أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
04-05-2009, 08:39 PM
عتاب موجز إلى الدكتور محمد موسى نصر عسى أن يجعله ينصف أهل الحديث في الجزائر.
لما رأيت بعض الطيبين قد اغترّوا بنقد الدكتور لنا بالباطل، وروَّجوا له دون علم أو دراية بأصول المسألة، والنّاس أسراب طيرٍ يتبع بعضُهم بعضًا، قمت من باب درء الفتنة عن منهج أهل الحديث في الجزائر، وكشف الشّبهة، ودفع الظلم والفرية عن أنفسنا، وإلقام للحجر في أفواه أهل الفتن ممن هذر وفشر من أتباع أبي الحسن المأربي ومن يناصره من الغوغائيين ممن يدعي السلفية زورا؛ بنشر هذا العتاب على الشبكة بعد ما أرسلته إلى الدكتور من مدة ولم يأت منه جواب أو اعتذار، رغبة مني في توضيح الصورة للقارئ، ووضع الأمور في نصابها، وباقي العتاب يجده القارئ في الطبعة الثالثة لكتابنا (إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة)، وهي طبعة منقحة ومزيدة.
(((نظرة في جزء أخينا الفاضل الدكتور محمد موسى آل نصر الـمُسمّى: "منهج السّلامة فيما ورد في الحجامة"، هكذا كان العنوان السابق ثم عدّل الدكتور سلّمه الله من كل سوء العنوان في الطبعة الخاصّة بالجزائر! (1427هـ) إلى (منهج السّلامة في التداوي بالفصد والحجامة).
الحمد لله الذي بسط نعمته، وأكمل دينه، وأقام حجّته، وأظهر حكمته، وتَمَّم إعذاره ونذارته بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم، فأوضح به الدليل، وأنهج به السبيل، فبلغ إلى النّاس ما أرسل به إليهم، وبين ما افترض اللهُ عليهم، وسنّ لهم الحجامة وعلمهم، وأرشدهم إليها إذا الدم بغى عليهم، ثم مضى صلى الله عليه وسلم حميدا فقيداً فأبقى كتاب الله لأمته نوراً مبيناً، وسنته حِصناً حصيناً، من كل علّة أو داءٍ مبيناً، وأصحابه حبلاً متيناً، وجعل الله سبحانه سبيلهم الأقوم، ومنهاجهم الأسلم، وطريقتهم المثلى، واستنباطهم الأولى، وتواعد من اتبع غير سبيلهم أنه ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: من الآية115].
أما بعد:
فبعد ما انتهيت من مراجعة الطبعة الثانية من جزئي (إبلاغ الفهامة) في مدينة أبو ظبي، وكنت في صدد إعداده للطبـع، وقفت علـى جــزء أخيـنا الفاضل الدكتور محمد موسى، فسارعت إلى قراءته والاستفادة منه، فجئت على جزء الأخ من أوله إلى آخره، ورأيته مفيداً جداً، جمع فيه الدكتور شوارد المسألة، إلا أنّه كعمل أي بشر ظهرت في جزء الأستاذ بعضُ الأمور دفعتني قسراً للتنبيه عليها بإيجاز واختصار, وخاصة حين قرأت على غلاف الكتاب أنّه من إصدار «مركز الإمام الألباني للدارسات المنهجية والأبحاث العلمية»، فقلت: لا يليق أن تبقى هذه الأخطاء عالقة بمركز يحمل اسم إمام عُرف بنشر السّنة والذبّ عنها، فمِن هذا الباب سمحت لنفسي أن أناقش الدكتور في مسألة أو مسألتين من غير تتبع، بل هي نظرة خاطفة في جزء الدكتور حفظه الله لا غير، وفي هذا إشارة وتنبيه لبعض المغفلين؛ وأنّه يمكن للسلفي أن ينتقد أخاه السّلفي، ويناقشه بالعلم والحلم، وبالتي هي أحسن للتي هي أقوم، مع علو الأدب، وسلامة القلم.
وأسأل الله تعالى أن يوفق إخواننا القائمين على مركز فقيد الأمة العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني لدارسات المنهجية والأبحاث العلمية إلى نشر السنة، والذبّ عنها، وإلى توضيح معتقد السلف في جميع أبوابه، وأن يجعلهم حصناً منيعا للدعوة السلفية بالشام، وأن يصرف عنا عنهم كيد الحاسدين والباغين، وأن يرزقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربّ العالمين).
قلت: هكذا صدّرتُ نقدي للدكتور هداه الله في النسخة التي طبعت سنة 1422 هجرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، متحليا بالأدب والاحترام، ومتحريا العبارات اللائقة بالمقام، وبعيدا عن الخلط والخبط والخرط في باب النقد وتوضيح المسائل، عسى ربي أن يهدي الدكتور سواء السبيل، وأن يوفقه إلى الأخذ بتنبيهنا عسى أن يرقى إلى فهم مسألة الحجامة للصائم هل تفطر أم لا؟ فهما بعيدا عن الشغب والذان. أو إعادة تحريرها بقلم متين في الاستدلال ومرن في إسدال النصيحة، ولكن للأسف الشديد لم يكن من ذلك شيء يذكر، بل فاجأني الدكتور بعبارات رديئة وركيكة جدا ضمّنها جزءه الخاص بالجزائر! متمثلا المثل السائد سكت ألفا ونطق خلفا، مما جعلني أشكّ أنها صدرت من جعبته، عبارات قاسية للغاية، لا تحمل أدنى أبجديات الاحترام والتقدير، ولا تحتوي على عُشر ما تواصى به النقاد وصنّاع القلم من البيان والتحرير، كلمات نأت به عن حقل النصيحة وجنان العلم، وأدخلته دهليز الخصومة والجدل.
وصدق زهير بن أبي سلمة حين قال:
ومَن يجعل الـمَعرُوف في غير أهلِه***يَكُن حَمدُه ذمًّـا عليه ويَنْدَم.
وكما جاء في المثل: ليس للمختال في حسن الثناء نصيب.
وياليت كلمات الدكتور أسعده الله بطاعته وأحاطه بكلاءته كانت تدور حول محور البحث، وفي حكم من احتجم وهو صائم هل يفطر أم يبقى صيامه قائما؟ لقُُبلت مِنه مع جورها وقسوتها ومرارتها، ولكنّ الدكتور أسهب في نثر عبارات الذمّ، ورماني بحبل الغلو والتنطع، ولم يتكبد عناء البحث لرد ما عدّه تعالما أو تجاهلا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يحدد أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه منهاج السنة (5/254 تحقيق محمد رشاد سالم): (فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان عالما ولم يكن رفيقا، كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فيغلظ على المريض فلا يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد)اهـ.
وقال العلامة صديق حسن خان في أبجد العلوم (1/129): (إنّ الرّد بالتوبيخ يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويُهيِّج الحرص على الإصرار).
وأسفاه على الدكتور قد خيّب ظني، وما كنت لأَودّ أن يصدر منه ما صدر، أو أن أقِفَ على عباراته التي ذكر، والتي أوشكت أن تدمر وتعصف بعلاقة كانت تربطنا به مِلئها الاحترام والتوقير، علاقة أحطناها بسياج من الحماية والحرص على رُغم ما كان يصلنا عنه من أخبار غير مَرضيةٍ من البحرين والكويت وبعض ديار الكفر.
آهٍ؛ لقد أخذت منّي الدهشةُ مأخذها وأنا أتصفح عبارات الدكتور في كتابه، وأقول: سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
إنني أعدت قراءة جُزء الدكتور الخاص بالجزائر! مع ولدي عبد الباري، وقابلته مع طبعته القديمة التي كانت من إصدار مركز الألباني فوجدته قد استفاد من بحثنا في هذا الباب دون الاعتراف بالجميل، كإدراجه في (ص49) لتعريف ابن قيم الجوزية للحجامة الذي لم يذكره في جزئه القديم، وإيراده لكلام ابن جرير الطبري في (ص95)، وحذفه لحديث نسب تحسينه لشيخ الألباني، والشيخ تراجع عن تحسينه، وغيرها من المسائل، بل صدق فيه المثل السائد: يَجري بُليقٌ ويُذمُّ.
كما أنه لم يفند ما رآه جانبنا فيه الصواب، بل قد ظهرت في جزء الدكتور الخاص بالجزائر! أخطاء جديدة أخرى أضربت صفحا عن ذكرها في هذه العتاب حتى لا أخسر الدكتور وأوسع دائرة الخلاف، وهي مجموعة عندي في أوراق، وإن أراد الدكتور الاطلاع عليها أرسلتها إليه، أخطاء تنبئ عن ضَعفٍ جليٍّ في علم الحديث، وأنافة زائفة تحرم صاحبها الفائدة، وتخلده إلى الأوهام الكاسدة.
يا دكتور سلّمك الله من كلّ مكروه إنّ لعمل الجدل آدابا وقواعد، حررها علماؤنا في مصنفاتهم، ولو سلكتها معي لكان خيرا لك وأحسن تثبيتا، ولأتاك الله من لدنه أجرا عظيما، ولا بأس أن أذكرك بكلام ابن عقيل الحنبلي (م 513) وهو يتكلم عن آداب الجدل، وعن فضلِ قصور اللسان عن الشغب فقال: (فإنّ من خاض فيه (أي الشغب) تعوّده، ومن تعوّده حُرِم الإصابة واستروح إليه، ومن عُرف بذلك سقط سقوط الذّرّة)، راجع الواضح في الأصول (1/52 ط/ مؤسسة الرسالة).
قال الدكتور سامحه الله في جزئه منهج السلامة (ص138 طبعة خاصة بالجزائر!) وهو يتكلم عن حكم الحجامة للصائم من غير تجرد ولا إنصاف، أو بحث ودراسة وتفكر: (...والعجب أن يتعصب صاحب كتاب (إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة) لرأيه الذي تبناه، ومادام أن المسألة خلافية قال بها أئمة كبار كالشافعي وأبي حنيفة ومالك والبخاري والترمذي رحم الله الجميع، مع من أجازها للصائم من الصحابة والتابعين، فلم حمل الناس على أحد المذهبين، اللهم إلا الغلوّ والتنطّع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون)، وليعلم أن إمام الدنيا ومحدث العصر المجدد الألباني ممن قال بالنسخ، ولم ير الحجامة مفطرة للصائم، فأين ادّعاء حب الألباني والتباكي عليه مع غمز ولمز تلامذته الذين عاش ومات وهم حوله، وكنت أتمنى على الأخ المذكور أن يناصحني ويراسلني ببعض ملاحظاته لاستدراك ما فاتني من حقّ وصواب منها –إن كان غيورا ومحبا لنصح إخوانه- فإننا ولله الحمد- نقبل النصح والتذكير ولا نتعنت لرأينا أبدا، بل نحب الحق ونتبعه أيّا كان قائله. والله الموفق للصواب)اهـ.
لا أريد أن أخوض مع الدكتور سلّمه الله من كلّ عيب وآفة في نوعية الأسلوب البلاغي الذي خاطبني به، فهذا أمر نتركه لصنّاع البلاغة، ولكن أركز على بعض عباراته التي أراه جاوز فيها الحدّ في الظلم، فأبين بُعدها عن الحقيقة، وزيفها من كل وجه، وأنّ الدكتور سامحه الله تلقّفها من أفواه المناوئين لأهل الحديث في الجزائر، والمعادين لتلامذة الشيخ ربيع بن هادي ثمّ رواها عن غفلة منه دون فطنة وتثبت، فأصاب بها أخا له بغير حق ولا صدق، وعسى أن يندم الدكتور من معرة ما قال إذا وصله المقال، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
والردّ على ما رماني به الدكتور من ظلم بالأدب والعلم حقٌّ ثابت لي مصدقا لقوله تعالى في سورة الشورى ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾.
أولا: أقول للدكتور سلمه الله من كل سوء: هل كل من رجّح قولا غير الذي قال به الشيخ الألباني رحمه الله، بعد البحث والدراسة والاجتهاد، وقال به كوكبة من أهل السنّة الأخيار، يكون متعصبا وغاليا ويصدق فيه الحديث السابق الذي أوردته في كتابك؟
يا دكتور سلّمك الله من الغضب الذي قال عنه ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين (الغضب غول يغتال العقل كما تغتاله الخمر)، إنني لست بدعا من الطلاّب ممن ذهب إلى القول بفطر الصائم بالحجامة، نهيك أنه قولٌ لكوكبة زاهية من أهل العلم النبلاء ودونك ما يحضرني عنهم بإيجاز شديد جدا:
-فعن أبي العالية قال: دخلت على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة عند المغرب، فوجدته يأكل تمراً قال: احتجمت، قال: ألا احتجمت نهاراً؟ قال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم) أخرجه النسائي في "الكبرى" (2/233 برقم 3214 ) وابن أبي شيبة، وإسناده صحيح إلى أبي موسى، ولا يصح مرفوعاً كما حقق ذلك الحفاظ.
- وعن سالم: (أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم، ثم تركه بعد، وكان إذا غابت الشمس احتجم) أخرجه عبد الرزاق (4/211) بإسناد صحيح.
- وجاء عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: (كان يحتجم وهو صائم، قال: فبلغه حديث أوس؛ فكان إذا كان صائماً احتجم بالليل)، صحيح أخرجه أحمد كما في "مسائل عبد الله" (ص 182 برقم683 ط المكتب الإسلامي) وأخرج ابن أبي شيبة (2/308)، من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب به؛ ولفظه: (كان يحتجم وهو صائم ثم تركها بعد، فكان يحتجم ليلاً)، وإسناده صحيح.
- وأخرج عبد الرزاق (4/211)، عن معمر عن أيوب به، ولفظه (كان يحتجم وهو صائم ثم تركه، فكان يصنع المحاجم، فإذا غربت الشمس أمر أن يشرط، قال: فلا أدري أكرهه أم شيء بلغه)، وإسناد صحيح.
- وأخرج مالك في "الموطأ" (1/298) عن نافع به، ولفظه: (أنه كان يحتجم وهو صائم، قال: ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر) وإسناده صحيح.
-وأخرج مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (6/136 برقم 1070) قال: حدثنا هشيم عن منصور بن زاذان، عن يزيد بن سعيد مولى صفية: أنّه سمع صفية بنت حيي رضي الله عنها تقول: (أفطر الحاجم والمحجوم).
ورواه إسحاق بن إدريس عن هشيم به مرفوعا، مخالفا لصنيع مسدد، إلا أنّ الدارقطني صوّب رواية مسدد الموقوفة وقال: (وقول مسدد أشبه بالصواب).
- وعن عبد الله بن أيوب المخزومي قال: (سمعت روحاً يقول لأبي عبد الله: أدركت الناس بالبصرة منذ خمسين سنة، إذا دخل شهر رمضان أغلق الحجّامون دكاكينهم) ذكره المروزي عن أحمد كما قال شيخ الإسلام في "شرح العمدة" (1/434)، وإسناده إن شاء الله حسن؛ لأن المخزومي صدوق، وبقية رجاله ثقات.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة كتاب الصيام (1/443): (إنّ الصحابة علَِموا أن النهي آخر الأمرين، كما تقدم عن ابن عمر وغيره، ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه، وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم، وهما ممن رويا حجامة النبي × وهو محرم، بل عليهما مدار الحدث).
قال أبو داود: سألت أحمد عمن احتجم في رمضان؟ قال: (يقضي يوما مكانه) مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود (ص130 رقم624).
وقال أبو داود: سمعت أحمد ناظره رجل في الحجامة للصائم، فقال الرجل لأحمد: ثابتٌ عن أنس: كره الحجامة للصائم مخافة الضعف [كما في البخاري.]؟ قال: أحمد رُوي عن أنس: أنهّ احتجم في السِّراج، وابن عمر احتجـم بالليل وأبو موسى يعني- الأشعري- احتج بهذا في ترك الحجامة، ولم يحتج فيه بشيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم). "مسائل أحمد" برواية أبي داود ( ص 130برقم 626) .
وقال بالفطر: إسحاق بن رهوية، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو قول عطاء، وعبد الرحمن بن مهدي، وكان الحسن ومسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم) [ انظر المغني" (4/350).]
قال شيخ الإسلام مبيناً أن قول من ذهب إلى الإفطار من الصحابة مقدم على من نفى الإفطار: (وكل ما اختلف فيه الصحابة مما يشبه هذا؛ مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمسّ الذكر ونحوه، فإن المُثبت منهم يجب أن يكون معه علم خَفِيَ على الناس؛ لأن هذا ابتداء شريعة؛ لا يجوز أن يثبت بالقياس، بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية)، كتاب الصيام من "شرح عمدة الأحكام" (1/438).
وهو قول ابن خزيمة وابن قيم الجوزية في الزاد، وشيخنا ربيع بن هادي، والشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (691 إلى396)، والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، انظر فتاوى اللجنة الدائمة (10/262).
بل لو جئت لأحصي أسماء من قال بالفطر بالحجامة للصائم لخرج العتاب عن مربطه، ولكن الذي ذكرته فيه عظة، وأنصح الدكتور بقراءة ما حرّرهُ شيخُ الإسلام في مجموع الفتاوى (25/ 252 وما بعد) ليدرك أن الجزائري الذي قسا عليه نصرة لأقوام آخرين! ليس من أهل الغرائب والشذوذ حتى يستحق تلك العبارات المرّة والدعاوى الباطلة (الغلو.. التنطع... التعالم.. التعصب).
دعـاوي إذا حققتها ألفيتهـــــا * * ألقاب زور لفقت بمحال.
والدعاوي إذا لم يقيموا عليهــــا ** بينات أصحابها أدعيــاء.
وأعود إلى الدكتور رعاه الله من كل سوء وأقول: إن الإنصاف زينةٌ لطالب العلم، وبركةٌ له ونماء، قال ابن عبد البر في الجامع: (من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم)، فهل من الإنصاف يا دكتور أن تلزمني بتقليد العلامة الألباني في مسألة أراه مخطئا فيها وإلا كنتُ ممن يحمل الناس بسيف الحجاج على تبني قولا رأيتُه؟.
وهل يليق بك وأنت مِن مُقتفي الدليل والأثر أن تُرعِبني وترعب القُرّاء بقولك (...أن إمام الدنيا ومحدث العصر المجدد الألباني ممن قال بالنسخ، ولم ير الحجامة مفطرة للصائم)؟.
وهل تظن نفسك أنّك أتيت بشيء جديد وأنت تضخم العبارة السالفة؟
يا دكتور لتكن على بينة: أنّ عِلم العلامة الألباني رحمه الله وفتاواه يحصيها ويحفظها صغار طلبة العلم عندنا في الجزائر، بل لا أكون متجاوزا للحد وبعيدا عن الحقيقة لو قلت: إنّ العلامة الألباني رحمه الله نشأ بالشام وغرس فيها لكن غرسه يَنَعَ وأثمر في الجزائر.
يا دكتور إنّني أرى أن العلامةَ الألباني مخطئ في رفع حديث أبي سعيد، وأن حديث أنس منكرٌ ولا يصح، كل هذا بعد البحث والدراسة، وهو المنهج الذي كان يدعو إليه ريحانة الشام، وأنت أدرى بهذا، فلماذا تقلب ظهر الِمجن، وتصفني بتينك العبارتين الجائرتين (الغلو..التنطع)، سامحك الله.
ثم ما معنى قولك يا دكتور (فأين ادعاء حبّ الألباني والتباكي عليه مع غمز ولمز تلامذته الذين عاش ومات وهم حوله).
لقد ذكرني الدكتور بغِرّ إماراتي اسمه أحمد الهنائي، سلك معي نفس الزقاق حين انتقدته، وبينت عوار سلوكه، وشذوذه عن السلف في باب الفهم في تحقيقي لكتاب نور الحسن (الطريقة المثلى)، فراح يُعيِّرني بمدحِي للألباني والتملُّق له، فلست أدري من أين جاء التشابه؟.
وهل التباكي على الألباني رحمه الله على فهم الدكتور يمنع من نقد بعض طلابه بالعلم والحلم حين يجانبون الصواب؟.
المهم أنَّ منزلة العلاّمة الألباني رحمه الله في قلوب أهل الحديث في الجزائر لا تحتاج إلى من يكتبُ عنها، فهي كما يقولون: نار على علم، سواء سُمِّيت: بالتباكي، أو التملق، أو التمسّح، فالعبرة بالحقائق لا بالدعاوى.
ثم أقول للدكتور: ما هو سبب استعمالك لصيغة الجمع (تلامذته)، مع أنني لم أنقد في كتابي بالعلم والحلم إلا جزءك "منهج السلامة"؟، ولا تقل هو من قبيل الجمع الذي يراد به الواحد، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، وإنما أراد المسجد الحرام، أو كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وكان القاتل واحدا، فإن صنيعك مع سباقه وسياقه لا يوحي أبدا إلى هذه القاعدة القرآنية العظيمة.
إن علاقتي بتلاميذ الألباني السلفيين جيدة جدا سواء كانوا من الشام أو الحجاز، أو غيرهما من بقاع الأرض، وبمن فيهم أنت يا دكتور، فلِمَا التحريش وإيغال الصدور، أما علمت أن النميمة جسر الشرّ، والإرجاف زند الفتنة؟
أخرج الإمام أبو داود في سننه من طريق الأعمش عن إبراهيم عن همّام عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة قتّات)، والحديث في الصحيحين.
ثانيا: إنني أطالب الدكتور وبصوت عال أن يستخرج من كتابي الغمز واللمز الذي اتهمني به زورا وإلا صدق فيه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) رواه أبو داود وصححه الألباني، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنه: (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج ممّا قال) رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله.
يا دكتور الذي أخشاه أن الكتاب ما طبع في الجزائر وروج له إلا لأنه يحمل تلك العبارات الجائرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا: قال الدكتور: (وكنت أتمنى على الأخ المذكور...)، يا دكتور أين ذكرت اسمي في جزئك حتى تتمنى عليّ؟.
إنّ الدكتور من شدة إنصافه استنكف عن ذكر اسمي في كتابه، ولما ذكر الدار التي طبعت كتابي أعقبها بعلامة الانفعال (!)، مع أنني نقدته في مسألة خلافية كما صرّح هو، ولم أخرج عن دائرة البحث، بل ألزمت نفسي أن أبقى بين هلالي النقد العلمي النزيه والخالي من العنجرية والعُجب الذي يعمي البصيرة، وصدق شيخ الإسلام حين قال في مجموع الفتاوى (10/292): (ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر ما قاله، ولو كان خطأً).
ثم انتفخ الدكتور واشتطّ غضبا لما قلت: إنّه حشا جزءه بمسائل لا علاقة لها بالحجامة فقال في جزئه (ص 164 طبعة خاصة بالجزائر): (وفي هذا ردّ على أحد المتعالمين الذي اعترض عليّ بأني حشوت كتابي بأمور لا علاقة لها بالحجامة؛ كالتداوي بالحناء والقسط البحري والحبة السوداء والعسل...) ثم راح يبرر لصنيعه بكساء لا يستر عورته، وأن العلماء حين أوردوا نصوص الحجامة شرحوا معها المفردات التي جاءت ضمن الحديث، ثم غمزني بعد هذا بأمور أخرى سخيفة ومَذِرَة تتعلق بحجم الخط الذي كُتِب به كتابي تَنزَّهتُ عن نقدها والنّزول إليها.
يا دكتور -وأنت أعلم- أنّ العلماء الذين أومأت إليهم لم يفردوا بحثهم بالحديث عن باب خاص من كتاب جامع حتى تقيس نفسك عليهم، وإنني أخالك تقصد بحديثك الحافظ ابن حجر والنووي، فاعلم أن هذين العالمين وغيرهما من العلماء قاموا بشرح الجوامع والصِّحاح والسنن، فلا وجه لتشبيه جزئك بأعمالهم العظيمة، ولا للتعلل بصنيعهم لردِّ النصيحة وغمط الحق، بارك الله فيك.
لقد قمت بعدِّ الأوراق التي جاءت في غير باب الحجامة من كتاب الدكتور فوجدتها قد أخذت نصيبا وافرا من الكتاب، فلماذا التعنُّت والمكابرة يا دكتور؟.
وأخيرا: لا أريد أن أسهب في عتاب الدكتور، فما ذكرته كاف إن شاء الله لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد، وما ذكرتُ الذي ذكرتُ إلا حين رأيت بعض الصيّادين في الماء العكر عندنا في الجزائر يتناقلون عبارات الدكتور بينهم على أنها نقد جارح يؤكدّ ما يدور في مجالس بعض المميعين لأصول أهل الحديث أن الشيخ عبد الحميد العربي فيه شدّة زائدة، ووَلَعٌ بالنقد، وتعالم، حتى صار لا يرى مثل نفسه، والله المستعان.
وقد بقيت نقاطٌ لم يحالف الصّواب فيها الدكتور علّقت على بعضها في موطنها من كتابي (إبلاغ الفهامة) بعبارات علمية موجزة، والبقية الباقية احتفظت بها عندي كما قلت سالفا حتى لا أوسع دائرة النقاش مع الدكتور فقد لمست من عباراته التي ضمنها كتابه الخاص بالجزائر! أنه ضيق الصدر في هذا الباب، والحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه معاتبا لموسى نصر
أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
لما رأيت بعض الطيبين قد اغترّوا بنقد الدكتور لنا بالباطل، وروَّجوا له دون علم أو دراية بأصول المسألة، والنّاس أسراب طيرٍ يتبع بعضُهم بعضًا، قمت من باب درء الفتنة عن منهج أهل الحديث في الجزائر، وكشف الشّبهة، ودفع الظلم والفرية عن أنفسنا، وإلقام للحجر في أفواه أهل الفتن ممن هذر وفشر من أتباع أبي الحسن المأربي ومن يناصره من الغوغائيين ممن يدعي السلفية زورا؛ بنشر هذا العتاب على الشبكة بعد ما أرسلته إلى الدكتور من مدة ولم يأت منه جواب أو اعتذار، رغبة مني في توضيح الصورة للقارئ، ووضع الأمور في نصابها، وباقي العتاب يجده القارئ في الطبعة الثالثة لكتابنا (إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة)، وهي طبعة منقحة ومزيدة.
(((نظرة في جزء أخينا الفاضل الدكتور محمد موسى آل نصر الـمُسمّى: "منهج السّلامة فيما ورد في الحجامة"، هكذا كان العنوان السابق ثم عدّل الدكتور سلّمه الله من كل سوء العنوان في الطبعة الخاصّة بالجزائر! (1427هـ) إلى (منهج السّلامة في التداوي بالفصد والحجامة).
الحمد لله الذي بسط نعمته، وأكمل دينه، وأقام حجّته، وأظهر حكمته، وتَمَّم إعذاره ونذارته بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم، فأوضح به الدليل، وأنهج به السبيل، فبلغ إلى النّاس ما أرسل به إليهم، وبين ما افترض اللهُ عليهم، وسنّ لهم الحجامة وعلمهم، وأرشدهم إليها إذا الدم بغى عليهم، ثم مضى صلى الله عليه وسلم حميدا فقيداً فأبقى كتاب الله لأمته نوراً مبيناً، وسنته حِصناً حصيناً، من كل علّة أو داءٍ مبيناً، وأصحابه حبلاً متيناً، وجعل الله سبحانه سبيلهم الأقوم، ومنهاجهم الأسلم، وطريقتهم المثلى، واستنباطهم الأولى، وتواعد من اتبع غير سبيلهم أنه ﴿ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: من الآية115].
أما بعد:
فبعد ما انتهيت من مراجعة الطبعة الثانية من جزئي (إبلاغ الفهامة) في مدينة أبو ظبي، وكنت في صدد إعداده للطبـع، وقفت علـى جــزء أخيـنا الفاضل الدكتور محمد موسى، فسارعت إلى قراءته والاستفادة منه، فجئت على جزء الأخ من أوله إلى آخره، ورأيته مفيداً جداً، جمع فيه الدكتور شوارد المسألة، إلا أنّه كعمل أي بشر ظهرت في جزء الأستاذ بعضُ الأمور دفعتني قسراً للتنبيه عليها بإيجاز واختصار, وخاصة حين قرأت على غلاف الكتاب أنّه من إصدار «مركز الإمام الألباني للدارسات المنهجية والأبحاث العلمية»، فقلت: لا يليق أن تبقى هذه الأخطاء عالقة بمركز يحمل اسم إمام عُرف بنشر السّنة والذبّ عنها، فمِن هذا الباب سمحت لنفسي أن أناقش الدكتور في مسألة أو مسألتين من غير تتبع، بل هي نظرة خاطفة في جزء الدكتور حفظه الله لا غير، وفي هذا إشارة وتنبيه لبعض المغفلين؛ وأنّه يمكن للسلفي أن ينتقد أخاه السّلفي، ويناقشه بالعلم والحلم، وبالتي هي أحسن للتي هي أقوم، مع علو الأدب، وسلامة القلم.
وأسأل الله تعالى أن يوفق إخواننا القائمين على مركز فقيد الأمة العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني لدارسات المنهجية والأبحاث العلمية إلى نشر السنة، والذبّ عنها، وإلى توضيح معتقد السلف في جميع أبوابه، وأن يجعلهم حصناً منيعا للدعوة السلفية بالشام، وأن يصرف عنا عنهم كيد الحاسدين والباغين، وأن يرزقنا وإياهم العلم النافع والعمل الصالح، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله ربّ العالمين).
قلت: هكذا صدّرتُ نقدي للدكتور هداه الله في النسخة التي طبعت سنة 1422 هجرية في دولة الإمارات العربية المتحدة، متحليا بالأدب والاحترام، ومتحريا العبارات اللائقة بالمقام، وبعيدا عن الخلط والخبط والخرط في باب النقد وتوضيح المسائل، عسى ربي أن يهدي الدكتور سواء السبيل، وأن يوفقه إلى الأخذ بتنبيهنا عسى أن يرقى إلى فهم مسألة الحجامة للصائم هل تفطر أم لا؟ فهما بعيدا عن الشغب والذان. أو إعادة تحريرها بقلم متين في الاستدلال ومرن في إسدال النصيحة، ولكن للأسف الشديد لم يكن من ذلك شيء يذكر، بل فاجأني الدكتور بعبارات رديئة وركيكة جدا ضمّنها جزءه الخاص بالجزائر! متمثلا المثل السائد سكت ألفا ونطق خلفا، مما جعلني أشكّ أنها صدرت من جعبته، عبارات قاسية للغاية، لا تحمل أدنى أبجديات الاحترام والتقدير، ولا تحتوي على عُشر ما تواصى به النقاد وصنّاع القلم من البيان والتحرير، كلمات نأت به عن حقل النصيحة وجنان العلم، وأدخلته دهليز الخصومة والجدل.
وصدق زهير بن أبي سلمة حين قال:
ومَن يجعل الـمَعرُوف في غير أهلِه***يَكُن حَمدُه ذمًّـا عليه ويَنْدَم.
وكما جاء في المثل: ليس للمختال في حسن الثناء نصيب.
وياليت كلمات الدكتور أسعده الله بطاعته وأحاطه بكلاءته كانت تدور حول محور البحث، وفي حكم من احتجم وهو صائم هل يفطر أم يبقى صيامه قائما؟ لقُُبلت مِنه مع جورها وقسوتها ومرارتها، ولكنّ الدكتور أسهب في نثر عبارات الذمّ، ورماني بحبل الغلو والتنطع، ولم يتكبد عناء البحث لرد ما عدّه تعالما أو تجاهلا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو يحدد أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كتابه منهاج السنة (5/254 تحقيق محمد رشاد سالم): (فالعلم قبل الأمر، والرفق مع الأمر، والحلم بعد الأمر، فإن لم يكن عالما لم يكن له أن يقفو ما ليس له به علم، وإن كان عالما ولم يكن رفيقا، كان كالطبيب الذي لا رفق فيه، فيغلظ على المريض فلا يقبل منه، وكالمؤدب الغليظ الذي لا يقبل منه الولد)اهـ.
وقال العلامة صديق حسن خان في أبجد العلوم (1/129): (إنّ الرّد بالتوبيخ يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم بالخلاف، ويُهيِّج الحرص على الإصرار).
وأسفاه على الدكتور قد خيّب ظني، وما كنت لأَودّ أن يصدر منه ما صدر، أو أن أقِفَ على عباراته التي ذكر، والتي أوشكت أن تدمر وتعصف بعلاقة كانت تربطنا به مِلئها الاحترام والتوقير، علاقة أحطناها بسياج من الحماية والحرص على رُغم ما كان يصلنا عنه من أخبار غير مَرضيةٍ من البحرين والكويت وبعض ديار الكفر.
آهٍ؛ لقد أخذت منّي الدهشةُ مأخذها وأنا أتصفح عبارات الدكتور في كتابه، وأقول: سبحانك ربي هذا بهتان عظيم.
إنني أعدت قراءة جُزء الدكتور الخاص بالجزائر! مع ولدي عبد الباري، وقابلته مع طبعته القديمة التي كانت من إصدار مركز الألباني فوجدته قد استفاد من بحثنا في هذا الباب دون الاعتراف بالجميل، كإدراجه في (ص49) لتعريف ابن قيم الجوزية للحجامة الذي لم يذكره في جزئه القديم، وإيراده لكلام ابن جرير الطبري في (ص95)، وحذفه لحديث نسب تحسينه لشيخ الألباني، والشيخ تراجع عن تحسينه، وغيرها من المسائل، بل صدق فيه المثل السائد: يَجري بُليقٌ ويُذمُّ.
كما أنه لم يفند ما رآه جانبنا فيه الصواب، بل قد ظهرت في جزء الدكتور الخاص بالجزائر! أخطاء جديدة أخرى أضربت صفحا عن ذكرها في هذه العتاب حتى لا أخسر الدكتور وأوسع دائرة الخلاف، وهي مجموعة عندي في أوراق، وإن أراد الدكتور الاطلاع عليها أرسلتها إليه، أخطاء تنبئ عن ضَعفٍ جليٍّ في علم الحديث، وأنافة زائفة تحرم صاحبها الفائدة، وتخلده إلى الأوهام الكاسدة.
يا دكتور سلّمك الله من كلّ مكروه إنّ لعمل الجدل آدابا وقواعد، حررها علماؤنا في مصنفاتهم، ولو سلكتها معي لكان خيرا لك وأحسن تثبيتا، ولأتاك الله من لدنه أجرا عظيما، ولا بأس أن أذكرك بكلام ابن عقيل الحنبلي (م 513) وهو يتكلم عن آداب الجدل، وعن فضلِ قصور اللسان عن الشغب فقال: (فإنّ من خاض فيه (أي الشغب) تعوّده، ومن تعوّده حُرِم الإصابة واستروح إليه، ومن عُرف بذلك سقط سقوط الذّرّة)، راجع الواضح في الأصول (1/52 ط/ مؤسسة الرسالة).
قال الدكتور سامحه الله في جزئه منهج السلامة (ص138 طبعة خاصة بالجزائر!) وهو يتكلم عن حكم الحجامة للصائم من غير تجرد ولا إنصاف، أو بحث ودراسة وتفكر: (...والعجب أن يتعصب صاحب كتاب (إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة) لرأيه الذي تبناه، ومادام أن المسألة خلافية قال بها أئمة كبار كالشافعي وأبي حنيفة ومالك والبخاري والترمذي رحم الله الجميع، مع من أجازها للصائم من الصحابة والتابعين، فلم حمل الناس على أحد المذهبين، اللهم إلا الغلوّ والتنطّع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون)، وليعلم أن إمام الدنيا ومحدث العصر المجدد الألباني ممن قال بالنسخ، ولم ير الحجامة مفطرة للصائم، فأين ادّعاء حب الألباني والتباكي عليه مع غمز ولمز تلامذته الذين عاش ومات وهم حوله، وكنت أتمنى على الأخ المذكور أن يناصحني ويراسلني ببعض ملاحظاته لاستدراك ما فاتني من حقّ وصواب منها –إن كان غيورا ومحبا لنصح إخوانه- فإننا ولله الحمد- نقبل النصح والتذكير ولا نتعنت لرأينا أبدا، بل نحب الحق ونتبعه أيّا كان قائله. والله الموفق للصواب)اهـ.
لا أريد أن أخوض مع الدكتور سلّمه الله من كلّ عيب وآفة في نوعية الأسلوب البلاغي الذي خاطبني به، فهذا أمر نتركه لصنّاع البلاغة، ولكن أركز على بعض عباراته التي أراه جاوز فيها الحدّ في الظلم، فأبين بُعدها عن الحقيقة، وزيفها من كل وجه، وأنّ الدكتور سامحه الله تلقّفها من أفواه المناوئين لأهل الحديث في الجزائر، والمعادين لتلامذة الشيخ ربيع بن هادي ثمّ رواها عن غفلة منه دون فطنة وتثبت، فأصاب بها أخا له بغير حق ولا صدق، وعسى أن يندم الدكتور من معرة ما قال إذا وصله المقال، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
والردّ على ما رماني به الدكتور من ظلم بالأدب والعلم حقٌّ ثابت لي مصدقا لقوله تعالى في سورة الشورى ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾.
أولا: أقول للدكتور سلمه الله من كل سوء: هل كل من رجّح قولا غير الذي قال به الشيخ الألباني رحمه الله، بعد البحث والدراسة والاجتهاد، وقال به كوكبة من أهل السنّة الأخيار، يكون متعصبا وغاليا ويصدق فيه الحديث السابق الذي أوردته في كتابك؟
يا دكتور سلّمك الله من الغضب الذي قال عنه ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين (الغضب غول يغتال العقل كما تغتاله الخمر)، إنني لست بدعا من الطلاّب ممن ذهب إلى القول بفطر الصائم بالحجامة، نهيك أنه قولٌ لكوكبة زاهية من أهل العلم النبلاء ودونك ما يحضرني عنهم بإيجاز شديد جدا:
-فعن أبي العالية قال: دخلت على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة عند المغرب، فوجدته يأكل تمراً قال: احتجمت، قال: ألا احتجمت نهاراً؟ قال: تأمرني أن أهريق دمي وأنا صائم) أخرجه النسائي في "الكبرى" (2/233 برقم 3214 ) وابن أبي شيبة، وإسناده صحيح إلى أبي موسى، ولا يصح مرفوعاً كما حقق ذلك الحفاظ.
- وعن سالم: (أن ابن عمر كان يحتجم وهو صائم، ثم تركه بعد، وكان إذا غابت الشمس احتجم) أخرجه عبد الرزاق (4/211) بإسناد صحيح.
- وجاء عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: (كان يحتجم وهو صائم، قال: فبلغه حديث أوس؛ فكان إذا كان صائماً احتجم بالليل)، صحيح أخرجه أحمد كما في "مسائل عبد الله" (ص 182 برقم683 ط المكتب الإسلامي) وأخرج ابن أبي شيبة (2/308)، من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب به؛ ولفظه: (كان يحتجم وهو صائم ثم تركها بعد، فكان يحتجم ليلاً)، وإسناده صحيح.
- وأخرج عبد الرزاق (4/211)، عن معمر عن أيوب به، ولفظه (كان يحتجم وهو صائم ثم تركه، فكان يصنع المحاجم، فإذا غربت الشمس أمر أن يشرط، قال: فلا أدري أكرهه أم شيء بلغه)، وإسناد صحيح.
- وأخرج مالك في "الموطأ" (1/298) عن نافع به، ولفظه: (أنه كان يحتجم وهو صائم، قال: ثم ترك ذلك بعد، فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر) وإسناده صحيح.
-وأخرج مسدد في مسنده كما في المطالب العالية (6/136 برقم 1070) قال: حدثنا هشيم عن منصور بن زاذان، عن يزيد بن سعيد مولى صفية: أنّه سمع صفية بنت حيي رضي الله عنها تقول: (أفطر الحاجم والمحجوم).
ورواه إسحاق بن إدريس عن هشيم به مرفوعا، مخالفا لصنيع مسدد، إلا أنّ الدارقطني صوّب رواية مسدد الموقوفة وقال: (وقول مسدد أشبه بالصواب).
- وعن عبد الله بن أيوب المخزومي قال: (سمعت روحاً يقول لأبي عبد الله: أدركت الناس بالبصرة منذ خمسين سنة، إذا دخل شهر رمضان أغلق الحجّامون دكاكينهم) ذكره المروزي عن أحمد كما قال شيخ الإسلام في "شرح العمدة" (1/434)، وإسناده إن شاء الله حسن؛ لأن المخزومي صدوق، وبقية رجاله ثقات.
قال شيخ الإسلام رحمه الله في شرح العمدة كتاب الصيام (1/443): (إنّ الصحابة علَِموا أن النهي آخر الأمرين، كما تقدم عن ابن عمر وغيره، ولهذا رجعوا عن القول بالاحتجام إلى تركه، وأبو موسى وابن عباس كانا يكرهان الحجامة للصائم، وهما ممن رويا حجامة النبي × وهو محرم، بل عليهما مدار الحدث).
قال أبو داود: سألت أحمد عمن احتجم في رمضان؟ قال: (يقضي يوما مكانه) مسائل الإمام أحمد" برواية أبي داود (ص130 رقم624).
وقال أبو داود: سمعت أحمد ناظره رجل في الحجامة للصائم، فقال الرجل لأحمد: ثابتٌ عن أنس: كره الحجامة للصائم مخافة الضعف [كما في البخاري.]؟ قال: أحمد رُوي عن أنس: أنهّ احتجم في السِّراج، وابن عمر احتجـم بالليل وأبو موسى يعني- الأشعري- احتج بهذا في ترك الحجامة، ولم يحتج فيه بشيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم). "مسائل أحمد" برواية أبي داود ( ص 130برقم 626) .
وقال بالفطر: إسحاق بن رهوية، وابن المنذر، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو قول عطاء، وعبد الرحمن بن مهدي، وكان الحسن ومسروق وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم) [ انظر المغني" (4/350).]
قال شيخ الإسلام مبيناً أن قول من ذهب إلى الإفطار من الصحابة مقدم على من نفى الإفطار: (وكل ما اختلف فيه الصحابة مما يشبه هذا؛ مثل: اختلافهم في انتقاض الوضوء بمسّ الذكر ونحوه، فإن المُثبت منهم يجب أن يكون معه علم خَفِيَ على الناس؛ لأن هذا ابتداء شريعة؛ لا يجوز أن يثبت بالقياس، بخلاف النفي؛ فإنه يكفي فيه البراءة الأصلية)، كتاب الصيام من "شرح عمدة الأحكام" (1/438).
وهو قول ابن خزيمة وابن قيم الجوزية في الزاد، وشيخنا ربيع بن هادي، والشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (691 إلى396)، والشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، انظر فتاوى اللجنة الدائمة (10/262).
بل لو جئت لأحصي أسماء من قال بالفطر بالحجامة للصائم لخرج العتاب عن مربطه، ولكن الذي ذكرته فيه عظة، وأنصح الدكتور بقراءة ما حرّرهُ شيخُ الإسلام في مجموع الفتاوى (25/ 252 وما بعد) ليدرك أن الجزائري الذي قسا عليه نصرة لأقوام آخرين! ليس من أهل الغرائب والشذوذ حتى يستحق تلك العبارات المرّة والدعاوى الباطلة (الغلو.. التنطع... التعالم.. التعصب).
دعـاوي إذا حققتها ألفيتهـــــا * * ألقاب زور لفقت بمحال.
والدعاوي إذا لم يقيموا عليهــــا ** بينات أصحابها أدعيــاء.
وأعود إلى الدكتور رعاه الله من كل سوء وأقول: إن الإنصاف زينةٌ لطالب العلم، وبركةٌ له ونماء، قال ابن عبد البر في الجامع: (من بركة العلم وآدابه الإنصاف فيه، ومن لم ينصف لم يفهم ولم يتفهم)، فهل من الإنصاف يا دكتور أن تلزمني بتقليد العلامة الألباني في مسألة أراه مخطئا فيها وإلا كنتُ ممن يحمل الناس بسيف الحجاج على تبني قولا رأيتُه؟.
وهل يليق بك وأنت مِن مُقتفي الدليل والأثر أن تُرعِبني وترعب القُرّاء بقولك (...أن إمام الدنيا ومحدث العصر المجدد الألباني ممن قال بالنسخ، ولم ير الحجامة مفطرة للصائم)؟.
وهل تظن نفسك أنّك أتيت بشيء جديد وأنت تضخم العبارة السالفة؟
يا دكتور لتكن على بينة: أنّ عِلم العلامة الألباني رحمه الله وفتاواه يحصيها ويحفظها صغار طلبة العلم عندنا في الجزائر، بل لا أكون متجاوزا للحد وبعيدا عن الحقيقة لو قلت: إنّ العلامة الألباني رحمه الله نشأ بالشام وغرس فيها لكن غرسه يَنَعَ وأثمر في الجزائر.
يا دكتور إنّني أرى أن العلامةَ الألباني مخطئ في رفع حديث أبي سعيد، وأن حديث أنس منكرٌ ولا يصح، كل هذا بعد البحث والدراسة، وهو المنهج الذي كان يدعو إليه ريحانة الشام، وأنت أدرى بهذا، فلماذا تقلب ظهر الِمجن، وتصفني بتينك العبارتين الجائرتين (الغلو..التنطع)، سامحك الله.
ثم ما معنى قولك يا دكتور (فأين ادعاء حبّ الألباني والتباكي عليه مع غمز ولمز تلامذته الذين عاش ومات وهم حوله).
لقد ذكرني الدكتور بغِرّ إماراتي اسمه أحمد الهنائي، سلك معي نفس الزقاق حين انتقدته، وبينت عوار سلوكه، وشذوذه عن السلف في باب الفهم في تحقيقي لكتاب نور الحسن (الطريقة المثلى)، فراح يُعيِّرني بمدحِي للألباني والتملُّق له، فلست أدري من أين جاء التشابه؟.
وهل التباكي على الألباني رحمه الله على فهم الدكتور يمنع من نقد بعض طلابه بالعلم والحلم حين يجانبون الصواب؟.
المهم أنَّ منزلة العلاّمة الألباني رحمه الله في قلوب أهل الحديث في الجزائر لا تحتاج إلى من يكتبُ عنها، فهي كما يقولون: نار على علم، سواء سُمِّيت: بالتباكي، أو التملق، أو التمسّح، فالعبرة بالحقائق لا بالدعاوى.
ثم أقول للدكتور: ما هو سبب استعمالك لصيغة الجمع (تلامذته)، مع أنني لم أنقد في كتابي بالعلم والحلم إلا جزءك "منهج السلامة"؟، ولا تقل هو من قبيل الجمع الذي يراد به الواحد، كما قال تعالى في سورة التوبة: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾، وإنما أراد المسجد الحرام، أو كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾، وكان القاتل واحدا، فإن صنيعك مع سباقه وسياقه لا يوحي أبدا إلى هذه القاعدة القرآنية العظيمة.
إن علاقتي بتلاميذ الألباني السلفيين جيدة جدا سواء كانوا من الشام أو الحجاز، أو غيرهما من بقاع الأرض، وبمن فيهم أنت يا دكتور، فلِمَا التحريش وإيغال الصدور، أما علمت أن النميمة جسر الشرّ، والإرجاف زند الفتنة؟
أخرج الإمام أبو داود في سننه من طريق الأعمش عن إبراهيم عن همّام عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة قتّات)، والحديث في الصحيحين.
ثانيا: إنني أطالب الدكتور وبصوت عال أن يستخرج من كتابي الغمز واللمز الذي اتهمني به زورا وإلا صدق فيه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه: (إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق) رواه أبو داود وصححه الألباني، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم من رواية ابن عمر رضي الله عنه: (من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج ممّا قال) رواه أبو داود وصححه الألباني رحمه الله.
يا دكتور الذي أخشاه أن الكتاب ما طبع في الجزائر وروج له إلا لأنه يحمل تلك العبارات الجائرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثالثا: قال الدكتور: (وكنت أتمنى على الأخ المذكور...)، يا دكتور أين ذكرت اسمي في جزئك حتى تتمنى عليّ؟.
إنّ الدكتور من شدة إنصافه استنكف عن ذكر اسمي في كتابه، ولما ذكر الدار التي طبعت كتابي أعقبها بعلامة الانفعال (!)، مع أنني نقدته في مسألة خلافية كما صرّح هو، ولم أخرج عن دائرة البحث، بل ألزمت نفسي أن أبقى بين هلالي النقد العلمي النزيه والخالي من العنجرية والعُجب الذي يعمي البصيرة، وصدق شيخ الإسلام حين قال في مجموع الفتاوى (10/292): (ألا ترى أن الذي يعظم نفسه بالباطل يريد أن ينصر ما قاله، ولو كان خطأً).
ثم انتفخ الدكتور واشتطّ غضبا لما قلت: إنّه حشا جزءه بمسائل لا علاقة لها بالحجامة فقال في جزئه (ص 164 طبعة خاصة بالجزائر): (وفي هذا ردّ على أحد المتعالمين الذي اعترض عليّ بأني حشوت كتابي بأمور لا علاقة لها بالحجامة؛ كالتداوي بالحناء والقسط البحري والحبة السوداء والعسل...) ثم راح يبرر لصنيعه بكساء لا يستر عورته، وأن العلماء حين أوردوا نصوص الحجامة شرحوا معها المفردات التي جاءت ضمن الحديث، ثم غمزني بعد هذا بأمور أخرى سخيفة ومَذِرَة تتعلق بحجم الخط الذي كُتِب به كتابي تَنزَّهتُ عن نقدها والنّزول إليها.
يا دكتور -وأنت أعلم- أنّ العلماء الذين أومأت إليهم لم يفردوا بحثهم بالحديث عن باب خاص من كتاب جامع حتى تقيس نفسك عليهم، وإنني أخالك تقصد بحديثك الحافظ ابن حجر والنووي، فاعلم أن هذين العالمين وغيرهما من العلماء قاموا بشرح الجوامع والصِّحاح والسنن، فلا وجه لتشبيه جزئك بأعمالهم العظيمة، ولا للتعلل بصنيعهم لردِّ النصيحة وغمط الحق، بارك الله فيك.
لقد قمت بعدِّ الأوراق التي جاءت في غير باب الحجامة من كتاب الدكتور فوجدتها قد أخذت نصيبا وافرا من الكتاب، فلماذا التعنُّت والمكابرة يا دكتور؟.
وأخيرا: لا أريد أن أسهب في عتاب الدكتور، فما ذكرته كاف إن شاء الله لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد، وما ذكرتُ الذي ذكرتُ إلا حين رأيت بعض الصيّادين في الماء العكر عندنا في الجزائر يتناقلون عبارات الدكتور بينهم على أنها نقد جارح يؤكدّ ما يدور في مجالس بعض المميعين لأصول أهل الحديث أن الشيخ عبد الحميد العربي فيه شدّة زائدة، ووَلَعٌ بالنقد، وتعالم، حتى صار لا يرى مثل نفسه، والله المستعان.
وقد بقيت نقاطٌ لم يحالف الصّواب فيها الدكتور علّقت على بعضها في موطنها من كتابي (إبلاغ الفهامة) بعبارات علمية موجزة، والبقية الباقية احتفظت بها عندي كما قلت سالفا حتى لا أوسع دائرة النقاش مع الدكتور فقد لمست من عباراته التي ضمنها كتابه الخاص بالجزائر! أنه ضيق الصدر في هذا الباب، والحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه معاتبا لموسى نصر
أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.