المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : البرنامج الناجع لطلب العلم الشرعي النافع للشيخ ابوبكر يوسف لعويسي


ام انس
02-03-2011, 02:50 PM
كلام نافع ارتأيت نقله لشحذ الهمم وتيسيرا لطالب العلم منهجية الطلب بأسلوب سهل ماتع لشيخنا أبو بكر يوسف العويسي حفظه الله وأطال عمره على طاعته.نقلا من شبكة سحاب السلفية.


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ،ونستعينه،ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ، ومن يضلل فلا هادي له من بعده إلا هو ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين .

أما بعد :

فقـضية التعلم أو طلب العلم قضية أساسية بالنسبة لكل مسلم ، وتأتي في الأهمية بعد قضية الإيمان بالله عز وجل ، فأول واجب على كل مسلم هو الإيمان بالله والكفر بما سواه ،هذا من حيث الدخول في الإسلام ، وإلا فالعلم قبل كل شيء حتى في الإعتقاد، ولذلك قال علماء السلف : العلم قبل القول والعمل ، وبوب البخاري في كتاب العلم من صحيحه ، باب العلم قبل القول والعمل ، واستدل بقـوله تعالى : ﴿ {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (19) سورة محمد﴾ فافتتح الآية بالأمر بالعلم ثم ثناها بالإيمان ثم بالاستغفار وهو العمل .
وبالتعلم يصحح المسلم إيمانه وعقيدته ، ويصحح عمله ، حتى يكون مقبولا ، فالتعلم هو الوسيلة الوحيدة التي يتمكن بها المسلم المكلف من تصحيح إيمانه وعمله لكن لاينتظر حتى يتعلم بل يجب عليه أن يؤمن أولا وقبل كل شيء بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولو على سبيل الإجمال ثم بعد ذلك عليه أن يتعلم .
ولا يخفى على أحد ما تعيشه الأمة الإسلامية في هذه الفترة من الجهل المطبق الذي عم أكثر الناس وظلام البدع والخرافات التي عمت فطمت ، ولما كان لايصلح شأن هذه الأمة إلا بما صلح عليه ولها،وجب علينا الرجوع إلى الكتاب والسنة مصدر التشريع للأمة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بطلب العلم والجد في تحصيله ولاتصلح الدعوة إلى الله إلا على هذا، لأن فاقد الشيء لايعطيه، ومن تكلم في غير فنه أتى العجائب والغرائب.
وقضية التعلم اليوم دخلها دخن كثير ، وشابتها شوائب كثيرة مابين خرافات موروثة من التاريخ ومابين بدع وانحرافات صنعتها أصابع معاصرة ، وبين هؤلاء وأولئك بقي الذين ينشدون الحق في حيرة بغيتهم وغايتهم معرفة الله عز وجل ،وعبادته بما شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكن أنى لهم والحالة هذه .
وعلاوة على ما حدث من دخن وانحراف فالطريق إلى دين الله فيه مكاره ، و طلب العلم الشرعي فيه ثقل على النفس قال تعالى :{{ {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} (5) سورة المزمل}} ، ولذلك يحتاج طالب العلم إلى معرفة معالم الطريق الصحيح والمنهج القويم للتفقه في دين الله والصبر عليه ؛ واحتساب ما يلقاه في ذلك في سبيل الله .
ومن الأمور التي دعتني للكتابة في هذا الموضوع على قلة البضاعة هو قلة العلماء الذين يضعون البرامج والمناهج المفيدة والنافعة ، الموافقة للمنهج السلفي بحق، والذين يجلسون لطلبة العلم في حلق منتظمة مستتمرة في بيوت الله ،أو في بيوتهم ، ونظرا أيضا للفتن التي تعصف بالأمة اليوم ،والتي تكاد تبتلع كثيرا من شباب الصحوة –إن صح هذا التعبير- المقبل على المنهج بعاطفة جياشة لا ينقذه منها إلا العلم الشرعي على منهج السلف الصالح ، وزيادة على ذلك فقد طلب مني بعض إخواني الحريصين على التعلم أن أضع لهم برنامجا ناجعا نافعا يستعينون به على الطلب في هذا الزمان ،والحالة كما ذكرت ،وهذا ما حفزني أن أجري قلمي بعدما كنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى وأضع هذا البرنامج محاولا أن أقدم فيه لكل من يريد أن يتفقه برنامجا علميا عمليا ينتفع به من نوى ؛وعزم على طلب العلم حتى بدون شيخ ،إذا كان يملك أدواته وعجز عن الرحلة فيه من بلدته للظروف التي تحيط به؛والتي يفتقد فيها العلماء وطلبة العلم السنيين المخلصين الذين يفتحون أبواب بيوتهم ؛ ومساجدهم لاستقبال الطلبة ، وإذا وجدوا فلا حول ولاقوة لهم ..
والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس ، فمن كان قادرا على تلقي العلم من المشايخ بالجلوس إليهم ودراسة العلوم عليهم وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم ، ومن لم يكن قادرا على ذلك فعليه أن يتعلم بطريقة السؤال ، يسأل أهل الذكر والعلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها إيمانه وعمله .
وقد سلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا المسلكين ، كل على قدر طاقته وعلى قدر إمكاناته ، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه صلى الله عليه وسلم في المدينة المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن لم يسمعه من فمه سمعه عمن سمعه منه ، وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه صلى الله عليه وسلم، وكثير من المسلمين في عهده صلى الله عليه وسلم الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريق تلقوه بطريق السؤال ، كانوا يأتون إلى رسول الله من كل حدب وصوب يسألونه عن الضروري من أمور دينهم ، فيجيبهم بأوجز عبارة وأبلغها فيفهمون المراد ويرجعون إلى بلادهم وأقوامهم يبادرون إلى العمل والدعوة إلى ما تعلموا .وحتى النساء كن يحرصن على سؤاله صلى الله عليه وسلم وتعلم أمور الدين منه فكانت المرأة من الصحابيات إذا استحيت أن تسأله مباشرة فإنها تسأله بواسطة بعض أمهات المؤمنين إذا كان الأمر يتعلق بشيء مما يستحي منه النساء ، وأما في غير ذلك فيسألنه ويحرصن على تلق العلم منه،بل منهن من تأتي فتسأله حتى عن تلك الأمور التي يُستحي من ذكرها، وتقول له : إن الله لايستحي من الحق ..
وهاهي أسماء بنت يزيد بن السكن رضي الله تعالى عنها تأتي الرسول وهو في طائفة من أصحابه فتقول : يارسول الله ! إني رسولة من ورائي من النساء ، يسألنك فيقلن : قد فاز الرجال بكثير من الأعمال معك التي لم نستطع نحن النساء أن نعملها ... يجالسونك ويتعلمون منك فما للنساء مقابل ذلك ؟ فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤالها وقال لأصحابه [ رضي الله عنهم ] : << سمعتم ما قالت أسماء ؟ ثم قال لها : << إرجعي واخبري من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله >> وإسناده حسن .
وها هي أخرى تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وقف يوم العيد خطيبا فيهن بعد أن خطب الرجال فقال لهن : << تصدقن فإنكن أكثر أهل جهنم ، أو حطب جهنم >> فقامت وقالت : يارسول الله! ولم كان ذلك ؟ فقال : <<لأنكن تكثـرن الشـكاة وتكفرن العشير>> وهو في الصحيحين . والأحاديث في هذا الباب كثيرة ، فانظر إلى حرص النساء على تعلم العلم منه صلى الله عليه وسلم، والمهم أن طلب العلم له طريقان :
الطريق الأول : طريق التلقي أو التلقين ، وهو الجلوس في حلقات العلم، والأخذ عن أهل الذكر وأهل العلم يسمع منهم العلم ويتلقاه منهم مباشرة ، وهكذا تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن من جبريل عليه السلام يلقته إياه ، ثم لقنه النبي أصحابه ، قال ابن مصعود : أخذت من في رسول الله سبعين سورة من القرآن .
الطريق الثاني : طريق السؤال ، لمن كان لايقدر على الطريق الأول ، يسأل أهل الذكر كما أرشد إلى ذلك الله سبحانه وتعالى في قوله : ﴿ {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (43) سورة النحل ﴾ يسأل كلما احتاج إلى ذلك ، وخاصة ما هو ضروري من أمور دينه، وحديث جبريل لما جاء يعلمهم أمور دينهم،وفيه السؤال والجواب.
وسائل التعلم :
ووسائل التعلم اليوم متوفرة – والحمد لله – منها المقروء ، والمسموع ، والمرئي ، وهي ، الكتاب والشريط ، والأسطونات المضغوطة ، والهاتف ، والشابكة العنكبوتية[الأنثرناث] ، ومن أنفع هذه الوسائل التي تبسط العلم وتقرب الفهم للطالب السلاسل العلمية والدروس والمحاضرات المسجلة على الأشرطة ، أو الأقراص المضغوطة ،فعلى طالب العلم الذي يريد السير إلى الله على نهج السلف ، أن يختار من هذه الوسائل ما تلائم طاقته ووسعه ، وكانت على منهج السلف الصالح ، فإذا لم يميز سأل من يثق فيهم حتى يوجهوه إلى سبيل المؤمنين ، منهج الطائفة الناجية .
وللإنتفاع بهذا البرنامج لابد لكل مريد للعلم أن يعرف تلك المعالم الأساسية التي ينبغي له أن يبني عليها منهجه وهو يسلك طريقـا يلتمس فيه علما حتى يسهل الله له به طريقا الى الجنة .
هذا وأسأل الله تعالى أن ينفع به كل من طالعه، ونظر فيه ، فإذا انتفع به فحقي عليه أن لا ينساني بدعوة صالحة بظهر الغيب ، كما أسأله سبحانه أن يثقل به ميزان أعمالي يوم لاينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، إنه ولي ذلك والقادر عليه . آميــن ، والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيد الثقلين.


وكتب :



محب العلم والاالانصاف على طريقة صالح الأسلاف



أبو بكر يوسف لعويسي .



جيجل / 04 / 02 / 1997 م

ام انس
02-03-2011, 02:52 PM
فضل العلم والعلماء:

أفضل ما اكتسبته النفوس ، وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ، ولهذا قرن بينهما في قوله تعالى : ﴿{وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (56) سورة الروم﴾ وفي قوله تعالى : ﴿ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11) سورة المجادلة
وقد جعل الله المسلمين فرقـتين أوجب على إحداهما الجهاد في سبيله ، وعلى الأخرى التفقه في دينه لئلا ينقطع جميعهم إلى الجهاد فـتندرس الشريعة ، ولايتوافروا على طلب العلم فتغلب الكفار على الملة فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين ، وحفظ شريعة الإيمان بالمتعلمين. قال تعالى : ﴿{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (122) سورة التوبة ﴾ وقد أمرهم سبحانه بأن يكونوا ربانيين وحراس شريعته فقال : ﴿{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ} (79) سورة آل عمران﴾ وأمر بالرجوع إلى أهل العلم والذكر ، ومساءلتهم في أمور الدين ، ورفع ذكرهم وأعلى منزلتهم ، وقرن شهادته بشهادتهم وما ذاك إلا لفضلهم وعلو قدرهم .
قال بن القيم رحمه الله: استشهد سبحانه بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال تعالى:﴿ {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (18) سورة آل عمران﴾ وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه .
الوجه الأول : استشهادهم دون غيرهم من البشر .
الوجه الثاني : إقتران شهادتهم بشهادته .
الوجه الثالث : إن في ضمن هذا البيان تزكيتهم وتعديلهم ، فإن الله لايستشهد من خلقه إلا العدول الأتقياء الأصفياء . مفتاح دار السعادة لابن القيم .(ج1 / ص 48) .
وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه ، والمؤهلون للمراتب العلية ، ولكن أكثر الناس غافلون عنهم ، غالطون في حقهم ، كما هم غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين تزكو بهما النفس وتكون بهما السعادة والرفعة إلى هذه الدرجة من الفضل .
فما هو العلم؟ وما تعريفه ؟ وما العلم الذي أثنى الله تبارك وتعالى على أهله وأثنى عليه رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ وما الطريق إليه كي نطلبه فنكون من الذين يرفعهم الله به الدرجات العلى ، ويقبل شهادتهم ؟ ويكونوا من الربانيين ..
تعريف العلم الحقيقي :
قال ابن القيم رحمه الله تعالى : العلم ؛ نقل صورة المعلوم من الخارج وإثباتها في النفس ... فإن كان الثابت في النفس مطابقا للحقيقة في نفسها فهو علم صحيح..وما كان منها مطابقا للحقيقة في الخارج فهو نوعان :
أ - نوع : تكمل النفس بإدراكه والعلم به، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله،وكتبه،وأمره ونهيه .
ب - ونوع: لايحصل للنفس به كمال، وهو علم لايضر الجهل به؛ فإنه لاينفع العلم به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من علم لاينفع .
وهذا حال أكثر العلوم في زماننا التي لايضر الجهل بها .. كالعلم بالفلك ودقائقه، ودرجاته وعدد الكواكب ومقاديرها، والعلم بعدد الجبال وألوانها ومساحاتها، ونحو ذلك ...
فشرف العلم بحسب شرف معلومه وشدة الحاجة إليه ، وليس ذلك إلا العلم بالله تعالى وتوابع ذلك . من كتاب الفوائد لابن القيم بتصرف يسير [ ص160 ].
وقال رحمه في نونيته :
والعلم أقسام ثلاث مالها من رابع والحق ذو تبيان
علم بأوصاف الإله وفعله وكذلك الأسماء للرحمان
والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم المعاد الثاني
الكل في القرآن والسنة التي جاءت من المبعوث بالقرآن
والله ما قال أمرؤ متحذلق بسواها إلا من الهذيان .
فالعلم قوت النفوس وحياة القلوب ونور البصائر ، والجهل موت وظلمة ، ولايظهر فضل العلم لمن لاعقل له ، كما لاتبين الشمس لمن ليس يبصر ، ومن عرف العلم وفضله لم يقض نهمته منه ، ولم يشبع من جمعه طول عمره .
وقد جاء عن الشارع الحكيم في نصوص كثيرة الترغيب في العلم والحث عليه ، من ذلك قوله تعالى :﴿ {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (9) سورة الزمر ﴾ وقوله تعالى :﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} (11) سورة المجادلة﴾وقوله : ﴿{يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (269) سورة البقرة﴾ .
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم : << من يرد الله به خيرا يفقه في الدين>> متفق عليه،وفي مسند البزار والطبراني بإسناد لا بأس به ؛ عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وألهمه رشده >> .
وقوله : << ... من سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة ..>> وهذا قطعة من حديث طويل رواه مسلم من حديث أبي هريرة[ح2699]وأبو داود كتاب العلم [ح3643] وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى ، أو يرده عن ردى ، وما استقام دينه حتى يستقيم عمله >>
رواه الطبراني في الكبير واللفظ له وفي الصغير إلا أنه قال فيه :<< حتى يستقيم عقله >> وإسنادهما متقارب .موارد الظمآن لدروس الزمان [ج1/66].
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :<< مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا ، وأصاب طائفة أخرى منها إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى ، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به >> .
وصدق من قال :
واعلم بأنَّ العِلمَ أرفعُ رُتبَةً وأَجَلُّ مكتسبًا وأسنَى مَفخَرِ
فاسلُك سبيلَ المُقتفينَ لهُ تَسُد إنَّ السيادَةَ تُقتَنَى بالدَّفتَرِ
والعالِمُ المدعو حَبرًا إِنَّما سَمَّاه باسمِ الحَبرِ حَملُ المَحبَرِ
والعلمُ ليس بنافِعٍ أربابَهُ ما لم يُفِد عَمَلاً وَحُسنَ تَبَصُّرِ
فاعمَل بعلمِكَ تُوفِ نَفسَكَ وَزنَها لا تَرضَى بالتَّضيِيعِ وَزنَ المَخسَرِ
وللعلم شرف عظيم وفوائد جمة لو جئت لأحصيها لما وسعتني أسفار وأسفار؛ والنصوص في ذلك كثيرة ونكتفي بهذا القدر، ومن أراد الزيادة فعليه أن يطلبها من مظانها وخير الكلام ما قل ودل ، والحكمة ضالة المؤمن أين وجدها فهو أحق بها ، والسلفي يكفيه دليل واحد للاقتناع ،وقليل من الحكمة للاتباع .

تنبيه إلى كل عاقل نبيه :
وهنا انبه إلى ما يعتقده كثير من الناس من أبناء هذه الأمة الإسلامية الذين اتبعوا سنن الذين من قبلهم ، شرقا وغربا ،وانبهروا بزخرف القول ، وزينة الظاهر من الحياة الدنيا ، أن العلم المقصود طلبه هو هذا العلم الدنيوي مثل علم الرياضيات والفلسفة ، والطب والهندسة وعلم الفلك والفضاء وغير ذلك .. من هذه التكنولوجيا التي بهرت العقول وأضلتها عن الوظيفة الرئيسية التي خلق لها هذا الإنسان لذلك تراهم يقدسونها أيما تقديس ، لأنها تخدم دنياهم وأهواءهم ، وبالمقابل أنهم لايقيمون للعلم الشرعي الذي سبقهم في جميع الميادين أي وزن ،ولا أدنى قيمة واهتمام ، فأخرجوه من حياتهم الاجتماعية ، والاقتصادية ، والسياسية ، وحصروه في الصوامع والمعابد والمحاريب ، وجاءوا يركضون وبالزور ينطقون ، فقالوا : إن الدين لا يخدم الدنيا ، وهو أسباب المشاكل من عنف وإرهاب ،وجريمة ، وفقر وتأخر وضعف الأمم ، وهو الذي يقف أمامهم حجر عثر، ويمنعهم من التقدم ، والتطور ، وهذا في الحقيقة خطأ بين ، وضلال واضح ، لأن العلم المقصود طلبه ، والذي مدحه الله وأثنى على أهله ، ورفع مقامهم ، وحث عليه ، هو العلم بالدين وأهمه العلم بالله وأسمائه وصفاته، هذا الذي ينبغي أن تكرس فيه الجهود ، وتفنى فيه الأعمار لأنه هو الذي يضبط مصالح العباد ، ويدفع المفاسد ، ويضع الموازين القسط للناس فلا تظلم نفس شيئا دنيا وأخرى ، ولقد ، نعى الله تعالى على من جعل همه وشغله الشاغل ؛ العلم الدنيوي الظاهر وهو عن علم الآخرة غافل،فقال جلت قدرته:{{ {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } (7) سورة الروم}} ثم إن علم الشرع نفعه متعدي دنيا وأخرى ، أما العلم الدنيوي فنفعه متوقف على المصلحة الدنيوية ليس إلا ، فأي العلم أفضل ، وأي الفريقين أهدى سبيلا ؟
الإتـبـاع : فإذا تعلمت فقه الدين من توحيد وعبادات وغيرها فتعلمه على منهج السلف الصالح.
ونعني بالسلف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التابعون لهم بإحسان وتابعيهم ، والذين جاءوا من بعدهم من الأئمة المرضيين الذين ساروا على نهجهم، كالأيمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، وكأيمة الحديث مثل عبد الرحمن بن مهدي وشعبة بن الحجاج والسفيانين ، والأوزاعي والليث ، والحمادين وابن المبارك والبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وآخرين ممن جاءوا من بعدهم ممن سلكوا نهجهم كاابن أبي زيد القيرواني وأبو عمر الطلمنكي والحافظ ابن عبد البر، وابن تيمية وابن القيم ، وابن كثير ،والذهبي ،وابن رجب ، وأمثالهم ممن مشوا على منهج الصحابة رضي الله عنهم ، هم أيمة السلف ، وهم المعنيون بمصطلح السلف .
فإذا تعلمت فقه الإيمان * فتعلمه على منهج هؤلاء وإياك ودعاة السبل فتفرق بك عن سبيلهم فقد قال تعالى : ﴿ {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (115) سورة النساء ﴾ .
ولماذا نلح على منهج السلف رضوان الله عليهم ، وخاصة في فقه الإيمان ؟ لأن أصول المصادر التي يُتلقى منها العلم في الإسلام منضبطة ضرورية ، ليست فوضى ، ولاهي متروكة لاجتهاد الناس ، فإن المعلوم من الدين بالضرورة أمر توقيفي ، وما كان توقيفي فالحجة فيه الوحيين كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهما يحتاجان إلى شرح وتفسير ، والمعول عليهم في شرح الكتاب والسنة وتفسيرهما أصحاب رسول الله ، الرعيل الأول من هذة الأمة الذين نزل الوحيان بين أظهرهم ، وبلسانهم وشاهدوا التنزيل ، وصحبوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، ففهمهم مقدم على فهم أي أحد من الأمة لأنهم أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما وأحسنهم فهما للتطبيق الكتاب والسنة وذلك بإتفاق جميع الأمة ، وقد زكاهم الله تعالى ، ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو راض عنهم .
ولماذا نقول الكتاب والسنة بفهوم السلف الصالح؟ لأن أشرف العلوم وأنفعها علم الحدود لاسيما حدود المشروع المأمور والمنهي ، فأعلم الناس أعلمهم بتلك الحدود حتى لايدخل فيها ماليس منها ، ولايخرج منها ما هو داخل فيها، قال تعالى:{الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (97) سورة التوبة﴾ فأعدل الناس من قام بحدود المشروعات علما وعملا ، ولايمكن معرفة ذلك إلا بالرجوع إلى تلك الأصول الموصلة إلى الله تعالى .
فمن أراد العلم فعليه أن يكون أصله الكتاب والسنة وما كان عليه سلف هذه الأمة ، يأمر بالاتباع وينهى عن الابتداع ولا يجادل العلماء ،ولا يماري السفهاء، همه في تلاوة القرآن الفهم عن الله مراده ، وفي سنن الرسول صلى الله عليه وسلم الفقه لئلا يضيع ما لله عليه ، فيلازم السنة ظاهرا وباطنا في الأقوال والأفعال . وكان شيخ الإسلام يقول : من فارق الدليل ضل السبيل ، ولا دليل إلا ما جاء به الرسول e، وكان الحسن البصري يقول : العامل على غير علم كالسالك على غير طريق ، والعامل على غير علم مايفسد أكثر مما يصلح . فكيف يصل إلى النجاة من يجهل الطريق ، وكيف يمشي في الطريق المظلم من ليس له نور يكشف به معالم الطريق . ومن هنا قال ابن رجب رحمه تعالى : إن العلم النافع من هذه العلوم كلها هو ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيهما ، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم من السلف الصالح في معاني القرآن الكريم والحديث النبوي، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام والمعاملات وغير ذلك .
وأما ما كان مخالفا لكلامهم فأكثره باطل أو لامنفعة فيه ، وفي كلامهم كفاية وزيادة ، وأنه يسعنا ما وسعهم ، ويغنينا ما أغناهم فقد كانوا والله يحرصون على ملازمة السنة واتباع الآثار حتى قال قائلهم : إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر ( بدليل ) فافعل .وبقي أن أنبهك إلى هذه المسالك الثلاثة غير مسلك السلف في فهم الكتاب والسنة أذكرها لك باختصار لتكون على حذر منها .
1 - المسلك الفلسفي الكلامي : وهو مسلك أولئك الذين اتخذوا الفلسفة ومنطق اليونان طريقا لفهم الكتاب والسنة ، عزفوا عن منهج الصحابة ، لأنه لم يعجبهم فلجؤوا إلى الفلسفة ومنطق اليونان واتخذوهما وسيلة لفهم الكتاب والسنة- زعموا - وهذا المسلك يتميز بالجدل ، وفرخ فرقا شتى في داخل الأمة الإسلامية ، فرخ الجهمية ، والمعتزلة ، والأشعرية ، والكلابية ، والماتريدية ، وتحت هذه الفرق فرق وأحزاب كثيرة ...وأخطرها في هذا الومان المدرسة المدودية القطبية ...
2 - المسلك الذوقي الصوفي: هذا المسلك أيضا فرخ فرقا لاتعد ولا تحصى، فالفرق الصوفية أكثر من أن تعد أو تحصى، وبعضها أبعد من بعض عن الإسلام، وأبعدها وأخبثها ( الحلولية ) الذين يقولون: ليس لله وجود معين فأنكروا وجود الله،ويقولون: الله حل في كل شيء وليس له وجود خاص به.تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا .
3- المسلك الوثني الباطني : وهذا فرخ في أمتنا طرائق وأديانا شتى ومللا لاصلة لها بالإسلام، أديان وثنية، كالإسماعلية، والنصيرية ،والقرامطة، وباطنية الروافض ،لاندري ما صلتهابالإسلام ، ينكرون القرآن الكريم ويطعنون في أصحاب رسول الله، والإسماعلية والنصيرية والدروز يعبدون البشر وينتسبون للإسلام، فإذا أردت أن تتعلم فقه الدين فابتعد عن هذه المسالك واحذر منها.
وأخيرا أخي طالب العلم ينبغي لك أن تعلم أن المنهج الذي أرشدناك إليه هو منهج الوسطية التي جعل الله أمة محمد عليه فقال سبحانه وتعالى:﴿ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (143) سورة البقرة﴾اي عدلا، لا إفراط ولا تفريط، وعلى هذا ينبغي لك أن تحذر من التعصب الذي أعمى كثيرا من البصائر، والجمود الفكري الذي أصم كثيرا من العقول فإنهما داءآن خطيران لما وقع فيهما المتفقهون ، وخاصة في العصور المتأخرة حيث نـقص شأن الفقه المبني على الفهم الصحيح والمنضبط بالدليل ،وكاد أن يغلق بابه حتى إذا ما وصلنا إلى عصرنا هذا رأينا العجب العجاب نتيجة هذين الداءين، فلذلك فاستقم كما أمرت ولاتتبع أهواء الذين ظلموا أنفسهم وزاغوا عن سواء السبيل.والله نسأل أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ، آمين
الإخلاص في طلب العلم :
إخلاص النية لله تعالى هو المقصود في كل عبادة وطلب العلم من أشرف العبادات والعمل به هو ثمرته فلو نفع العلم بلا عمل لما ذم الله سبحانه أحبار أهل الكتاب ولو نفع العمل بلا إخلاص لما ذم المنافقين في حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى؛ والعمل به ؛وإحياء الشريعة؛وتنوير قلبه وتحلية باطنه والقرب من الله تعالى يوم القيامة والتعرض لما أعد لأهله من رضوانه وعظيم فضله …ولايقصد به الأعراض الدنيوية من تحصيل الرياسة والجاه والمال ومباهاة الأقران وتعظيم الناس له وتصديره في المجالس ونحو ذلك فيستبدل به الأدنى بالذي هو خير – تذكرة السامع [ص 67 – 68] .فمن عمّر ظاهره بالسنة وباطنه بالإخلاص تفجر في صدره ينابيع العلم ،ولم يكد ينطق إلا بالحكمة ، وأما إذا كان عمله بلا إخلاص كان كالمسافر يملأ جرابه رملا يثقله ولا ينفعه .
يقول الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه أدب الطلب [ص91 ] : إن لحسن النية وإخلاص العمل تأثيرا في هذا المعنى فمن تعكست عليه بعض أموره من طلبه العلم ، أو أكلف عليه مطالبه وتضايقت مقاصده ، فليعلم أنه بذنبه أصيب ، وبعدم إخلاصه عوقب أو أنه أصيب بشيء من ذلك محنة له وابتلاء واختبرا لينظر كيف صبره واحتماله ، ثم يفيض عليه بعد ذلك من خزائن الخير ومخازين العطايا في ما لم يكن بحسبان ولا يبلغ إليه تصوره ، فليعض على العلم بناجده ، ويشد عليه يده ، ويشرح به صدره فإنه لا محالة واصل إلى المنزل .
ولا ينقطع عن طلب العلم لعدم خلوص نيته فإن حسن النية مرجو له ببركة العلم . قال بعض السلف: طلبنا العلم لغير الله ، فأبى أن يكون إلا لله .قيل معناه : فكان عاقبته أن صار لله ، ولأن إخلاص النية لو شرط في تعليم المبتدئين فيه مع عسره على كثير منهم لأدى ذلك إلى تفويت العلم على كثير الناس ..{ تذكرة السامع [ص 67 – 68]} .
قيل لأحمد بن حنبل : إن قوما يكتبون الحديث ولا يرى أثره عليهم وليس لهم وقار ؟ قال أبو عبد الله : يؤولون في الحديث إلى خير{ شرف أصحاب الحديث [ص61].}. وقال حبيب بن أبي ثابت : طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نية ثم جاءت النية والعمل بعد{ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع [ج1/ 339، 2/267 ]}.ولكن لايستسلم بل يحاول معالجة نيته وإن كانت المعالجة شديدة في أول الأمر يقول سقيان الثوري رحمه الله تعالى : ما عالجت شيئا أشد عليا من نيتي{ المصدر السابق 1/ 317 }.
فمن أخلص في طلب العلم نيته وجدد للصبر عليه عزيمته كان جديرا أن ينال يغيته .

الطريق إلى الإخلاص :
ما الطريق إلى الإخلاص؟ هذا السؤال يجيب عنه ابن القيم رحمه الله تعالى في الكتابه القيم الفوائد{ص 267} فيقول :
لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت ، فإذا حدثتك نفسك بطلب افخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس ، واقبل على المدح والثناء فازهد فيها زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص .
فإن قلت : وما الذي يسهل علي ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح ؟ قلت : أما دبح الطمع فيسهله عليك يقينا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه لا يملكها غيره ، ولا يؤتي العبد منها شيئا سواه .
وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحد ينفع مدحه ويزين ، ويضر ذمه ويشين إلا الله وحده ، كما قال ذلك الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم : إن مدحي زين وذمي شين ، فقال :<< ذاك لله عز وجل >> .
فازهدفي مدح من لايزينك مدحه ،وفي ذم من لايشينك ذمه وارغب في مدح من كل الزين في مدحه، وكل الشين في ذمه ، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين ، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب .قال تعالى: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} (60) سورة الروم وقال تعالى :﴿ {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (24) سورة السجدة/ 24.
الحرص على العلم ومجالس العلماء :
العلم صناعة القلب وشغله فمالم تتفرغ لصناعته وشغله لم تنلها وله وجهة واحدة فإذا وجهت إلى اللذات والشهوات انصرفت عن العلم ومن لم يغلب لذة إدراكه العلم وشهوته على لذة جسمه وشهوة نفسه لم ينل درجة العلم أبدا فإذا صارت شهوته في العلم ولذته في كل إدراكه رجى له أن يكون من جملة أهله { مفتاح دار السعادة لابن القيم {ج1/ 142}.}.ولذلك كان علفماؤنا رحمهم الله تعالى يحرصون على العلم وجمعه حرصا ليس له نظير .
قال ابن أبي حاتم : سمعت المزني يقول : قيل للشافعي كيف شهوتك للعلم ؟ قال أسمع بالحرف – أي بالكلمة – مما لم أسمعه ، فتود أعضائي أن لها أسماعا تنعم به ما تنعمت به الأذنان .فقيل له : كيف حرصك عليه ؟ قال : حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال .فقيل له : فكيف طلبك له ؟ قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره{ – توالي التأسيس {ص106 }.} .
وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يأتي أبواب الصحابة في عز الظهيرة يسألهم عن الحديث . فيروى الخطيب البغدادي{ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السماع{ ص158}} وابن عبد البر{ جامع بيان العلم وفضله {ج1/85}} عن ابن عباس أنه قال :<… إن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل ، فأسند ردائي على بابه ، تسفي الريح علي من التراب ، فيخرج فيقول : يا اغبن عم رسول الله ما جاء بك ؟ ألا أرسلت غلي فآتيك ؟ فاقول : أنا أحق أن ىتيك ، فأسأله عن الحديث …> وهذا ابن معين رحمه الله تعالى خلف له أبوه ألف ألف درهم ، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه وكان حريصا على لقاء الشيوخ والسماع منهم خشية أن يفوته .{ بواسطة قيمة الزمن عند العلماء{ ص 24 }.
قال عبد بن حميد :سألني يحي ابن معين عن هذا الحديث أول ما جلس إلي ، فقلت : حدثنا حماد بن سلمة .فقال :لو كان من كتابك فقمت لأخرج كتابي فقبض على ثوبي ثم قال : أمله علي، فإني أخاف أن لاألقاك ، فأمليته عليه ، ثم أخرجت كتابي فقرأته عليه{ المصدر السابق {ص 23 –24 }.}.
وهذا مكحول يقول : عتقت بمصر فلم أدع بها علما إلا حويته فيما أرى ، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بهما علما إلا حويت عليه فيما أرى ، ثم أتيت الشام فغربلتها …{ تذكرة الحفاظ { ج1/108}.} .
بل إن احدهم ليحزن ويصيبه المرض إذا فاته شيء من العلم فقد ذكروا لشعبة حديثا لم يسمعه ، فجعل يقول واحزناه { شرف أصحاب الحديث {ص 116 }. وكان يقول : إني لأذكر الحديث فيفوتني فأمرض{ المصدر السابق {ص115} .
ولذلك لما قيل للشعبي : من أين لك هذا العلم كله ؟ قال : بنفي الاعتماد والسير في البلاد وصبر كصبر الحمر وبكور كبكور الغراب. { تذكرة الحفاظ {ص 81 }.
وكان من حرصهم على العلم ومجالسه أنك تجدهم يعدون في الطرقات كأنهم مجانين ، ولذلك يقول شعبة رحمه الله تعالى : ما رأيت أحدا قط يعدوا إلا قلت مجنون صاحب حديث{ 1} .
وكانوا يزدحمون على مجالس العلم حتى قال جعفر بن درستويه : كنا نأخذ المجلس في مجلس علي بن المديني وقت العصر اليوم لمجلس غذ، فنقعد طول الليل ، مخافة أن لا نلحق من الغد موضعا نسمع فيه ، ورأيت شيخا في المجلس يبول في طيلسانه ويدرج الطيلسان ، حتى فرغ مخافة أن يؤخذ مكانه إن قام للبول{ 2} .
ومن طريف ما وقع لهم أن شعبة بن الحجاج جاء إلى خالد الحداء فقال :يا أبا منازل : عندك حديث حدثني به ؟ وكان خالد عليلا ، فقال له : أنا وجع . فقال :إنما هو واحد ؟ فحدثه به ، فلما فرغ قال : مت إذا شئت{ 3}.
بل أكثر من ذلك ، فقد قال يحي بن حسان : كنا عند سفيان بن عيينة وهو يحدث فازدحمت فرقة من الناس على محل شيخ ضعيف فنتهبوه ودقوا يد الشيخ ، فجعل الشيخ يصيح : سفيان لاجعلتك مما عملوا بي في حل ، وسفيان لا يسمع ، حتى نظر إلى رجل من اؤلئك الذين صنعوا بالشيخ ما صنعوا فقال له : ما يقول الشيخ ؟ فقال :يقول : زدنا في السماع { 4}.

وهشيم رحمه الله تعالى كان سبب موته ازدحام طلبة العلم عليه فقد قال الخطابي : ازدحم أصحاب الحديث على هشيم فطرحوه عن حماره فكان سبب موته{ شرف أصحاب الحديث { ص116} .} .فبمثل هذا الشغف والعشق للعلم ظهر النبوغ والإمامة فيهم ، ولولا أن الله جعل الحرص في قلوبهم لدرس هذا الشأن .
تقديم الأولى فالأولى من العلوم :
ينبغي لطالب العلم أن يلتمس من العلوم أنفعها ، فإن العلم كالبحار المتعذر كيلها والمعادن التي لاينقطع نيلها، والعمر قصير لايستوعب ذلك كله فاشتغل بالمهم منه فإنه من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم ،وأهمه علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ، وقد قيل :
مااكثر العلم وماأوسعه من ذا الذي يقدر أن يجمعه
إن كنت لابد له طالبا محاولا فالتمس أنفعه
قال ابن عباس رضي الله عنهما : العلم كثير ، ولن تعيه قلوبكم ، ولكن اتبعوا أحسنه ، ألم تسمعوا قوله تعالى :{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (18) سورة الزمر، قال صالح بن عبد القدوس رحمه الله :
إذا طلبت العلم فاعلم أنه حمل ، فأبصر أي شيء تحمل
وإذا علمت بأنه متفاضل فاشغل فؤادك بالذي هو أفضل
فما هو أول ما يجب على كل مسلم أن يعلمه ويتفقه فيه ؟

أشرت في المقدمة إلى أن أول واجب على كل مسلم هو الإيمان الذي يسميه بعض العلماء { التوحيد} وبعضهم يسميه { العقيدة } وكذلك فقه الأحكام الذي هو فقه الشريعة ، حتى يتسنى للمكلف أن يصحح إيمانه الذي سيلقى عليه ربه ، ويصحح عمله الذي سيلقى به ربه ، فهذان العلمان من فروض الأعيان ،لأنهما متعلقان بالتكليف ، ومتعلقان بالعمل ، فكل إنسان كُلف بالإيمان ، وكُلف بالعمل ، فلتعلق هذين الفقهين ، فقه الإيمان وفقه الأحكام { الضروري من الدين } يُعدان من فروض الأعيان على كل مسلم ، وإلا فدون فقه الأحكام كيف يمكن للمسلم متابعة رسول الله في عبادته من صلاة وصيام وزكاة ونسك إن لم يتعلمها. كذلك كيف يستطيع أن يصحح إيمانه الذي سيلقى عليه ربه ، ولا يقبل أي عمل منه إلا بعد سلامة هذا الإيمان وصحته ، حتى يتعلم التوحيد فعلى كل مسلم أن يتعلم منهما كل على قدر طاقته .

--------------------

1 - الجامع لآداب الراوي وأخلاق السمع للخطيب{ 1 /152}.
2 – المصدر السابق{ 2/199 }.
3 – شرف أصحاب الحديث { ص116} .
4 –العزلة للخطابي { ص 101} .
يتبع إن شاء الله ....

ام انس
02-03-2011, 02:53 PM
تتمة للموضوع:


البرنامج الناجع لتلقي العلم الشرعي النافع وهو على ثلاث مراحل كل مرحلة تحتاج إلى سنتين حتى ثلاث سنوات .
المرحلة الأولى : مرحلة التأسيس
القرآن وعلومه
حفظ جزء تبارك مع (ج4و3 )من تفسير السعدي أو الجلالين
أحكام التجويد لمحمد معبد
حفظ المنظومة الجزرية أو تحفة الأطفال .
السنة وعلومها
حفظ الأربعين نووية
حفظ البيقونية مع شرحها للشيخ العثيمين .
شرح الأربعين نووية النووي أو ابن دقيق العيد
التوحيد(( العقيدة))
حفظ نظم مقدمة ابن أبي زيد القيرواني
تبسيط العقائد الإسلامية لابن باديس
شرح الأصول الثلاثة للشيخ العثيمين
أصول الفقه
حفظ الورقات للجويني أو نظمها العمريطي
إمتاع العقول بروضة الأصول لشيبة الحمد
الأصول من علم الأصول للشيخ العثيمين
الفقه
حفظ التعريفات اللغوية والاصطلاحية لعلي هندي
حفظ العشماوية أو الدرر البهية
قراءة متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني مع شرحها
السيرة النبوية
مختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب
الرحيق المختوم للمباركفوري
مختصر الشمائل المحمدية للترمذي تحقيق الألباني .
نحو بلاغة
حفظ متن الأجرومية
شرحها التحفة السنية محي الدين عبد الحميد
البلاغة الواضحة لعلي الجارم
مطالعة
روضة العقلاء وتزهة الفضلاء
رسائل صغيرة في المنهج السلفي
المرحلة الثانية : مرحلة التكوين .
القرآن وعلومه
حفظ ربع يـس مع (ج2و1)من تفسير السعدي
حق التلاوة
مقدمة في أصول التفسير ابن تيمية أو السفير في علم التفسير
السنة وعلومها

حفظ حديثين من كل باب من عمدة الأحكام
تيسير العلام بشرح عمدة الأحكام للبسام
نخبة الفكر وشرحها لابن حجر .
التوحيد(( العقيدة))
حفظ كتاب التوحيد مع شرحه فتح المجيد
العقيدة الواسطية شرح الفوزان
عقيدة أهل الحديث للصابوني
أصول الفقه

تناريخ التشريع الإسلامي لعمر الأشقر
مذكرة في أصول الفقه للشنقيطي
روضة الناظر لابن قدامة
الفقه
الروضة الندية صديق حسن خان
الروضة الندية صديق حسن خان
فقه السنة سيد سابق مع تمام المنة للألباني
السيرة النبوية والتاريخ

تاريخ الخلفاء للسيوطي
صحيح السيرة لأكرم ضياء العمري

صحيح القصص النبوي محمد جميل زينو
نحو بلاغة

حفظ 250 بيت من ألفية ابن مالك
شرح ابن عقيل على الألفية الجزء الأول
المطالعة
شرح حلية طالب العلم للشيخ العثيمين
شرح حلية طالب العلم للشيخ العثيمين
كتب في المنهج السلفي
المرحلة الثالثة : مرحلة التأهيل .
القرآن وعلومه
حفظ نصف الأخير من القرآن الكريم
مناهل العرفان للزرقاني أو الإتقان للسيوطي
تفسير ابن كثير معه تفسير آيات الأحكام صديق خان
السنة وعلومها
حفظ حديث من كل باب من بلوغ المرام
سبل السلام للصنعاني نيل الأوطارللشوكاني
تدريب الراوي للسيوطي

التوحيد(( العقيدة))

الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية
العقيدة الطحاوية للطحاوي أو معارج القبول للحكمي
الملل والنحل لابن حزم أو الفرق بين الفرق للبغدادي
أصول الفقه
إعلام الموقعين لابن القيم الجوزية
قراءة في إعلام الموقعين لابن القيم
الاعتصام للشاطبي
الفقه
باقي فقه السنة سيد سابق مع تمام المنة للألباني
فقه مقارن بداية المجتهد ج1
فقه مقارن بداية المجتهدج2
السيرة النبوية والتاريخ
التاريخ الإسلامي محمود شاكر
التاريخ الإسلامي محمود شاكر
قراءة من سير أعلام النبلاء للذهبي .
نحو بلاغة
حفظ 250 بيت من ألفية ابن مالك الباقية
شرح ابن عقيل على الفية ابن مالك الجزء الثاني
كتاب علم العروض .
فرائض
الرائض في علم الفرائض
الرائض في علم الفرائض

ام رقية الاثرية
02-03-2011, 07:16 PM
السلام عليكم ورحمله وبركاته بارك الله فيك اختي لكن هل تتمة الموضوع هي أيضا نقلتها من سحاب

ام انس
02-04-2011, 10:20 AM
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
نعم اخت نقلته من احدى الاخوات