء : ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا" وقال أصحاب موسى عليه السلام : ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين" قال مجاهد : المعنى لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون : لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا، وقال الزجاج : معناه : لا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على حق فيفتنوا بذلك، وقال الفراء : لا تظهر علينا الكفار فيروا أنهم على حق وأنا على باطل، وقال مقاتل : لا تقتر علينا الرزق وتبسطه عليهم فيكون ذلك فتنة لهم، وقد أخبر الله سبحانه أنه قد فتن كلا من الفريقين بالفريق الآخر فقال : وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بينننا" فقال الله تعالى : أليس الله بأعلم بالشاكرين" .
فالعبد في هذه الدار مفتون بشهواته ونفسه الأمارة وشيطانه المغوى المزين وقرنائه وما يراه ويشاهدمما يعجز صبره عنه ويتفق مع ذلك ضعف الإيمان واليقين وضعف القلب ومرارة الصبر وذوق حلاوة العاجل وميل النفس إلى زهرة الحياة الدنيا، وكون العوض مؤجلا في دار أخرى غير هذه الدار التي خلق فيها وفيها نشأ فهو مكلف بأن يترك شهوته الحاضرة المشاهدة لغيب طلب منه الإيمان به :
فوالله لولا الله يسعد عبده ....... بتوفيقه والله بالعبد أرحم
لما ثبت الإيمان يوما بقلبه .. على هذه العلات والأمر أعظم
ولا طاوعته النفس في ترك شهوة مخافة .. نار جمرها يتضرم
ولا خاف يوما من مقام إلهه.. عليه بحكم القسط إذ ليس يظلم "
وقال أيضا " ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين أي تخليصهم من ذنوبهم بالتوبة والرجوع إليه واستغفاره من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو وأنه مع ذلك يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر وأن حكمته تأبى ذلك فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر ولو كانوا دائما منصورين غالبين لما جاهدهم أحد ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى أعدائهم".

ابوعبدالله الميلي الجزائر
03-07-2011, 10:04 AM
بارك الله في شيخنا أبي عبدالباري
والإخوة جميعا على هذه الدرر التي هذا وقتها، وأحسن القول الذي يأتي في وقته.

أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
03-07-2011, 12:49 PM
وفيكم بارك الله جميعا

أبوسيف الجزائري
03-24-2011, 08:44 AM
يرفع