المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقالات الشيخ الفاضل عبد السلام برجس آل عبد الكريم رحمه الله


أبو عبد الله عادل السلفي
04-08-2009, 01:15 AM
مقلات الشيخ عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم


لا أعنف من قال شيئاً له وجه وإن خالفناه


«لا أُعَنَّفُ مَنْ قال شيئاً له وَجْهٌ وإنْ خَالفْنَاهُ»

كلمة قالها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى هي قاعدة في الخلاف، شهدت لها نصوص الشرع بالصحة، وتحلى بها أهل الإنصاف من علماء المسلمين.

إنها كلمة فيصل، لزومها يخرج المسلمين من دائرة الخصام المورِّث للعداوة، الباعث على الشحناء، فما أسعد من لزمها، وما أسعد المسلمين به.

وشرح هذه الكلمة يتلخص فيما يلي:

1- قَلَّ أن تخلو مسائل العلم من خلاف بين العلماء.

2- هذا الخلاف له درجات، فمنه خلاف قوي، ومنه خلاف ضعيف.

3- الخلاف القوي: هو ما كان في المسائل الاجتهادية، أي التي يكون لكل مذهب فيها دليل معتبر.

وتحديدها يرجع إلى المجتهدين.

4- المصيب واحد. لكن يجب أن يعلم أن جميع المجتهدين إنما تكلموا بعلم، واتبعوا العلم، إلا أن بعضهم قد يكون عنده علم ليس عند الآخر، إما بأن سمع ما لم يسمع الآخر، وإما بأن فهم ما لم يفهم الآخر.

5- فإذا خالفنا أحدٌ في المسائل الاجتهادية، فإن خلافه سائغ، فلا يجوز تعنيفه، فضلاً عن تضليله.

وبهذه النقاط الخمس يظهر لك عظم تلك الكلمة التي قالها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى .

وبها يظهر أن مذهبه رحمه الله ليس فيه شدة مذمومة، كما قد يتخيله بعض عوام المصريين، وغيرهم، بل مذهبه التيسير الموافق للشريعة.

هذا وقد وقفت على كلام جميل وتفصيل رائق لعالم من علماء المسلمين أتمنى أن يقف عليه ويتأمله طلبة العلم وأهل الحسبة، إذ هو شرح تفصيلي تأصيلي لمدلول كلمة الإمام أحمد السابقة، إنه كلام للعالم الكبير عزالدين بن عبدالسلام في كتابه «شجرة المعارف والأحوال» (ص381)

وهو ختام الكتاب، هذا خلاصته:

أ/ الإنكار متعلق بما أُجمع على إيجابه، أو تحريمه.

ب/ فمن ترك ما اختلف في وجوبه، أو فعل ما اختلف في تحريمه، فلا يخلو من أمرين:

1- إن قلد بعض العلماء في ذلك، فلا إنكار عليه، إلا أن يقلده في مسألة يُنْقَضُ حكمه في مثلها.

2- إن كان جاهلاً، لم ينكر عليه.

ولا بأس بإرشادة إلى الأصلح.

ولماذا لم ينكر عليه؟ لأنه لم يرتكب محرماً، فإنه لا يلزمه تقليد من قال بالتحريم ولا بالإيجاب.

ج/ لا بأس بإرشاد العامي إلى ما هو الأحوط في دينه. ولا بمناظرة المجتهد، ليرجع إلى الدليل الراجح.

د/ اختلاف العلماء رحمة، وعلى هذا فلا يجوز الإنكار إلا لمن عَلِمَ أن الفعل الذي ينهى عنه مجمع على تحريمه، وأن الفعل الذي يأمر به مجمع على إيجابه.

معنى النهي عن الإنكار هنا؟

نعني بالنهي عن الإنكار أن لا ينكره إنكارَ الحرام. فلو أنكر إنكار الإرشاد، أو أمر به أمر النصح والإرشاد ساغ ذلك. انتهى المقصود من كلام العز بن عبدالسلام رحمه الله تعالى.

وهو كلام متين، مبني على نصوص الشرع المطهر، ومقاصده الجليلة، غُضَّ عليه بالنواجذ، وإياك أن تُخْدَع بما خالفه من سنن المتشددين، وطرائق الغالين، فالدين وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، والدين براء من التعلق بالأشخاص والمذاهب إلا شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم المعظم، وصحابته الكرام. وما زاغ أكثر الخلق إلا يوم أن والوا وعادوا في غير النبي صلى الله عليه وسلم. والله المستعان.


:::::::::::::::::::::::::::يتبع::::::::::::::::::: ::::::::

ابو عبد المهيمن
04-08-2009, 09:31 AM
بارك الله فيم
ورحم الله الشيخ برجس
اختلاف العلماء سعة وليس رحمة

أبو عبد الله عادل السلفي
04-08-2009, 11:56 AM
الاهتمام والعناية بطلب العلم الشرعي والتفقه في الدين


في حين ان كثيراً من الجماعات الإسلامية اليوم منصرفة عن العلم الشرعي، وفي حين ان كثيراً من اتباع تلك الجماعات منصرفون عن العلم الشرعي، فإن الدعوة السلفية تولي طلب العلم الشرعي أهمية كبيرة إذ هو الركيزة والأساس المتين الذي تقوم عليه الحياة فبناء الفرد وبناء المجتمع لا يتمان ولا يصلحان إلا بالعلم الشرعي ولذا فإن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم قبل القول والعمل فقال عز وجل { فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين}، ونحن جعلنا العلم بداية الأصول لأن السبل كثيرة وكلها سبل متاهات إلا سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال الله جل وعلا:{ وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، ولا سبيل الى سلوك سبيل السنة إلا بالعلم الذي يكشف الحقائق وينير الطريق،ولذلك قال الله تعالى :{ قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني }، فقوله على بصيرة: أي على برهان وحجة وهما العلم النافع ، يقول الإمام احمد رحمه الله تعالى: "الناس إلى تعلم العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب".. الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين والعلم يحتاج إليه بقدر الأنفاس...

ومما ينبغي أن يعلم أن طلب العلم قسمان:
1- فرض على كل أحد..
2- وفرض كفاية..

أما الأول / فهو الذي يقول فيه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كما في الأصول الثلاثة: "اعلم رحمك الله أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل ، الأولى : العلم :وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة".

وقد بين الإمام احمد ما يجب على المسلم أن يتعلمه فقال : "يجب أن يطلب من العلم ما يقوم به دينه ، قيل له مثل أي شيء؟، قال : الذي لا يسعه جهله صلاته وصيامه ونحو ذلك". فالذي يجب على الإنسان أن يعمل به كأصول الإيمان وشرائع الإسلام وما يجب اجتنابه من المحرمات أو ما يحتاج إليه في المعاملات ونحو ذلك ، يجب أن يكون الإنسان عالماً به ، وسؤال أهل العلم من العلم ، فمن سأل أهل العلم فقد استنار في دينه وفعل ما يجب عليه ،يقول تعالى :{ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر}،، فهذا هو طلب العلم الشرعي الذي هو فريضة على كل أحد، أما فرض الكفاية من العلم / فهو ما دون ذلك والاشتغال به أفضل من الاشتغال بالقربات ونوافل العبادات على الصحيح من أقوال أهل العلم كما ورد عن الإمام احمد أنه قال : تعلم العلم وتعليمه أفضل من الجهاد وغيره مما يتطوع به.

ونحن قد أدركنا بعض كبار السن في بلدنا هذا من العامة يحفظون بعض متون العقيدة كالأصول الثلاثة وكشف الشبهات والتوحيد ، ويحفظون آداب المشي الى الصلاة وكل هذا من آثار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ومن بركاتها، ولقد قرر الإمام سعود بن عبد العزيز الأول والإمام فيصل بن تركي دراسة هذه الكتب على جميع المساجد في الدولة السعودية فحفظها ولله الحمد الكبار والصغار، العامة وطلبة العلم، كما يعرف ذلك كثير ممن اعتنى بهذه الأخبار،وكثير من كبار السن الموجودين الآن ، وهذا هو السر الوحيد في بقاء هذه البلاد نقية من أدران البدع، فلو لم يكن العامة على علم بعقيدتهم لفـشـى فيهم شيء من البدع والشركيات ، ولكن العلم حصن حصين ودرع متين من تحصن به وقي شراً كثيراً،، والطريقة التي ينال بها العلم يصعب ان نحددها بحيث أن كل شخص يكون ملزماً بإتباعها لكن أحسن الطرق في نظرنا هي ما كان عليه علماؤنا رحمة الله تعالى عليهم اجمعين،،

وفي هذا يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن السعدي رحمة الله عليه كما في فتاويه: "وتعيين ما يشتغل به -أي طالب العلم- يختلف باختلاف الأحوال والبلدان ، والحالة التقريبية في نظرنا هذا أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصرات الفن الذي يشتغل به فإن تعذر أو قصر عليه حفظه لفظاً فليكرره كثيراً حتى ترسخ معانيه في قلبه ثم تكون باقي كتب الفن كالتوضيح والتفسير لذلك الأصل الذي أدركه وعرفه، فلو حفظ الطالب العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام وثلاثة الأصول وكتاب التوحيد للشيخ محمد ، وفي الفقه مختصر الدليل _يعني دليل الطالب_ ومختصر المقنع، وفي الحديث بلوغ المرام ، وفي النحو الأجرومية ،، واجتهد في فهم هذه المتون وراجع عليها ما تيسر من شروحها أو كتب فنها ،فإنها كالشرح لها لأن طالب العلم إذغ حفظ الأصول صار له ملكة تامة في معرفتها وهانت عليه كتب الفن كلها الصغار والكبار ،، ومن ضيع الأصول حُرِم الوصول ، فمن حرص على هذه العلوم النافعة واستعان بالله أعانه وبارك له في علمه وطريقه الذي سلكه ، ومن سلك في طلبه للعلم غير الطريقة النافعة فاتت عليه الأوقات ولم يدرك إلا العناء كما هو معروف بالتجربة والمشاهدة" انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
__________________________________

الأصل الأول من أصول الدعوة السلفية
الاهتمام والعناية بطلب العلم الشرعي والتفقه في الدين
للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم
من شريط أصول الدعوة السلفية

أبو عبد الله عادل السلفي
04-08-2009, 09:44 PM
الاهتمام بالسنة النبوية والحرص على العمل بها

فإن أحق ما اعتنى به المسلم العمل على اقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم وتجسيدها في حياته مااستطاع إلى ذلك سبيلاً ، وذلك لأن الغاية التي يسعى المسلم لأجلها إنما هي تحصيل الهداية التي توصله إلى دار السعادة وقد قال الله عزوجل : { وإن تطيعوه تهتدوا } وقال تعالى { واتبعوه لعلكم تهتدون } وقال تعالى { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر }

وهذه الآية أصل كبير في التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم بأقواله وأفعاله وجميع أحواله وحركاته وسكناته ، وهذه الأسوة إنما يسلكها ويوفق إليها من كان يرجوا الله واليوم الآخر ، فإن مامعه من الإيمان وخوف الله ورجاء ثوابه وخوف عقابه يحثه على التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

وشرف المؤمن ومنزلته إنما تقاس باتباعه فكلما كان تحريه للسنة أكثر كان بالدرجات العلى أحق وأولى ، ولذا كان السلف السابقون من التابعين رحمة الله تعالى عليهم يجعلون معيار الذي يؤخذ عنه العلم تمسكه بالسنة ، كما قال إبراهيم النخعي : (( كانوا إذا أتو الرجل ليأخذوا عنه العلم نظروا إلى أشياء، نظروا إلى صلاته نظروا إلى سننه وإلى هيئته ثم يأخذون عنه ))

ويقول أحد العلماء (( إن من علامات المحب لله عزوجل متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقهوأفعاله وأوامره وسننه وهذا حق مأخوذ من كتاب الله سبحانه وتعالى فيقول الله عزوجل : { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم } ))

وقال الحسن البصري أو غيره في هذه الآية : (( جعل الله علامة حبهم إياه إتباعهم سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ))

ولقد توافرت النصوص من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين على الترغيب في العمل بالسنة والحث على التمسك بها ، ومن أشهر الأحاديث حديث العرباض بن سارية أنه قال (( وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا : يارسول الله إن هذه موعظة مودع فأوصنا، قال : تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لايزول عنها إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ))

وقوله صلى الله عليه وسلم : (( فعليكم بسنتي )) أي طريقتي التي أنا عليها مما فصلته لكم من الأحكام سواء كان اعتقادية أو عملية ، واجبة أو مندوبة ، وأما تخصيص الأصوليين للسنة بأنها المطلوب طلباًغير جازم ، هذا اصطلاح طارىْء، إنما قصدوا به التمييز بينها وبين الفرض أو الواجب ، فالسنة بلفظ الشارع إذا أطلقت يراد بها الطريقة الشرعية التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وحركاته وسكناته يقول عروة ابن الزبير :(( السنن السنن - أي الزموا السنن السنن - فإن السنن قوام الدين ))

وكان ابن عمر رضي الله عنه يتبع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره وحاله ويهتم به حتى كان خيف على عقله من أهتمامه بذلك (( أخرجه أبو نعيم وغيره ))

ويقول الزهري (( كان من مضى من علمائنا يقولون : الإعتصام بالسنة نجاة ))

وللاهتمام بالسنة فوائد كثيرة لا تحصى منها تحصيل الملتزم بها درجة المحبوبية التي قال الله عزوجل فيها كما في الحديث القدسي : (( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ورجله الذي يمشي بها ويده التي يبطش بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأعيذنه ))

ومن فوائد التمسك بالسنة أنها تجبر الفرائض لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( إن أول ما يحاسب به الناس يوم القيامة من أعمالهم الصلاة فيقول الله تعالى للملائكة انظروا في صلاة عبدي أتمها أم أنقصها فإن كانت نقص منها شيء قال الله : انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال أتموا لعبدي فريضته من تطوعه ))

ومنها أن للمتمسك بالسنة في آخر الزمان أجراً كبيراً لحديث عتبة بن غثوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم ، قالوا يا نبي الله أو منهم قال بل منكم ))

وقد كان السلف رحمة الله تعالى عليهم يشددون في ترك بعض السنن ويلومون تاركها مطلقاً الذي يتركها مطلقاًيلام لأنه قد يتناوله عموم قوله صلى الله عليه وسلم (( فمن رغب عن سنتي فليس مني )) ولذلك قال الإمام أحمد : (( إن من ترك الوتر رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته ))

فنحن نعتني بالسنة ، فكل ماثبت من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم نسعى سعياً حثيثاً لتطبيقه وأحيائه بين الناس لعل الله سبحانه وتعالى أن ينيلنا أجر من أحيا السنن


_____________________________
الأصل الخامس من أصول الدعوة السلفية
الاهتمام بالسنة النبوية والحرص على العمل بها والدعوة إلى ذلك
للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم
من شريط أصول الدعوة السلفية

فيصل بن المبارك أبو حزم
04-09-2009, 09:52 AM
بارك الله فيك على هذا المقال الجميل النافع
أخانا الكريم أرجو في المرة القادمة - إن شاء الله -أن تضع عنوانا مناسبا لموضوعك .
وشكرا .

أبو عبد الله عادل السلفي
04-09-2009, 09:02 PM
الحمد لله.
بارك الله فيكم إخواني, و أشكركم على مروركم الكريم. و أشكر الأخ ابو حزم على نصيحته (فعنونتي للموضوع بمقالات شيخ.....) و هو نابع من نيتي بنقل جميع المقالات التي كتبها شيوخ الدعوة السلفية و تكون في مكان واحد. فبعد انتهائي من مقالات الشيخ برجس (رحمه الله) سأنقل مقالات شيخ آخر وهكذا....
و إن كان عندك عنوان جيد لموضوعي فلا تبخل علينا به, و جزاكم الله الحسنى.

أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 04:18 AM
الأصل في دخول العلماء على الأمراء الجواز

للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم

حَدَّثَنَا عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنِي أَبِي حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمْسٍ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ كَانَ ضَامِنًا عَلَى اللَّهِ مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ أَوْ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ دَخَلَ عَلَى إِمَامٍ يُرِيدُ بِذَلِكَ تَعْزِيرَهُ وَتَوْقِيرَهُ أَوْ قَعَدَ فِي بَيْتِهِ فَيَسْلَمُ النَّاسُ مِنْهُ وَيَسْلَمُ (1)

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ قَالَ وَمَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ قَالَ أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي لَا يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ وَلَا يَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي وَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ وَسَيَرِدُوا عَلَيَّ حَوْضِي يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ وَالصَّلَاةُ قُرْبَانٌ أَوْ قَالَ بُرْهَانٌ يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ النَّاسُ غَادِيَانِ فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا (2)

حَدَّثَنَا عَفَّانُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عُقْبَةَ قَالَ سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ يَسْأَلَ فِي الْأَمْرِ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهِ الْحَجَّاجَ فَقَالَ سَلْنِي فَإِنِّي ذُو سُلْطَانٍ (3)

قال العلامة ابن الوزير في كتابه "العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم" : (( فهذا عام في سلاطين العدل والجور ، وليس يمكنه السؤال إلا بضرب من المخالطة . اهـ ))

حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا صَفْوَانُ حَدَّثَنِي شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ جَلَدَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ صَاحِبَ دَارِيَا حِينَ فُتِحَتْ فَأَغْلَظَ لَهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ الْقَوْلَ حَتَّى غَضِبَ عِيَاضٌ ثُمَّ مَكَثَ لَيَالِيَ فَأَتَاهُ هِشَامُ بْنُ حَكِيمٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هِشَامٌ لِعِيَاضٍ أَلَمْ تَسْمَعِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا أَشَدَّهُمْ عَذَابًا فِي الدُّنْيَا لِلنَّاسِ فَقَالَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ يَا هِشَامُ بْنَ حَكِيمٍ قَدْ سَمِعْنَا مَا سَمِعْتَ وَرَأَيْنَا مَا رَأَيْتَ أَوَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِسُلْطَانٍ بِأَمْرٍ فَلَا يُبْدِ لَهُ عَلَانِيَةً وَلَكِنْ لِيَأْخُذْ بِيَدِهِ فَيَخْلُوَ بِهِ فَإِنْ قَبِلَ مِنْهُ فَذَاكَ وَإِلَّا كَانَ قَدْ أَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ لَهُ وَإِنَّكَ يَا هِشَامُ لَأَنْتَ الْجَرِيءُ إِذْ تَجْتَرِئُ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ فَهَلَّا خَشِيتَ أَنْ يَقْتُلَكَ السُّلْطَانُ فَتَكُونَ قَتِيلَ سُلْطَانِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (4)

وقد عوتب أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي على تقبيل يد السلطان ، فقال ، أرأيتم لو قبلت يد والدي ، أكان خطأ أم واقعا موقعه ؟ قالوا : بلى ، قال : فالأب يربي ولده تربية خاصة ، والسلطان يربي العالم تربية عامة ، فهو بالإكرام أولى (بدائع الفوائد لابن القيم 2/ 176).

نقلا من كتاب الشيخ عبد السلام بن برجس بشيء من التصرف: قطع المراء في حكم الدخول على الأمراء.



--------------------------------------------------------------------------------

1) مسند الإمام أحمد .
2) مسند الإمام أحمد .
3) مسند الإمام أحمد .
4) مسند الإمام أحمد .

أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 07:18 PM
ما يقوم به رجال الأمن في هذه الأيام في بلاد الحرمين جهاد

ما يقوم به رجال الأمن في هذه الأيام في بلاد الحرمين الشريفين جهاد في سبيل الله
للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم


أوضح الشيخ الدكتور عبدالسلام بن برجس بن ناصر العبدالكريم عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء ان الاتفاق إلى أهل بلاد الحرمين الشريفين (الاتفاق في الداخل) وحمايتها من كل حاقد من أروع الصور في حب هذه البلاد مما يقوم به رجال الأمن يعتبر جهاداً، وقال الشيخ العبدالكريم ان البعض كان لا يحبذ الحديث والعياذ بالله عن الوطن ومكانه ولكن بعد هذه الفتن أصبح الحديث عنها من أهم الاشياء لديهم فتصحيح الافكار وتبصير أبناء الأمة وتجميع قلوبهم على طاعة الله ثم طاعة ولي الأمر واجب يؤجر الشخص عليه.
جاء ذلك في الحوار التالي:
ما الاولى في ايصال الخير من الشعب السعودي كونه إلى بلادهم أو إلى بلدان اخرى؟..
- كل صور الخير والعطاء التي تتحرك اليها نفس المسلم يراعي الإسلام في تنظيم اولويات انفاقها على الاقرب فالأقرب. وانطلاقاً من هذه القاعدة فإن بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية، اولى ببرِّ أبنائها، لانها ارض الإسلام، وموطن الانعام. فكلُّ خير عند أبنائها في مجالات الدين والدنيا هي أحقُّ به، وصرفه في ارضها وعلى سكانها هو أفضل البرِّ وأجمل الاحسان.
وان من ابنائنا واخواننا أهل هذا البلد، من يدفعه سخاؤه وطيبته إلى صرف جهده وبذل معروفه، سواء كان في الدعوة إلى الله، أو مساعدة الآخرين إلى بلدان اخرى وشعوب بعيدة، وهذا العمل جيد والثواب عليه من الله كبير، إلا ان الاقربين اولى بالمعروف، والجار أحقَّ بجاره، ولهذا لا يجوز ان تنقل الزكاة من البلد إلى آخر، لان فقراء بلدك أحقُّ بها. ومن هنا أخاطب شباب امتنا وروحها بأن يستشعروا ان بلادهم هذه اضافة إلى كونها مهبط الوحي ومنطلق الإسلام وهي التي يأرز الإسلام اليها، كما تأرز الحية في حجرها، فهي البلاد التي ولدوا على ارضها وشربوا من مائها وتعلموا في رحابها حتى اخرجتهم بفضل الله تعالى ونعمته رجالا لهم اسم يهتز عزّاً في العالم، أو نساءً صالحات متعلمات، فكل ذلك عطايا وعطايا يطول ذكرها، فلا أقل من وفاء المسلم بردّ الجميل وجزاء الاحسان بالاحسان.
واني على يقين بأن ابناءنا واخواننا يحفظون المعروف ويكافؤون بالأحسن، لانهم أهل الإسلام وأبناء العرب الأوفياء، الذين حفظ التاريخ لنا عنهم أروع الصور في حب الوطن والبذل من أجله، وما جاء الإسلام إلا وزكد مشروعيته هذه الصور، وانها من محاسن الاخلاق.
ما مدى ارتباط حب الوطن بالشريعة الإسلامية؟
- حب الوطن عند أهل الإسلام يختلف عن حب الوطن عن غيرهم، فأهل الإسلام يحبون أوطانهم لانها مكائد لاعلاء دين الله تعالى والقيام بالشرائع الواجبة والمستحبة، فهذه الأرض حتم في الإسلام حفظها والذود عنها، ليس بالكلمة المسموعة أو العبارات المكتوبة فحسب، بل بالدم والمال ان احتاج الأمر، كل ذلك يؤكد ان الكلمة المشهورة "حب الوطن من الايمان" صحيحة المعنى بهذا الاعتبار، وقد نص العلامة السخاوي وغيره على ان معناها صحيح وان لم يصح نسبتها إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصور ان رجلا أو قوماً اخرجوا من ديارهم، أو ان بلادهم ملأها الهرج والمرج والفتن، كيف حالهم؟.. لا ريب ان حياتهم في ضيق شديد، وان نفوسهم في قلق وخوف، وهذه حقائق لا تحتاج إلى قوة استدلال، لأن الواقع ينطق بهذه المفاسد، ويفصح عنها. فلم يبق سوى الوعي الكامل من داخل الإنسان بضرورة الحفاظ على بلده والحب لئلا ينقلب إلى جحيم.
ومما لا ريب فيه ان كل امرئ صحيح الفطرة سليم التفكير يجد محبَّة في قلبه لبلاده، يشتاق اليها ان غاب عنها، وينتصر لها ان أسيء اليها، وهذا علامة خير في المرء، كما قال بعض السلف، وعلامة العاقل برُّه باخوانه، وحنينه إلى أوطانه، ومداراته لأهل زمانه، وكلُّ من خرج عن حب الوطن الذي يعمره أهل الإسلام؛ فانه يحتمل خطاً عظيماً ويرتكب جريمة شنيعة.
وقد بينت هذه المعاني بتفصيل في شريط لي باسم "بلادنا والحملات الإعلامية الحاقدة".
كيف تصفون الوطنية لبلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية بعد هذه الاحداث الدامية؟..
- هذه الاحداث ومثلها كثير وكثير في زماننا وقبل زماننا، تطفوا بين آونة واخرى على سطح الواقع، وهي مليئة بالجرائم الكبيرة التي تجمع افساد دين الناس ودنياهم والاضرار بمصالحهم، وتعريض حياتهم للخطر مما أجمعت الشرائع السماوية على تحريمه وتغليظ العقوبة فيه، وفي مجتمعنا هذا ابتلينا بهذه الفتن التي هي شرُّ وبلاء في ظاهرها، لكن قد لطف الله بنا حيث ان هذه الفتن لم تؤثر كثيراً على الأمن والاستقرار، بل المواطنون يشعرون بالأمن وراحة البال، ثم ايضاً هذه الفتن اضاءت جوهر أكثر المواطنين والمقيمين المتمثل في حبّ هذه الأرض والاعتزاز بها والخوف عليها. فما نسمعه في المجالس من كثرة الحديث عن فضل هذه البلاد والدعاء لها بالحفظ ودوام الأمن والاطمئنان أصبح ظاهرة، فضلا عما تنشره وسائل الإعلام، وما يكتبه أبناء الوطن في الجرائد السيارة والكتب النافعة، فهذا فضل الله على أهل الايمان انتنقلب المحن في حقهم إلى منن.
وقد كان بعض الناس لا يحبذ الحديث عن الوطن وحكامه وشعبه كثيراً،إلا انه بعد هذه المصائب ارتقى إلى القناعة التامة بأن الحديث عن هذه الأمور من أهم الاشياء في زمن الفتن، إذء تدفعها بإذن الله، فتصحح الأفكار، وتبصر أبناء الأمة، وتجمع قلوبهم وكلمتهم على طاعة الله تعالى، ثم طاعة ولاة أمرهم.
رجال الأمن يقدمون الكثير في هذه الاحداث فهل من كلمة اليهم؟..
- نعم رجال الأمن فخر هذا المجتمع، لانهم يقومون على أمر عظيم هو أمن الأمة، ففضلهم يستمد من فضل ما يعملون من أجله.
إننا إذا رأيناهم يقفون في لهيب الحرّ واواخر الليل بهذه الهمة العظيمة والاستشعار البليغ لدورهم؛ لنكبر هذه النفوس التي بين جنبيهم، وندعو الله تعالى لهم بالعون والسداد.
وأنا من هذا المنبر الإعلامي اقول لهم: ان ما تقومون به جهاد في سبيل الله. واجر المجاهد لا يخفى عليكم، وأذكرهم بأن هؤلاء المخلين بالأمن انما هم حزب الشيطان، لم ولن يمكن لهم والله عليم حكيم، فمنذ خروجهم على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ثم علي بن ابي طالب رضي الله عنهما إلى يومنا هذا والله تعالى لم يمكن الخوارج من تولي شؤون المسلمين، لانهم لو تولوها لاهلكوا الحرث والنسل وافسدوا الدين والدنيا.
وبناءً على ان مواجهة هؤلاء جهاد في سبيل الله تعالى، فإن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب رضي الله تعالى عنه نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشارة للجند الذين يقاتلونهم، ففي الصحيحين عن ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم اجراً لمن قتلهم يوم القيامة" وفي صحيح مسلم عن زيد بن وهب انه كان في الجيش الذي كانوا مع علي رضي الله عنه الذين ساروا إلى الخوارج، فقال علي: أيها الناس اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان محمد نبيهم لنلكوا عن العمل.." ثم قال علي: والله اني لارجو ان يكونوا هؤلاء القوم، فانهم قد سفكوا الدم الحرام، واغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله.. وفي آخر الحديث قام عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو اسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال علي: أي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف له أيضاً.
وانما فعل عبيدة السلماني هذا: لان الخوارج أهل عبادة وصلاة، فكأنه استبعد ان مثل هؤلاء يقاتلون وان قتالهم بهذه المنزل من الفضل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكد له أمير المؤمنين ذلك بأيمان ثلاث وهو مصدق دون يمين، وانما أراد نزع أي شك في القلب من هذا الحديث الشريف.
فهنيئاً لرجال الأمن بهذا الفضل، وهنيئاً لهم الشهادة، فإن من قتل منهم فهو شهيد.
____________________
نشرت في جريدة الرياض بتاريخ 5 / 9 / 2003.

أبو عبد الله عادل السلفي
04-12-2009, 07:42 PM
الشيخ محمد بن عبدالوهاب يحاربهم.. فكيف ينسب إليهم؟؟

الشيخ محمد بن عبدالوهاب يحاربهم.. فكيف ينسب إلى معتقداتهم؟؟

للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم

أطروحات مرئية ومسموعة ومقروءة تتناول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - باتهامات كبيرة. انها تحاول جاهدة إلقاء التبعة في نشوء التطرف والغلو والعنف عليها.

لم يكن هذا بجديد في وسائل النيل من هذه الدعوة والقدح فيها، فقد سبقت جنود حربية وفكرية ومذهبية للقضاء عليها، فتكسرت سهامهم على أسوارها المنيعة، وبقيت ليرى العالم انها دعوة صدق تفي بحاجات أهلها، وتواكب العصر الذي تعيش فيه.

ولا أراني بحاجة إلى سرد نصوص كتبها المنصفون في الثناء على الدعوة باعتبارات متعددة من أهمها: يدها الكبرى على الأمة الإسلامية في انقاذها من التخلف المتمثل في الشرك بالله والاعتقاد في الجمادات والقبور، وفتحها باب الاجتهاد والتحقيق في المسائل الشرعية، والوفاء بحاجات المجتمعات الاسلامية في النوازل المعاصرة في سائر أبواب الفقه، فتلك نصوص سطرها علماء وأدباء ومؤرخون من المسلمين وغير المسلمين، اشتهر أمرها، وذاع صيتها، ككتاب الجبرتي في "تاريخ مصر" وليس الجبرتي وهابيا ولا نجديا ولا حنبليا، وانما كان حنفيا مصريا، وككتابة طه حسين في مجلة "الهلال المصرية" عدد مارس سنة 1933م بعنوان "الحياة الأدبية في جزيرة العرب" ومحمد كرد علي في مجلة "المقتطف" سنة 1901بعنوان "أصل الوهابية" وغيرهم كثير.

لكني اجدني بحاجة ماسة إلى مخاطبة بعض أبناء هذا البلد الذي رعى هذه الدعوة وقام على اساسها، ممن كتبت أقلامهم في صحفنا اليومية مقالات تضم صوتها إلى أعداء هذه الدعوة سواء من الفرق الضالة في الإسلام، أو من الصهيونية المتميزة غيظًا على الوجود الصحيح للإسلام والوجه الحقيقي له، فتلك الكتابات فيها خبط وخلط عجيب، تنم عن مكر أو جهل يشقى به أصحابها: فالذين يصرخون بأن كتب محمد بن عبدالوهاب وتلامذته هي منشأ هذه الأفكار العنيفة، لا يخفى عليهم ان اعتماد الجماعات الاسلامية المنحرفة في باب التكفير والجهاد على كلام عالم لا يعني ان هذا العالم يوافقهم، كما انهم عندما يحتجون على ضلالهم بكتاب الله عز وجل لا يعني ذلك ان كتاب الله يؤيدهم. وبيان ذلك: ان هذه الجماعات انتقت من كلام الشيخ وأبنائه وتلامذته ما يظنون انه يوافقهم، وعندما نورد عليهم كلام الشيخ ومدرسته فيما ينقض ما فهموه يردونه ولا يقبلونه. وعندي مثالان تاريخيان يفصحان عن ذلك:

أ - قدم فارسيان من "إيران" إلى بلد "الأحساء فأقاما بها وفي سنة 1264ه اعتزلا الجمعة والجماعة، وكفروا المسلمين في "الاحساء" وحجتهم: ان الشيخ ابن فيروز كافر، وأهل الاحساء يخالطونه ولا يكفرونه، فهم كفار. فرفع أمرهم إلى قاضي الاحساء الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، قال الشيخ: "فأحضرتهم وتهددتهم، واغلظت لهم القول. فزعموا أولا انهم على عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وان رسائله عندهم" 1ه فانظر - رعاك الله - إلى هذين الدخيلين على الدعوة وأهلها، لقد نسبوا باطلهم إلى دعوة الشيخ مستغلين الخلاف بينه وبين ابن فيروز. لكن ما هو موقف علماء الدعوة من هذه الجناية، استمع إلى الشيخ عبداللطيف وهو يواصل الحديث عن المذكورين، قال: " فكشفت شبهتهم، وادحضت حجة ضلالتهم بما حضرني في المجلس.

وأخبرتهم ببراءة الشيخ محمد بن عبدالوهاب من هذا المعتقد والمذهب، وانه لا يكفر إلا بما اجمع المسلمون على تكفير فاعله من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسوله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة، وبلوغها المعتبر" ا ه

هذا نص قاطع إذا وقف عليه من يرجو الله واليوم الآخر علم علما جازما ان ابن عبدالوهاب ومدرسته براء مما يفتري المفترون، وان تعلق أهل الغلو بكلمات للشيخ دون فهمها الفهم الصحيح لخدمة آرائهم، وتأييد باطلهم جناية وتهمة قديمتان، وجد علماء الدعوة أذى وبلاء منهما، يقول الشيخ عبداللطيف مواصلا حديثه عن هذه البلية وعن هذا الجسم الغريب على الدعوة وأهلها: "وقد أظهر الفارسيان المذكوران التوبة والندم، وزعما ان الحق ظهر لهما. ثم لحقا بالساحل - أي عمان - بمكاتبة الملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشائخ المسلمين، نعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، والحور بعد الكور" ا ه

فتأمل - أيها المنصف - فيما جرى لإمام المسلمين فيصل بن تركي آل سعود، آنذاك من تكفير، وما جرى لعلماء الدعوة - أيضا - من تكفير، فكيف يقول من عرف هذا: ان دعوة الشيخ محمد، ومدرسته هي التي افرزت الأفكار المنحرفة في التكفير والجهاد "هذا - والله - بهتان عظيم".

ثم يستمر الشيخ عبداللطيف في تقريع رجل اسمه: عبدالعزيز الخطيب وجماعته عندما سلكوا مسلك الفارسيين السابقين، فيقول: "وقد بلغنا عنكم نحو من هذا، وخضتم في مسائل من هذا الباب، كالكلام في الموالاة والمعاداة، والمصالحة والمكاتبات، وبذل الأموال والهدايا، ونحو ذلك من مقالة أهل الشرك والضلالات، والحكم بغير ما أنزل الله عند البوادي ونحوهم من الجفاة" ثم قال الشيخ عن هذه القضايا الكبيرة، الواجب ان "لا يتكلم فيها إلا العلماء من ذوي الألباب، ومن رزق الفهم عن الله وأوتي الحكمة وفصل الخطاب" ا ه

فهذا هو المثل الأول، لم نسمع أحدا من أصحاب تلك الأقلام المجموعة يذكره. فهم انما يرددون كلام الأعداء القديم، دون تحرير أو انصاف {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.

ب - "الاخوان" في عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله تعالى - ظهر منهم انحرافات في مسائل التكفير والتفسيق والتبديع والهجر، ونسبوا ذلك إلى كتابات للشيخ محمد بن عبدالوهاب، فانتصب العلماء آنذاك إلى الرد عليهم، وبراءة الشيخ محمد بن عبدالوهاب منهم ومن دعواهم.

من هؤلاء العلماء الشيخ سليمان بن سحمان في عدة مؤلفات من أبرزها: "منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع" وهو كتاب حافل بتقرير ما نحن فيه من نماذج ما ذكره في شأن بعض أهل البادية الذين جاءهم الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهم لا يعرفون شيئا عن الإسلام حتى اسمه، فدعاهم وعلمهم وبيّن لهم ان ماهم فيه من قبل كفر.

فقام "الاخوان" واخذوا كلام الشيخ محمد في هؤلاء قبل اسلامهم وجعلوه في البادية الذين هم من المسلمين على عهد الملك عبدالعزيز.

فيقول الشيخ ابن سحمان: "ان كلام الشيخ الذي تقرؤونه على الناس في قوم كفار ليس معهم من الاسلام شيء، وذلك قبل ان يدخلوا في الاسلام، ويلتزموا شرائعه.. واما بعد دخولهم في الاسلام فلا يقول ذلك فيهم إلا من هو أضل من حمار أهله، وأقلهم دينا وورعا، ومقالته هذه أخبث من مقالة الخوارج الذين يكفرون بالذنوب وهؤلاء - أي الاخوان - يكفرونهم بمحض الاسلام" ا ه.

فهذه جماعات سالفة وضعت كلام الشيخ محمد بن عبدالوهاب في غير موضعه، وقام علماء الدعوة في مراحل زمنية متفاوتة بالرد عليهم، وبيان ضلالهم في فهم كلام الشيخ، وكذبهم عليه، فهل يبقى بعد ذلك أدنى شبهة في براءة الشيخ منهم، ومباينته لهم، فلم هذه المخادعة - أيها الكتاب - أهذا حق العلماء عندكم؟ أهذا حق الأمانة عندكم؟ أهذا جزاء الفضل؟ اللهم اهدهم إلى سواء السبيل.
___________
جريدة الرياض : الجمعة 29 ربيع الأول 1424العدد 12761 السنة 39 .

أبو عبد الله عادل السلفي
04-13-2009, 04:56 AM
الحزبية الممقوتة

للشيخ عبدالسلام بن برجس آل عبدالكريم

فمصطلح "الحزب" و "الحزبية" مصطلح شاع الحديث عنه فى المجالس , وكثر الخوض فيه , وهو مصطلح أطلق في كتاب الله تعالى على معنيين اثنين , معنى محمود , ومعنى مذموم , فمن أطلق على هذا المصطلح الذم دون تقييد , أو العكس فقد خرج عن الصواب .
ان "الحزب" قد ينسب الى الله تعالى فيكون محمودا , وقد ينسب الى الشيطان أو أحد أعوانه فيكون مذموما .
قال الله تعالى عن الاول " أولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون " أى جنده الذين يمتثلون أوامره , ويقاتلون أعداءه , وينصرون أولياءه .
وعن الثاني يقول تعالى "أولئك حزب الشيطان الا ان حزب الشيطان هم الخاسرون " اى جنوده وأتباعه ورهطه .
فحزب الله هم جماعة المسلمين , الذين أمر المسلم بالانضمام اليهم "
واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا " ونهى عن مفارقتهم والخروج عليهم "فان من خرج عن الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه "واذا مات "مات ميتة جاهلية " وهذا الحزب الذى هو جماعة المسلمين , وهم الذين انتظمهم امام معلوم له قدرة , ينفذ الحدود ويردع الظالم , ويقيم الصلاة.
فهذا حزب الله يمدح أهله ويحمدون في الشرع اذ هم الناجون السالمون , نجوا من النار وسلموا من البدع , فلا يسع المسلم سوى اللحوق بركبهم , ونصرتهم والذب عنهم والنصح لهم .
ومن خرج عن هذه الدائرة : جماعةالمسلمين فقد خرج الى "حزب الشيطان" بشعبه العديدة وطرقه الكثيرة الموصلة الى سخط الله والنار .
فالكفار حزب الشيطان والمشركون حزب الشيطان واهل البدع - الخوارج والجهميةوالقدريةوالرافضة- حزب الشيطان , وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين بقلبه اويده او لسانه فهومن حزب الشيطان .
فمن جاء الى بلاد مسلمه -كالبلاد السعوديه- فاقام حزبا , او دعى الى اقامه حزب ,فهو على غير هدى , وهو فى ضلال عريض , نصوص الوحى الشريف تبطل عمله , وتدحض حجته , وتلحقه باهل الجاهليه الاولى ,ايا كان قصده , وعلى اى حال كانت نيته , فليس له حجه مقبوله عند الله تعالى كما قال صلى الله عليه وسلم :" من نزع يدا من طاعة لقى الله يوم القيامة ولا حجة له " وبيان فساد حجته واضح جلى , فالرسول صلى الله عليه وسلم ذكر حالين - كما فى حديث حذيفة- وذكر حكم كل حال ببيان واضح صريح , فالحال الاولى : حال وجود جماعه المسلمين , والحكم عندئذ : وجوب الاعتصام بها ولزومها , وتحريم الخروج عليها , والجماعه هى من قام عليها حاكم مسلم له سلطه , ينفذ بها الحدود ويرد بها المظالم ويحمى بها البلاد من الاعداء ويقيم الصلاة.
والحال الثانيه : حال عدم وجود جماعه المسلمين , فليس للمسلمين امام يجتمعون عليه يقيم فيهم القسط و شعائر الله , والحكم عندئذ اعتزال الفرق كلها.

أبو عبد الله عادل السلفي
04-16-2009, 05:12 AM
يصح في الاضطرار تعدد الأئمة

يصح في الاضطرار تعدد الأئمة ويأخذ كل إمام في قطره حكم الإمام الأعظم




"ومن لم يفرق بين حالي الإختيار والاضطرار فقد جهل المعقول والمنقول" (العواصم والقواسم في الذب عن سنة أبي القاسم, 8/174 ط. مؤسسة الرسالة, وقد ساق الأدلة من العقل والنقل على هذه الجملة, فارجع إليه)

قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى - : "الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء ولولا هذا ما استقامت الدنيا, لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد ولا يعرفون أحدا من العلماء ذكر أن شيئا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" اهـ (الدرر السنية في الأجوبة النجدية, 7/239)

وقال العلامة الصنعاني رحمه الله تعالى في شرح حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات فميتته ميتة جاهلية" (أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب الإمارة 3/1476) "قوله: "عن الطاعة"؛ أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجتماع عليه وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار, إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية, بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلت فائدته.

وقوله: "وفارق الجماعة"؛ أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم" (سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام 3/499 ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) اهـ.

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في شرح قول صاحب "الأزهار": "ولا يصح إمامان": "وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه فمعلوم أنه قد صار في كل قطر – أو أقطار – الولاية إلى إمام أو سلطان وفي القطر الآخر كذلك ولا ينعقد لبعضهم أمر ولا نهي في قطر الآخر وأقطاره التي رجعت إلى ولايته.

فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه وكذلك صاحب القطر الآخر.

فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب.

ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها ولا يُدرى من قام منه أو مات, فالتكليف بالطاعة والحال هذا تكليف بما لا يطاق.

وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد...

فاعرف هذا, فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة, ودع عنك ما يقال في مخالفته فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار.

ومن أنكر هذا فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة لأنه لا يعقلها" اهـ (السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار 4/512)

فهذه أقوال ثلاثة من علماء الأمة المجتهدين تقرر صحة تعدد الأئمة في بيعة الاضطرار معولها على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية والمصالح الكلية وقد سبقهم إلى نحو هذا ثلة من العلماء المحققين.

من ذلك قول العلامة ابن الأزرق المالكي قاضي القدس (في كتابه "بدائع السلك في طبائع الملك": (1/76-77) ط. العراق, تحقيق الدكتور علي النشار): "إن شرط وحدة الإمام بحيث لا يكون هناك غيره لا يلزم مع تعذر الإمكان.

قال ابن عرفة – فيما حكاه الأُبِّيُّ عنه -: فلو بعُد موضع الإمام حتى لا ينفذ حكمه في بعض الأقطار البعيدة؛ جاز نصب غيره في ذلك القطر.

وللشيخ علم الدين - من علماء العصر بالديار المصرية -: يجوز ذلك للضرورة..." اهـ.

وقد حكى العلامة ابن كثير الخلاف في هذه المسألة وذكر قول الجمهور القائلين بعدم الجواز ثم قال: "وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تبعادت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما وتردد إمام الحرمين في ذلك.

قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء من بني العباس بالعراق, والقاطميين بمصر, والأمويين بالمغرب..." (تفسير ابن كثير: 1/74, ط. مكتبة النهضة بمكة المكرمة) اهـ.

وقال المازري في "المعلم" (المعلم بفوائد مسلم, 3/35-36): "العقد لإمامين في عصر واحد لا يجوز, وقد أشار بعض المتأخرين من أهل الأصول إلى أن ديار المسلمين إذا اتسعت وتباعدت, وكان بعض الأطراف لا يصل إليه خبر الإمام ولا تدبيره, حتى يضطروا إلى إقامة إمام يدبرهم, فإن ذلك يسوغ لهم" اهـ.

وبهذه النقول الواضحة يتجلى ما عليه بعض المحققين من أهل العلم من جواز تعدد الأئمة للضرورة والحاجة.

وعليه؛ يثبت شرعا لهؤلاء الأئمة المتعددين ما يثبت للإمام الأعظم يوم أن كان موجودا, فيقيمون الحدود نحوه, ويسمع ويطاع لهم, ويحرم الخروج عليهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:

"والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها، وعجز من الباقين، أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق..." (مجموع الفتاوى, 35/175-176).

______________________
انتهى من كتاب "معاملة الحكام في ضوء الكتاب والسنة" للشيخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم رحمه الله تعالى.

أبو إبراهيم فرج المالكي
04-16-2009, 06:39 AM
بارك الله فيكم أخي الــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــلفي

أبو عبد الله عادل السلفي
04-17-2009, 04:20 AM
و فيكم بارك الله

أبو عبد الله عادل السلفي
04-17-2009, 04:22 AM
من عوائق الطلب .. أخذ العلم عن الأصاغر

للشيخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم -رحمه الله تعالى- وذلك من كتابه "عوائق الطلب".


لقد فشت ظاهرة أخذ العلم عن صغار الأسنان بين طلاب العلم في هذا الزمن.
وهذه الظاهرة في الحقيقة داء عضال , ومرض مزمن ، يعيق الطالب عن مراده ويعوج به عن طريق السليم الموصل الى العلم.
وذلك لأن أخذ العلم عن صغار الأسنان ، الذين لم ترسخ قدمهم في العلم ولم تشب لحاهم فيه ، مع وجود من هو أكبر منهم سناً ، وأرسخ قدما ، يضعف أساس المبتدى ، ويحرمه الاستفادة من خبرة العلماء الكبار ، وأكتساب أخلاقهم ، التى قومها العلم والزمن... الى غير ذلك من التعليلات التى يوحى بها أثر ابن مسعود رضى الله عنه حيث يقول : ( ولايزال الناس بخير ماآخذوا العلم عن أكبارهم وعن أمنائهم وعلمائهم ، فإذا أخذوه عن صغارهم وشرارهم هلكوا )
وثبت الحديث عن أبى أمية الجمحى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر ).
وقد أختلف الناس فى تفسير _ الصغار _ هنا على أقوال ذكرها ابن عبد البر رحمه الله في _ الجامع _ ( 1/157 ) والشاطبى رحمه الله في الأعتصام ( 2/93 ).
وقد ذهب أبن قتيبة _ رحمه الله _ الى أن الصغار هم صغار الأسنان ، فقال على أثر ابن مسعود ألآنف الذكر : يريد لايزال الناس بخير ماكان علمائهم المشايخ ، ولم يكن علمائهم الاحداث ، لأن الشيخ قد زالت عنه متعة الشباب ، حدته ، وعجلته ، وسفهه ، واستحب التجربة والخبرة ، ولايدخل عليه في علمه الشبهة ، ولا يغلب عليه الهوى ، ولايميل به الطمع ، ولا يستزله الشيطان استزلال الحدث ، فمع السن الوقار ، والجلالة ، والهيبة.
والحدث قد تدخل عليه هذه الامور التى آمنت على الشيخ ، فاذا دخلت عليه ، وأفتى هلك وأهلك.
وقد روى ابن عبد البر عن عمر ابن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : ( قد علمت متى صلاح الناس ، ومنى فسادهم : إذا جاء الفقه من قبل الصغير ، استعصى عليه الكبير ، وإذا جاء الفقه من الكبير تابعه الصغير فاهتديا.
وروى ابن عبد البر أيضا عن أبى الأحوص عن عبد الله قال : ( انكم لن تزالوا بخير مادام العلم في كباركم ، فإذا كان العلم في صغاركم سفه الصغير الكبير ).
ففى هذين الاثرين تعليل عدم الاخذ عن الصغير آخر غير الذى ذكره ابن قتيبة ، وهو خشية رد العلم إذا جاء من الصغير.
وعلى كل فإن لفظه الصغير عامة تتناول الصغير حسا ومعنى.
وهذا الحكم ليس على إطلاقه في صغير السن فقد أفتى ودرس جماعة من الصحابة والتابعين في صغرهم ، بحضرة الأكابر الا أن هؤلاء يندر وجود مثلهم فيمن بعدهم ، فإن وجدوا وعلم صلاحهم ، وسبر علمهم فظهرت رصانته ، ولم يوجد من الكبار أحد يؤخذ عنه العلوم التى معهم ، وأمنت الفتنة فليؤخذ عنهم.
قال الحجاج بن أرطاة رحمه الله : كان يكرهون أن يحدث الرجل حتى يرى الشيب في لحيته.
وليس المراد أن يهجر علم الحدث مع وجود الاكابر كلا ، وإنما المراد إنزال الناس منازلهم ، فحق الحدث النابغ أن ينتفع به في المدارسة ، والمذاكرة ، والمباحثة... أما أن يصدر للفتوى ، ويكتب اليه بالاسئلة فلا وألف لا ، لأن ذلك قتل له ، وفتنة وتغرير.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله : لو رأيت رجلا أجتمع الناس حوله ، لقلت : هذا مجنون ، من الذى أجتمع الناس حوله لايحب أن يجود الناس كلامه لهم.
وقال أيضا : بلغنى أن العلماء فى ما مضى كانوا إذا تعلموا عملوا ، وإذا عملوا شغلوا ، وإذا شغلوا فقدوا ، وإذا فقدوا طلبوا ، فإذا طلبوا هربوا.
فيا أيها الطلاب : إذا أردتم العلم من منابعة فهاؤهم العلماء الكبار ، الذين شابت لحاهم ، ونحلت جسوهم ، وذبلت قواهم في العلم والتعليم ، الزموهم قبل أن تفقدوهم ،واستخرجوا كنوزهم قبل أن توارى معهم ، وفى الليلة الظلماء يفتقد البدر.

تنبية : في هذا الزمان اختل معيار كثير من العامة في تقييم العلماء، فجعل كل من وعظ موعظة بليغة ، أو ألقى محاضرات هادفة ، أو خطب الجمعة مرتجلا ... عالماً يرجع اليه في الافتاء ويؤخذ العلم عنه.

وهذه رزية مؤلمة ، وظاهرة مزرية ، تطاير شرارها ، وعم ضررها ، إذا هى إسناد العلم الى غير أهله ، وإذا وسد الأمر الى غير أهله فانتظر الساعة.

فليحذر الطالب من أخذ العلم عن هؤلاء ، الا اذا كانوا من أهل العلم المعروفين ، فما كل من أجاد التعبير كان عالما ، ولا كل من حرف وجوه الناس اليه بالوقيعة في ولاة أمور المسلمين ، أو بذكر نسب وفيات الايدز ونحوها يكون عالما.

وليس معنى ما تقدم -كما يفهم البعض- عدم الاستماع اليهم ، أو الانتفاع بمواعظهم ، كلا ، إنما المراد عدم أخذ العلم الشرعى عنهم ، وعدم رفعهم الى منازل العلماء ، والله الموفق.

أبو عبد الله عادل السلفي
04-19-2009, 06:33 PM
المملكة اجتمع فيها الحبان.. الحب الفطري.. والحب الشرعي



أبان الشيخ الدكتور عبدالسلام بن برجس العبدالكريم أن الحب لهذا الوطن من منطلق إسلامي صحيح متأصل في نفوسنا كامن في قلوبنا، وقال الشيخ العبدالكريم إن الوطن (المملكة العربية السعودية) له فضل علينا فهو بلد الأمن والأمان وبلاد الحرمين الشريفين، فمن الواجب المحافظة عليه والذب عنه والدفاع والحفاظ عليه ونبذ الأقاويل والحملات المغرضة، وقال: في هذه الأيام نعيش مرارة الحملات الإعلامية التي يشنها اليهود وأذناب اليهود على عالمنا الإسلامي وعلى بلادنا المباركة والمسلم أيها الأحبة لا تزيده هذه الحملات الشرسة إلا ثباتاً على مبادئه ويقيناً بما هو عليه من عقيدة أهل الإسلام الصحيحة فإن هذه الفتن يجريها الله عز وجل على المؤمنين ليختبرهم وليمحص إيمانهم ولا ريب أن تلك الحملات المسعورة سوف ترجع مغبتها على أعدائنا كما قال الله عز وجل {ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله} فهي وإن كانت في ظاهرها شراً محضاً إلا أنه رب شر ينقلب إلى خير فهم {يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين}. ولنتأمل ما جرى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك حيث افترى اليهود وأذناب اليهود من المنافقين على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الفرية الشنيعة فضاقت صدور
المؤمنين جداً بهذا فأنزل الله عز وجل لتثبيت قلوبهم وطمأنة نفوسهم }لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم} فعسى أن يكره المؤمن شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً. وكلمتي هذه أتناول فيها شيئاً مما يجب على كل مؤمن تجاه وطنه المؤمن من الدفاع عنه والذب عنه والحفاظ عليه فحديثي إليكم أيها الأحبة هو عن فضل وطننا هذا الذي نعيش فيه فإن الحديث عن فضل الوطن في مثل هذه الظروف على وجه الخصوص مما يفطن المسلم على مواطن الفضل في بلده فإن كان عارفاً لها كان ذلك من باب التذكير وإن كان جاهلاً كان ذلك من باب التعليم وهذا أراه سبيلاً من سبل الحفاظ على البلد والحرص على استمرار رخائه ورغده وأمنه وقبل ذلك ما يقوم عليه من الإسلام والدين الصحيح فلعل ما نحن فيه من أوائل الخير الذي تجنيه الأمة من مغبة فتنة اليهود وأذناب اليهود في حملاتهم الإعلامية على بلادنا المملكة فنحن حينما نتذاكر موضوع فضل هذه البلاد من الناحية الشرعية فإن ذلك يعني أن الحب لهذا الوطن من منطلق إسلامي صحيح متأصل في نفوسنا كامن في قلوبنا فمهما حاول أعداؤنا أن يمسونا بالسوء فلن يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً ما دام أننا نعتقد هذه العقيدة وندين بالفضل لأهل الفضل ما دمنا يداً واحدة في ا
لحفاظ على بلدنا والذب عنه ليسلم لنا موطناً نعبد الله عز وجل فيه ونرفع فيه شعائر الإسلام ونطبق فيه أحكام شريعة الله سبحانه وتعالى وأيضاً ننطلق فيه بالدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فحديثي إليكم هو عن موضوع الولاء للوطن المسلم حبه الحفاظ عليه التضحية في سبيله.

حب الوطن
وأضاف الشيخ العبدالكريم: نريد أن نتحدث عن مصطلحنا معشر المسلمين حب الوطن، الحنين إلى الوطن، فنتحدث عن هذا المصطلح بما هو فطرة الله التي فطر الله الناس عليها وفطر عليها سائر الحيوانات. فالإبل تحن إلى أوطانها والطيور تحن إلى أوكارها وقد نبّه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على هذا المعنى في عبارة جميلة ذكرها البيهقي صاحب المحاسن والمساوئ وذكرها غيره وهي قوله رضي الله تعالى عنه لولا حب الوطن لخرب البلد السوء وذكر بلفظ "عمّر الله البلدان بحب الأوطان". فهذه إشارة إلى أن حب الوطن موجود في الفطر مغروس في النفوس وأن هذا الحب الذي أودعه الله عز وجل قلوب بني البشر هو الذي يبعث على حب الأرض التي نشأ عليها الإنسان حتى أنه ليألفها ولو كانت قليلة الأمطار أو شديدة الحر أو كثيرة الزلازل والبراكين أو غير ذلك من مظاهر السوء في البلدان، فهناك فطرة تنزعه إلى البقاء فيها والحنين إليها مهما كانت ظروفها فكيف بالبلد إذا كان خيراً رغداً آمناً مستقراً فيجتمع فيه حبان الحب الفطري وحب ما فيه من محاسن. ولهذا يقول الشاعر العربي القديم:
وكنا ألفناها ولم تك مألفاً
وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
كما تؤلف الأرض التي لم يطب بها
هواء ولا ماء ولكنها وطن
وأشار إلى المعنى أيضاً ابن حمدون في تذكرته حيث قال في عبارة مسجوعة: (محبة الوطن مستولية على الطباع مستدعية لشدة التشوف إليها والنزاع).
ولهذا فإن حنين الشعراء وحنين الكتاب إلى أوطانهم عندما يفارقونها معروف مشهور بل منهم من يبكي أوطانه كما قال امرؤ القيس:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
والله سبحانه وتعالى قد نبهنا على فضل الوطن الذي نعيش فيه لأجل عمارة الأرض بعبادة الله عز وجل وحده لا شريك له فذكر الله سبحانه وتعالى في إشارة ان الوطن قرين النفس فكما ان الإنسان يحب نفسه ويخشى عليها من القتل ونحوه هو كذلك يحب وطنه فطرة ويخشى عليه من أي سوء يمسه وتأمل قول الله عز وجل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم}.
فالله سبحانه وتعالى لا يكلفنا بما يشق علينا {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
ومن أبرز صور المشقة هاتان الصورتان أن اقتلوا أنفسكم فلو امرنا بها لشق ذلك علينا. والثانية أو أخرجوا من دياركم فلو أمرنا بها لشق علينا. فإذاً هذه إشارة واضحة إلى أن الوطن قرين النفس قرين الروح ولهذا نقل الصفدي عن القاضي الفاضل انه قال: الخروج من الديار مقرون بالقتل في كتاب الله عز وجل وإذا كانت النفوس كما قال الشاعر (أو إذا كان الناس كما قال الشاعر) نفوس الديار: فخروجهم منها قتلها وانتقال ولايتهم عنها عزلها، إذاً فالوطن له منزلة عالية ورفيعة فهو قرين الروح سواء بسواء وكيف لا تكون بلادك ولا يكون وطنك بهذه المنزلة منك وهو ميدان تهيئتك مكان ولادتك مكان تهيئتك مكان عمارتك مسرح حضارتك، أرضه: مسجدك الذي تعبد الله سبحانه وتعالى فيه وتقيم فيه الشعائر فأرض المسلمين أيها الأخوة اكتسبت حرمتها بكونهم ملكوها وكونها أرضا يقيمون عليها شعائر دين الله سبحانه وتعالى ومن هنا أوجب الله عز وجل على المسلم الذي يعيش في أرض الشرك أن ينتقل إلى أرض التوحيد واستحب أهل العلم بمن كان في أرض المعصية والفتن أن ينتقل إلى أرض الطاعة والأمن.

أمور في حب الوطن
ونبّه الشيخ العبدالكريم على أمور تؤكد لنا أن حب الوطن بهذا الاعتبار حب مشروع حب صحيح فقال: أول هذه الأمور أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يرقي المريض فيقول في رقيته كما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أو هو في الصحيحين في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام كان يرقي فيقول في رقيته (باسم الله تربت أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا أو يشفي سقيمنا بإذن ربنا) فهو عليه الصلاة والسلام كان يجعل في أصبعه الشريف ريقا من ريقه الشريف شيئاً ثم يغمس الاصبع الشريف في الأرض في التراب فيعلق به من التراب شيء ثم يضعه على موضع الألم من المريض فيقول هذه الكلمات: بسم الله تربت أرضنا بريقة بعضنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا.
ما دخل هذا في موضوعنا الذي نتحدث عنه الآن العلماء رحمهم الله تعالى تكلموا عن قوله عليه الصلاة والسلام تربت أرضنا فتناولوا أن التربة الوطن الذي يعيش فيه الإنسان لها تأثير عليه ومن هنا تحدثوا طبياً عن هذه الخاصية لتراب الوطن فابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أطال في الكلام عن هذه الجزئية ونقل عن حكماء اليونان والأطباء المتقدمين ما يؤيد أن تربة الوطن لها تأثير على الإنسان طبياً بل نقل الحافظ ابن حجر عن البيضاوي رحمه الله تعالى قوله على هذا الحديث قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج وتراب الوطن أيضاً وشهدت المباحث الطبية أن تراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر فقد ذكر أنه ينبغي للمسافر ان يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئاً منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك. انتهى كلام البيضاوي رحمه الله تعالى وأشار الجاحظ أنه رأى بعض المتفلسف من البرامكة إذا سافر يأخذ معه تربة مولده في جراب يتداوا به والنقول عن الأطباء ونحوهم في هذا الباب كثيرة جداً إذاً فهناك ارتباط بين الإنسان وبين تربة وطنه من هذا المنطلق ومن هذا المجال وهو المجال الطبي إذاً فالصلة قوي
ة بين الإنسان وبين تراب وطنه أمر آخر أنك لم تكتسب أي معلومة إلا عن طريق هذا البلد الذي تعيش فيه بالنظر إلى أهله وما هم عليه من عوائد وأخلاق وآداب ومعاملات فإذن هذا الوطن له أيضاً فضل عليك في هذا الباب حيث جمع هؤلاء الناس وكون لهم قاعدة حضارية يتعايشون من خلالها ويلقح بعضهم أذهان وأفكار بعض ومن هنا كان عند أهل الإسلام عرف البلدان له اعتبار له وزن فالعلماء يرجعون كثيرا من الأحكام إلى أعراف البلدان مثل أحكام في الطلاق مثل ألفاظ الطلاق وألفاظ النذر والأيمان أيضاً في باب النفقات نفقات الزوجات ونحو ذلك أيضاً في البيوع يرجعون كثيراً من المسائل إلى عرف البلد الفلاني وعرف البلد الفلاني فيختلف الحكم باعتبار اختلاف الأعراف ولهذا بوب البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه فقال باب من أجرى أمر الأمصارعلى ما يتعارفون بينهم في البيوع والإيجارة والمكيال والوزن وسننهم على نياتهم ومذاهبهم المشهورة بل ذكر القاضي حسين من الشافعية أن الرجوع إلى العرف أحد القواعد الخمس التي بني عليها الفقه وهو يشير بذلك إلى القاعدة الفقهية المشهورة العادة محكة. ثالث الأمور التي أردت أن أنبّه عليها هي أن الوطن له حرمة في قلوب أصحاب الفطر كحرمة أنفسهم وحر
مة أموالهم وحرمة أهليهم ولهذا فإن القتال وإرخاص النفوس دون الوطن سبب مشروع فتأمل قول الله سبحانه وتعالى عن بني إسرائيل عندما طلبوا القتال {قالوا ومالنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} فعللوا سبب القتال هو الأمر العظيم الشاق على بني آدم عللوه بالإخراج من الديار والإخراج عن الأبناء فهو إذاً سبب مشروع فالإسلام جاء وأكد هذا المعنى وبيّن أن إرخاص النفس دون بلد المسلمين أمر مشروع بل هو فرض متأكد إذا دهم العدو بلد المسلمين لأن ذلك من صور التقاء الفئتين والتقاء الفئتين لا يجوز للمسلم أن يتولى عن القتال فيه كما قال الله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا}.
إذاً هذا الأمر الذي يجده الإنسان في نفسه لبلده من هذه الحرمة وهذه المكانة موجود عندنا معشر المسلمين وهو موجود عند سائر الأمم ولهذا ذكر الجاحظ وغيره أن الهند كانوا يقولون حرمة بلدك عليك كحرمة أبويك إذ كان غذاؤهما أو إذ كان غذاؤك منهما وغذاؤهما منه.وقالت الفرس أيضاً تربة الصبا تغرس في النفس أو تغرس في القلب حرمة كما تغرس الولادة في القلب رقة. أما رابع هذه الأمور فهو تاريخك ذكرياتك التي تحن نفسك إليها هي على تراب هذا الوطن ولهذا أكثر العرب في أشعارهم وخطبهم من الإشادة بهذا الجانب بما لا تجده عند غيرهم من الأمم فهم أهل الوفاء وأهل مكارم الأخلاق ولهذا جاء الإسلام فأقرهم على ما هم عليه من محاسن الأخلاق ومكارمها فأصبح كل ما عند العرب من محاسن الاخلاق أمراً مشروعاً يتقرب به المسلمون إلى الله سبحانه وتعالى لان الإسلام صبغه بالصبغة الإسلامية فأصبح فيه من حسن الخلق ونية التقرب إلى الله عز وجل ما يرفع به المسلم نفسه إلى درجات الاولياء وإلى المنازل العالية في جنة عدن. يذكرون ان ابن الرومي في بعض اشعاره حن إلى وطنه فقال:
ولي وطن آليت الا أبيعه
والا ارى غيري له الدهر مالك
عهد به شرح الشباب ونعمة
كنعمة قوم أصبحوا في ظلالك
وحبب أوطان الرجال اليهموا
مآرب قضاها الشباب هنالك
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
عهود الصبا فيها فحنوا لذلك
فقد ألفته النفس حتى كأنه
لها جسد ان يان غودر هالك
وهذا الباب لو أردنا ان نطيل فيه لطال الكلام جداً فإن العلماء سواء كانوا من علماء الشريعة أو من علماء الأدب قد ذكروا من هذا شيئاً كثيراً بل منهم من كتب في ذلك استقلالاً كإبن المرزبان فإنه ألف كتابه (الحنين إلى الاوطان) وقد قيل لاعرابي اتشتاق إلى وطنك قال كيف لا اشتاق إلى رملة كنت جنين ركامها ورضيع غمامها. وقال الشيخ العبدالكريم ان الوطن حبه في النفوس كامن وانما تظهر مشاعر الحب واضحة بادية للعيان في صورتين تقريباً أو لا نحصرها في صورتين وانما أهم ظهور المشاعر يكون في صورتين الصورة الأولى اذا سافر الانسان عن وطنه فهنا تهيج المشاعر تتحرك العواطف لهذا الوطن فيجد الإنسان في نفسه حنيناً لا يدري من اين يأتي وهو انما تأتي من الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهذا الحنين إلى الوطن هو من علامات العقل ورجوحه كما قال بعض الحكماء من امارات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لاهل زمانه وابن الرومي نرجع إليه مرة أخرى كان مرة في بعض اسفاره فحن إلى بغداد فقال في أبيات جميلة مشهورة عن الادباء:
بلد صحبت به الشبيبة والصبا
ولبست فيه العيش وهو جديد
أما الأمر الثاني فهو اذا مست بلد الانسان بسوء صغيراً كان هذا السوء أو كبيراً اذا سبت مثلاً بلاده تحركت فيه مشاعر الحب فدفعت عنه كذلك اذا وقع عليها حرب او عبثت بها يد مفسد فهنا كل المشاعر الكامنة فيك تنفجر فلا ترى النفس إلا في أرخص عهودها تجود بها وتحملها على يدك لعل وطنك المسلم لا يصاب بأذى ولا يسلبه مغتصب وهذا أمر مودع بالفطر ومقرر في الشريعة الاسلامية ولهذا جاء في الصحيحين واللفظ لمسلم عن ثابت مولى عمر ابن عبدالرحمن قال: لما كان بين عبدالله بن عمرو بن العاص وبين عنبسة بن ابي سفيان ما كان تيسرو للقتال فركب خالد ابن العاص إلى عبدالله ابن عمر ليعظه فوعظه خالد وعظ عبدالله ابن عمر وقال له كيف تقاتل على هذه الأرض أو على نحوها فقال عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما اما علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل دون ماله فهو شهيد والمال هنا هو الأرض ويراد ايضاً به كل ما هو مال وأرض المسلمين هي مال للمسلمين ملك لجميع المسلمين يقوم ولي الأمر. وولي الأمر قائم عليها بالمصلحة لهم وفي هذا يقول الله عز وجل {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين} فيجب الدفاع عن البلاد والا
عراض والاموال واستنفاذ ما يستولي عليه الاعداء. اذن فحب المسلم لوطنه منبعث من إيمانه بأن اكثر الشعائر الدينية لا تتم إلا بجماعة والجماعة لا تتم إلا بإمارة والإمارة لا تقوم إلا على وطن. ومن هذا المنطلق صحح بعض العلماء كالعلامة السخاوي في المقاصد الحسنة وغيره الكلمة المشهورة حب الوطن من الإيمان فهي وان لم تكن قد جاءت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن معناها صحيح بهذا الاعتبار وبهذا المعنى فالمعنى في هذه الجملة إذا تناول الوطن الذي يعمره المسلمون يستقرون فيه يقيمون فيه شعائر الله يتواصلون بينهم يدعون إلى ربهم فلا ريب ان حب الوطن خير وفضل.
ومما يؤيد صحة هذه الجملة من حيث المعنى ان العلماء - رحمهم الله تعالى - ذكروا ان المسافر يستحب له اذا قضى نهمته من سفره ان يعجل بالرجوع إلى أهله في اي سفر كان اي سواء كان سفر طاعة وقربة أو سفر نزهة أو سفر مباح ومما يؤيد هذا الفهم قول البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في آخر كتاب العمرة باب السفر قطعة من العذاب ثم ذكر حديث ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (السفر قطعة من العذاب يمنع احدكم طعامه وشرابه ونومه فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله) والمراد بالاهل هنا البلد سواء كان الانسان فيه أهل زوجة ابوان إخوان نحو ذلك أو لم يكن له اهل وهذا ذكره العلماء - رحمهم الله تعالى - فإذا كان هذا في السفر انه يمنع الانسان من الاتيان بالطاعات على وجه الكمال او ينقص من طاعته ونحو ذلك فكيف بما اذا أخرج المسلم من وطنه قهراً وغصباً كيف سيكون حاله ايضاً اذا كان البلد هرجاً ومرجاً ونهباً وسلباً كيف سيكون حاله. فهاتان الصورتان الاخيرتان اشد وقعاً من السفر في اضعاف المسلم عن طاعة الله سبحانه وتعالى واشغاله بما لا يعود عليه بنفع وقد جاء ايضاً حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها ان النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قضى أحدكم حجة فليعجل الرجوع إلى أهله فإنه أعظم لاجره) هذا نص في انه يستحب الرجوع حتى في سفر الطاعة عندما ينتهي المسلم من مأربه في سفره. وقد تكلم العلامة المناوي - رحمه الله - بكلام جميل على هذا الحديث انقله إليكم فقد قال كما في كتابه فيض القدير قال اذا قضى احدكم اي اتم حجة أو نحوه من سفر طاعة كغزو فليعجل اي فليسرع ندباً الرجوع إلى أهله اي وطنه وان لم يكن له أهل فإنه اعظم لاجره لما يدخله على أهله واصحابه من السرور بقدومه لأن الإقامة بالوطن يسهل معها القيام بوظائف العبادات أكثر من غيرها. واذا كان هذا في الحج الذي هو احد دعائم الإسلام فطلب ذلك في غيره من الاسفار المندوبة والمباحة أولى ومنه أخذ ابو حنيفة كراهة المجاورة بمكة وخالفه صاحباه والشافعي وفيه ترجيح الاقامة على السفر غير الواجب انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
وطننا هذا المملكة العربية السعودية اجتمع فيها الحبان الحب الفطري والحب الشرعي فهذه البلاد تميزت ولا فخر بميزات جليلة بميزات عظيمة جعلتها تتربع على قائمة العالم الإسلامي في هذا الزمن قولاً وعملاً. فأول ذلك انها بلاد الحرمين الشريفين البلاد التي ضمت مكة المكرمة والمدينة النبوية وحب مكة وحب المدينة قربة يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل ولهذا جاءت الاحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل هاتين المدينتين وان حبهما دين يدان الله عز وجل به.
ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ان النبي عليه الصلاة والسلام قال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد واخبر النبي عليه الصلاة والسلام ان المدن ستفتح كالعراق والشام واليمن وان اناساً يلحقون بها ثم قال والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون فالنبي عليه الصلاة والسلام كان حريصاً على عمارة المدينة والبقاء فيها حتى ان بني سلمة لما ارادوا ان ينتقلوا من ديارهم إلى قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبقاء في أماكنهم ومن الحكم في ذلك الا تعرى المدينة اي ان تبقى مسكونة آهلة أرضها بالناس يعمرونها ويقيمون فيها ذكر الله عز وجل وهذا وذكر البخاري - رحمه الله - عز وجل في صحيحه حيث بوب في كتاب فضاء المدينة باب كراهية النبي صلى الله عليه وسلم ان تعرى المدينة والعلماء كما تعلمون قد ألفوا في فضائل مكة والمدينة كتباً كثيرة يعني بينوا فيها الفضل لهاتين المدينتين على سائر مدن الدنيا وبقاع الدنيا وألف ابن الجوزي ممن ألف من العلماء كتابه المعروف (مثيروا الغرام الساكن إلى أفضل أو إلى أشرف المساكن) فهذه ميزة تميز بها هذه البلاد توجب ان يكون حبها حباً شرعياً ميزة أخرى ما تميزت به هذه البلاد ايضاً
من العمل بشريعة الله عز وجل وتطبيق احكامه، هذا البلد الإسلام فيها ظاهر قوي جلي بل لا وجود لغير الإسلام فيها بحمد الله عز وجل فمحاكمها انما تحكم بشريعة الله عز وجل بالكتاب والسنة كما هو الحال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والقرون المفضلة وهذه ميزة لا توجد في غير هذه البلاد في هذا الوقت فهي مما تخلع على هذه البلاد الحب والاعتزاز والتقدير وان يكون المسلم مقدراً لهذه الجهد الكبير في حفظ شريعة الله سبحانه وتعالى فإن حفظ الشريعة مما يمدح به الانسان ويثنى عليه به وإذا نظرنا يمنة ويسرة فوجدنا الانظمة الفاسدة التي تخالف الإسلام من أصوله كالديمقراطية وغيرها رأينا أننا بحمد الله عز وجل في خير عظيم وفي نعمة كبيرة لا يقدرها إلا من كان ذا انصاف وذا عقل ومن نظر ايضاً في سائر الدوائر الحكومية عندنا رأى بحمد الله عز وجل خيراً عظيماً من حيث تطبيق الشريعة الإسلامية وكون الشريعة هي المهيمنة على الجميع فليست الامور الشرعية مختصة بدوائر شرعية كالافتاء ووزارة الشؤون الإسلامية أو وزارة الحج أو نحو ذلك لا. بل الشريعة حاكمة على الجميع بحمد الله سبحانه وتعالى.
تقود خطانا دولة عز ركنها
ترى الدين نحو الشامخات سبيلا
سعودية لم يعرف الوهن عزمها
ولم تر للإسلام قط عديلا
رخاءً وعز منعة وتقدم
تبسم بشراً كالصباح خجولا
وما الذي اقض مضاجع الاعداء وجعلهم يكيلون هذا الكيل لهذه البلاد ويطعنون هذا الطعن الفاسق إلا لانها ما زالت ملتزمة بشرع الله عز وجل ما زالت متمسكة بالاقوال الثابتة للدين الإسلامي ترعاه وتؤيده وتقوم به وتأمر به وتنهى عن ما خالفه فلا يعرف الفضل لاهل الفضل إلا من كان من أهل الفضل. أما الميزة الثالثة فهي والله ميزة خص الله عز وجل بها هذا البلاد في هذا الوقت ومنذ ازمان متقادمة الا وهي تلك العقيدة السليمة النقية الصافية التي نشأت عليها هذه البلاد وقامت عليها بحمد الله سبحانه وتعالى فالسنة مرفوعة والبدعة مقموعة والشرك لا اثر له ولا ناصر له ولا داع إليه فذلك من أعظم الفضائل ومن اجلها فتوحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة هو أعظم ما أمر الله سبحانه وتعالى به ومن جاء بالتوحيد يوم القيامة فإنه ناج بإذن الله عز وجل من النار اما ناج بالكلية واما ان يدخلها لمعصية ونحو ذلك إذا شاء الله ثم يخرج منها ويكون مصيره إلى الجنة وذلك معلوم مقرر في كتاب الله عز وجل وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهو مما أجمع عليه المسلمون وهذه الميزة يعرفها أهل الفضل ويقدرونها قدرها ولهذا فإن سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعا
لى أشاد بهذا الجانب اشادة قوية وهو من هو في الصدق والصلاح والاستقامة نحسبه كذلك والله حسيبه يقول رحمه الله كما في مجموع فتاويه الذي طبع في حياته في المجلد الأول صفحة 384يقول عندما تكلم عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب واثر هذه الدعوة في نشر العقيدة الصحيحة قال رحمه الله تعالى ومن ابرز هؤلاء الدعاة المصلحين الامام الشيخ محمد بن عبدالوهاب مجدد القرن الثاني عشر الهجري رحمه الله الذي وفقه الله للقيام بدعوة اصلاحية عظيمة اعادت للاسلام في الجزيرة العربية قوته وصفاءه ونفوذه وطهر الله به الجزيرة من الشرك والبدع وهداهم به الى الصراط المستقيم وامتدت آثار هذه الدعوة المباركة الى اجزاء كثيرة من العالم الاسلامي وتأثر بها عدد من العلماء والمصلحين فيه وكان من اقوى اسباب نجاح هذه الدعوة ان هيأ الله له حكاماً آمنوا بها ونصروها وآزروها او وآزروا دعاتهم فذلكم هم الحكام من آل سعود بدداً من الامام المجاهد محمد بن سعود رحمه الله مؤسس الدولة السعودية ثم ابنائه واحفاده من بعده ان دعوة الامام الشيخ محمد بن عبدالواهاب رحمه الله هي الدعوة الاسلامية التي دعا اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وسلف هذه الامة الصالح ولهذا ن
جحت وحققت آثاراً عظيمة رغم كثرة اعدائها ومعارضيها في العالم الاسلامي اثناء قيامها وهذه الدعوة وان كانت سلسلة في دعوة الاصلاح ومرتبطة بمذهب السلف الصالح السابق لها ولم تخرج عنه الا انها تستحق المزيد من الدراسة والعناية وتبصير الناس بها لان الكثير من الناس لايزال جاهلاً حقيقتها ولأنها اثمرت ثمرات عظيمة لم تحصل على يد مصلح قبله بعد القرون المفضلة وذلك لما ترتب عليها من قيام مجتمع يحكمه الاسلام ووجود دولة تؤمن بهذه الدعوة وتطبق احكامها تطبيقاً صافياً نقياً في جميع احوال الناس في العقائد والاحكام والعادات والحدود والاقتصاد وغير ذلك مما جعل بعض المؤرخين لهذه الدعوة يقول ان التاريخ الاسلامي بعد عهد الرسالة والراشدين لم يشهد التزاماً تاماً بأحكام الاسلام كما شهدته الجزيرة العربية في ظل الدولة السعودية التي ايدت هذه الدعوة ودافعت عنها ولا تزال هذه البلاد والكلام موصول لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى قال ولا تزال هذه البلاد والحمد الله تنعم بثمرات هذه الدعوة امناً واستقراراً ورغداً في العيش وبعداً عن البدع والخرافات التي اضرت بكثير من البلاد الاسلامية حيث انتشرت فيها والمملكة حكاماً وعلماء يهمهم امر المسل
مين في العام كله ويحرصون على نشر الاسلام في ربوع الدنيا لتنعم بما تنعم به هذه البلاد. انتهى كلامه رحمه الله تعالى هذا الكلام نأخذه من معين هذا العالم الصادق الصابر المجاهد فلا نلتفت الي غيره من اوباش واقزام لاوجود لهم في العلم ولا حضور لهم في الدعوة ولاقدم صدق لهم في خدمة الاسلام فمن التفت الى مثل هؤلاء واخذ عنهم فهو كمثل الذي يريد ان يبني بيتاً ويأخذ تخطيط بيته او مخطط بيته من صاحب بقالة او من صاحب مطعم او نحو ذلك فجعل الامور في نصابها واخذ الشيء من اهله هو الطريق الحق وهو السبيل الذي عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعليه علماء اهل الاسلام فإذا لم نأخذ مثل هذا الكلام من مثل سماحته رحمه الله وغيره من علماء هذه البلاد المباركة كسماحة المفتي الحاضر الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ وغيرهم فمن نأخذه عنه وعمن نتلقى هذه الامور التي خطرها كبير وآثارها عظيمة فالعاقل الذي يريد لنفسه النجاة لا يأخذ هذه الامور الا عن اهل العلم الصادقين اهل العلم الذين شهدت لهم الامة بالعلم الشرعي والعمل الصالح والدعوة الى الله عز وجل على طريقة السلف الصالح لا على طريقة فلان وفلان او على هوى ومزاج فلان وفلان هذا ما تميزت به هذه البلا
د من النواحي الدينية اما الناحية الدنيوية فالحديث فيها لن يكون ابلغ من الواقع العملي فإن واقع هذه البلاد بحمد لله عز وجل انها تمر بعصور رخاء ورغد عيش لم يمر على هذه البلاد قبل هذه الفترة والدنيا يفرح بها المؤمن اذا كانت عوناً على الآخرة ومعينة على طاعة الله سبحانه وتعالى فقد جمع الله عز وجل في هذا البلد ما لم يجمعه في اي بلد اخر لا من حيث الدين ولا من حيث الدنيا فالواجب حمد الله عز وجل على هذه النعمة والقيام في شكرها واما الاخطاء والزلل فهذا لا يسلم منه بشر فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون واولئك الذين يحاولون ان يتصيدوا الاخطاء وان يحجموها ويكبروها صارفين النظر عن المحاسن والميزات التي تميزت بها هذه البلاد هم في الحقيقة مخطئون وهم في الحقيقة لم يشتغلوا بعيوب انفسهم عن عيوب الناس والا لو فعلوا ذلك لما خاضوا فيما لا يعنيهم وتحدثوا فيما لا يخصهم بجهل وفي هوى هؤلاء اذكرهم بالله سبحانه وتعالى وبقول النبي صلى الله عليه وسلم من حسن اسلام المرأ تركه ما لايعنيه. وقد ذكر بعض السلف ان من تحدث فيما لا يعنيه فقد مكر به والامور في شريعة الله عز وجل قد قسمت اختصاصاتها فهناك ولاة امر لهم اختصاص وهناك علماء لهم اختصاص
ايضاً في التعليم وفي التوجيه وفي النصح وفي البيان في تصحيح الاخطاء ونحوها فالاخطاء لايزعم احد انها لا تقع بل تقع وهذا من شأن البشر ووقوعها ليس سبيلاً الى تأييدها وتبريرها لا وانما ترد بما يناسب فلا يرد الشر بما هو اكبر شراً منه وهكذا واذا لم يثق هؤلاء بما اذكره الان فإنني اتقدم اليهم بقصة جاءت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواه ابن جرير الطبري وغيره باسناد حسَّنه ابن كثير وصحَّحه غيره من اهل العلم لنتأمل هذه القصة وما جرى فيها حتى نعلم ان الاخطاء في الدول لا بد من وقوعها وان النظر الى مجمل ما عندها من الخير واما الاخطاء فإنه يسعى بتصحيحها بالقنوات التي شرعها الله سبحانه وتعالى وسنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرى عليها الخلفاء الراشدون اما اذا تغيرت هذه القنوات فإن الفساد سوف يعم والضرر سوف يقع على الجميع يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى ان ناساً سألوا عبدالله بن عمرو بن العاص بمصر قالوا نرى اشياء من كتاب الله امر ان يعمل بها لا يعمل بها فأردنا ان نلقى أمير المؤمنين في ذلك فهم الان انتقدوا والي مصر وهو عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وارضاه وقالوا انه لا يعمل بما جاء في كتاب الله عز وجل قال فقدم وقدم
وا معه فلقيه عمر فقال متى قدمت قال مذ كذا وكذا قال عمر أبإذن قدمت قال فلا ادري كيف رد عليه يعني الراوي يقول لا ادري كيف رد عبدالله بن عمرو على عمر بن الخطاب في هذا السؤال فقال عبدالله بن عمرو يا أمير المؤمنين ان ناساً لقوني بمصر فقالوا انا نرى اشياء من كتاب الله امر ان يعمل بها فلا يعمل بها فأحبوا ان يلقوك في ذلك قال عمر اجمعهم لي قال فجمعتهم له فأخذ ادناهم رجل فقال عمر له نشدتك الله نشدتك بالله وبحق الاسلام عليك اقرأت القرآن كله قال نعم قال عمر فهل احصيته في نفسك قال اللهم لا قال أي الراوي ولو قال نعم لخصمه فإنه لو قال نعم لكان قد زكى نفسه بالباطل اذ لا يسلم احد من النقص ومن الخطأ مهما كان الا من عصم الله عز وجل كأنبيائه ورسله قال عمر ايضاً في أسئلة موجهة الى هذا الشخص فهل احصيته في بصرك فهل احصيته في لفظك هل احصيته في اثرك ثم تتبعهم حتى اتى على آخرهم يعني كل واحد يجلس معه ويسأله هذه الأسئلة ثم قال عمر ثكلت عمر أمه أتكلفونه يعني واليه أن يقيم الناس على كتاب الله تبارك وتعالى قد علم ربنا انه ستكون لنا سيئات قال ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً ثم قال: هل علم اهل المدينة بم
ا قدمنك فقالوا لا قال لو علموا لوعظت بكم فانظر الى فقه عمر وجلالة قدره وحكمته اتكلفونه ان يقيم الناس على كتاب الله عز وجل أي اتكلفونه بأن لا يقع في أي خطأ وان لا يحصل منه أي هنة ان ذلك مستحيل على بشر وانتم في انفسكم قد اقررتم بأن عندكم من الاخطاء وعندكم من التقصير ما عندكم فكيف تكلفون الناس بما لا تلتزمون به في انفسكم ثم احتج عليهم بأن الخطأ واقع لا محالة من جنس البشر فقال قارئ الآية {ان تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} فإذا عمر رضي الله تعالى عنه كان موفقاً كما هو في سائر اموره في معالجة هؤلاء واقناعهم بالطرق النقلية وبالطرق العقلية فكان ماكان منهم من توجه ومن انكفاف هذه الفتنة ولم ترجع الا بعد ان قتل عمر رضي الله تعالى عنه وارضاه. فيا اخواني نحن في هذا البلد محسودون لا اقول اننا محسودون في امور الدين فحسب او في امور الدنيا فحسب بل اننا محسودون في امور الدين وامور الدنيا فوضعنا الديني افضل الاوضاع مقارنة بجميع الدول والحسد في الدين وارد ليس الحسد على الدنيا فقط لذلك اليهود حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام ان اليهود يحسدوننا على التأمين في ال
صلاة وعلى السلام السلام التحية ونحو ذلك وهذا الحسد الموجود علينا في امور الدين هو الذي جعل اعداءنا يسعون الى تمزيقنا فرقاً واحزاباً جلبوا المناهج الدخيلة على البلاد ايضاَ شوهوا صورة الدعوة التي تتبناها هذه البلاد فوصفوها زوراً وبهتاناً بأنها وهابية فاخترعوا لها هذا الاسم ثم صوروه في صورة سيئة فنشروها في العالم الاسلامي حتى يضلوا الناس عن سبيل الله عز وجل ولكن ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله اذن فكل ذلك من مظاهر الحسد لنا والحقد علينا واهل الأهواء والبدع لهم نصيب من ضلال اهل الكتاب اليهود والنصارى كما ان اليهود والنصارى يحسدوننا فكذلك اهل الأهواء والبدع يحسدوننا ويحاولون ان يفسدوا بل ان بعضهم قد يتعاون مع الاعداء الحقيقيين من اليهود والنصارى وغيرهم في سبيل الاضرار بهذه الدعوة المباركة دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله وذلك معلوم مشهور اما بالنسبة للحسد في امور الدنيا فيعني كيف يريد الانسان ان يتحدث عنه حسد ظاهر بين العبارات تقصر عن ايصال حجمه الى العقول لأن الافعال اكبر.

نشرت في جريدة الرياض بتاريخ : 16 صفر 1424 - العدد 12719.

أبو عبد الله عادل السلفي
04-19-2009, 06:35 PM
مظاهر الغلو في الاعتقاد والعمل والحكم على الناس

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على رسوله .. أما بعد : فإن من مظاهر الغلو : الغلو في الاعتقاد، والعمل، والحكم على الناس.
1- الغلو من الاعتقاد
أما الغلو في الاعتقاد: فهو مجاوزة الحد فيما شرع الله تعالى من الأمور الاعتقادية فإن الله تعالى إنما أنزل الكتاب وبعث المصطفى ليكون الدين كله لله، والغالي لا يكتفي بما أنزل تعالى من الشريعة الكاملة، بل يسعى إلى الزيادة على ما شرع الله، ومخالفة ما قصده الشارع من التيسير على المكلفين إلى التشديد على نفسه وعلى غيره، ونسبة ذلك إلى شرع الله تعالى . والغلو في الاعتقاد أخطر أنواع الغلو؟ ذلك بأن الاعتقاد درجة عالية من جزم القلب بما فيه من رأي أو فكر أو شرع، فأصعب ما يكون انتزاعها؛ لأن صاحبها يدافع عنها كما يدافع عن دمه وماله وعرضه، ومعلوم أن الغالي إنما يعتقد ما يتوهم أنه شرع الله وليس كذلك، بل إنما يعتقد فكرا أو رأيا مصدره الهوى . ومن هنا كان تحذير علماء المسلمين من أهل ال بدع والأهواء أكثر من تحذيرهم من أهل المعاصي والفسوق فالضرر الحاصل بالغلو في الاعتقاد أعظم من الضرر الحاصل بالغلو في العمل .
ومن أبرز الأمثلة على هذا النوع من الغلو : غلو الخوارج وهم الفرقة المعروفة في جسم الأمة الإسلامية منذ العصر الأول : إﻧﻬم فئة قادهم الغل و في الحكم على صاحب المعصية إلى إلحاقه بمن وقع في الكفر بالله تعالى فكان هذا الغلو الاعتقادي دافعا لهم إلى سلسلة من الجرائم الكبرى بحق الأمة الإسلامية:
(أ)- حيث دفعهم إلى تكفير حكام المسلمين بمجرد الوقوع في المعاصي.
(ب)- ثم تكفير عامة من لم يقنع بقولهم هذا من المسلمين، فكفروا اﻟﻤﺠتمعات المسلمة
(ج)- فقاتلوا المسلمين، وخرجوا على حكامهم . وهكذا صور كثيرة من الظلم والاعتداء وإيهان قوة المسلمين، ارتكبها هؤلاء لأجل غلوهم في دين الله تعالى
وقد كشف الحديث النبوي الشريف هذا الجانب السيئ في هذا الاتجاه، ففي صحيح ابن حبان( 1) عن جندب البجلي أن حذيفة حدثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إِنَّ مَا َأتَخَوَّفُ عََليْ ُ كمْ رَجُل َقرََأ اْلُقرْآن َ حَتَّى إَِذا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عََليْهِ وَكَان رِدْءًا لِلْإِسَْلامِ، َ غيَّرَهُ إَِلى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسََلخَ مِنْهُ، وَنَبَذهُ وَرَاءَ َ ظهْرِهِ، وَسَعَى عََلى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ " قَال: ُقلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، َأيُّهُمَا َأوَْلى بِالشِّرْكِ، الرَّامِي َأمِ الْمَرْمِيُّ؟ قَال: " بَلِ الرَّامِي ].
فهذه الصورة تكشف الغلو الاعتقادي، كيف يبدأ صاحبه؟ ومن أين يأتيه الشيطان؟ وما يترتب على غلوه من المفاسد العظيمة : حيث قتل النفس التي حرم الله، وخيانة الجار، وزعزعة أمن الدولة المسلمة . كل ذلك يشرح نظريا شؤم الغلو الاعتقادي، ويب ين عموم ضرره. ومن هنا جاء كتاب الله تعالى وجاءت السنة النبوية بالتحذير الشديد من الغلو، وبيان عواقبه الوخيمة في أمور الدين وأمور الدنيا . ففي مسند الإمام أحمد( 2) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة جمع : هَُلمَّ اْلُقط ْ لِي، َفَلَقطْتُ َلهُ حَصَيَاتٍ، هُنَّ حَصَى اْلخَ ْ ذفِ، َفَلمَّا وَضَعَهُنَّ فِي يَدِهِ، قَا َ ل : " نَعَمْ، بَِأمَْثالِ هَؤَُلاءِ . وَإِيَّاكمْ وَالْغُُلوَّ فِي الدِّينِ، َفإِنَّمَا هََلكَ مَنْ كَا َ ن َقبَْل ُ كمْ بِالْغُُلوِّ فِي الدِّينِ { (3 ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " اقتضاء الصراط المستقيم " ((4 ) : هذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال، وسبب هذا اللفظ العام : رمي الجمار، وهو داخل فيه مثل : الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما يقتضي مجانبة هدي من كان قبلنا، إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به . وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك . اهـ
وغلو أهل الكتاب من النصارى في دينهم واضح حيث نص الله تعالى عليه في قوله : " يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه "( 5).
فهنا غلو منهم في الاعتقاد، ساقهم إليه الشيطان، حيث زين لهم عبادة المسيح من دون الله تعالى في هيئة محبة الأنبياء وتعظيمهم، وقد أبطل الله هذه الشبهة بأدلة متعددة، كقوله تعالى : " ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام "( 6)
ومثل فعل النصارى هذا؛ فعل اليهود مع العزير، وفعل بعض فرق هذه الأمة مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولهذا حرقهم علي رضي الله عنه واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، واختار ابن عباس أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق، وهو قول أكثر العلماء( 7)
وقد قاد الغلو النصارى إلى ابتداع البدع في دينهم، والتعبد لله تعالى ﺑﻬا، كما قال تعالى : " رهبانية إبتدعوها ما كتبناها عليهم إلا إبتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها "( 8).
فكل من غلا من هذه الأمة، واتبع هواه وحكمه في دين الله، أو زاد على ما شرعه الله ففيه شبه من أهل الكتاب، ومن تشبه بقوم فهو منهم . ومآله إلى الهلاك في الدنيا والآخرة؛ لأن الغلو هو سبب هلاك من مضى من أهل الكتاب باختلافهم وتقاتلهم وتباغضهم، وفي الآخرة هم الأخسرون . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطعون قالها ثلاثا "(9 ) رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود( 10)
قال الخطابي في " معالم السنن "(11 )المتنطع : المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم. اهـ
فهذا خبر عن هلاك من وقع في التنطع الذي هو ضرب من الغلو في الكلام ونحوه، فدل على أن عقوبة الغالين من المتقدمين والمتأخرين هو : الهلاك، ولهذا لا يقوم لأهل الغلو دولة، ولا تجتمع الأمة عليهم، كما قال الإمام وهب بن منبه - رحمه الله تعالى - في الخوارج كنموذج للغلو، عند مناصحته لمن وقع في رأيهم :( فوالله ما كانت للخوارج جماعة قط إلا فرقها الله على شر حالاﺗﻬم، وما أظهر أحد منهم قوله إلا ضرب الله عنقه، وما اجتمعت الأمة على رجل قط من الخوارج . ولو أمكن الله الخوارج من رأيهم لفسدت الأرض، وقطعت السبل، وقطع الحج إلى بيت الله الحرام، وإذن لعاد أمر الإسلام جاهلية، حتى يعود الناس يستعينون برءوس الجبال كما كانوا في الجاهلية، وإذن لقام أكثر من عشرة أو عشرين رجلا ليس منهم رجل إلا وهو يدعو إلى نفسه بالخلافة، ومع كل رجل منهم أكثر من عشرة آلاف يقاتل بعضهم بعضا، ويشهد بعضهم على بعض بالكفر حتى يصبح الرجل المؤمن خائفا على نفسه ودينه ودمه وأهله وماله، لا يدري أين يسلك أو مع من يكون. غير أن الله بحكمه وعلمه ورحمته نظر لهذه الأمة فأحسن النظر لهم، فجمعهم وألف بين قلوﺑﻬم على رجل واحد ليس من الخوارج...)الخ( 12) وكل ما ذكره هذا الإمام واقع ملموس في هذه الفئة ومن نحا نحوها في الغلو، ذلك بأن كل خير يحصل للأمة إنما هو بسبب اجتماعها على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومن هنا فسر حبل الله تعالى الوارد قي قوله جل وعلا: " وإعتصموا بحل الله جميعا ولا تفرقوا "(13 ) بالجماعة في قول ابن مسعود رضي الله عنه عنه وغيره( 14)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله" : وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة، فإن في المعتزلة من ا لاختلافات وتكفير بعضهم بعضا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج، وقد ذكر من صنف في فضائح المعتزلة من ذلك ما يطول وصفه . ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث وما تبع ذلك، ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك، وقدم غيره عليه، قال تعالى :" ولا يزالون مختلفين إلا ما رحم ربك ولذلك خلقهم"( 15) فأخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون، وأهل الرحمة هم أتباع الأ نبياء قولا وفعلا، وهم أهل القرآن والحديث من هذه الأمة، فمن خالفهم في شيء فاته من الرحمة بقدر ذلك..."( 16)
ومن هذا المنطلق جعل أهل العلم : من علامات المبتدعة : الغلو، فليس مع من ركبه أي حجة، ومن عباراﺗﻬم في ذلك، ما سطره العلامة الشيخ سليمان بن سحمان في كتابه الذي رفض فيه الغلو، وأنكر على أهله، وفند ما يظنونه حجة لهم، وهو كتاب : " منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع " قال رحمه الله" : ومن علامات صاحب البدعة: التشديد، والغلظة، والغلو في الدين، ومجاوزة الحد في الأوامر والنواهي، وطلب ما يعنت الأمة ويشق عليهم ويحرجهم ويضيق عليهم في أمر دينهم، وتكفيرهم بالذنوب والمعاصي إلى غير ذلك مما هو مشهود مذكور من أحوال أهل البدع ". اه. وقد كشف الشيخ ابن سحمان ضلال طائفة من الغالين في كتابه هذا بما يحسن تلخيصه، إذ البلية تتكرر بمثل هذه الطائفة في كل زمن . وقد قام الإمام عبد العزيز بن عبد الرحمن رحمه الله بمنع هؤلاء الغالين من الذهاب إلى البادية للدعوة مما أثار حفيظة بعضهم، فذم الولاية، وذم العلماء، قال الشيخ ابن سحمان رحمه الله( 17)قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأما كن المذكورة في السؤال هو الإمام - أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته - لأمرين :
أحدهما: أﻧﻬم افتاتوا على منصب الإمامة، فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته، من غير إذن منه، ولا أمر لهم بذلك . وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله .
الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو واﻟﻤﺠازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله، فمن ذلك : أﻧﻬم كفروا البادية بالعموم .. ومنها: أﻧﻬم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه، ويسموﻧﻬا : العمامة، وأﻧﻬا من السنة . ومنها: أﻧﻬم لا يسلمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة . وهم مع ذلك يزعمون أﻧﻬم هم على السنة، وأن المشايخ يميتون السنن . ومنها: أﻧﻬم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس . ومنها: أﻧﻬم أدخلوا في دين الله ما ليس منه، فزعموا أن تدوية البدو للإبل عند ورودها وصدورها بدعة . ومنهم من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة، فضربوا رجلا منهم حتى مات .... فلما اشتهر هذا الأمر عنهم، وهذا الغلو والتجاوز للحد، خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج، فيمرقون من الدين بعد أن دخلوا فيه، كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثرهم ﺗﻬليلا، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة... إلى أن قال الشيخ: وأما سبهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن ﺑﻬم، وكذلك ما نسبوه إلى و لي الأمر من الأقوال التي لا تروج على عاقل، ويغتر ﺑﻬا كل مغرور جاهل، فهذا كله مما يرفع الله به درجات الإمام، والمشايخ، وحساﺑﻬم على الله، وسيجازيهم بما جازى به المفترين؛ لأن الإمام والمشايخ لم يمنعوهم إلا خوفا على من دخل هذا الدين أن يسلك مسلك الخوارج، الذين مرقوا من دين الإسلام وهم يحسبون أﻧﻬم يحسنون صنعا.
وأما قول بعضهم : ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوﺗﻬم . فنقول: وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدوﻧﻬم على ما أحدثوه من البدع والغلو واﻟﻤﺠازفة والتجاوز للحد !!
وأما قولهم : إن المشايخ داهنوا في دين الله، والإخوان أمروا وأنكروا . فنقول: ما أشبه
الليلة بالبارحة، فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم لما ﻧﻬاهم أهل الحق عن الغلو في الدين،
قالوا لمن ﻧﻬاهم : يا أعداء الله قد داهنتم في الدين( 18) وهم يزعمون أﻧﻬم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أﻧﻬم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، تشاﺑﻬت قلوﺑﻬم.
وأما قولهم : الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها، والمشايخ كتموها ودفنوها . فنقول: إن كان هذا حقا فسيجازيهم الله على ذلك . لكنهم مع ذلك قد سلكوا ﺑﻬم مسلك أهل البـدع، وتجاوزوا ﺑﻬم الحد في الأقوال والأفعال، وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا على الله الفرية وعلى ملة إبراهيم.
وأما قولهم : ما أطاع الإمام المشايخ إلا لسكوﺗﻬم عنه للمآكل والأغراض . فنقول: هذا
- أيضا - من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان )اهـ.
2- فصل في الغلو في العمل
والغلو في العمل : تشديد المسلم على نفسه في عمل طاعة من غير ورود الشرع بذلك: كالذي يجعل حبلا يتعلق به إذا فتر عن قيام الليل، ونحوه، فإن هذا العمل غير ناتج عن عقيدة فاسدة، وإنما قد يظن المكلف أن ذلك زيادة خير . فإن صاحب هذا العمل عقيدة فاسدة فهو الغلو الاعتقادي الذي تقدم ذكره، كحالة بعض المنتسبين إلى التصوف، ممن يعتقد أن تعذيب النفس في الطاعة مطلقا من أفعال الخير والهدى . ولما كان هذا النوع من الغلو قد يدخل في نفس بعض اﻟﻤﺠتهدين في العبادة، عالجه صلى الله عليه وسلم بأساليب متعددة، تارة بالعموم، وتارة بتوجيه من وقع فيه إلى خطأ فعله، وما كان من الصحابة رضي الله عنهم إلا التسليم المطلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففي سنن الترمذي( 19)عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " إِنَّ رَجًُلا َأتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنِّي إَِذا َأصَبْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّسَاءِ، وََأخَ َ ذتْنِي شَهْوَتِي، َفحَرَّمْتُ عََليَّ اللَّحْمَ، َفَأنْزَل اللَّهُ " يا أيها الذين آمنوا لاتحرموا طيبات ما أحل الله لكم "( 20) قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ..اهـ. وحسنه الشاطبي في " الاعتصام "(21 )
ومثل هذه الحادثة كثير، فيوجه النبي صلى الله عليه وسلم من وقع منه ذلك إلى البعد عنه، والحذر منه . وقد روى ا بن جرير الطبري في " تفسيره "( 22) عن أبي قلابة قال : َأرَادَ ُأنَاسٌ مِنْ َأصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َأن يَرْفُضُوا الدُّنْيَا، وَيَتْرُكُوا النِّسَاءَ وَيَتَرَهَّبُوا. َفقَامَ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َفغَلَّظ فِيهِمُ الْمََقاَلةَ، ُثمَّ قَال : إِنَّمَا هََلكَ مَنْ كَان َقبَْلكمْ بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عََلى َأنْفُسِهِمْ َفشَدَّدَ اللَّهُ عََليْهِمْ، ُأوَلئِكَ بََقايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ وَ َلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيًْئا، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ َلكمْ " قال: ونزلت فيهم :" يأيها الذين آمنوا لما تحرموا طيبات ما أحل الله لكم " ( 23) قال الشاطبي رحمه الله في " الاعتصام (24 )" الاقتصار على الشبع في المأكول من غير عذر تنطع والاقتصار في الملبوس على الخشن من غير ضرورة، من قبيل التشديد والتنطع المذموم، وفيه أيضا من قصد الشهرة ما فيه . وقد روي عن الربيع بن زياد الحارثي: أنه قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ا عدني على أخي عاصم .قال: ما باله؟ قال : لبس العباء يريد النسك . فقال على رضي الله عنه علي به فأتى به مؤتزرا بعباءة، مرتديا بالأخرى، شعث الرأس واللحية . فعبس في وجهه، وقال : ويحك ! أما استحييت من أهلك؟ أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح لك الطيبات، وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله من ذلك، أما سمعت الله يقول في كتابه : " والأرض وضعها للأنام " ( 25) إلى قوله : " يخرج منهما الؤلؤ والمرجان " ( 26) أفترى الله أباح لعباده إلا ليبتذلوه، ويحمدوا الله عليه، فيثيبهم عليه؟ وإن ابتذالك نعم الله بالفعل خير منه بالقول. اهـ.
وأدلة الشرع في النهي عن الغلو العملي كثيرة جدا، فالوقوع فيه : ارتكاب للنهي، ومعارضة لمقاصد الشريعة التي بنيت على التيسير والتخفيف . وإذا تأمل المسلم ما جرى في حادثة الإسراء والمعراج من فرضية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ومراجعته ربه جل وعلا في تخفيف عدد الصلوات من خمسين إلى أن بلغ خمس صلوات؛ علم يقينا أن الشارع الحكيم لا يقصد في تكاليفه المشقة على العباد وإلحاق العنت ﺑﻬم . فلم يبق لمن ألزم نفسه بالغلو في جزئيات الشريعة حجة . وكل ما تقدم في ذم من غلا في جزئية أو جزئيتين، أما من كثر غلوه في الجزئيات فلا ريب أن غلوه هذا يلحق بالغلو الاعتقادي.
وقد جرت سنة الله تعالى في هؤلاء الغالية في العمل : أن ينقطعوا عن العمل بالكلية، إلا من أراد هدايته فوفقه للرجوع إلى الطريق المستقيم . وهذا بينه صلى الله عليه وصلم فيما أخرجه البخاري( 27) عن أبى هريرة رضي الله عنه :" إِنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ، وََلنْ يُشَادَّ الدِّينَ َأحَدٌ إِلَّا َغَل بَهُ، َفسَدِّدُوا وََقارِبُوا وََأبْشِرُوا" ( 28)
قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - في " الفتح " ( 29)المشادة بالتشديد المغالبة، والمعنى :لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع؛ فيغلب . قال ابن المنير : في هذا الحديث علم من أعلام النبوة، ف قد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع.. اه. وتلافيا للوقوع في هذا المزلق الخطير : أمر الشارع الحكيم بالقصد وهو الوسط في العمل . فقد بوب البخاري - رحمه الله - في صحيحه( 30) باب القصد والمداومة على العمل، في كتاب الرقاق . وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها أﻧﻬا قالت :" سُئِل رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َأيُّ الْأَعْمَالِ َأحَبُّ إَِلى اللَّهِ؟ قَال : " َأدْوَمُهَا وَإِنْ َقلَّ " وَقَال: " اكَلُفوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيُقون" ( 31)
3- فصل في الغلو في الحكم على الناس
وأما الغلو في الحكم على الناس : فهو مجاوزة الحد في إلحاق الحكم عليهم بالكفر أو البدعة أو الفسوق . فإن الحكم ﺑﻬذه الأمور على أحد من الناس إنما هو إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن دل الدليل القاطع على إلحاق هذه الأ حكام به؛ ألحقت به، ومن لم يدل الدليل على لحوقها به؛ فإن تتريلها عليه من تعدي حدود الله تعالى، والقول عليه بغير علم، وهو الغلو الفاحش الذي أردى الأمة ونخر في جسمها، وفرق جماعتها . بل إن أول الغلو في الأمة إنما هو هذا، يوم غلا الخوارج في الحكم على المسلمين، وحكام المسلمين بالكفر والخروج من الإسلام، فترتب على فعلهم هذا : إراقة دماء طاهرة مسلمة، وتمزق الجماعة، وانتشار التباغض والشحناء بين أهل الإسلام.
ومثل هذا يقال في التبديع بغير حق، والتفسيق بغير حق، فإنه يقود إلى التقاطع والتباغض، وهو سبيل إلى التكفير بغير حق. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري - منع من تتريل الحكم العام على شارب الخمر بأن تحل عليه لعنة الله، على الشخص المعين لما قام به من إيمان بالله ورسوله، فكيف يتسارع الغالون إلى تتريل أحكام الكفر والفسق العامة على الأشخاص المعينين دونما روية وتؤدة؟ ! ونص الحديث كما في صحيح البخاري( 32) عن عمر بن الخطاب :" َأنَّ رَجًُلا كَان عََلى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كان اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَان يَُلقَّبُ حِمَارًا وَكَان يُضْحِكُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جََلدَهُ فِي الشَّرَابِ، َفأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، َفَأمَرَ بِه، َفجُلِد . فَقَال رَجُل مِنَ الَْقوْمِ : اللَّهُمَّ اْلعَنْهُ، مَا َأكَْثرَ مَا يُؤْتَى بِهِ ! فَقَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم َلا تَْلعَنُوهُ َفوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ َأنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُوَلهُ "(33 )
فتتريل هذه الأحكام على الشخص المعين لا بد لها من شروط تتوفر، وموانع تنتفي، كما أجمع على ذلك علماء أهل السنة والجماعة . ومن هذا المنطلق تتابعت نصوص العلماء على أن المتصدي للأحكام على الن اس في عقائدهم أو عدالتهم لا بد أن يكون من العلماء وأهل الورع : من ذلك قول الحافظ الذهبي - رحمه الله تعالى -: " والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع "اهـ.( 34)
وقد بلينا في هذه الأزمان ببعض المنتسبين إلى السلفية ممن يغلون في الحكم على الناس بالبدعة، حتى بلغ الأمر إلى التعميم في التبديع على كل اﻟﻤﺠتمع، وأن الأصل في غيرهم البدعة حتى يتبينوا في شأﻧﻬم . وهؤلاء جهال بالشريعة، جهال بفهم عبارات العلماء في البدع وأهلها، فلا عبرة بقولهم، بل هو هباء لا وزن له . وقد أجاد العلامة الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد في نصحهم والتحذير من منهجهم في كتابه : رفقا يا أهل السنة بأهل السنة. نسأل الله تعالى السلامة من الغلو كله. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



--------------------------------------------------------------------------------


1 - الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان [1/ 282] .
2 - [ 1/ 215-347] وصححه شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم " [1/289]
3 - النسائي مناسك الحج [3057] ابن ماجه المناسك [3029] أحمد [1/215].
4 - [1/279] ونقله عنه الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد [ص 275] والنقل بواسطته.
5 - سورة النساء 187.
6 - سورة المائدة 75.
7 - ينظر منهاج السنة لإبن تيمية [1/28].
8 - سورة الحديد آية 27.
9 - مسلم العلم[2670] , أبو داوود[4608] ,أحمد[1/376] .
10- صحيح مسلم [2670].
-11 [7 /12-13].
12- رسالة مناصحة وهب بن منبه لرجل تأثر بمنهج الخوارج ص 17.
13- سورة آل عمران آية 103.
14- المحرر الوجيز لابن عطية [3/182].
15- سورة هود الآيتان 118-119.
16- مجموع الفتاوى [4/52] .
17- [87/88] .
18- مقولة الخوارج لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
19- أبواب التفسير باب في تفسير سورة المائدة [5/255] .
20- سورة المائدة 87.
21- [2/ 196] .
22 - 8/608 دار هجر.
23 - سورة المائدة آية 87 .
24 - 2/228.
25 - سورة الرحمن آية 10.
26 - سورة الرحمن آية 22.
27 - صحيح البخاري كتاب الإيمان ، باب الدين يسر[1 /15]
28 - النسائي الإيمان وشرائعه (5034).
29 - الفتتح [1/94].
30 -[8/114].
31 - البخاري الرقاق (6100) مسلم صلاة المسافرين وقصرها(783) النسائي القبلة(762) أحمد(6/273).
32 - كتاب الحدود ، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة [12/75] فتح
33 - البخاري الحدود (6398).
34- ميزان الإعتدال [3/46].
______________________________________________
كلمة للشيخ عبد السلام بن برجس رحمه الله تعالى ضمن بحوث ندوة أثر القرآن الكريم في تحقيق الوسطية