مشاهدة النسخة كاملة : رسالة لطيفة في أصول الفقه -عبد الرحمن بن ناصر السعدي-
أبو عبد الله عادل السلفي
04-11-2009, 04:09 AM
رسالة لطيفة في أصول الفقه
المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر السعدي
الشارح: عبد الله بن صالح الفوزان
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله، نحمده على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، وعلى أحكامه القدرية العامة لكل مكون وموجود، وأحكامه الشرعية الشاملة لكل مشروع، وأحكام الجزاء بالثواب للمحسنين، والعقاب للمجرمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في الأسماء والصفات، والعبادة والأحكام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي بيَّن الحكم والأحكام، ووضَّح الحلال والحرام، وأصّل الأصول وفصلها حتى استتم هذا الدين واستقام، فاللهم صلِّ وسلم على محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه خصوصًا العلماء الأعلام.
أما بعد:
فإن علم أصول الفقه علم جليل القدر، غزير الفائدة، به يتوصل إلى استنباط الأحكام الشرعية على أسس سليمة، وقواعد صحيحة، لا يستغني عنه محدث، ولا مفسر، ولا فقيه، بل ولا تتم ثقافة الطالب المسلم إلا بهذا العلم؛ لأن هذا العلم -بعد توفيق الله تعالى- هو المعين على فهم نصوص الشرع، واستنباط أحكامه منها.
ولهذا نجد أن العلماء -رحمهم الله تعالى- وأعني بهم الأصوليين- فرغوا جهدهم واستفرغوا طاقتهم، وبذلوا أوقاتهم في تأصيل مسائل هذا العلم، وفي تفريع فروعه، حتى صار علمًا مستقلا.
وإن الملاحظ في كتب الأصول التي تشكل جناحًا مستقلا في المكتبة أقول: إن هذه الكتب يلاحظ فيها على اختلاف مناهجها، وتباين وجهات نظر مؤلفيها يلاحظ فيها ثلاثة أمور:
الأمر الأول: صعوبة العبارة في غالبها، مما يجعل معظم الطلاب يشكون من صعوبة أصول الفقه، وانغلاق عبارته.
ثانيًا : أن معظم هذه المؤلفات أدخل فيها ما ليس منها، أدخل في أصول الفقه مباحث ليست من أصول الفقه، كبحثهم في مبدأ اللغات، وفي عصمة الأنبياء، وفي تكليف الكفار، وهل هم مطالبون بفروع الشريعة؟ أو بمعنى أدق: هل هم مطالبون بالأوامر والنواهي؟ وتكليف المعدوم، إلى غير ذلك من المباحث، وهذه المباحث ليست من أصول الفقه.
ولهذا قرر الشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه الموافقات أن الأصول ما أضيف إلى الفقه إلا لأجل أن يكون خادمًا للفقه، ومعينًا على الفقه، وعليه -وهذا من معنى كلامه- فكل مسألة في أصول الفقه لا تخدم الفقه فليست من الأصول؛ ولعل السبب في هذا الأمر -أعني الثاني وما قبله- هو أن معظم من كتبوا في أصول الفقه هم من علماء الكلام وفرسان المنطق، فدخلت عباراتهم وعلومهم في أصول الفقه، كما نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والأمر الثالث الذي يلاحظ في كتب الأصول هو: عنايتها بالجانب النظري دون الجانب التطبيقي التمثيلي؛ لأن معظم قواعد أصول الفقه قررت بطريقة لم يكن فيها عرض أمثلة كافية من الكتاب والسنة؛ ولهذا فإن هذه الأمور الثلاثة تدعو الحاجة -في زماننا هذا- إلى تلافيها، وتذليل الصعوبات أمام دارسي الأصول؛ ولهذا نجد أن العلماء -رحمهم الله- ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، تبعه على هذا تلميذه ابن القيم، ومن قبلهم أيضًا ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله، ثم ما سلكه المتأخرون المعاصرون من التأليف في أصول الفقه، وعرضه بأسلوب جديد فيه محافظة على قواعد المتقدمين، وما أصلوه، ولكن من جانب آخر اتجهت العناية إلى أمرين:
الأمر الأول : إبعاد المباحث التي ليس لا علاقة بالأصول من الأصول.
والمبحث الثاني: العناية بضرب المثال، وتوضيح القاعدة، ولعل من هذه الكتب، أو بمعنى أدق من هذه الرسائل التي كتبت في هذا الموضوع: هذه الرسالة التي سيكون التعليق عليها -إن شاء الله تعالى- خلال هذه الدروس الستة التي أولها درس الليلة، وهذه الرسالة -كما تعلمون- كتبها الشيخ علامة القصيم عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-.
:::::::::::::::::::::::::::::::::يتبع::::::::::::: :::::::::::::::::::
أبو عبد الله عادل السلفي
04-11-2009, 04:18 AM
ما امتازت به هذه الرسالة
يقول -رحمه الله- في المقدمة بعد الخطبة التي قرأتها عليكم في أول الكلام، وإنما قرأتها توفيرًا للوقت، يقول: أما بعد فهذه رسالة لطيفة في أصول الفقه، سهلة الألفاظ، واضحة المعاني، معينة على تعلم الأحكام لكل متأمل معان، نسأل الله أن ينفع بها جامعها وقارئها، إنه جواد كريم.
_____________________
أولًا: قوله: "فهذه رسالة لطيفة" اللطيف من الكلام هو رقيقة وسهلة، ذكر هذا في المعجم الوسيط: يقال: هذا كلام لطيف، أو هذا شرح لطيف يعني رقيق واضح العبارة، سهل الأسلوب.
ثانيًا: هذه الرسالة للشيخ -رحمه الله- امتازت بثلاث مزايا:
المزية الأولى: أن هذه الرسالة واضحة العبارة، سهلة الأسلوب، وهذه طريقة الشيخ -رحمه الله- في أسلوبه.
الأمر الثاني أو المزية الثانية وهي المهمة: أن الشيخ -رحمه الله- اتجه فيها إلى العناية بالضوابط والتقعيد، وهذه طريقة يميل إليها الشيخ -رحمه الله- يعنى بقضيه التقعيد والضوابط، ولا ريب أن هذا فيه نفع عظيم للطالب ولا سيما الطالب المبتدئ.
المزية الثالثة: أن هذه الرسالة مختصرة، ومع اختصارها فلا يستغني عنها الطالب المبتدئ ولا الطالب المنتهي: يعني الطالب المبتدي بحاجة إليها، والطالب المنتهي -أيضًا- يستفيد منها. نظرًا لما أودعه الشيخ -رحمه الله- فيها من الدرر والفوائد، وقد قسمت هذه الرسالة إلى ستة دروس، ولا أدري هل نستطيع إكمالها، أو لا، ولكنني حريص على إكمالها؛ لأجل أن يصدق على الطالب أنه درس في أسبوع واحد متنًا من متون الأصول مع شرحه.
درسنا اليوم في ثلاث نقاط:
النقطة الأولى: في تعريف أصول الفقه.
النقطة الثانية: في الأحكام الشرعية.
النقطة الثالثة: في شرح قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد.
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::: ::::::::::يتبع::::::::::::: :::::::::::::::::::
أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 06:49 AM
فصل أصول الفقه
تعريف أصول الفقه
يقول الشيخ -رحمه الله- في الجزئية الأولى أو النقطة الأولى:
أصول الفقه هي العلم بأدلة الفقه الكلية.
--------------------------------------------------------------------------------
هذا التعريف منه -رحمه الله- تعريف مختصر، يفي بالمراد، الأصول له تعريفان: تعريف باعتبار مفرديه، وهذا لن نتعرض له، وتعريف باعتباره علمًا على هذا الفن المعروف، وهو كما قال الشيخ "العلم بأدلة الفقه الكلية" والمراد بأدلة الفقه الكلية: القواعد العامة التي يحتاج إليها الفقيه لاستنباط الأحكام الشرعية. فأصول الفقه وظيفته دراسة القواعد الكلية، فقولهم: الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة، النهي للتحريم ما لم تصرفه قرينة، العام شامل لجميع أفراده ما لم يدخله التخصيص، المطلق يحمل على المقيد: هذه تسمى أدلة كلية؛ وإنما سميت أدلة كلية؛ لأن قولنا الأمر يقتضي الوجوب ينطبق على كل واجب من أول الفقه إلى آخره، وهكذا النهي.
فلهذا سميت قواعد الأصول قواعد كلية، وهذا يدل على أن الأصولي ما يشتغل بالجزئيات، ولا يشتغل بالتفاريع، هذه مهمة الفقيه. الأصولي مهمته: تجهيز القواعد، وإعطاؤها للفقيه؛ لأجل أن الفقيه يطبقها على الأحكام، أو يستنبط الأحكام بواسطتها، هذا هو معنى أصول الفقه.
والشيخ -رحمه الله- ترك قيدين من القيود جرت عادة الأصوليين بذكرهما، ما هما؟ ما هما القيدان اللذان ترك المصنف وقد جرت عادة الأصوليين بذكرهما؟ أتفضل أنت. أحسنت. كيفية الاستدلال بها -يعني بهذه الأدلة- وحال المستفيد، ويبدو لي أن الشيخ -رحمه الله- ترك هذا لأمرين:
الأمر الأول: أنه قصد الاختصار.
والأمر الثاني: كأن الشيخ رأى أن العلم بأدلة الفقه الإجمالية ما يتم إلا بمعرفة كيفية الاستدلال، وكيفية الاستدلال لا تتم إلا من المجتهد. إذ كأنه -رحمه الله- رأى أن التنصيص على أن الأصول هو العلم بأدلة الفقه الكلية يكفي عن ذكر كيفيته الاستفادة، وعن ذكر حال المستفيد.
::::::::::يتبع:::::::::::::
أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 06:56 AM
تعريف الفقه
يقول بعد هذا -موضحًا السبب في كون الأصول هو العلم بأدلة الفقه الكلية- يقول:
وذلك أن الفقه: إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة، وإما دلائل يستدل بها على هذه المسائل. فالفقه هو معرفة المسائل والدلائل.
--------------------------------------------------------------------------------
يقصد بهذا أن الفقه لا يكون فقهًا بالمعنى الاصطلاحي إلا إذا توفر فيه أمران:
الأمر الأول : معرفة المسألة.
والأمر الثاني: معرفة الدليل.
فمثلًا: إذا أخذنا قول الله تعالى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُم)) إلى قوله -مثلًا-: ((وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)) فأنا الآن عندي مسألة، ما هي؟ ما حكم نكاح أم الزوجة؟ هذه مسألة.. التي قال عنها المصنف: مسائل. هذه المسألة تحتاج إلى حكم من الأحكام الخمسة: إما التحريم -مثلًا-، أوالكراهة.
هذا معنى قول الشيخ هنا؛ وذلك أن الفقه إما مسائل يطلب الحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة: فأنا معي مسألة فقهية أريد أن أحكم عليها بحكم من الأحكام الخمسة، فبما أن الآية صدرت بقوله -سبحانه-: حُرِّمَتْ إذن صار الحكم هو التحريم، إذن ثبت التحريم. فلو قيل لإنسان: ما حكم نكاح أم الزوجة؟ يقول. الحكم التحريم.
يبقى الأمر الثاني: وهو الدليل، سيقول: إن الدليل (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)) إلى قوله: ((وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ)) هذه -الآن- مسألة فقهية، ولكن كيف تم للفقيه أن يتوصل إليها؟ لعلكم يا إخوان، تلاحظون أن كثيرًا من مسائل الأوامر والنواهي أمرها واضح، لكن فيه مسائل فقهية تحتاج إلى تعامل بيِّن مع القواعد الأصولية، مثل: المسائل التي قد تكون في أبواب العام والخاص، أو في باب المطلق والمقيد، أو في باب المنطوق والمفهوم، أو في القياس، وكلها المسألة -هذه- قد يقول قائل: أمرها واضح -هذه- لكن -كقاعدة عامة- الفقه لا بد فيه من هذين الأمرين: الأمر الأول: مسائل، والأمر الثاني: أمر الدلائل.
أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 07:09 PM
أدلة أصول الفقه
الشيخ -رحمه الله- يناقش موضوع الدلائل الذي يراد بها الأدلة، فيذكر أن الأدلة نوعان، فيقول:
وهذه الدلائل نوعان: كلية تشمل كل حكم من جنس واحد من أول الفقه إلى آخره، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ونحوهما، وهذه هي أصول الفقه، وأدلة جزئية تفصيلية تفتقر إلى أن تبنى على الأدلة الكلية. فإذا تمت حُكِم على الأحكام بها.
--------------------------------------------------------------------------------
وكان الأولى أن يقول: وهذه هي الفقه.
إذن عرفنا الفقه وأصول الفقه: أصول الفقه أدلته كلية، والفقه أدلته جزئية. لماذا كانت أدلة أصول الفقه كلية؟ لماذا؟ الجواب: لأن أدلة أصول الفقه لا تعني مسألة معينة، إذا قلنا: الأمر للوجوب. خذ -مثلًا- متن الزاد من أوله إلى آخره، وطلَّع النص. .المسائل الفقهية التي ينطبق عليها أن الأمر للوجوب. إذن قاعدة أن الأمر للوجوب، أو دليل أن الأمر للوجوب دليل جزئي أو كلي؟ دليل كلي. لماذا كلي؟ لأنه ينطبق على جميع أوامر الشريعة الواجبة، النهي للتحريم: دليل من أدلة الأصول ينطبق على كل مسألة النهي فيها للتحريم، بدون تخصيص مسألة معينة.
هذا هو أصول الفقه. إذن أصول الفقه أدلة إجمالية، وإن شئت قل: أدلة كلية لا يعنى بالتفاصيل، ولا بعرض الجزئيات، اللهم إلا إن كان المقصود التمثيل فقط.
أما النوع الثاني من الأدلة:- هذا- يسمى أدلة جزئية، والمراد بالأدلة الجزئية: أدلة كل مسألة في الفقه: ولماذا سميت أدلة جزئية؟ لأن كل مسألة لها دليل ليس للمسألة الأخرى: هل الأوامر دليلها واحد؟ هل النواهي هي دليلها واحد؟ (( أَقِيمُوا الصَّلَاةَ)) دليل جزئي خاص بإقامة الصلاة، (( وَآتُوا الزَّكَاة)) دليل جزئي، هذا غير هذا، (( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا)) دليل جزئي (( وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ)) دليل جزئي، هذا غير هذا؛ ولهذا سميت أدلة جزئية؛ لأنها تتعلق بكل جزء من مسائل الفقه.
إذن كل مسألة من مسائل الفقه عليها دليل إما من كتاب أو من سنة.. إلى آخر الأدلة.
لكن لما كانت هذه الأدلة مربوطة بمسائلها أطلق عليها العلماء الأدلة الجزئية، وخلاصة القول وقصاراه إن الدليل الكلي وظيفة الأصولي، والدليل الجزئي وظيفة الفقيه، والشرح سيكون -يعني فيه نوع من الاختصار خصوصًا في بعض المواضع حتى نمشي في الكتاب.
::::::::::يتبع:::::::::::::
أبو عبد الله عادل السلفي
04-14-2009, 04:51 AM
لا يقبل الحكم الشرعي إلا بدليل
قال الشيخ -رحمه الله-: فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية.
--------------------------------------------------------------------------------
العبارة معناها: أن من أراد أن يعطينا حكمًا شرعيًا لا بد أن يقيم الدليل، لا يقبل من أي إنسان حكم شرعي إلا بدليل، هذا معنى قوله: "فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية"
أبو عبد الله عادل السلفي
04-14-2009, 04:54 AM
الأدلة التفصيلية تحتاج إلى أدلة كلية
والأدلة التفصيلية مضطرة إلى أدلتها الكلية.
--------------------------------------------------------------------------------
يعني إيه؟ يعني أن الفقيه ما يمكن يستنبط الحكم من الدليل إلا بواسطة أصول الفقه الذي يبحث في الأدلة الكلية؛ ولهذا صح أن يسمى أصول الفقه، ومعنى أصول الفقه: يعني أن الفقه مبني عليه، يعني: أصل الجدار، أصل الشجرة -يعني بالنسبة للمعنى اللغوي- الشجرة مبنية على جذعه، والجدار مبني على أساسه.
إذن الفقه مبني على الأصول، ولعله بهذا اتضح لكم معنى أصول الفقه، ومعنى أن الفقه مبني على الأصول معناه (إيه)؟ مثلما قال الشيخ -رحمه الله-: "الأحكام الشرعية تحتاج أدلة تفصيلية والأدلة التفصيلية تحتاج إلى الأدلة الكلية" إذن هما أمران متلازمان. ولهذا يقول:
وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه وأنها معينة عليه وهي أساس النظر والاجتهاد في الأحكام.
--------------------------------------------------------------------------------
الشيخ -رحمه الله- يشير إلى فائدة واحدة من فوائد الأصول، وهي أهم الفوائد على الإطلاق -كما قلت لكم في بداية الكلمة- وهي: استنباط الأحكام الشرعية على أسس سليمة وقواعد صحيحة؛ ولهذا نص شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- على هذه الفائدة حيث قال:" إن المقصود من أصول الفقه أن يفقه مراد الله ورسوله بالكتاب والسنة" وبهذا نكون أنهينا الجزئية الأولى.
أبو عبد الله عادل السلفي
04-14-2009, 04:57 AM
الأحكام الشرعية التي يدور الفقه عليها
ننتقل الآن إلى الجزئية الثانية وهي: الأحكام الشرعية يقول -رحمه الله-:
الأحكام التي يدور الفقه عليها خمسة: الواجب الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، والحرام ضده، والمسنون الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، والمكروه ضده، والمباح مستوي الطرفين.
--------------------------------------------------------------------------------
الأحكام الشرعية خمسة:
الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح، ووجه الحصر في هذه الأقسام الخمسة أن نصوص الشريعة إما طلب -يعني موجه إلى المكلفين- إما طلب، وإما تخيير، وإما وضع، والوضع- هذا- يسمى الأحكام الوضعية، والشيخ -رحمه الله- ما تعرض لها.
الطلب نوعان:
إما طلب فعل وهذه الأوامر: وإما طلب ترك وهذه النواهي.
الأوامر نوعان:
إما أوامر طلبت على سبيل الإلزام، هذا واجب، أو أوامر طلبت لا على سبيل الإلزام هذا المندوب. النواهي -كذلك-: إلزام أو بدون إلزام، والخامس المباح.
إذن هذه الأحكام الخمسة مفرعة من الطلب بنوعيه، ومن المباح. هذه الأقسام الخمسة العلماء في تعريفها يسلكون طريقتين: إما التعريف بالحد والتصور، وإما التعريف بالحكم والنتيجة والثمرة. فالشيخ -رحمه الله- جرى على الثاني: فعرف الواجب بأنه ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وهذا يسمى تعريف الثمرة والنتيجة، أما تعريف الواجب بالحد فهو ما أمر به الشرع على وجه الإلزام.
وكثير من الأصوليين يرجح أن التعريف ينبغي أن يكون بالحد والضابط، لا بالحكم ولا بالثمرة؛ لأنهم يقولون: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، حتى إن ابن عقيل الحنبلي في كتابه الواضح في الأصول قال: "إن الحد ببيان الثمرة يأباه المحققون" -يعني- وصفهم بالمحققين.
المندوب: مقابل للواجب، فهو ما أمر به الشرع، لا على وجه الإلزام، حكمه يثاب فاعله، ولا يعاقب تاركه، المحرم: ما نهى عنه الشرع على وجه الإلزام، والمكروه: لا على وجه الإلزام، والمباح: ما استوى طرفاه -يعني- لم يتعلق به لا أمر ولا نهي.
هذه أمور واضحة ومعلومة للجميع، ولا نريد أن نزيد فيها على ما قاله المؤلف؛ لأن أمامنا ما هو أهم منها، ولكني قبل أن أنتهي من ذكر الأحكام الخمسة أود أن أضع النقاط على الحروف في نقطتين:
النقطة الأولى : ذكر الشاطبي -رحمه الله- في الموافقات "أن المندوب خادم للواجب" ويعني بهذا -رحمه الله- أن المحافظة على المندوبات سياج منيعة تؤدي للمحافظة على الواجبات؛ لأن الغالب أن من يحافظ على نوافل الصلاة -مثلًا- فإنه لن يقصر في واجبها، وهكذا بقية أحكام الشريعة.
فالذي يحافظ -مثلًا- على نوافل الصلاة تجد هذا صلاته أحيطت بسياج منيعة، أحاطها بفعله للمندوبات: إذا كان -مثلًا- يتقدم للمسجد قبل الصلاة بعد الأذان ويتأخر، فهذا تجد أن فريضته سلمت من أي نقص يدخل عليها، انظر إلى حال الناس لا تهمهم النوافل القبلية ولا البعدية، ولا تهمهم الأذكار، ماذا تلاحظون؟ تلاحظ أن الخلل ما اقتصر على التقصير في المندوبات فقط، بل تعدى إلى الواجبات؛ ولهذا نجد الذي يفوته جزء من الصلاة، أو تفوته الجماعة إنما أُتي من قبل إخلاله بالمندوبات، لكن الذي سلمت له فريضته، وأدركها من أولها من أين جاءه هذا؟ من كونه حافظ على المندوب.
فهذه الكلمة من الشاطبي -رحمه الله- هي درس تربوي يجب أن يعيه كل مسلم، وهو أن المندوبات تعتبر خادمًا للواجبات، وهذا -يا إخوان- بالنسبة لدار الدنيا، أما بالنسبة للدار الآخرة: إذ كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه الترمذي -وهو حديث صحيح- أن الفرائض يوم القيامة تكمَّل نواقصها من النوافل، وأنه أول ما يُبدأ بالصلاة، وكما ورد في الحديث قال: ثم تكون سائر فرائضه على ذلك -يعني- نواقص الصيام من نفل الصيام، ونواقص الصلاة كذلك، ونواقص الحج كذلك. فلعله اتضح لنا -بهذا- معنى قول الشاطبي: "إن المندوب خادم للواجب".
المسألة الثانية: أن المكروه الذي أمر به الشرع لا على وجه الإلزام، وتركه خير من فعله. هذا اصطلاح للمتأخرين الأصوليين، وإلا فإن معظم المتقدين، ولا سيما الإمام أحمد -رحمه الله-، الشافعي -رحمه الله- كما ذكر ابن القيم رحمه الله في أوائل الجزء الأول من إعلام الموقعين -أنهم لا يعرفون المكروه بمعنى كراهة التنزيه، إنما إذا أطلقوه المكروه أرادوا به المحرم.
المكروه يعني ما نهى عنه لا على وجه الإلزام -طيب- فابن القيم يقول: "إن متأخري هؤلاء الأئمة غلطوا على أئمتهم، فراحوا يفسرون الكراهة في كلام أئمتهم بالاصطلاح الأصولي المتأخر". ولا ريب أن الدافع لمثل الإمام أحمد -رحمه الله- على أن يعبر عن المحرم بالمكروه بأكره -هو الورع، امتثالًا لقول الله تعالى: ( وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ )
ولهذا ينبغي التوقي؛ لأن العلماء القدامى إذا عبروا بالمكروه أنه لا يفسر في كلامهم -بالمعنى الاصطلاحي- عند الأصوليين إلا إذا وجد أدلة تدل على ذلك؛ ولهذا الإمام أحمد ورد عنه أنه قال: "أكره أن يتوضأ في آنية الذهب والفضة" ولا ريب أن الكراهة -هذه- كراهة تحريم؛ لأن الدليل واضح في هذا، في النهي، على الخلاف عند العلماء في موضوع استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب وغيرهما، أو أنه مقصور على الأكل والشرب، هذه المسألة مسألة أخرى.
أبو عبد الله عادل السلفي
04-16-2009, 05:28 AM
أقسام الواجب
بعد هذا الشيخ -رحمه الله- انتقل إلى تقسيم واحد من تقسيمات الواجب، وهو تقسيم الواجب باعتبار الفاعل، الواجب باعتبار الفاعل قسمان: فرض عين، وفرض كفاية.
فرض العين: ما طلب من كل مكلف بعينه.
--------------------------------------------------------------------------------
بحيث إن غيره لا يقوم مقامه؛ ولهذا سمي فرض عين؛ لأنه متعلق بعين المكلف نفسه وذاته، هذا واضح مثل: الطهارة والصلاة الصيام، وغير ذلك من فروض الأعيان.
الثاني هو: فرض الكفاية، فرض الكفاية لا يعني أن يكون الفاعل زيدًا أو عمرًا، إنما الذي يعني -في نظر الشرع- هو حصول الفعل من أي شخص كان، المهم الفعل لا بد أن يحصل؛ ولهذا سمي فرض كفاية؛ لأن قيام البعض به يكفي، يكفي في إيه؟ يكفي في حصول الفعل من جانب وسقوط الإثم عن الباقين من جانب آخر.
لكن من المثاب؟ المثاب هو الفاعل. فالذي يقوم بفروض الكفايات هو الذي يثاب، أما البقية فغاية ما يتعلق بهم أنه يسقط عنهم الإثم.
وفروض الكفايات كثيرة، مثل لها الشيخ بعض الأمثلة: كتعلم العلوم والصناعات النافعة، والأذان، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقضاء، تغسيل الموتى، تكفينهم، والفتوى، كل هذه من فروض الكفايات إذا قام به من يتأدى به الفرض كفى: إذا وجد أناس يغسلون الموتى ما يلزم أن البقية يطالبون، إذا وجد من يقوم بالفتوى كذلك، إذا وجد من يتولى القضاء كذلك.
لكن ينبغي أن نعلم مسألة وهي: أن فرض الكفاية قد يكون فرض عين، ومتى؟ إذا تعين المطلوب في حق شخص معين. إذا لم يوجد في البلد إلا قاضٍ واحد صار القضاء بالنسبة له فرض عين، لو -مثلًا- غرق إنسان في ماء، وفيه عشرة أشخاص موجودون، ولكن لا يحسن السباحة إلا واحد يكون إنقاذ الغريق في حقه فرض عين؛ ما يقول: لا، كل واحد منكم، هذا فرض كفاية. تقول: لا، صار الآن فرض عين.
مثلًا: مريض ذهبنا به إلى المستشفى، إلى الإسعاف، إذا كان في قسم الإسعاف ثلاثة أطباء: حكم إسعاف المريض فرض كفاية، إذا أسعفه واحد انتهى أمر الباقين. لكن لو فرض أن الطبيب المناوب... ما فيه إلا طبيب واحد مناوب، ماذا يكون حكم الإسعاف في حقه؟ يكون فرض عين. إذن فروض الكفايات قد تكون فرض عين إذا تعين المطلوب على شخص معين.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir