المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الصلاة الركن الثاني في الإسلام للشيخ محمد بن عمر بازمول


أبو طيبة محمد مبخوت
01-16-2010, 12:48 PM
1- تعريف الصلاة :
الصلاة في اللغة : الدعاء([1] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn1)).
والصلاة في الشرع : جاءت في القرآن العظيم لفظة "الصلاة" بالمعاني التالية([2] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn2)):
- الصلاة بمعنى الدّعاء بالمغفرة، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {إِنّ اللّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلّونَ عَلَى النّبِيّ يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُواْ صَلّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً} [الأحزاب:43].
فالصلاة من الله المغفرة والرحمة، ومن الملائكة الاستغفار ومن المؤمنين الثناء وطلب المغفرة والرحمة.
ومنها قوله تبارك وتعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [براءة:102].
- الصلاة بمعنى القراءة، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرّحْمَـنَ أَيّاً مَاتَدْعُواْ فَلَهُ الأسْمَآءَ الْحُسْنَى وَلاَتَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء:110].
- الصلاة بمعنى الدِّين، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نّفْعَلَ فِيَ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرّشِيدُ} [هود:87].
- الصلاة بمعنى موضع الصلاة، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ} [الحج:40].
- الصلاة بمعنى الصلاة الشرعية، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة:3].
- الصلاة بمعنى الصلاة الشرعية ليوم الجمعة، ومن ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ إِذَا نُودِيَ لِلصّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة:9].
- الصلاة بمعنى صلاة الجنازة، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلاَتُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة:106].
والمقصود هنا تعريف الصلاة الشرعية، فهي : أقوال وأفعال مفتاحها الطهور تحريمها التكبير وتحليلها التسليم([3] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn3)).
وهذا التعريف مأخوذ من الحديث الوارد عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ"([4] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn4)).
وشرح هذا التعريف :
الأقوال : يدخل فيها قراءة القرآن وأذكار الإستفتاح، والتكبير وأذكار الركوع والرفع منه، والسجود، وأذكار مابين السجدتين، والجلوس للتشهد.
والأفعال : يدخل فيها القيام والركوع والرفع منه، والسجود والجلوس بين السجدتين، ورفع اليدين في تكبير الإحرام وفي تكبيرات الإنتقال، أو عند التسميع، والإشارة بالأصبع في التشهد، وهيئة القدمين في الصف وفي السجود، وبين السجدتين، وفي التشهد.
مفتاحها الطهور : قيد احترازي أخرج كل أقوال وأفعال من جنس ما سبق لا يشترط لها الطهارة فلا تسمى صلاة شرعاً، كسجود التلاوة، وسجود الشكر، والدعاء.
تحريمها التكبير : قيد احترز به عن أي عبادة من جنس ما سبق لكن ليس تحريمها التكبير. والمراد: أنه بالتكبير يدخل المرء في الصلاة ويحرم عليه به الأكل والشرب و كلام الناس والحركة المخرجة له عن هيئة المصلي دون حاجة.
وتحليلها التسليم : قيد أخرج كل عبادة من جنس ما سبق لكن ليس تحليلها التسليم. والمراد: أن المرء إذا سلّم في آخر الصلاة حلّ له ما حرم عليه لمّا كبّر تكبيرة الاحرام ودخل في الصلاة.
2ـ فرض الصلوات الخمس وزمنه.
فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء والمعراج، فكانت خمسين صلاة ثم خففت فصارت خمس صلوات في اليوم والليلة.
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي ثُمَّ أَطْبَقَهُ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ!
قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ ! قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟
قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ.
قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟
قَال: هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى.
حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ !
فَقَالَ لَهُ خَازِنِهَا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُ فَفَتَحَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ.
قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ! فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ .
ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى.
ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ! قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَا يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟
قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً !
قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ!
فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا!
فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ!
فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ
فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ.
فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ!
فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي.
ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ"([5] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn5)).
والصلاة على قسمين : صلاة فرض . وصلاة تطوع.
وصلاة الفرض على قسمين :
أ) صلاة مفروضة بحق الإسلام، وهي الصلوات الخمس في اليوم والليلة.
ب) صلاة مفروضة لسبب، كإلزام العبد نفسه في صلاة النذر.
وصلاة التطوع على قسمين:
أ) صلاة تطوع مقيد، بوصف وهيئة من الشرع. كالسنن الرواتب، وصلاة الضحى، وصلاة الليل والوتر.
ب) صلاة تطوع مطلق، لم يحدها الشرع بوصف أو هيئة، فللمسلم أن يصلي من الليل والنهار ما شاء.
عن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَصِيَامُ رَمَضَانَ . قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"([6] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn6)).
3 ـ أهمية الصلاة وفضلها.
الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام.
عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ"([7] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn7)).
وهي أوّل ما يحاسب عليه العبد.
عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ حَكِيمٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: "خَافَ مِنْ زِيَادٍ أَوْ ابْنِ زِيَادٍ فَأَتَى الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: فَنَسَبَنِي فَانْتَسَبْتُ لَهُ.
فَقَالَ: يَا فَتَى أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا‍‍‍‍‍‍‍.
قَالَ: قُلْتُ: بَلَى رَحِمَكَ اللَّهُ
قَالَ يُونُسُ وَأَحْسَبُهُ ذَكَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ الصَّلَاةُ قَالَ يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ وَعَزَّ لِمَلَائِكَتِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ انْظُرُوا فِي صَلَاةِ عَبْدِي أَتَمَّهَا أَمْ نَقَصَهَا فَإِنْ كَانَتْ تَامَّةً كُتِبَتْ لَهُ تَامَّةً وَإِنْ كَانَ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ قَالَ أَتِمُّوا لِعَبْدِي فَرِيضَتَهُ مِنْ تَطَوُّعِهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَاكُمْ"([8] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn8)).
وقد حظيت في نقلها بالتواتر المعنوي في جملة أحكامها.
- فتقرير أن الصلوات المفروضة بحق الإسلام في اليوم والليلة خمس صلوات.
- وتقرير عدد الركعات في كل صلاة من هذه الصلوات الخمس.
- وتقرير مواقيت الصلوات الخمس على الجملة.
- وتعيين هيئة الصلاة من قراءة وقيام وركوع ورفع منه وسجود وجلوس بين السجدتين وجلوس التشهد، وتكبيرات الانتقال، والتسليم في آخرها.
كل ذلك تواتر تواتراً معنوياً، ليس لأحد أن ينكر شيئاً منه.
وثبوت هذا التواتر في جمهور أحكام الصلاة لا يعني عدم وقوع الخلاف في بعض جزئياتها، وهذا أمر ظاهر لمن عرف الفرق بين التواتر الحقيقي والتواتر المعنوي.
وعليه؛ فلا تشنيع على من بحث في هذه المسائل وقرر فيها ما تبيّن له بالدليل.
ويدلك على صحة ما ذكرته لك ما جاء عن سَالِم قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الدَّرْدَاءِ تَقُولُ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا"([9] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn9)).
قال الحافظ ابن حجر (ت852هـ) : "قوله : "(يصلون جميعا) أي: مجتمعين، وحذف المفعول وتقديره الصلاة أو الصلوات، ومراد أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقص والتغيير إلا التجميع في الصلاة، وهو أمر نسبي لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتم مما صار إليه بعدها، ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدهما وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان، فيا ليت شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان ؟"([10] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn10)).
قلت : فانظر رحمك الله تعالى كيف صار النقص يدخل منذ عصر الصحابة في الصلاة، فكيف يسوغ لمتعالم أن يحتج بفعل الناس لأمر من أمور الصلاة، ويدّعي أن هذا مما تواتر أو تلقاه الخلف عن السلف جيلاً بعد جيل؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‍!
فإن قيل : إذا كان الخلاف يدخل في جملة من المسائل الشرعية في الصلاة وغيرها، وإذا كان المطلوب هو النظر في الدليل ومتابعته، فبماذا يأخذ من لا يحسن النظر في الدليل أمام هذا الخلاف؟
فالجواب : المسلم إذا كان لا يحسن النظر في الدليل؛ فعليه سؤال أهل العلم، واتباع قولهم، بدون تعصب حال السؤال، وبدون هوى حال الاتباع، فيسأل من يثق في علمه وتقواه؛ طلباً للحكم الشرعي، فإذا ما جاءته الفتوى لزمه الاتباع لها، و لا يحق له أن يتركها لغيرها تبعاً لهواه، دون عذر شرعي.
والواجب على كل أحد أن يحرص على معرفة أحكام الشرع التي يحتاج إليها في حياته، لأن الرسول r يقول: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"([11] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn11))، فيتعلم المسلم دينه بالدليل، ويعوِّد نفسه على طلبه وسماعه وتفهُّمه.
وقد قال الله تبارك وتعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاّ رِجَالاً نّوحِيَ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ. بِالْبَيّنَاتِ وَالزّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنِّاسِ مَانُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:43-44]. قوله: {بِالْبَيّنَاتِ} أي: بالحجج والدلائل([12] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn12)).
وهذه الآية تدل على أمور:
منها : أن الناس على قسمين: قسم يعلم وهم أهل الذكر، وقسم لا يعلم.
ومنها : أن وظيفة الذي لا يعلم أن يسأل الذين يعلمون.
ومنها : أن يراعي السائل في سؤاله ما يلي:
أ) أن يكون المسؤول من أهل الذكر.
ب) أن يكون في حال سؤاله طالباً للعلم، وذلك ليرفع عنه الجهل، وهو عدم العلم. فلا يجوز للعامي بعد سؤاله لعالم وسماعه منه الجواب المبني على الدليل، أن يسأل غيره طلباً للرخصة باختلافهما، لأنه بسؤاله للعالم الأوّل انتقل من وصف الذين لا يعلمون.
ج) أن يكون طالباً لجواب السؤال متلبساً بالبينات والزبر، يعني بالأدلة والحجج الواضحة.
هذا هو ما ينبغي أن يحرص عليه المسلم في سؤاله عن ما لا يعلمه من أمور شرعه، مع مراعاة الآداب الشرعية الأخرى.
فإن قيل : العامي الذي يسأل أهل العلم كيف يكون طلبه للجواب متلبساً بالأدلة والحجج الواضحة؟ فالجواب : المقصود أن السائل لا يكون طلبه للجواب على أساس غير الدليل؛ فلا يقول مثلاً: أنا أريد الجواب على مذهب كذا، أو أريد الجواب على طريقة كذا، إنما مذهبه مذهب مفتيه من أهل العلم الموثوق بعلمهم وتقواهم. ثم إن العامي يكلف من الاجتهاد ما يناسب حاله فلا يُطْلب منه ما يطلب من المتبع أو المجتهد، إنما يطلب منه أن يبحث ويجتهد في بحثه عن من يثق بعلمه وتقواه، فاجتهاده وطلبه للدليل من هذه الجهة.
فعلى المسلم أن يسأل من يثق في علمه ودينه، ويتبع قوله في فتياه التي استفتاه فيها، ولا يجعل دينه عرضة للهوى والشهوة، فيسأل أكثر من عالم طلباً لما يهواه ويشتهيه([13] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn13)).
4 ـ على من تجب الصلوات الخمس؟
يجب على كل مسـلم مكلف ذكر أو انثى، حر أو عبد، مقيم أو مسافر، صحيح أو مريض، في سلم أو حرب، يجب عليه أداء خمس صلوات في اليوم والليلة.
وهذه الصلوات الخمس هي الواجبة بحق الإسلام، فما زاد عليها فهو تطوع.
عن طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟
قَالَ لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَصِيَامُ رَمَضَانَ . قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ.
قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ"([14] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn14)).
قال ابن حزم (ت456هـ) رحمه الله: "لاخلاف بين الأمة أن الصلوات الخمس فرض، من خالف ذلك فكافر"([15] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn15)).
خرج بـ قولنا : "مكلف" من لا تكليف عليه، فلاتجب عليه الصلوات الخمس. وهو يشمل الصغير حتى يكبر، والنائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق. كما يشمل من رفع تكليفه مانع، وهو الحيض والنفاس، فالمرأة الحائض والنفساء لا صلاة عليهما لوجود مانع من تكليفهما وعلى هذا الاجماع([16] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn16)).
والدليل على أن لا تكليف على الصغير والمجنون والنائم ما جاء عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ"([17] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn17)).
5ـ "مروا أولادكم بالصلاة لسبع"!
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ"([18] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn18)).
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ابْنَ عَشْرٍ"([19] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn19)).
قال الترمذي (ت279هـ) رحمه الله: "وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَقُ وَقَالَا: مَا تَرَكَ الْغُلَامُ بَعْدَ الْعَشْرِ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ"اهـ([20] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn20)).
قال ابن حزم (ت456هـ) رحمه الله: "يستحب إذا بلغ الصبي سبع سنين أن يدرّب عليها، فإذا بلغ عشر سنين أدب عليها"اهـ([21] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn21)).
6ـ صفة صلاة النبي r.
أسوق مجمل صفة صلاة النبي r كما جاءت في حديث أبي حميد الساعدي t، وكما جاءت في حديث مسيء الصلاة الذي علمه الرسول r كيف يصلي الصلاة.
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ: " أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ
وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ.
فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ.
فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ.
فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى.
وَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْأُخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ" هذا سياق البخاري([22] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn22)).
وأورده أبـو داود بسياق أتم، وروايات متعددة، أسوقها مجمعاً لها:
عن مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو قَتَادَةَ.
قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ!
قَالُوا: فَلِمَ؟ فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ بِأَكْثَرِنَا لَهُ تَبَعًا وَلَا أَقْدَمِنَا لَهُ صُحْبَةً!
قَالَ: بَلَى.
قَالُوا: فَاعْرِضْ!
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ .
ثُمَّ يُكَبِّرُ حَتَّى يَقِرَّ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ مُعْتَدِلًا.
ثُمَّ يَقْرَأُ ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ.
ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ. [وفي رواية عند أبي داود: "وَقَالَ: فَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ كَفَّيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ غَيْرَ مُقْنِعٍ رَأْسَهُ وَلَا صَافِحٍ بِخَدِّهِ"].
ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يَصُبُّ رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ.
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا.
ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الْأَرْضِ فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا وَيَفْتَحُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ إِذَا سَجَدَ وَيَسْجُدُ. [وفي رواية عند أبي داود نَحْوَ هَذَا قَالَ:"فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ الْقِبْلَةَ"].
[وفي رواية عند أبي داود: "قَالَ وَإِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ"].
ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ.
[وفي رواية عند أبي داود قَالَ فِيهِ:"ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ يَعْنِي مِنْ الرُّكُوعِ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَسَجَدَ فَانْتَصَبَ عَلَى كَفَّيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَصُدُورِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ سَاجِدٌ ثُمَّ كَبَّرَ فَجَلَسَ فَتَوَرَّكَ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْأُخْرَى ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَقَامَ وَلَمْ يَتَوَرَّكْ"].
[وفي رواية عند أبي داود: "َقَالَ: فَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ"].
ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ.
ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ.
[وفي رواية عند أبي داود : "قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ لِلْقِيَامِ قَامَ بِتَكْبِيرَةٍ. ثُمَّ رَكَعَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ التَّوَرُّكَ فِي التَّشَهُّدِ"].
ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ.
حَتَّى إِذَا كَانَتْ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ.
قَالُوا: صَدَقْتَ! هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"
وفي رواية عند أبي داود : "عن عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ قَالَ: اجْتَمَعَ أَبُو حُمَيْدٍ وَأَبُو أُسَيْدٍ وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَذَكَرُوا صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَبُو حُمَيْدٍ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ بَعْضَ هَذَا.
قَالَ: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَتَجَافَى عَنْ جَنْبَيْهِ.
قَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى فَرَغَ.
ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ"([23] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn23)).
وأمّا حديث مسيء الصلاة، فإن له روايتين، إحداهما عن أبي هريرة t، والأخرى عن رفاعة بن رافع t.
وسأسوق رواية أبي هريرة كما في صحيح البخــاري([24] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn24))، مضيفاً إليها الزيادات من رواية أبي داود([25] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn25)).
ثم أسوق رواية رفاعة tكما في سنن أبي داود([26] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn26))، محمعاً روايته بعضها إلى بعض:
حديث مسيء الصلاة رواية أبي هريرة t:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : "أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ.
فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ سَلَّمَ فَقَالَ: وَعَلَيْكَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ. قَالَ: فِي الثَّالِثَةِ فَأَعْلِمْنِي !
[وفي رواية أبي داود: "فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا فَعَلِّمْنِي"]
قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ .
ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ .
ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا .
ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا .
ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا .
ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِسًا .
ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا .
ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا .
ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا"
[وفي رواية عند أبي داود: "فَإِذَا فَعَلْتَ هَذَا فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُكَ وَمَا انْتَقَصْتَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَإِنَّمَا انْتَقَصْتَهُ مِنْ صَلَاتِكَ"].
حديث مسيء الصلاة رواية رفاعة t:
عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ عَنْ عَمِّهِ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ... فَذَكَرَ نَحْوَ حديث أبي هريره.
قَالَ فِيهِ : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةٌ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ فَيَضَعَ الْوُضُوءَ يَعْنِي مَوَاضِعَهُ.
[وفي رواية : "فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ"].
ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ اللَّهَ جَلَّ وَعَزَّ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ.
[وفي رواية: "إِذَا قُمْتَ فَتَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَبِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ"].
[وفي رواية: "فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ ثُمَّ كَبِّرْ فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ بِهِ وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ"].
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَرْكَعُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ .
[وفي رواية: "وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ وَامْدُدْ ظَهْرَكَ".]
ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا .
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ .
[وفي رواية: "وَقَالَ إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ لِسُجُودِكَ فَإِذَا رَفَعْتَ فَاقْعُدْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى"].
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا .
ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ يَسْجُدُ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ .
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيُكَبِّرُ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ"
[وفي رواية: "ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْجُدَ فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ. قَالَ هَمَّامٌ: وَرُبَّمَا قَالَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ وَتَسْتَرْخِيَ ثُمَّ يُكَبِّرَ فَيَسْتَوِيَ قَاعِدًا عَلَى مَقْعَدِهِ وَيُقِيمَ صُلْبَهُ فَوَصَفَ الصَّلَاةَ هَكَذَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ حَتَّى تَفْرُغَ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ"].
[وفي رواية: "فَإِذَا جَلَسْتَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَاطْمَئِنَّ وَافْتَرِشْ فَخِذَكَ الْيُسْرَى ثُمَّ تَشَهَّدْ ثُمَّ إِذَا قُمْتَ فَمِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِكَ"].
[وفي رواية: "وَإِنْ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شَيْئًا انْتَقَصْتَ مِنْ صَلَاتِكَ"]([27] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn27)).
7ـ "صلوا كما رأيتموني أصلي"
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ.
قَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ"([28] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn28)).
هذا الحديث جاءت فيه كلمة الرسول r : "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي"، والسؤال هنا: كيف تفهم هذه الكلمة منه r ؟
والجواب على هذا السؤال يفهم - إن شاء الله تعالى - من خلال النقاط التالية، التي أبين فيها بعضاً من قواعد الاستدلال في كيفية فهم دلالة النصوص الواردة في صفة صلاة النبي r :
الأولى : المنقول إلينا في حكاية أفعال الرسول r في الصلاة إنما هو بيان لقوله تبارك وتعالى: {وأقيموا الصلاة} [البقرة:43]، والقاعدة الأصولية تنص على أن ما كان من أفعال الرسول r بياناً للكتاب فهو متمم له، ويكون حكم فعله r كحكم ما بيَّنه([29] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn29)).
ولمّا كانت الصلاة واجبة، فالأصل أن جميع أفعاله r المنقولة إلينا في بيان كيفية الصلاة واجبة كذلك، لأن بيان الواجب واجب، وأكّد هذا قوله r: "صلوا كما رأيتموني اصلي"؛ وذلك ما لم تأت قرينة صارفة عن الوجوب.
وهذا أولى من القول: إن كل ما جاء عن مـالك بن الحويرث في صفة صلاته r أو عن أحد من رفقته محمول على الوجوب حتى يتبين خلافه، لأنهم هم الذين وجه إليهم الرسول r كلمته تلك!
ووجه الأولوية هو أن الأصل العموم المستفاد من اللفظ، وهو ما دلّ عليه خطابه العام: "صلوا كما رأيتموني أصلي". وبالتفسير الذي قدّمته وذكرت أنه الأولى، وبملاحظة القيد في آخره، أعني قولي: "مالم تأت قرينة صارفة"، يصير معنى هذا الحديث : خذوا صفة الصلاة التي رأيتموني أصليها، وتعلموا منها ما يكون على الوجوب أو الاستحباب أو الركنية.
فما جاءنا من صفة الصلاة ولم يأت ما يصرفه فالأصل أنه على الوجوب.
الثانية : كل ما داوم عليه r من أفعال الصلاة وأقوالها فالأصل أنه على الوجوب، ما لم يأت ما يدل على أنه r تركه ولو مرة واحدة فيحمل على الاستحباب.
الثالثة : النصوص التي تسكت فلا تنفي صراحة و لا تثبت صراحة فعل الرسول لأمر في الصلاة ثبت في نص آخر أمره به أو فعله له r، لا تصلح أن تكون دليلاً على عدم المداومة منه r عليه، لاحتمال أن الصحابي إنما حكى من صفة صلاة النبي r ما استدعت الحاجة حكايته، أو لأمر آخركاختصار في الرواية، أو أن الصحابي لم يتنبه إلى هذا الفعل منه r، وعلى هذا فلا دلالة في مجرد سكوت النص عن ذكر هذا الفعل على عدم المداومة منه r على فعله!
الرابعة : النصوص التي تثبت صراحة فعل أو قول في الصلاة من الرسول r، إذا جاء في نص آخر نفيه صراحة دل ذلك على عدم وجوب هذا القول أو الفعل، لأن تركه r له أحياناً دليل على عدم وجوبه.
أمّا لو جاء في نصوص أخرى ذكر فعل أو قول غيره عنه r؛ فإنه يكون من باب اختلاف التنوع.
الخامسة : كل ما رواه مـالك بن الحويرث t عن صفة الصلاة مما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليه، وقال له r ولمن معه: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، لا يقال فيه أنه مما فعله r بسبب كِبر سنه وثقله، لأن مـالك بن الحويرث يقول: " أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ"؛ فلو كان الفعل الذي فعله الرسول r في الصلاة لم يكن من سنن الصلاة، للزم على الرسول r بيانه، وكان سكوته عن بيانه من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز.
السادسة : ما ورد عن الصحابة في صفات أو هيئات الصلاة الأصل أنه مرفوع، إذ العبادات توقيفية ولا يعقل أن الصحابي يفعل شيئاً في الصلاة بدون أصل؛ وعليه يصلح الاستدلال بما جاء عن الصحابة في هيئات الصلاة.
ومن ذلك الاستدلال بما صح عن الصحابة في أنهم لم يكونوا يفعلون جلسة الاستراحة على أن جلسة الاستراحة ليست واجبة، لأن الظاهر أن الرسول كان يفعلها أحياناً ويتركها أحياناً، والصحابة الذين لم يكونوا يفعلونها إنما كان ذلك منهم بناء على أنهم لم يروا الرسول r يفعلها.
السابعة : حديث مسيء الصلاة كثر استدلال الفقهاء به. وأحوال الاستدلال به لا تخرج عن ما يلي:
1ـ إمّا أن يستدل به على وجوب ما ذكر فيه.
2ـ وإمّا أن يستدل به على عدم وجوب ما لم يذكر فيه.
3ـ وإمّا أن يستدل به على عدم تحريم فعل ما لعدم ذكر أحد أضداده في هذا الحديث، على القول بأن النهي عن الشيء يتضمن الأمر بأحد أضداده.
هذه هي الأحوال التي تنتج عند التأمل، وسنسبرها قسماً قسماً، فيما يلي:
أمّا الاستدلال بحديث المسيء صلاته على وجوب ما ذكر فيه، فقد قرّره ابن دقيق العيد (ت702هـ) رحمه الله بقوله: "أمّا وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به"اهـ([30] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn30)).
يشير بذلك إلى أن الرسول r أمر الرجل بإيقاع الصلاة على هذا الوصف الذي علّمه إيّاه، وهذا كاف في إيجاب ما ذكر فيه. ومحله إذا لم تأت قرينة صارفة.
أمّا الاستدلال بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب ما لم يذكر فيه، فقد قرّره ابن دقيق العيد بقوله: "أمّا عدم وجوب غيره، فليس ذلك بمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل الأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذُكر. ويقوي مرتبة الحصر أنه r ذكر ما تعلّقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم يتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط"اهـ([31] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn31)).
قلت : وهذا التقرير الذي ذكره ابن دقيق العيد لما جرى عليه بعض الفقهاء من الاستدلال على عدم وجوب ما لم يذكر في حديث مسيء الصلاة، محل نظر، وذلك لما يلي:
إذا ورد أمر زائد على ما في حديث مسيء الصلاة، وكان وروده بصيغة الأمر؛ هل يصلح الحديث قرينة صارفة من الوجوب إلى الاستحباب؟
الجواب يحتاج إلى تفصيل؛ فإن صيغة الأمر الواردة بأمر زائد على ما في حديث مسيء الصلاة:
إمّا أن تكون متقدمة في التاريخ على حديث مسيء الصلاة.
وإمّا أن تكون متأخرة عنه.
وإمّا أن تكون غير معلومة التاريخ.
ففي الحال الأولى يصلح حديث مسيء الصلاة لصرف صيغة الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، بناء على التقرير السابق، وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان ... الخ وهذا اختيار الشوكاني([32] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn32)).
إلا أنه يمكن أن يقال: إن الحديث غايته أن يكون سكت عن بيان بعض الواجبات، لعلم المسيء لها بالضرورة، وأنه إنما علمه ما أساء فيه، وهو لم يسئ في هذا الأمر الذي وردت به صيغة الأمر، وهي وإن كانت متقدمة عليه في التاريخ، إلا أنها أرجح في الدلالة، فلا يصلح الحديث لصرفها عن الوجوب.
قال ابن قيم الجوزية (ت751هـ) رحمه الله: "وأمّا كون النبي r لم يعلمه المسيء في صلاته؛ فما أكثر ما يُحتج بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة؛ و لا تدل! لأن المسيء لم يسئ في كل جزء من الصلاة... وأيضاً؛ فلو قُدِّر أنه أساء فيه؛ لكان غاية ما يدل عليه ترك التعليم: استصحاب براءة الذمة من الوجوب، فكيف يُقدّم على الأدلة الناقلة لحكم الاستصحاب؟!"اهـ([33] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn33)).
قلت: وهذا يقوّي العمل بالأمر على حقيقته وعدم صلاحية حديث المسيء في صلاته لصرفه عن الوجوب، وإن كان متقدِّماً عليه في التاريخ، وهذا هو اختيار ابن دقيق العيد، فإنه بعد أن قرر استدلال بعض الفقهاء بالحديث على عدم وجوب ما لم يذكر فيه، عاد فقال:
"وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر فالمقدّم صيغة الأمر به، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب.
لكن عندنا أن ذلك أقوى؛ لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد ثمة أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول r يدل على عدم الوجوب؛ فإنه موضع البيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية.
وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذكر، أو: بأن الأصل عدمه.
وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب، وأيضاً فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة فيُعمل بها.
وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب([34] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn34))، الذي هو ظاهر فيها. والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح"اهـ([35] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn35)).
قلت : هكذا أطلق ابن دقيق العيد كلامه بترجيح تقديم صيغة الأمر إذا جاءت بزيادة على ما في حديث المسيء في صلاته، دون تفصيل بين زمن صيغة الأمر هذه هل هو بعده أو قبله. وهو - إن شاء الله تعالى - بحث دقيق من ابن دقيق العيد.
والحاصل : أننا أمام رأيين، وهما:
أحدهما : يرى أن حديث مسيء الصلاة يصلح صارفاً للأمر الوارد بزيادة على ما في حديث المسيء في صلاته، إذا كان تاريخ هذا الأمر متقدِّماً على تاريخ حديث المسيء، على اعتبار أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر.
والآخر : يرى أن حديث المسيء في صلاته لا يصلح صارفاً للأمر الوارد بزيادة على ما في حديث مسيء الصلاة، وإن كان تاريخ هذا الأمر متقدِّماً على تاريخ حديث المسيء في صلاته، على اعتبار أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذكــر، أو: الأصل عدمه، فعدم الذكر في الرواية لا يدل على عدم الذكر في نفس الأمر. وهذه المقدمة عندهم أضعف من دلالة الأمر على الوجوب، وأيضاً فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة فيُعمل بها.
والذي يترجح - عندي والله اعلم - هو هذا الرأي الثاني؛ إذ أنه لا شك - عندي - في عدم اشتمال الحديث على كثير من الواجبات المقررة في صفة الصلاة منذ مشروعيتها، ثم إن تاريخ حديث المسيء صلاته لم يتحرر لدي([36] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn36))، كما أن البحث الذي ذكره ابن دقيق العيد في غاية التحقيق، والله اعلم.
أمّا في الحال الثانية؛ وهي الحال التي يُعلم فيها تأخر زمن صيغة الأمر بزائد على مافي حديث المسيء في صلاته، فهنا لا يصلح حديث المسيء صلاته لصرف صيغة الأمر الواردة بأمر زائد من الوجوب إلى الندب؛ لأن الأخذ بالزائد فالزائد واجب، ولأن الحديث الذي جاء بصيغة الأمر إثبات لزيادة فيُعمل بها. و لا يصلح القول بقصر الواجبات على ما في حديث المسيء؛ لأن هذا يلزم منه القول بوجوب كثير من الواجبات، كالتشهد والسلام و هذا لايقوله أحد أعني: لا يقول أحد بعدم وجوب مجموع هذه الأمور لأنها لم تأت في حديث المسيء في صلاته!
قال الشوكاني (ت1250هـ) رحمه الله: "إذا جاءت صيغة أمر قاضية بوجوب زائد على ما في هذا الحديث - يعني: حديث مسيء الصلاة - ... وإن كانت متأخرة عنه؛ فهو غير صالح لصرفها؛ لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتاً فوقتاً، وإلا لزم قصر الواجبات الشرعية على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره، أعني: الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين؛ لأن النبي r اقتصر عليها في مقام التعليم والسؤال عن جميع الواجبات، واللازم باطل فالملزوم مثله"اهـ([37] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn37)).
أما في الحال الثالثة، وهي التي لا يُعلم فيها زمن صيغة الأمر الواردة بأمر زائد على ما في حديث مسيء الصلاة، فالأحوط الأخذ بالأمر الزائد والالتزام به، لأن الأصل بقاء الأمر على الوجوب، والله اعلم.
وقد يقال : بل يجب الأخذ بالأمر الزائد على سبيل الوجوب لا الاحتياط، وذلك إذا ورد بصيغة الأمر؛ لأن دلالة الحديث على عدم وجوب ما لم يُذكر فيه، حتى وإن ظهر الأمر الوارد بصيغة الأمر متقدِّم على الحديث في التاريخ، دلالة أضعف من دلالة صيغة الأمر على الوجوب، إذ تلك الدلالة مبنية على كونه لم يذكر في نفس الأمر ... الخ البحث السابق، فإذا كان هذا ونحن نعلم أن زمن صيغة الأمر قبل حديث المسيء الصلاة، فمن باب أولى إذا لم نعلم زمن الصيغة أصلاً!
و لا يقال هنا: إن الأصل براءة الذمة وعدم الوجوب([38] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn38))، لأن هذا متعقب بأن الأصل براءة الذمة مالم يأت ما يشغلها، أما وقد جاءت هذه الصيغة الآمرة بفعل أمر ما زائد على ما في حديث المسيء صلاته؛ فإن الذمة ما عادت خالية، بل شُغِلت بتحصيل حكم هذا الأمر، وهو الوجوب!
ولابن قيم الجوزية (ت751هـ) رحمه الله تحقيق ماتع يرد فيه على من يستدل بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب ما لم يذكر فيه مطلقاً، إذ يقول عليه رحمة الله: "وجوابه من وجوه:
أحدها: إن حديث المسيء هذا قد جعله المتأخرون مستنداً لهم في نفي كل ما ينفون وجوبه، وحمّلوه فوق طاقته، وبالغوا في نفي ما اختلف في وجوبه به.
فمن نفى وجوب الفاتحة احتج به.
ومن نفى وجوب التسليم احتج به.
ومن نفى وجوب الصلاة على النبي r احتج به.
ومن نفى وجوب تكبيرات الانتقال احتج به.
كل هذا تساهل واسترسال في الاستدلال، وإلا فعند التحقيق لا يُنْفى وجوب شيء من ذلك، بل غايته أن يكون قد سُكِت عن وجوبه ونفيه. فإيجابه بالأدلة الموجبة له يكون معارضاً به؟!
فإن قيل : سكوته عن الأمر بغير ما أمره به يدل على أنه ليس بواجب؛ لأنه مقام البيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز.
قيل : هذا لايُمْكن أحد أن يستدل به على هذا الوجه، فإنه يلزمه أن يقول: لايجب التشهد. و لا الجلوس له. و لا السلام. و لا النية. و لا قراءة الفاتحة. و لا كل شيء لم يذكره في الحديث. وطرْد هذا أنه لا يجب عليه استقبال القبلة، و لا الصلاة في الوقت؛ لأنه لم يأمره بهما، وهذا لا يقوله أحد([39] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn39)).
فإن قلتم : إنما علّمه ما اساء فيه، وهو لم يسئ في ذلك!
قيل لكم : فاقنعوا بهذا الجواب من منازعيكم في كل ما نفيتم وجوبه بحديث المسيء هذا.
الثاني : ما أمر به النبي r من أجزاء الصلاة دليل ظاهر في الوجوب، وترك أمره للمسيء به يحتمل أموراً:
منها : أنه لم يسئ فيه.
ومنها : أنه وجب بعد ذلك.
ومنها : أنه علّمه معظم الأركان وأهمها، وأحال بقية تعليمه على مشاهدته r في صلاته، أو على تعليم بعض الصحابة له، فإنه r كان يأمرهم بتعليم بعضهم بعضاً، فكان من المستقر عندهم أنه دلّهم في تعليم الجاهل وإرشاد الضال، وأي محذور في أن يكون النبي r علّمه البعض وعلّمه أصحابه البعض الآخر؟
وإذا احتمل هذا لم يكن هذا المشتبه المجمل معارضاً لأدلة وجوب الصلاة على النبي r و لا غيرها من واجبات الصلاة؛ فضلاً عن أن يقدّم عليها، فالواجب تقديم الصريح المحكم على المشتبه المجمل، والله اعلم"اهـ([40] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn40)).
أمّا الاستدلال بحديث المسيء في صلاته على عدم تحريم فعل ما لعدم ذكر أحد أضداده فيه، فقد قرّر ابن دقيق العيد الاستدلال به على هذا بقوله رحمه الله: "وكل موضع اختلف في تحريمه فلك أن تستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه؛ لأنه لو حُرِّم لوجب التلبس بضده، فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجباً لذُكر على ما قررناه، فصار من لوازم النهي الأمر بالضد، ومن لوازم الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فإن انتفى ذكره أعني: الأمر بالتلبس بالضد، انتفى ملزومه، وهو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه وهو النهي عن ذلك الشيء"اهـ([41] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn41)).
قلت : وهذا التقرير محل بحث.
يقال : أولا: هل هذه القاعدة الأصولية محل اتفاق أن النهي عن شيء يتضمن الأمر بأحد اضداده؟
قال الصنعاني رحمه الله: "هذه مسألة خلاف في الأصول، دقيقة الذيول، ذهب إلى القول بها أئمة من الفحول، وخالفهم أئمة والكلام فيها يطول"اهـ([42] (http://www.uqu.edu.sa/page/ar/59625#_ftn42)).
فإذا كان الأمر كذلك فكيف تُساق هنا مساق المسلمات؟!
ثانياً : إذا ورد نهي عن أمر ما في الصلاة لم يرد في حديث المسيء صلاته أمر بأحد اضداده، هل يقال بإلغاء النهي وعدم العمل به؟
الجواب هنا يحتاج إلى البحث السابق فيما لو جاء أمر زائد على ما في حديث المسيء صلاته بصيغة الأمر، فارجع إليه.

([1]) معجم مقاييس اللغة (3/300)، القاموس المحيط (1/355).
([2]) انظر نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص393-396.
([3]) وقد قيل في العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي : إن الصلاة سميت صلاة لما فيها من الدعاء.
وقيل : إن أصل اللفظة من "الصلا" وهو وسط الظهر منا ومن كل ذي أربع. أو هو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة والذنب، أو ما عن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، جمعها صلوات، وأصلاء. القاموس المحيط (1/355)، وكأن الإنسان لمّا كان في صلاته المشروعة يحرِّك صلويه سُمِّي فعله هذا صلاة.
وقيل : إن الصلاة مأخوذة من الصلي بالنار، تقول: صليت العود بالنار إذا لينته، سميت صلاة لأن المصلي يلين ويخشع.
([4]) حديث حسن، سبق تخريجه.
([5]) حديث صحيح.
أخرجه البخـاري في كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الاسراء، حديث رقم (349)، واللفظ له، ومسلم في كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله إلى السماوات وفرض الصلوات، حديث رقم (163).
([6]) حديث صحيح.
أخرجه البخـاري في كتاب الإيمان باب الزكاة من الإسلام، حديث رقم (46)، ومسلم في كتاب الإيمان باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، حديث رقم (11).
([7]) حديث صحيح.
أخرجه البخـاري في كتاب الإيمان باب بني الاسلام على خمس، حديث رقم (8)، واللفظ له، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، حديث رقم (16).
([8]) حديث صحيح.
أبـوداود في كتاب الصلاة باب قول النبي كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه، حديث رقم (864).
وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/163-164)، وقال محقق جامع الأصول (10/435): "هو حديث صحيح".
وأخرجه من طريق الحسن عن حريث عن أبي هريرة، الترمـذي في كتاب الصلاة باب ما جاء أن أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، حديث رقم (413)، والنسائي في كتاب الصلاة باب المحاسبة على الصلاة حديث رقم (465)، وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة باب ما جاء في أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة حديث رقم (1425). ونص الحديث كما عند الترمذي: "عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حُرَيْثِ بْنِ قَبِيصَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا! قَالَ: فَجَلَسْتُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي جَلِيسًا صَالِحًا فَحَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ! فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ".
والحديث قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي (ت279هـ) رحمه الله: "حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ"، وقال محقق جامع الأصول: (10/434): "هو حديث صحيح بشواهده".
([9]) أثر صحيح الإسناد.
أخرجه البخـاري في كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، تحت رقم (650).
([10]) فتح الباري (2/138)، وانظر إغائة اللهفان (1/205-207).
([11]) حديث صحيح لغيره.
أخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن حديث رقم (224)، عن أنس t، وانظر حاشية السندي على سنن ابن ماجه (1/99).
([12]) تفسير ابن كثير (2/570).
([13]) الموافقات (4/133)، إرشاد الفحول ص271.
([14]) حديث صحيح. سبق تخريجه قريباً.
([15]) المحلى (2/228).
([16]) المحلى (2/233).
([17]) حديث صحيح لغيره.
أخرجه النسـائي في كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، حديث رقم (3432)، وابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم (2041)، وابن حبــان (الإحسان 1/355 حديث رقم 142).
ومن حديث علي بن أبي طالب t، أخرجه أبـوداود في كتاب الحدود باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً، حديث رقم (4399)، وابن ماجـه كتاب الطلاق باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، حديث رقم (2042)، وابن حبـان (الإحسان 1/356، حديث رقم 143).
والحديث صححه ابن حبان، وحسن إسناده محقق الإحسان عن عائشة رضي الله عنها، وقال عن طريق علي بن أبي طالب t: إسناده رجاله ثقات رجال مسلم.
([18]) حديث صحيح لغيره.
أخرجه أبـوداود في كتاب الصلاة باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم (495)، والحاكم (1/197).
والحديث صححه الحاكم، و صححه لغيره الألباني في إرواء الغليل (1/266)، ويقويه ويرقيه إلى مرتبة الصحة حديث سبرة بعده.
([19]) حديث صحيح لغيره.
أخرجه أبـوداود في كتاب الصلاة باب متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث رقم (494)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث رقم (407)، والدارمي في كتاب الصلاة، باب متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث رقم (1431)، والحاكم في المستدرك (1/201).
قَالَ أَبُو عِيسَى التـرمذي رحمه الله: "وَسَبْرَةُ هُوَ ابْنُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيُّ وَيُقَالُ هُوَ ابْنُ عَوْسَجَةَ".
والحديث قَالَ أَبُو عِيسَى الترمذي (ت279هـ): "حَدِيثُ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وصححه الحاكم، وصححه لغيره الألباني في الإرواء (1/266).
([20]) سنن الترمـذي كتاب الصلاة، باب ماجاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، عقب الحديث رقم (407).
([21]) المحلى (2/232).
([22]) أخرجه البخـاري في كتاب الأذان باب سنة الجلوس في التشهد، حديث رقم (828).
وقد أفردت رسالة في حديث أبي حميد الساعدي في صفة صلاة النبي r بجمع طرقه وزياداته،، ومعه حديث المسيء صلاته بتجميع طرقه وزياداته، من مطبوعات دار الهجرة.
([23]) أخرج هذه الروايات أبـوداود في كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، حديث رقم (730)، وهذه الألفاظ في مرتبة القبول، ويراجع لسياق حديث أبي حميد برواياته في كتب السنة، الرسالة المشار إليها قبل قليل في التعليق السابق.
([24]) أخرجه البخـاري في مواضع، واللفظ الذي أوردته هو ما أخرجه في كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حدّث ناسياً في الأيمان، حديث رقم (6667)، وأخرجه مسلـم في كتاب الصلاة باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم (397).
([25]) في السنن كتاب الصلاة، باب صلاة من لم يقيم صلبه في الركوع والسجود، حديث رقم (856).
([26]) في السنن كتاب الصلاة، باب صلاة من لم يقيم صلبه في الركوع والسجود، حديث رقم (856).
([27]) قد أفردت جزءاً جمعت فيه طرق وروايات حديث مسيء الصلاة، سميته حديث المسيء صلاته بتجميع طرقه وزياداته"، من مطبوعات دار الهجرة، فمن شاء الاستزادة في جمع الروايات والزيادات فليراجعه.
([28]) حديث صحيح.
أخرجه البخـاري في كتاب الأذان باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة، الحديث رقم (631)، واللفظ له، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب من أحق بالإمامة، حديث رقم (674)، دون قوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
([29]) أفعال الرسول r ودلالتها على الأحكام ص164-166.
([30]) إحكام الأحكام (2/2).
([31]) إحكام الأحكام (2/2-3).
([32]) نيل الأوطار (2/298).
([33]) تهذيب تهذيب سنن أبي داود (1/51) باختصار.
([34]) قال الصنعاني في العدة حاشية إحكام الإحكام (2/365): "وكون صيغة الأمر للإيجاب هو المختار للجماهير في الأصول، لأدلته المتقررة هنالك"اهـ
([35]) إحكام الأحكام (2/4-5).
([36]) صرّحت بعض الروايات أن هذا المسيء هو خلاد بن رافع الزرقي، كما في ترجمته في "الإصابة" (1/453-454). وقد اختلف في تاريخ وفاة خلاد:
فذكر ابن الكلبي رحمه الله أن خلاداً قُتل ببدر، ولم يذكره في شهداء البدريين غيره.
وقال أبوعمر ابن عبدالبر النمري (ت463هـ) رحمه الله، في الاستيعاب (1/416): "يقولون إن له رواية"اهـ
وقال ابن الأثير رحمه الله في أسد الغابة (2/141) معلقاً على عبارة ابن عبدالبر: "وهذا يدل على أنه عاش بعد النبي r"اهـ
قال ابن حجر (ت852هـ) رحمه الله في الإصابة (1/454): "فخرج من هذا أن خلاداً هو المسيء صلاته، وأن رفاعة أخاه هو الذي روى الحديث، فإن كان خلاد استشهد ببدر فالقصة كانت قبل بدر فنقلها رفاعة، والله اعلم"اهـ
([37]) نيل الأوطار (2/298-299).
([38]) كما قال الشوكاني في نيل الأوطار (2/299).
([39]) قد ورد في حديث المسيء في صلاته ذكر بعض هذه المذكورات، كما يُعلم من مراجعة الرسالة التي أفردتها في حديث المسيء صلاته بتجميع طرقه وزياداته، من مطبوعات دار الهجرة. فلا يصلح الاستدلال بالحديث على هذه الطريقة في نفي وجوب هذه الأمور جميعها، وإنما أوردها الإمام ابن القيم جرياً على ما وقف عليه من روايات للحديث، والله اعلم.
([40]) جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام ص206-207.
([41]) إحكام الأحكام (2/3).
([42]) العدة حاشية إحكام الأحكام (2/361).

محمد حمادو السوقي
01-16-2010, 04:45 PM
بارك الله فيك وأجزل لك المثوبة

أبو طيبة محمد مبخوت
05-03-2010, 06:21 PM
وفيك بارك الله ، وأحسن إليك .

رائد علي أبو الكاس
05-04-2010, 09:35 PM
بارك الله فيك