المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وجوب اتباع السلف الصالح


رائد علي أبو الكاس
03-03-2010, 12:33 AM
وجوب اتباع السلف الصالح

تعريف السلف

لغة:
قال ابن فارس: (السين واللام والفاء: أصلٌ يدل على تقدمٍ وسبقٍ، من ذلك: السلف الذين مضوا) (1)، و(السلف: ... الجماعة المتقدمون) (2).
والسلف -أيضًا- من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك، الذين هم فوقك في السبق والفضل(3).

اصطلاحًا:
اختلف أهل العلم فيمن يطلق عليهم السلف الصالح،مع اتفاقهم على أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أصل السلف الصالح وخيرهم وأتقاهم.
ونحن في هذا الموقع نذهب مذهب القائلين بأنهم القرون الثلاثة الأولى، لشهادة النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالخيرية، فقال صلى الله عليه وسلم: ”خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ“ [صحيح البخاري ومسلم].
والقرن يطلق على مدة من الزمان، وقد اختلف العلماء في تحديده على أقوال:
فقيل: أربعون، وقيل: ثمانون، وقيل مائة، وقيل غير ذلك. (4)

وأرجح الأقوال هو أنها مائة عام، فقد وقع في حديث عبد الله بن بسر المازني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ”لتبلغن قرنًا“ (5)، وقد مات وعمره مائة سنة، كما قال البخاري في التاريخ الصغير، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة.



وجوب اتباع السلف وسلوك طريقهم:

الأدلة من القرآن والسنة:

1. قد أوجب القرآن اتباع الصحابة رضوان الله عليهم ولزوم طريقتهم، وتوعد من يخالف سبيلهم بالعذاب الأليم، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىوَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَنُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 117]، وهل كان المؤمنون عند نزول هذه الآية الكريمة إلا هم؟

2. وقال تعالى: {فَإِنْ آَمَنُوابِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِفَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137].
هذادليل صريح في أن الذي كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم هو الهدى والحق،ومن اهتدى به فإنه على هدى وعلى صراط مستقيم. فالصحابة هم المعنيون بما فيالآية أولًا، ثم من سار على دربهم واقتدى بهم من بعدهم ثانيًا.

3. وقوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاوَمَنِ اتَّبَعَنِيوَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
والصحابة رضي الله عنهم هم أول أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فهم على سبيل النبي صلى الله عليه وسلم يدعون إلى الله على بصيرة.

4. ثناء الله عز وجل عليهم ورضاه عنهم، قال الله عز وجل: {مُحَمَّدٌرَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِرُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًامِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِالسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِيالْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَفَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُالْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِمِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29]

وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَالْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَاتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُوَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَفِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100]

وقوله تعالى: {فأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَوَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَاوَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الفتح: 26].


5. وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: ”خَيْرُالنَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَيَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْيَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ“ [متفق عليه].
فهذه الآيات والأحاديث دليل على أنهم على هدى وخير وأنهم أهل للاقتداء والاتباع.


6. ومن الأدلة: أن الصحابة هم الجيل الوحيد الكامل الذي لم يكن منهم مبتدع، وإنما ظهرت البدع فيمن بعدهم في آخر عصرهم.
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، في وصف الخوارج: ”يَخْرُجُ فِي هَذِهِ الأمَّةِ“ (6)، ولم يقل: (منها)، لأنه لا يخرج من الصحابة هؤلاء القوم، ولكن يخرج في عصرهم رضوان الله عليهم.

ولذلكلما أراد العلماء أن يُعرِّفوا البدعة نصوا على أن البدعة هي: ما أحدث ممايخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه هي البدعة الموصوفة بأنهاالضلالة.

7. وقد كثر الاختلاف والتفرق بين المسلمين بعد عهد السلفالصالح رضوان الله عليهم، وكل فرقة تفسر النصوص على فهمها، فتجدهم مختلفينفي ذلك، وكل فرقة تدعي أن فهمها للنصوص هو الحق، فمن نتبع؟
الجواب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ”فَإِنَّهُمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْوَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَمِنْكُمْفَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ“ حديث حسن(7).
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ”وَإِنَّبَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةًوَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِيالنَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً“، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟قال: ”مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي“ حديث حسن(8).

فهذه أدلة صريحة على أن الحق هو اتباع منهج وفهم الصحابة رضوان الله عليهم للنصوص الشرعية.



الأدلة العقلية:

1. اتفاق أقوال الصحابة رضي الله عنهمفي الأصول، فلم يحصل بينهم اختلاف في أصول الاعتقاد وأصول العبادات وأصول النظر والاستدلال.
ومنذلك: إجماع الصحابة على إثبات الصفات، وإجماعهم على وجوب قبول السنةواتباع ما صح منها وعدم رد شيء منها، وإجماعهم على عدم تكفير مرتكبالكبيرة، وغير ذلك.

2. أنهم عرفوا حقيقة الجاهلية التي جاء الإسلامللقضاء عليها، لأن بعضهم عاشها بنفسه، والآخرون كانوا حديثي عهد بها،نقلها إليهم أهلوهم وأقاربهم، فلما جاء الإسلام ميزوا بينه وبين الجاهلية.

3. أن السلف الصالح تلقوا الإسلام وتعاليمه صافية نقية، لم يخلطوها بثقافاتوافدة من أديان وثنية أو كتابية محرفة، أو فلسفات وضعية، أو علوم كلاميةأو غير ذلك.

4. أنهم تلقوا القرآن غضًا طريًا، وهو ينزل على قلبمحمد صلى الله عليه وسلم، وعاينوا الأحداث التي مرت بهم وكانت سببًا لنزولكثير من آياته وسوره، فأدركوا مناسبات الآيات، وسياقها ووجهتها، وتفاعلوامعها، وفهموها حق فهمها، وهذا أيضًا جانب آخر مما امتازوا به على من جاءبعدهم.

5. أنهم سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة دونواسطة، فغالب ما نقلوه عنه أخذوه من فيه، وسمعوه، وأدركوا مقصده ووجهته،وعرفوا مناسبة وروده.

6. التابعون وتابعوهم هم أقرب القرون إلىالنبي صلى الله عليه وسلم والتابعون عاصروا الصحابة رضوان الله عليهموأخذوا العلم عنهم. كما أن البدعة في عصرهم كانت أقل من البدعة في العصورالتي بعدهم.



بعض الآثار عن الصحابة والسلف الصالح والأئمة بلزوم ما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه عامة السلف الصالح:

1. عنابن مسعودرضي الله عنه قال: «اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، كل بدعة ضلالة» (9).

2. قالالأوزاعي: «اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم» (10).
وقال: «عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم» (11).

3. كانالحسن البصريفي مجلس فذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: «إنهمكانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهمالله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهمورب الكعبة على الهدى المستقيم» (12).


4. قال الإمامأحمد بن حنبل: (إن الله جَلَّ ثناؤه، وتقدَّست أسماؤه بعث محمدًا نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - {بالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة : 33] وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسوله - صلى الله عليهوسلم - الدال على معنى ما أراد من ظاهره وباطنه، وخاصِّه وعامِّه، وناسخهومنسوخه، وما قصد له الكتاب.
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هوالمعبر عن كتاب الله، الدال على معانيه، شَاهَدَهُ في ذلك أصحابه، منارتَضَاهُ الله لنبيه واصطفاهُ لَهُ، ونَقَلوا ذلك عنه، فكانوا هُم أعلَمالناسِ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبما أخبر عن معنى ما أرادالله من ذلك بمُشاهَدَتِهِم ما قَصَد لَه الكتاب، فكانوا هم المُعَبِّرينعن ذلك بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم(13).


5. قال الإمامابن أبي زيد القيروانيفي رسالته:
(واللجأإلى كتاب الله عزوجل وسنة نبيه، واتباع سبيل المؤمنين، وخير القرون من خيرأمة أخرجت للناس نجاة، ففي المفزع إلى ذلك العصمة، وفي اتباع السلف الصالحالنجاة).

6. قال الإمامأبو القاسم اللالكائيفي مقدمة شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة:
(أمابعد: فإن أوجب ما على المرء معرفة اعتقاد الدين، وما كلف الله به عباده منفهم توحيده وصفاته وتصديق رسله بالدلائل واليقين، والتوصل إلى طرقهاوالاستدلال عليها بالحجج والبراهين، وكان من أعظم مقول، وأوضح حجة ومعقول،كتاب الله الحق المبين، ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابتهالأخيار المتقين، ثم ما أجمع عليه السلف الصالحون، ثم التمسك بمجموعهاوالمقام عليها إلى يوم الدين، ثم الاجتناب عن البدع والاستماع إليها مماأحدثها المضلون).

7. قالابن حجر العسقلاني :
(فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف). (14)

8. قال الشيخأحمد بن عبد الرحيمالدهلويالمعروف بشاه ولي الله:
(والملةإنما تثبت بالنقل والتوارث، ولا توارث إلا بأن يعظم الذين شاهدوا مواقعالوحي وعرفوا تأويله وشاهدوا سيرة النبي صلى اللّه عليه وسلم ولم يخلطوامعها تعمقًا ولا تهاونًا ولا ملة أخرى). (15)






(1) مقاييس اللغة لإبن فارس، مادة: سلف.
(2) لسان العرب لإبن منظور، مادة: سلف.
(3) المصدر السابق.
(4) انظر شرح الحديث في فتح الباري لإبن حجر ، وشرح صحيح مسلم للنووي.
(5) مسند الإمام أحمد (ج29 ص235)، حسنه الشيخ شعيب الأرنؤوط.
(6) صحيح البخاري ومسلم.
(7) رواه عدد من الأئمة منهم الترمذي وأبو داود في سننهما؛ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(8) رواه الترمذي وغيره وحسنه؛ وقال العراقي في "تخريج الإحياء" : أسانيدها جياد.
(9) كتاب الزهد لوكيع بن الجراح، باب: من قال البلاء موكل بالقول.
(10) الشريعة للآجري ؛ وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (ج1 ص154)
(11) رواه الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث؛ والبيهقي في المدخل إلى السنن؛ وروى جزء منه الآجري في كتابه الشريعة.
(12) الشريعة للآجري، باب ذكر فضل جميع الصحابة رضي الله عنهم
(13) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، تحقيق محمد الفقي (ج3 ص122)
(14) فتح الباري لابن حجر (ج13 ص267)
(15) حجة الله البالغة لأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي (ج2 ص333)

http://www.sahab.net/forums/SahabThemes/misc/progress.gif