أبو عبد الله عادل السلفي
04-06-2009, 03:10 AM
و آخرون عندهم الإيمان التجرد من الدنيا و علائقها وتفريغ القلب منها و الزهد فيها , فإذا رأوا رجلا هكذا جعلوه من سادات أهل الإيمان و إن كان منسلخا من الإيمان علما وعملا .
و أعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل .
وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به و لا قام بهم , وهم أنواع :
منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان .
ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان .
ومنهم من جعله ما هو شرط فيه و لا يكفي في حصوله .
ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده .
ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه .
و الإيمان وراء ذلك كله , وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم علما و التصديق به عقدا و الإقرار به نطقا و الانقياد له محبةوخضوعا , والعمل به باطنا وظاهرا , وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان , وكماله في الحب في الله والبغض في الله , والعطاء لله و المنع لله , و أن يكون الله وحده إلهه ومعبوده , والطريق إليه : تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا , وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله . وبالله التوفيق " انتهى .
الفصل الخامس: الأصول والضوابط في مسألة التكفير
ونظرا لما حصل من تسرب المذهبين المذكورين المخالفين لمذهب أهل السنة إلى عقائد بعض المعدودين من أهل السنة ، وخفاء أصول هذه المسألة شرعاً على آخرين ؛ رأيت إيضاح ما يجب اعتباره شرعاً في هذه المسألة مما يُعْرَفُ به الحق بدليله , وبطلان ما خالفه من المذاهب المردية , والاتجاهات الفكرية الضالة , وأنها مسألة خطيرة , وعظيمة , مُحاطةٌ شرعا بما يحفظ للإسلام حرمته , وللمسلمين حرمتهم , وذلك فيما يأتي :
1- التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي المجرد فيه , لأنه من المسائل الشرعية لا العقلية , لذا صار القول فيه من خالص - حق الله تعالى - لا حَقَّ فيه لأحد من عباده ، فالكافر من كفره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير .
وكذلك الحكم بالفسق ، والحكم بالعدالة ، وعصمة الدم ، والسعادة في الدنيا والآخرة ، كل هذه ونحوها من المسائل الشرعية , لا مدخل للرأي فيها , وإنما الحكم فيها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , وهي المعروفة في كتب الاعتقاد باسم : " مسائل الأسماء والأحكام " .
2- للحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب هي نواقض الإيمان والإسلام ، من اعتقاد , أو قول , أو فعل , أو شك , أو ترك ، مما قام على اعتباره ناقضا الدليلُ الواضح , والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة , أو الإجماع , فلا يكفي الدليل الضعيف السند , ولا مشكل الدلالة ، ولا عبرة بقول أحد كائنا من كان إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح .
وقد أوضح العلماء - رحمهم الله تعالى - هذه الأسباب في كتب الاعتقاد , وفرعوا مسائلها في : " باب حكم المرتد " من كتب الفقه .
وأَوْلَوها عناية فائقة , لأنها من استبانة سبيل الكافرين ، والله - تعالى - يقول : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } [ الأنعام/55 ] .
وفي استبانة سبيل المجرمين : تحذير للمسلم من الوقوع في شيء منها ، وهو لا يشعر , وليتبين له الإسلام من الكفر ، والخطأ من الصواب ويكون على بصيرة في دين الله تعالى .
وبقدر ما يحصل من الجهل بسبيل المؤمنين ، وبسبيل الكافرين ، أو بأحدهما يحصل اللبس ويكثر الخلط .
وكما أن للحكم بالردة والكفر موجباتٍ وأسباباً فله شروط وموانع .
فيشترط إقامة الحجة الرسالية التي تزيل الشبهة .
وخلوه من الموانع كالتأويل , والجهل , والخطأ , والإكراه .
وفي بعضها تفاصيل مطولة معلومة في محلها .
3- يتعين التفريق بين التكفير المطلق وهو : التكفير على وجه العموم في حق من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام ، وبين تكفير المعين ، فإن الاعتقاد ، أو القول ، أو الفعل ، أو الشك ، أو الترك ، إذا كان كفرا فإنه يطلق القول بتكفير من فعل ذلك الفعل ، أو قال تلك المقالة وهكذا ... دون تحديد معين به . أما المعين إذا قال هذه المقالة ، أو فعل هذا الفعل الذي يكون كفرا , فينظر قبل الحكم بكفره , بتوفر الشروط , وانتفاء الموانع في حقه ، فإذا توفرت الشروط , وانتفت الموانع ، حكم بكفره وردته فيستتاب فإن تاب وإلا قتل شرعاً .
4- الحق عدم تكفير كل مخالف لأهل السنة والجماعة لمخالفته , بل ينزل حكمه حسب مخالفته من كفر ، أو بدعة أو فسق أو معصية .
وهذا ما جرى عليه أهل السنة والجماعة من عدم تكفير كل من خالفهم وهو يدل على ما لديهم بحمدالله من العلم والإيمان والعدل والرحمة بالخلق ، وهذا بخلاف أهل الأهواء ، فان كثيرا منهم يكفِّرون كل من خالفهم .
5- كما أن "الإيمان" شعب متعددة ورتبها متفاوتة أعلاها قول "لا اله إلا الله" وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ، فكذلك "الكفر" الذي هو في مقابلة الإيمان ، ذو شعب متعددة ، ورتب متفاوتة أشنعها "الكفر المخرج من الملة" مثل : الكفر بالله ، وتكذيب ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .
وهناك كفر دون كفر ، ومنه تسمية بعض المعاصي كفراً .
ولهذا نبه علماء التفسير ، والوجوه والنظائر في كتاب الله - تعالى- وشراح الحديث والمؤلفون في: "لغته" وفي الأسماء المشتركة ، والمتواطئة ، أن لفظ "الكفر" جاء في نصوص الوحيين ، على وجوه عدة : "الكفر الناقل عن الملة" و "كفر دون كفر" و"كفر النعمة" و"التبرؤ" و"الجحود" و"التغطية" على أصل معناه اللغوي .
وبناء على هذا : فانه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد ، أن يصير كافراً الكفر المطلق ، الناقل عن الملة ، حتى يقوم به أصل الكفر ، بناقض من نواقض الإسلام : الاعتقادية أو القولية أو العملية عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير .
كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يكون مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان .
فالواجب وضع النصوص في مواضعها وتفسيرها حسب المراد منها من العلماء العاملين الراسخين ، وان الغلط هنا إنما يحصل من جهة العمل وتفسير النصوص وعلى الناصح لنفسه أن يحس بخطورة الأمر ودقته وأن يقف عند حده ويكل العلم إلى عالمه .
6- إصدار الحكم بالتكفير لا يكون لكل أحد من آحاد الناس أو جماعاتهم وإنما مرد الإصدار إلى العلماء الراسخين في العلم الشرعي المشهود لهم به ، وبالخيرية والفضل الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يبلغوا الناس ما علموه وأن يبينوا لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم امتثالا لقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذي أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) "آل عمران/187" . وقوله سبحانه (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) "البقرة/159" وقوله سبحانه : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) "النحل/43" .
فما أمر الله بالسؤال حتى أخذ سبحانه العهد والميثاق على العلماء بالبيان .
7- التحذير الشديد ، والنهي الأكيد عن سوء الظن بالمسلم فضلا عن النيل منه فكيف بتكفيره والحكم بردته والتسرع في ذلك بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة .
ولهذا جاءت نصوص الوحيين الشريفين محذرة من تكفير أحد من المسلمين وهو ليس كذلك كما قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عَرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا ) "النساء/94" .
وفي عموم قول الله سبحانه : (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) "الأحزاب/58" .
وقد تواترت الأحاديث النبوية في النهي عن تكفير المسلم بغير حق ، منها .:
حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر ،إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك " متفق على صحته .
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :أيَّما رجل قال لأخيه :يا كافر فقد باء بها أحدهما " متفق على صحته .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ومن دعا رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك ، إلا حار عليه " متفق على صحته .
ومعنى حار عليه : رجع عليه .
وفي حديث ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" رواه البخاري في صحيحه .
فهذه النصوص وغيرها فيها الوعيد الشديد لمن كَفَّر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك ، وهذا والله أعلم - لما في إطلاق الكفر بغير حق على المؤمن من الطعن في نفس الإيمان ، كما أن فيها التحذير من إطلاق التكفير إلا ببينة شرعية ، إذ هو حكم شرعي لا يصار إليه إلا بالدليل ، لا بالهوى والرأي العاطل من الدليل .
وهذه الحماية الكريمة والحصانة العظيمة للمسلمين في أعراضهم وأديانهم من أصول الاعتقاد في ملة الإسلام .
بناء على جميع ما تقدم فليحذر المسلم أن يخوض مع الخائضين في هذا الأمر الخطير في المجالس الخاصة ، والمجتمعات العامة ، وفي الصحف والمجلات وغيرها ، من غير قدرة شرعية ولا قواعد علمية ولا أدلة قطعية فهذا تصرف يأباه الله ورسوله والمؤمنون ، وفاعله مأزور غير مأجور ، فالله تعالى ، يقول :( ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) "الإسراء/36" .
ويقول -سبحانه- : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) "الأعراف
وبذلك يكون المسلم في مأمن من الإثم والتبعة في الدارين ، وتسلم المجتمعات الإسلامية من مظاهر الانحراف التي سببها الجهل والميل إلى الهوى . والله المستعان .
وفي هذا الفصل نقض لمذهب الخوارج في غلوهم وإفراطهم .
الفصل السادس: في أنواع الكافرين وكفرهم
لا يجوز لمسلم التحاشي عن تكفير من كفرهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لِمَا فيه من تكذيبٍ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
والكفار على صنفين :
الصنف الأول : الكفار كفراً أصلياً ، وهم كل من لم يدخل في دين الله : (الإسلام) الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى والدهريين والوثنين وغيرهم من أمم الكفر الذين قال الله تعالى فيهم (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة/29.
والذين قال الله فيهم (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) المائدة/73.
والذين قال الله فيهم :( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) البينة /1 .
والذين قال الله فيهم : (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) النساء/150-151
وهؤلاء الكفار كفراً أصلياً لا يفرق في الحكم عليهم بالكفر ، سواء كانوا أفراداً أو جماعاتٍ ، أحياءً وأمواتاً كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة .
وهؤلاء يجب على المسلمين قتالهم متى استطاعوا حتى يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية .
الصنف الثاني : المسلم الذي يرتد بعد إسلامه بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، نعوذ بالله من ذلك ، ومن أمثلة في القرآن العظيم :
كفر التكذيب : كما قال تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالُهُم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) الأعراف/147 .
ومثل كفر : المستهزئين بالله ، ورسوله ، ودينه ، الذين قال الله فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) التوبة/65-66.
ومثل كفر : من سب الله ورسوله ودينه ، فان السب ينافي التعظيم الواجب لله ولرسوله ولدينه وشرعه ، قال الله تعالى (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج/32 .
ومثل كفر : الإباء والاستكبار والامتناع عن طاعة الله تعالى كما قال سبحانه عن إبليس : (أبى واستكبر وكان من الكافرين) البقرة /34 .
وهذا النوع هو الغالب على كفر أعداء الرسل .
ومثل كفر : الإعراض عن دين الله تعالى كما قال سبحانه (والذين كفروا عما انذروا معرضون) الأحقاف/3 .
ومثل الكفر : بالقول كما قال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) التوبة /65-66 .
وكما قال سبحانه : ( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم )التوبة/74 . إذ قالوا : (ليخرجن الأعز منها الأذل ) المنافقون/8 .
ومنه قول المنافقين في غزاة تبوك : (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء- يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم- أرغب بطونا، وأكذب ألسنا ، وأجبن عند اللقاء ) .
ومنه صرف الدعاء لغير الله والاستغاثة بالأموات .
ومثل الكفر : بالعمل كما قال الله تعالى : (قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام /162-163 . فالسجود لغير الله والذبح لغير الله ، شرك وكفر بالله .
ومن الكفر العملي : السحر كما قال الله تعالى ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) البقرة /102.
وذلك لما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم ودعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك قال الله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) البقرة /102 .
ولأن السحر شرك وكفر أدخله العلماء المصنفون في : (التوحيد وأبوابه) في أنواع الشرك ، للتحذير منه ، وبيان أنه من نواقض التوحيد .
ومثل الكفر : بالاعتقاد والشك ، كما قال الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات/15 .وقال سبحانه: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) التوبة/45 .
وقال عَزَّ من قائل (ودخل جنته هو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلبا . قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) الكهف/35-37 .
فكل هؤلاء قد كفرهم الله ورسوله بعد إيمانهم بأقوال وأفعال صدرت منهم ولو لم يعتقدوها بقلوبهم . لا كما يقول المرجئة المنحرفون ، نعوذ بالله من ذلك .
مع العلم أن الحكم بكفر المعين المتلبس بشيء من هذه النواقض المذكورة موقوف على توافر الشروط وانتفاء الموانع في حقه كما هو مقرر معلوم ، وتقدم .
وفي هذا الفصل نَقْضٌ لمذهب المرجئة في تقصيرهم وتفريطهم .
الفصل السابع: في تذكير الأمة بحقوق الراعي والرعية
ومن المناسب ههنا تذكير الأمة جمعاء بحقوق الراعي والرعية في كل بلد إسلامي ، إذ أن الخلل في القيام بهذه الحقوق ، لا بد أن ينتج منه آثار سيئة غير مرضية ، وأمراض فكرية تظهر في حياة الفرد والجماعة فأقول :
من ولى شيئا من أمور المسلمين فان أعظم ما يجب عليه أن يسوس الرعية بالكتاب والسنة وينشر التوحيد من مِشْكاتِهما ويزيل ما يناقضه من مظاهر الشرك والوثنية ويحكم بين الناس بهما إقامة للعدل بينهم ولا أحكم ولا أعدل ولا أصلح للناس من شريعة ربهم ، ففيها العدل والرحمة والشفاء لما في الصدور كما قال الله جل وعلا (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) يونس/57 .
وقال سبحانه (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) المائدة/50 . وقال تعالى (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية /18 .
وان تحكيم شرع الله تعالى من أعظم الواجبات قال سبحانه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء/65 .
وهو أيضا من أجل أنواع العبادة قال الله تعالى (إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف/40 .
وقال كل رسول لقومه : ( اعبدوا الله ما لكم من اله غيره)الأعراف/36 .وجعل الله سبحانه الحكم بغير ما أنزله شركا في عبادته وشركا في حكمه فقال تعالى (ولا يشرك في حكمه أحدا) الكهف/26 .
وقال عز من قائل (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) الشورى/21 .
وقال سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف /110.
كما يجب على كل وال السعي فيما يصلح رعيته ويدفع المضار عنهم ويطهر مجتمعاتهم من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى ومن سائر الموبقات والمحرمات كالخمر والبغاء والربا والقمار وغيرها قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) متفق على صحته .
ومما يجب التنبه له والتحذير والحذر منه : أن على من بسط الله يده ، أن يكف عن المسلمين تلك السموم التي تقذف بها بعض القنوات الإعلامية في بعض البلاد !! وعلى وجه الخصوص ذلك التركيز الخبيث على تغريب المجتمعات المسلمة في أخلاقهم ولباسهم وغدوهم ورواحهم وبخاصة إخراج المرأة من عفتها وطهارتها وحجابها إلى أحط دركات السفالة ، والتبذل والحيوانية في شتى وجوه (الإباحية) .
وتعمل تلك القنوات جاهدة على التشكيك في الاعتقاد الإسلامي الحق والاعتراض على أحكام الله المحكمة ، والسخرية بالله وآياته ورسوله ، والدعوة للإباحية والانسلاخ من الدين ، وتمكين المنافقين بإعلان ما يحيك في صدورهم ومجاهرة المضلين بمقالات الكفر والتشكيك والردة عن الدين كل ذلك باسم : حرية الفكر !! المناظرات المحايدة!! معرفة الرأي الأخر !! قاتلهم الله أني يؤفكون .
ألا فليعلم أولئك إن كان لهم عقول ويحبون لأنفسهم النجاة أن من فتح ذلك الباب ، أو أعان عليه أو رضي به فله نصيب من قول الله تعالى : (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد أيمانكم ) التوبة/65-66. وقول الله جل شأنه (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا )النساء/140 .وقوله سبحانه (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) النور/19 .قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في أثناء كلامه على هذه الآية :0وهذا ذم لمن يحب ذلك وذلك يكون بالقلب فقط ، ويكون مع ذلك باللسان والجوارح ، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها في المؤمنين : إما حسدا أو بغضاً ، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها ، وكلاهما محبة للفاحشة وبغضا للذين آمنوا ، فكل من أحب فعلها ذكرها ) الفتاوى15/332
وقال أيضا مستنبطا من أسرار التنزيل ما يعز نظيره : " فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا ، بل يكون عذابه أشد فان الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل ؟ بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا ، ومن رضى عمل قوم حشر معهم كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط ، فان ذلك لا يقع من المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم .
فمن هذا الباب قيل : من أعان على الفاحشة وإشاعتها ، مثل القَوَّاد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة ، لأجل ما يحصل له من رياسة أو سُحتٍ يأكله ، وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك : مثل المغنين ، وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية وغيرها فانهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين ، خلاف ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية ، ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية الله وينهي عن طاعته منهي عنه محرم ، بخلاف عكسه فانه واجب " الفتاوى 15/344
كما يجب على الراعي أن يسوس رعيته بالرفق وللين ، وأن يجتهد في قضاء حوائجهم وإيصال الخير لهم بكل طريق فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) خرجه مسلم في صحيحه .
كما يجب الاهتمام بمناهج التعليم السليمة في جميع أطواره على منهج الكتاب والسنة وما عليه صالح سلف هذه الأمة وإلزام الرعية بتعلم العقيدة الإسلامية الصافية من شوائب الانحراف وتعلم سائر أحكام الدين ، وتقوية مناهجها في جميع مراحل التعليم .
كما أنه يجدر بحكام المسلمين اليوم أن يعيدوا لبيوت الله مجدها وعزها ووظيفتها في الإسلام ، فتقام فيها الصلوات ، وتفتح حلقات الوعظ والتعليم للعلماء المصلحين ، ليبثوا على الشريعة بين المسلمين فيتذكر الغافل ويتعلم الجاهل ويتعظ العاصي وتتهذب النفوس وتقبل على طاعة ربها ويحصل بذلك خير كثير للأمة طالما حرمته زمنا طويلا .
تلك من الواجبات على الراعي لرعيته .
أما الرعية فيجب عليها السمع والطاعة لمن قادها بكتاب ربها وسنة نبيها ، ما لم يأمر بمعصية فانه لا تجوز طاعته في تلك المعصية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف ) متفق على صحته .
وقوله صلى الله عليه وسلم :( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) رواه أحمد، والحاكم ، وغيرهما .
ويجب النصح له والدعاء له والاجتهاد في جمع الكلمة معه تحت راية الإسلام فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الدين النصيحة ) قلنا : لمن ؟ قال : "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " خرجه مسلم في صحيحه .
وثبت أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فان دعوتهم تحيط من وراءهم ) رواة أحمد ، وغيره .
وفي بعض روايات الصحيح لوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المشهورة في الصحيحين ، وغيرهما ، قوله : (وأحسنوا مؤازرة من يلي أمركم ، وأعينوه ، وأدوا إليه الأمانة) .
وعلى الرعية : الصبر على الأثرة وقول كلمة الحق حسب القدرة والطاقة ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا ، وعلى ألا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالي فيه برهان ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم " متفق على صحته .
هذه من الواجبات على الرعية للراعي .
وعلى كل عبد مسلم من الرعاة والرعية : ملازمة تقوى الله ، وأن يكون مقصدهم الأعظم هو عبادة الله وحده ، والدعوة إليها ، وأن يحافظوا على "رأس مالهم " جماعة المسلمين ، وأن لا يكون من عصيانهم وعدم تطبيقهم لشريعة ربهم وتنكبهم الصراط المستقيم : فتنة للكافرين في الإصرار على كفرهم ولْيَدْعُ كلُّ مسلم بدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا انك أنت العزيز الحكيم ) الممتحنة /5 .
أسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يلهم المسلمين رشدهم ويقيهم شر أنفسهم ويصلح حالهم أنه على كل شي قدير وبالإجابة جدير .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
و أعلى من هؤلاء من جعل الإيمان هو مجرد العلم وإن لم يقارنه عمل .
وكل هؤلاء لم يعرفوا حقيقة الإيمان ولا قاموا به و لا قام بهم , وهم أنواع :
منهم من جعل الإيمان ما يضاد الإيمان .
ومنهم من جعل الإيمان ما لا يعتبر في الإيمان .
ومنهم من جعله ما هو شرط فيه و لا يكفي في حصوله .
ومنهم من اشترط في ثبوته ما يناقضه ويضاده .
ومنهم من اشترط فيه ما ليس منه بوجه .
و الإيمان وراء ذلك كله , وهو حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم علما و التصديق به عقدا و الإقرار به نطقا و الانقياد له محبةوخضوعا , والعمل به باطنا وظاهرا , وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان , وكماله في الحب في الله والبغض في الله , والعطاء لله و المنع لله , و أن يكون الله وحده إلهه ومعبوده , والطريق إليه : تجريد متابعة رسوله ظاهرا وباطنا , وتغميض عين القلب عن الالتفات إلى سوى الله ورسوله . وبالله التوفيق " انتهى .
الفصل الخامس: الأصول والضوابط في مسألة التكفير
ونظرا لما حصل من تسرب المذهبين المذكورين المخالفين لمذهب أهل السنة إلى عقائد بعض المعدودين من أهل السنة ، وخفاء أصول هذه المسألة شرعاً على آخرين ؛ رأيت إيضاح ما يجب اعتباره شرعاً في هذه المسألة مما يُعْرَفُ به الحق بدليله , وبطلان ما خالفه من المذاهب المردية , والاتجاهات الفكرية الضالة , وأنها مسألة خطيرة , وعظيمة , مُحاطةٌ شرعا بما يحفظ للإسلام حرمته , وللمسلمين حرمتهم , وذلك فيما يأتي :
1- التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي المجرد فيه , لأنه من المسائل الشرعية لا العقلية , لذا صار القول فيه من خالص - حق الله تعالى - لا حَقَّ فيه لأحد من عباده ، فالكافر من كفره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير .
وكذلك الحكم بالفسق ، والحكم بالعدالة ، وعصمة الدم ، والسعادة في الدنيا والآخرة ، كل هذه ونحوها من المسائل الشرعية , لا مدخل للرأي فيها , وإنما الحكم فيها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , وهي المعروفة في كتب الاعتقاد باسم : " مسائل الأسماء والأحكام " .
2- للحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب هي نواقض الإيمان والإسلام ، من اعتقاد , أو قول , أو فعل , أو شك , أو ترك ، مما قام على اعتباره ناقضا الدليلُ الواضح , والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة , أو الإجماع , فلا يكفي الدليل الضعيف السند , ولا مشكل الدلالة ، ولا عبرة بقول أحد كائنا من كان إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح .
وقد أوضح العلماء - رحمهم الله تعالى - هذه الأسباب في كتب الاعتقاد , وفرعوا مسائلها في : " باب حكم المرتد " من كتب الفقه .
وأَوْلَوها عناية فائقة , لأنها من استبانة سبيل الكافرين ، والله - تعالى - يقول : { وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } [ الأنعام/55 ] .
وفي استبانة سبيل المجرمين : تحذير للمسلم من الوقوع في شيء منها ، وهو لا يشعر , وليتبين له الإسلام من الكفر ، والخطأ من الصواب ويكون على بصيرة في دين الله تعالى .
وبقدر ما يحصل من الجهل بسبيل المؤمنين ، وبسبيل الكافرين ، أو بأحدهما يحصل اللبس ويكثر الخلط .
وكما أن للحكم بالردة والكفر موجباتٍ وأسباباً فله شروط وموانع .
فيشترط إقامة الحجة الرسالية التي تزيل الشبهة .
وخلوه من الموانع كالتأويل , والجهل , والخطأ , والإكراه .
وفي بعضها تفاصيل مطولة معلومة في محلها .
3- يتعين التفريق بين التكفير المطلق وهو : التكفير على وجه العموم في حق من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام ، وبين تكفير المعين ، فإن الاعتقاد ، أو القول ، أو الفعل ، أو الشك ، أو الترك ، إذا كان كفرا فإنه يطلق القول بتكفير من فعل ذلك الفعل ، أو قال تلك المقالة وهكذا ... دون تحديد معين به . أما المعين إذا قال هذه المقالة ، أو فعل هذا الفعل الذي يكون كفرا , فينظر قبل الحكم بكفره , بتوفر الشروط , وانتفاء الموانع في حقه ، فإذا توفرت الشروط , وانتفت الموانع ، حكم بكفره وردته فيستتاب فإن تاب وإلا قتل شرعاً .
4- الحق عدم تكفير كل مخالف لأهل السنة والجماعة لمخالفته , بل ينزل حكمه حسب مخالفته من كفر ، أو بدعة أو فسق أو معصية .
وهذا ما جرى عليه أهل السنة والجماعة من عدم تكفير كل من خالفهم وهو يدل على ما لديهم بحمدالله من العلم والإيمان والعدل والرحمة بالخلق ، وهذا بخلاف أهل الأهواء ، فان كثيرا منهم يكفِّرون كل من خالفهم .
5- كما أن "الإيمان" شعب متعددة ورتبها متفاوتة أعلاها قول "لا اله إلا الله" وأدناها : إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ، فكذلك "الكفر" الذي هو في مقابلة الإيمان ، ذو شعب متعددة ، ورتب متفاوتة أشنعها "الكفر المخرج من الملة" مثل : الكفر بالله ، وتكذيب ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .
وهناك كفر دون كفر ، ومنه تسمية بعض المعاصي كفراً .
ولهذا نبه علماء التفسير ، والوجوه والنظائر في كتاب الله - تعالى- وشراح الحديث والمؤلفون في: "لغته" وفي الأسماء المشتركة ، والمتواطئة ، أن لفظ "الكفر" جاء في نصوص الوحيين ، على وجوه عدة : "الكفر الناقل عن الملة" و "كفر دون كفر" و"كفر النعمة" و"التبرؤ" و"الجحود" و"التغطية" على أصل معناه اللغوي .
وبناء على هذا : فانه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر بالعبد ، أن يصير كافراً الكفر المطلق ، الناقل عن الملة ، حتى يقوم به أصل الكفر ، بناقض من نواقض الإسلام : الاعتقادية أو القولية أو العملية عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا غير .
كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الإيمان يكون مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان .
فالواجب وضع النصوص في مواضعها وتفسيرها حسب المراد منها من العلماء العاملين الراسخين ، وان الغلط هنا إنما يحصل من جهة العمل وتفسير النصوص وعلى الناصح لنفسه أن يحس بخطورة الأمر ودقته وأن يقف عند حده ويكل العلم إلى عالمه .
6- إصدار الحكم بالتكفير لا يكون لكل أحد من آحاد الناس أو جماعاتهم وإنما مرد الإصدار إلى العلماء الراسخين في العلم الشرعي المشهود لهم به ، وبالخيرية والفضل الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق أن يبلغوا الناس ما علموه وأن يبينوا لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم امتثالا لقول الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق الذي أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) "آل عمران/187" . وقوله سبحانه (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) "البقرة/159" وقوله سبحانه : ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) "النحل/43" .
فما أمر الله بالسؤال حتى أخذ سبحانه العهد والميثاق على العلماء بالبيان .
7- التحذير الشديد ، والنهي الأكيد عن سوء الظن بالمسلم فضلا عن النيل منه فكيف بتكفيره والحكم بردته والتسرع في ذلك بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة .
ولهذا جاءت نصوص الوحيين الشريفين محذرة من تكفير أحد من المسلمين وهو ليس كذلك كما قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عَرَض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمنَّ الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعلمون خبيرا ) "النساء/94" .
وفي عموم قول الله سبحانه : (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا) "الأحزاب/58" .
وقد تواترت الأحاديث النبوية في النهي عن تكفير المسلم بغير حق ، منها .:
حديث أبي ذر -رضي الله عنه- أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ، ولا يرميه بالكفر ،إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك " متفق على صحته .
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما -أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :أيَّما رجل قال لأخيه :يا كافر فقد باء بها أحدهما " متفق على صحته .
وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ومن دعا رجلا بالكفر ، أو قال : عدو الله ، وليس كذلك ، إلا حار عليه " متفق على صحته .
ومعنى حار عليه : رجع عليه .
وفي حديث ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ومن رمى مؤمنا بكفر فهو كقتله" رواه البخاري في صحيحه .
فهذه النصوص وغيرها فيها الوعيد الشديد لمن كَفَّر أحداً من المسلمين وليس هو كذلك ، وهذا والله أعلم - لما في إطلاق الكفر بغير حق على المؤمن من الطعن في نفس الإيمان ، كما أن فيها التحذير من إطلاق التكفير إلا ببينة شرعية ، إذ هو حكم شرعي لا يصار إليه إلا بالدليل ، لا بالهوى والرأي العاطل من الدليل .
وهذه الحماية الكريمة والحصانة العظيمة للمسلمين في أعراضهم وأديانهم من أصول الاعتقاد في ملة الإسلام .
بناء على جميع ما تقدم فليحذر المسلم أن يخوض مع الخائضين في هذا الأمر الخطير في المجالس الخاصة ، والمجتمعات العامة ، وفي الصحف والمجلات وغيرها ، من غير قدرة شرعية ولا قواعد علمية ولا أدلة قطعية فهذا تصرف يأباه الله ورسوله والمؤمنون ، وفاعله مأزور غير مأجور ، فالله تعالى ، يقول :( ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) "الإسراء/36" .
ويقول -سبحانه- : (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) "الأعراف
وبذلك يكون المسلم في مأمن من الإثم والتبعة في الدارين ، وتسلم المجتمعات الإسلامية من مظاهر الانحراف التي سببها الجهل والميل إلى الهوى . والله المستعان .
وفي هذا الفصل نقض لمذهب الخوارج في غلوهم وإفراطهم .
الفصل السادس: في أنواع الكافرين وكفرهم
لا يجوز لمسلم التحاشي عن تكفير من كفرهم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لِمَا فيه من تكذيبٍ لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم .
والكفار على صنفين :
الصنف الأول : الكفار كفراً أصلياً ، وهم كل من لم يدخل في دين الله : (الإسلام) الذي بعث الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى والدهريين والوثنين وغيرهم من أمم الكفر الذين قال الله تعالى فيهم (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة/29.
والذين قال الله فيهم (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) المائدة/73.
والذين قال الله فيهم :( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة ) البينة /1 .
والذين قال الله فيهم : (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) النساء/150-151
وهؤلاء الكفار كفراً أصلياً لا يفرق في الحكم عليهم بالكفر ، سواء كانوا أفراداً أو جماعاتٍ ، أحياءً وأمواتاً كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة .
وهؤلاء يجب على المسلمين قتالهم متى استطاعوا حتى يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية .
الصنف الثاني : المسلم الذي يرتد بعد إسلامه بارتكاب ناقض من نواقض الإسلام ، نعوذ بالله من ذلك ، ومن أمثلة في القرآن العظيم :
كفر التكذيب : كما قال تعالى : ( والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالُهُم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) الأعراف/147 .
ومثل كفر : المستهزئين بالله ، ورسوله ، ودينه ، الذين قال الله فيهم (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين ) التوبة/65-66.
ومثل كفر : من سب الله ورسوله ودينه ، فان السب ينافي التعظيم الواجب لله ولرسوله ولدينه وشرعه ، قال الله تعالى (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) الحج/32 .
ومثل كفر : الإباء والاستكبار والامتناع عن طاعة الله تعالى كما قال سبحانه عن إبليس : (أبى واستكبر وكان من الكافرين) البقرة /34 .
وهذا النوع هو الغالب على كفر أعداء الرسل .
ومثل كفر : الإعراض عن دين الله تعالى كما قال سبحانه (والذين كفروا عما انذروا معرضون) الأحقاف/3 .
ومثل الكفر : بالقول كما قال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون . لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) التوبة /65-66 .
وكما قال سبحانه : ( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم )التوبة/74 . إذ قالوا : (ليخرجن الأعز منها الأذل ) المنافقون/8 .
ومنه قول المنافقين في غزاة تبوك : (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء- يعنون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم- أرغب بطونا، وأكذب ألسنا ، وأجبن عند اللقاء ) .
ومنه صرف الدعاء لغير الله والاستغاثة بالأموات .
ومثل الكفر : بالعمل كما قال الله تعالى : (قل أن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام /162-163 . فالسجود لغير الله والذبح لغير الله ، شرك وكفر بالله .
ومن الكفر العملي : السحر كما قال الله تعالى ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) البقرة /102.
وذلك لما فيه من استخدام الشياطين والتعلق بهم ودعوى علم الغيب ودعوى مشاركة الله في ذلك قال الله تعالى (ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) البقرة /102 .
ولأن السحر شرك وكفر أدخله العلماء المصنفون في : (التوحيد وأبوابه) في أنواع الشرك ، للتحذير منه ، وبيان أنه من نواقض التوحيد .
ومثل الكفر : بالاعتقاد والشك ، كما قال الله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) الحجرات/15 .وقال سبحانه: (إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) التوبة/45 .
وقال عَزَّ من قائل (ودخل جنته هو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا . وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيراً منها منقلبا . قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) الكهف/35-37 .
فكل هؤلاء قد كفرهم الله ورسوله بعد إيمانهم بأقوال وأفعال صدرت منهم ولو لم يعتقدوها بقلوبهم . لا كما يقول المرجئة المنحرفون ، نعوذ بالله من ذلك .
مع العلم أن الحكم بكفر المعين المتلبس بشيء من هذه النواقض المذكورة موقوف على توافر الشروط وانتفاء الموانع في حقه كما هو مقرر معلوم ، وتقدم .
وفي هذا الفصل نَقْضٌ لمذهب المرجئة في تقصيرهم وتفريطهم .
الفصل السابع: في تذكير الأمة بحقوق الراعي والرعية
ومن المناسب ههنا تذكير الأمة جمعاء بحقوق الراعي والرعية في كل بلد إسلامي ، إذ أن الخلل في القيام بهذه الحقوق ، لا بد أن ينتج منه آثار سيئة غير مرضية ، وأمراض فكرية تظهر في حياة الفرد والجماعة فأقول :
من ولى شيئا من أمور المسلمين فان أعظم ما يجب عليه أن يسوس الرعية بالكتاب والسنة وينشر التوحيد من مِشْكاتِهما ويزيل ما يناقضه من مظاهر الشرك والوثنية ويحكم بين الناس بهما إقامة للعدل بينهم ولا أحكم ولا أعدل ولا أصلح للناس من شريعة ربهم ، ففيها العدل والرحمة والشفاء لما في الصدور كما قال الله جل وعلا (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) يونس/57 .
وقال سبحانه (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) المائدة/50 . وقال تعالى (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون ) الجاثية /18 .
وان تحكيم شرع الله تعالى من أعظم الواجبات قال سبحانه (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) النساء/65 .
وهو أيضا من أجل أنواع العبادة قال الله تعالى (إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) يوسف/40 .
وقال كل رسول لقومه : ( اعبدوا الله ما لكم من اله غيره)الأعراف/36 .وجعل الله سبحانه الحكم بغير ما أنزله شركا في عبادته وشركا في حكمه فقال تعالى (ولا يشرك في حكمه أحدا) الكهف/26 .
وقال عز من قائل (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ) الشورى/21 .
وقال سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) الكهف /110.
كما يجب على كل وال السعي فيما يصلح رعيته ويدفع المضار عنهم ويطهر مجتمعاتهم من الحكم بغير ما أنزل الله تعالى ومن سائر الموبقات والمحرمات كالخمر والبغاء والربا والقمار وغيرها قال النبي صلى الله عليه وسلم (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) متفق على صحته .
ومما يجب التنبه له والتحذير والحذر منه : أن على من بسط الله يده ، أن يكف عن المسلمين تلك السموم التي تقذف بها بعض القنوات الإعلامية في بعض البلاد !! وعلى وجه الخصوص ذلك التركيز الخبيث على تغريب المجتمعات المسلمة في أخلاقهم ولباسهم وغدوهم ورواحهم وبخاصة إخراج المرأة من عفتها وطهارتها وحجابها إلى أحط دركات السفالة ، والتبذل والحيوانية في شتى وجوه (الإباحية) .
وتعمل تلك القنوات جاهدة على التشكيك في الاعتقاد الإسلامي الحق والاعتراض على أحكام الله المحكمة ، والسخرية بالله وآياته ورسوله ، والدعوة للإباحية والانسلاخ من الدين ، وتمكين المنافقين بإعلان ما يحيك في صدورهم ومجاهرة المضلين بمقالات الكفر والتشكيك والردة عن الدين كل ذلك باسم : حرية الفكر !! المناظرات المحايدة!! معرفة الرأي الأخر !! قاتلهم الله أني يؤفكون .
ألا فليعلم أولئك إن كان لهم عقول ويحبون لأنفسهم النجاة أن من فتح ذلك الباب ، أو أعان عليه أو رضي به فله نصيب من قول الله تعالى : (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد أيمانكم ) التوبة/65-66. وقول الله جل شأنه (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذاً مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا )النساء/140 .وقوله سبحانه (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة) النور/19 .قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في أثناء كلامه على هذه الآية :0وهذا ذم لمن يحب ذلك وذلك يكون بالقلب فقط ، ويكون مع ذلك باللسان والجوارح ، وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها في المؤمنين : إما حسدا أو بغضاً ، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها ، وكلاهما محبة للفاحشة وبغضا للذين آمنوا ، فكل من أحب فعلها ذكرها ) الفتاوى15/332
وقال أيضا مستنبطا من أسرار التنزيل ما يعز نظيره : " فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا داخل في هذا ، بل يكون عذابه أشد فان الله قد توعد بالعذاب على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة وهذه المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل ؟ بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة والقذف بها وإشاعتها في الذين آمنوا ، ومن رضى عمل قوم حشر معهم كما حشرت امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط ، فان ذلك لا يقع من المرأة لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم .
فمن هذا الباب قيل : من أعان على الفاحشة وإشاعتها ، مثل القَوَّاد الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة ، لأجل ما يحصل له من رياسة أو سُحتٍ يأكله ، وكذلك أهل الصناعات التي تنفق بذلك : مثل المغنين ، وشربة الخمر وضمان الجهات السلطانية وغيرها فانهم يحبون أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين ، خلاف ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية ، ولا خلاف بين المسلمين أن ما يدعو إلى معصية الله وينهي عن طاعته منهي عنه محرم ، بخلاف عكسه فانه واجب " الفتاوى 15/344
كما يجب على الراعي أن يسوس رعيته بالرفق وللين ، وأن يجتهد في قضاء حوائجهم وإيصال الخير لهم بكل طريق فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به ) خرجه مسلم في صحيحه .
كما يجب الاهتمام بمناهج التعليم السليمة في جميع أطواره على منهج الكتاب والسنة وما عليه صالح سلف هذه الأمة وإلزام الرعية بتعلم العقيدة الإسلامية الصافية من شوائب الانحراف وتعلم سائر أحكام الدين ، وتقوية مناهجها في جميع مراحل التعليم .
كما أنه يجدر بحكام المسلمين اليوم أن يعيدوا لبيوت الله مجدها وعزها ووظيفتها في الإسلام ، فتقام فيها الصلوات ، وتفتح حلقات الوعظ والتعليم للعلماء المصلحين ، ليبثوا على الشريعة بين المسلمين فيتذكر الغافل ويتعلم الجاهل ويتعظ العاصي وتتهذب النفوس وتقبل على طاعة ربها ويحصل بذلك خير كثير للأمة طالما حرمته زمنا طويلا .
تلك من الواجبات على الراعي لرعيته .
أما الرعية فيجب عليها السمع والطاعة لمن قادها بكتاب ربها وسنة نبيها ، ما لم يأمر بمعصية فانه لا تجوز طاعته في تلك المعصية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا طاعة في معصية الله ، إنما الطاعة في المعروف ) متفق على صحته .
وقوله صلى الله عليه وسلم :( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) رواه أحمد، والحاكم ، وغيرهما .
ويجب النصح له والدعاء له والاجتهاد في جمع الكلمة معه تحت راية الإسلام فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الدين النصيحة ) قلنا : لمن ؟ قال : "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " خرجه مسلم في صحيحه .
وثبت أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم : إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة ، فان دعوتهم تحيط من وراءهم ) رواة أحمد ، وغيره .
وفي بعض روايات الصحيح لوصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - المشهورة في الصحيحين ، وغيرهما ، قوله : (وأحسنوا مؤازرة من يلي أمركم ، وأعينوه ، وأدوا إليه الأمانة) .
وعلى الرعية : الصبر على الأثرة وقول كلمة الحق حسب القدرة والطاقة ، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، وعلى أثرة علينا ، وعلى ألا ننازع الأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله تعالي فيه برهان ، وعلى أن نقول بالحق أينما كنا ، لا نخاف في الله لومة لائم " متفق على صحته .
هذه من الواجبات على الرعية للراعي .
وعلى كل عبد مسلم من الرعاة والرعية : ملازمة تقوى الله ، وأن يكون مقصدهم الأعظم هو عبادة الله وحده ، والدعوة إليها ، وأن يحافظوا على "رأس مالهم " جماعة المسلمين ، وأن لا يكون من عصيانهم وعدم تطبيقهم لشريعة ربهم وتنكبهم الصراط المستقيم : فتنة للكافرين في الإصرار على كفرهم ولْيَدْعُ كلُّ مسلم بدعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام ومن آمن معه (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا انك أنت العزيز الحكيم ) الممتحنة /5 .
أسأل الله الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يلهم المسلمين رشدهم ويقيهم شر أنفسهم ويصلح حالهم أنه على كل شي قدير وبالإجابة جدير .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .