سمير المبحوح
01-25-2010, 02:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
لـمـاذا نـخـشـى الـنـقـد
الحمد لله رب العالمين , و الصلاة و السلام على نبينا محمد , و على آله و صحبه أجمعين .
إنّ العقل و الفطرة السليمة ليقبلان النقد إذا كان بالدليل الصحيح و الفهم السليم , الذي يُراد به النصيحة و التقويم .
و الواجب على كل مسلم أنْ يكون قصده لله في كل عمل يتقرب به انتصاراً للحق , لا للنفس و الهوى .
قال – صلى الله عليه و سلم - :" الدين النصيحة – ثلاثا – قلنا : لمن؟ قال : لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم " ( رواه مسلم)
و عن جرير بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه – قال :" بايعت رسول الله – صلى الله عليه و سلم – على إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و النصح لكل مسلم " ( رواه البخاري )
و بهذا يتبين أنّ التجرد لله في القول و العمل و سلامة المقصد أصلٌ مهم في النصيحة و التقويم .
قال تعالى :" و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء "
فعلى المسلم الناصح ( إذا كان مِنْ أهل النصيحة) أنْ يتقي الله و يخشاه و يراقبه ,و يشعر بمعيّة الله له , و ليعلم أنّ الخطأ صفة ملازمة للإنسان لا ينجو منه إلا الأنبياء و الرسل .
قال – صلى الله عليه و سلم - :" كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون "
( رواه أحمد و الترمذي و إسناده حسن)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :" ..... و هكذا الرد على أهل البدع من الرافضة و غيرهم , إنْ لم يكن يُقصد منه بيان الحق و هدي الخلق و رحمتهم و الإحسان إليهم , لم يكن عمله صالحاً , و إذا غلّظ في ذم بدعة و معصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذره العباد , كما في نصوص الوعيد و غيرها , و قد يُهجر الرجل عقوبة و تعزيراً و المقصود بذلك ردعه و ردع أمثاله للرحمة و الإحسان لا للتشفّي و الانتقام "
( منهاج السنة النبوية 5 / 239 )
و قال ابن القيم – رحمه الله - :" و على المتكلّم في هذا الباب و غيره أنْ يكون مصدر كلامه مِن العلم بالحق و غايته النصيحة لله و لكتابه و لرسوله و لإخوانه المسلمين , وإنْ جعل الحقَ تبعاً للهوى فسد القلب و العمل و الحال و الطريق " ( مدارج السالكين 3 / 522 )
فمِثلُ هذا النقد نرحب به و نقبله لأنّ غايته النصيحة و التقويم , أما إذا كان النقد للانتقام و التشفي و تُتبُع العورات , فهذا نرفضه لأنّه مِن الانتصار للنفس و الهوى , و هو يؤدي إلى الحط مِن قيمة المسلم , و هذا الأسلوب يجعل الإنسان يميل عن الحق ميلاً واضحاً لأنّ الهوى و الانتصار للنفس مِن النوازع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء حتى تسيطر عليه مِن حيث لا يشعر , و قديماً كان سلفنا الكرام – رضي الله عنهم – يقولون " احذروا مِن الناس صنفين , صاحب هوى قد فتنه هواه , و صاحب دنيا أعمته دنياه "
( إغاثة اللهفان 2 / 241 )
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - :" و صاحب الهوى يعميه الهوى و يصمه , فلا يستحضر الله و رسوله في ذلك و لا يطلبه و لا يرضى برضا الله و رسوله و لا يغضب لغضب الله و رسوله , بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه , و يغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ....."
( منهاج السنة النبوية 5 / 256 )
و هكذا المسلم _ و خاصة طالب العلم – كما قرر ذلك شيخنا ربيع المدخلي – حفظه الله – " لا ينتصر الشخص انتصاراً مطلقاً عاماً , إلا لرسول الله - صلى الله عليه و سلم – و لا لطائفة انتصاراً مطلقاً إلا للصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – فإنّ الهُدى يدور مع الرسول – صلى الله عليه و سلم – حيث دار و يدور مِن أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا , فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط,بخلاف أصحاب عالم مِن العلماء ,فإنهم قد يُجمعون على خطأ , بل كلُّ قول قالوه و لم يقلْهُ غيرهم مِن الأمة لا يكونُ إلا خطأ, فإنّ الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلَّماً إلى عالم واحد و أصحابه , و لو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله – صلى الله عليه و سلم - , و هو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم " ( النصيحة ص 50 )
فعلى الناقد أنْ يفتش في قلبه و يطهره مِن جميع آثار الهوى , و ما يترتب عليه مِن فساد القلوب , قبل أنْ يبدأ في نقد الآخرين , حتى لا يصبح الحق باطلاً , و الباطل حقاً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :" فمَن اتبعَ أهواء الناس بعد العلم الذي بعث الله به رسوله و بعد هدى الله الذي بيَّنه لعباده , فهوى بهذه المثابة , و لهذا كان السلف يسمّون أهل البدع , و التفرق المخالفين للكتاب و السنة , أهل الأهواء , حيث قبلوا ما أحبوه , و ردُّوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدى من الله "
( نقد المنطق ص 154 )
و لهذا أوصى الله – عزّ وجل ّ – نبيَّه داود – عليه السلام – بالحذر مِن الهوى , فقال :" يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض , فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله "
فإذا وقع الإنسان في الهوى , انقلبت الموازين , و انتكست الأحكام , فلا يعرف معروفاً , و لا يُنكر منكراً,و هذا بابٌ عظيمٌ مِن أبواب الشر, الذي لا يُولّد إلا الظلم و الجور بين العباد , و ما يترتب عليه من التنازع و التقاطع , و التدابر والبغي , فتفرقت الكلمة , و تشتت القلوب , و اختلفت العقائد و المناهج , و أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بالمناهج و الآراء و التوجيهات. بل أصبح الولاء و البراء على الأهواء .
و حبّ الذات و الانتصار للنفس و الهوى مع عدم التحري و التثبت من أسباب الاعتداء و الاتهام للآخرين بما ليس فيهم , و هذا عين الظلم .
فالنقد المشروع لابد منه , و هو ضرورة لا يَستغني عنها المسلم , إذا كان مبنيَّا على تمام العدل و الانصاف , مِن التثبت و التحرّي, و عدم الظلم و التشفّي , و التعدي و الانتقام , و حتى يكون مِن باب النصيحة و التقويم المأمور بهما شرعاً , لابد أنْ نرجع إلى منهج السلف بشموله و كماله , لتوجيه طاقات طالب العلم – إذا كان مِن أهل النقد – لتوظيف هذه الطاقات لخدمة هذا الدين , و توجيه المخطئين و المنحرفين عن منهج السلف إلى جادة الحق و الصواب , فنكون بهذا المنهج السلفي قد حققنا الغاية المشروعة مِن النقد , و على المخطئ أنْ يقبل هذا التوجيه بصدر رحب , و ليعلم أنّ قَبول النقد المشروع مِنْ أهله أولى مِن التخبط و التمادي في الانحراف في العقيدة و المنهج , و ما يترتب على ذلك مِن الأخطاء و العواقب الوخيمة مِن فتح لباب الطعن و التشكيك في منهج السلف و أهله , و سببه عدم قَبول النقد المشروع .
فاحذر يا طالب العلم مِن التعالي على مشايخك و إخوانك , و مِن عدم قَبولك للنصيحة و التقويم فتهلك ,فتكون بذلك عقبة في وجه الدعوة إلى الله , و هذا يضعفك و يضعف إخوانك و محبيك , و يقوي شوكة المبغضين و الحاقدين .
و اعلم أنّ قبولك للنصيحة و التقويم , ليس عيباً و ثلباً لك , بل هو مفخرةٌ و منقبة لك , لأنّ الحقَّ أحقُّ أنْ يُتَّبع .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كتبه
سمير المبحوح
لـمـاذا نـخـشـى الـنـقـد
الحمد لله رب العالمين , و الصلاة و السلام على نبينا محمد , و على آله و صحبه أجمعين .
إنّ العقل و الفطرة السليمة ليقبلان النقد إذا كان بالدليل الصحيح و الفهم السليم , الذي يُراد به النصيحة و التقويم .
و الواجب على كل مسلم أنْ يكون قصده لله في كل عمل يتقرب به انتصاراً للحق , لا للنفس و الهوى .
قال – صلى الله عليه و سلم - :" الدين النصيحة – ثلاثا – قلنا : لمن؟ قال : لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم " ( رواه مسلم)
و عن جرير بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه – قال :" بايعت رسول الله – صلى الله عليه و سلم – على إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و النصح لكل مسلم " ( رواه البخاري )
و بهذا يتبين أنّ التجرد لله في القول و العمل و سلامة المقصد أصلٌ مهم في النصيحة و التقويم .
قال تعالى :" و ما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء "
فعلى المسلم الناصح ( إذا كان مِنْ أهل النصيحة) أنْ يتقي الله و يخشاه و يراقبه ,و يشعر بمعيّة الله له , و ليعلم أنّ الخطأ صفة ملازمة للإنسان لا ينجو منه إلا الأنبياء و الرسل .
قال – صلى الله عليه و سلم - :" كل بني آدم خطاء و خير الخطائين التوابون "
( رواه أحمد و الترمذي و إسناده حسن)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :" ..... و هكذا الرد على أهل البدع من الرافضة و غيرهم , إنْ لم يكن يُقصد منه بيان الحق و هدي الخلق و رحمتهم و الإحسان إليهم , لم يكن عمله صالحاً , و إذا غلّظ في ذم بدعة و معصية كان قصده بيان ما فيها من الفساد ليحذره العباد , كما في نصوص الوعيد و غيرها , و قد يُهجر الرجل عقوبة و تعزيراً و المقصود بذلك ردعه و ردع أمثاله للرحمة و الإحسان لا للتشفّي و الانتقام "
( منهاج السنة النبوية 5 / 239 )
و قال ابن القيم – رحمه الله - :" و على المتكلّم في هذا الباب و غيره أنْ يكون مصدر كلامه مِن العلم بالحق و غايته النصيحة لله و لكتابه و لرسوله و لإخوانه المسلمين , وإنْ جعل الحقَ تبعاً للهوى فسد القلب و العمل و الحال و الطريق " ( مدارج السالكين 3 / 522 )
فمِثلُ هذا النقد نرحب به و نقبله لأنّ غايته النصيحة و التقويم , أما إذا كان النقد للانتقام و التشفي و تُتبُع العورات , فهذا نرفضه لأنّه مِن الانتصار للنفس و الهوى , و هو يؤدي إلى الحط مِن قيمة المسلم , و هذا الأسلوب يجعل الإنسان يميل عن الحق ميلاً واضحاً لأنّ الهوى و الانتصار للنفس مِن النوازع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء حتى تسيطر عليه مِن حيث لا يشعر , و قديماً كان سلفنا الكرام – رضي الله عنهم – يقولون " احذروا مِن الناس صنفين , صاحب هوى قد فتنه هواه , و صاحب دنيا أعمته دنياه "
( إغاثة اللهفان 2 / 241 )
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله - :" و صاحب الهوى يعميه الهوى و يصمه , فلا يستحضر الله و رسوله في ذلك و لا يطلبه و لا يرضى برضا الله و رسوله و لا يغضب لغضب الله و رسوله , بل يرضى إذا حصل ما يرضاه بهواه , و يغضب إذا حصل ما يغضب له بهواه ....."
( منهاج السنة النبوية 5 / 256 )
و هكذا المسلم _ و خاصة طالب العلم – كما قرر ذلك شيخنا ربيع المدخلي – حفظه الله – " لا ينتصر الشخص انتصاراً مطلقاً عاماً , إلا لرسول الله - صلى الله عليه و سلم – و لا لطائفة انتصاراً مطلقاً إلا للصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – فإنّ الهُدى يدور مع الرسول – صلى الله عليه و سلم – حيث دار و يدور مِن أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا , فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط,بخلاف أصحاب عالم مِن العلماء ,فإنهم قد يُجمعون على خطأ , بل كلُّ قول قالوه و لم يقلْهُ غيرهم مِن الأمة لا يكونُ إلا خطأ, فإنّ الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مسلَّماً إلى عالم واحد و أصحابه , و لو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيراً لرسول الله – صلى الله عليه و سلم - , و هو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم " ( النصيحة ص 50 )
فعلى الناقد أنْ يفتش في قلبه و يطهره مِن جميع آثار الهوى , و ما يترتب عليه مِن فساد القلوب , قبل أنْ يبدأ في نقد الآخرين , حتى لا يصبح الحق باطلاً , و الباطل حقاً .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :" فمَن اتبعَ أهواء الناس بعد العلم الذي بعث الله به رسوله و بعد هدى الله الذي بيَّنه لعباده , فهوى بهذه المثابة , و لهذا كان السلف يسمّون أهل البدع , و التفرق المخالفين للكتاب و السنة , أهل الأهواء , حيث قبلوا ما أحبوه , و ردُّوا ما أبغضوه بأهوائهم بغير هدى من الله "
( نقد المنطق ص 154 )
و لهذا أوصى الله – عزّ وجل ّ – نبيَّه داود – عليه السلام – بالحذر مِن الهوى , فقال :" يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض , فاحكم بين الناس بالحق و لا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله "
فإذا وقع الإنسان في الهوى , انقلبت الموازين , و انتكست الأحكام , فلا يعرف معروفاً , و لا يُنكر منكراً,و هذا بابٌ عظيمٌ مِن أبواب الشر, الذي لا يُولّد إلا الظلم و الجور بين العباد , و ما يترتب عليه من التنازع و التقاطع , و التدابر والبغي , فتفرقت الكلمة , و تشتت القلوب , و اختلفت العقائد و المناهج , و أصبحت الأهواء هي التي تتحكم بالمناهج و الآراء و التوجيهات. بل أصبح الولاء و البراء على الأهواء .
و حبّ الذات و الانتصار للنفس و الهوى مع عدم التحري و التثبت من أسباب الاعتداء و الاتهام للآخرين بما ليس فيهم , و هذا عين الظلم .
فالنقد المشروع لابد منه , و هو ضرورة لا يَستغني عنها المسلم , إذا كان مبنيَّا على تمام العدل و الانصاف , مِن التثبت و التحرّي, و عدم الظلم و التشفّي , و التعدي و الانتقام , و حتى يكون مِن باب النصيحة و التقويم المأمور بهما شرعاً , لابد أنْ نرجع إلى منهج السلف بشموله و كماله , لتوجيه طاقات طالب العلم – إذا كان مِن أهل النقد – لتوظيف هذه الطاقات لخدمة هذا الدين , و توجيه المخطئين و المنحرفين عن منهج السلف إلى جادة الحق و الصواب , فنكون بهذا المنهج السلفي قد حققنا الغاية المشروعة مِن النقد , و على المخطئ أنْ يقبل هذا التوجيه بصدر رحب , و ليعلم أنّ قَبول النقد المشروع مِنْ أهله أولى مِن التخبط و التمادي في الانحراف في العقيدة و المنهج , و ما يترتب على ذلك مِن الأخطاء و العواقب الوخيمة مِن فتح لباب الطعن و التشكيك في منهج السلف و أهله , و سببه عدم قَبول النقد المشروع .
فاحذر يا طالب العلم مِن التعالي على مشايخك و إخوانك , و مِن عدم قَبولك للنصيحة و التقويم فتهلك ,فتكون بذلك عقبة في وجه الدعوة إلى الله , و هذا يضعفك و يضعف إخوانك و محبيك , و يقوي شوكة المبغضين و الحاقدين .
و اعلم أنّ قبولك للنصيحة و التقويم , ليس عيباً و ثلباً لك , بل هو مفخرةٌ و منقبة لك , لأنّ الحقَّ أحقُّ أنْ يُتَّبع .
و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
كتبه
سمير المبحوح