أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
04-03-2009, 09:17 PM
يجوز لحاكم البلاد أو رئيس الدّولة أن يأمر رعيته بالعفو في الدماء.
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران 102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عن أنس بن مالك قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رُفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر بالعفو)(1).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (...ومن قتل له قتيل؛ فهو بخير النَّظَرَيْن: إما أن يعقل وإما أن يُفدى)(2).
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل له قتيل عمدا، دفع إلى أولياء المقتول، وإن شاءوا أخذوا الدّية...)(3).
وعن أنس بن مالك قال: أَتى رجل بقاتل وليِّه إلى رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اعفُ)، فأبى، فقال: (خُذ أَرشَك)، فأبى، قال: (اذهب فاقتله فإنّك مثله)، قال: فلحق به، فقيل له: إن رسول الله قد قال: (اقتله فإنك مثله)، فخلى سبيله. قال: فرئي يجر نِسعته ذاهبا إلى أهله، قال: كأنه قد كان أوثقه)(4).
وعن أنس: أنّ الرّبيّع عمّته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الإرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النّضر: يا رسول الله؛ أتكسر ثنيّة الرُّبيع؟ لا والذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أنس، كتاب الله القصاص)، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)(5).
قال شيخ الإسلام رحم الله: (..من توهم أنّه بالعفو يسقط حقه أو ينقص؛ غالط، جاهل، ضال، بل بالعفو يكون أجره أعظم، فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذلّ، ويحصل للظالم عزّ واستطالة عليه، فهو غالط في ذلك، كما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي أنه قال: (ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: مازاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، فبيّن الصادق المصدوق: أن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزا، وأنه لا تنقص صدقة من مال، وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا ردّ لما يظنه من يتبع الظن، وما تهوى الأنفس من أن العفو يذله، والصدقة تنقص ماله، والتواضع يخفضه)(6).
وقال الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن مُعمّر رحمه الله رادا على نصراني زعم أن دينهم جاء بالأمر بالإحسان والصبر على المبغض لهم، بخلاف الإسلام فقد أُمِر أتباعُه بالقصاص وأخذ الثأر: (الجواب وبالله التوفيق: إنّ الذي شرعه الله للمسلمين في هذا الباب أكمل وأجلّ مما عند غيرهم؛ فإنّه تعالى أذِن لهم في القصاص من المعتدي، وجعله حقا واجبا للمظلوم، وشرع التمكين له من أخذ حقه، ولم يوجب ذلك عليه، بل ندبه إلى الفضل والصبر.
فقال تعالى : [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ] [النحل126-127]، وقال تعالى: [وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] [الشورى 40-43].
فشرع تعالى العدل، وهو القَصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، ووعد عليه الأجر، ولهذا قال: [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ]؛ أي: لا يضيع ذلك عنده.
وقال تعالى: [وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النور 22].
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما زاد اللهُ عبدا بعفو إلا عزا)(7)، في أحاديث كثيرة في الترغيب في العفو والحثّ عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم أولَ متصفٍ بهذا الوصف الجميل، ولا خفاء عند نقلة أخباره بما يُؤثَر من حِلمه واحتماله وعفوه.
كما عفا صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل ليقتلوه، فلما قدر عليهم عفا عنهم مع قدرته على الانتقام(8).
وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وهو في يده سلطا فقال: من يمنعك مني؟ قال صلى الله عليه وسلم: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فأتى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس(9).
وعفا أيضا عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، ولم يعرض له، ولا عاتبة مع قدرته عليه(10).
وكذلك عفوه عن المرأة اليهودية، وهي زينب أخت مرحب اليهودي التي سمّت الذراع يوم خيبر، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها، فاعترفت، فقال: ما حملكِ على ذلك؟ فقالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك(11).
ولكن لما مات بشر بن البراء من أكله تلك الشاة المسمومة قتلها به. والأخبار بحلمه واحتماله وعفوه كثيرة جدا)(12).
قال الشوكاني رحمه الله النيل (7/30): (والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة، ونصوص القرآن الكريم، ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة).
وللحديث بقية.....
ــــــــــــــ
الهامش:
(1)صحيح أخرجه الإمام أبو داود وغيره.
(2)أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
(3)حسن: أخرجه ابن ماجه.
(4) صحيح: أخرجه ابن ماجه.
(5) أخرجه الإمام البخاري (برقم 2703-4500)، ومسلم (برقم1675) مع شيء من الاختلاف.
(6) مجموع الفتاوى (30/368).
(7) أخرج الإمام مسلم في صحيحه.
(8) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
(9) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (برقم 4135 كتاب المغازي) من طريق الزهري عن سنان بن أبي سنان الدّؤَلي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقضت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك منّي؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس) ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (برقم843).
(10) أخرجه البخاري في صحيحه (برقم 5763).
(11) أخرجه البخاري في صحيحه (برقم 3169 كتاب الجزية).
(12) منحة القريب المجيب في الردّ على عبّاد الصليب (2/665-666).
وكتبه/ أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبدُه ورسوله.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ] [آل عمران 102].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً] [النساء:1].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً] [الأحزاب:70-71].
أما بعد: فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
عن أنس بن مالك قال: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رُفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر بالعفو)(1).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (...ومن قتل له قتيل؛ فهو بخير النَّظَرَيْن: إما أن يعقل وإما أن يُفدى)(2).
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل له قتيل عمدا، دفع إلى أولياء المقتول، وإن شاءوا أخذوا الدّية...)(3).
وعن أنس بن مالك قال: أَتى رجل بقاتل وليِّه إلى رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (اعفُ)، فأبى، فقال: (خُذ أَرشَك)، فأبى، قال: (اذهب فاقتله فإنّك مثله)، قال: فلحق به، فقيل له: إن رسول الله قد قال: (اقتله فإنك مثله)، فخلى سبيله. قال: فرئي يجر نِسعته ذاهبا إلى أهله، قال: كأنه قد كان أوثقه)(4).
وعن أنس: أنّ الرّبيّع عمّته كسرت ثنية جارية، فطلبوا إليها العفو فأبوا، فعرضوا الإرش فأبوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا القصاص، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص، فقال أنس بن النّضر: يا رسول الله؛ أتكسر ثنيّة الرُّبيع؟ لا والذي بعثك بالحقّ لا تكسر ثنيّتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أنس، كتاب الله القصاص)، فرضي القوم فعفوا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)(5).
قال شيخ الإسلام رحم الله: (..من توهم أنّه بالعفو يسقط حقه أو ينقص؛ غالط، جاهل، ضال، بل بالعفو يكون أجره أعظم، فكذلك من توهم أنه بالعفو يحصل له ذلّ، ويحصل للظالم عزّ واستطالة عليه، فهو غالط في ذلك، كما ثبت في الصحيح وغيره عن النبي أنه قال: (ثلاث إن كنت لحالفا عليهن: مازاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما نقصت صدقة من مال، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، فبيّن الصادق المصدوق: أن الله لا يزيد العبد بالعفو إلا عزا، وأنه لا تنقص صدقة من مال، وأنه ما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، وهذا ردّ لما يظنه من يتبع الظن، وما تهوى الأنفس من أن العفو يذله، والصدقة تنقص ماله، والتواضع يخفضه)(6).
وقال الشيخ العلاّمة عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن مُعمّر رحمه الله رادا على نصراني زعم أن دينهم جاء بالأمر بالإحسان والصبر على المبغض لهم، بخلاف الإسلام فقد أُمِر أتباعُه بالقصاص وأخذ الثأر: (الجواب وبالله التوفيق: إنّ الذي شرعه الله للمسلمين في هذا الباب أكمل وأجلّ مما عند غيرهم؛ فإنّه تعالى أذِن لهم في القصاص من المعتدي، وجعله حقا واجبا للمظلوم، وشرع التمكين له من أخذ حقه، ولم يوجب ذلك عليه، بل ندبه إلى الفضل والصبر.
فقال تعالى : [وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ] [النحل126-127]، وقال تعالى: [وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] [الشورى 40-43].
فشرع تعالى العدل، وهو القَصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، ووعد عليه الأجر، ولهذا قال: [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ]؛ أي: لا يضيع ذلك عنده.
وقال تعالى: [وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ] [النور 22].
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما زاد اللهُ عبدا بعفو إلا عزا)(7)، في أحاديث كثيرة في الترغيب في العفو والحثّ عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم أولَ متصفٍ بهذا الوصف الجميل، ولا خفاء عند نقلة أخباره بما يُؤثَر من حِلمه واحتماله وعفوه.
كما عفا صلى الله عليه وسلم عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام الحديبية ونزلوا من جبل ليقتلوه، فلما قدر عليهم عفا عنهم مع قدرته على الانتقام(8).
وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو نائم، فاستيقظ صلى الله عليه وسلم وهو في يده سلطا فقال: من يمنعك مني؟ قال صلى الله عليه وسلم: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فأتى قومه وقال: جئتكم من عند خير الناس(9).
وعفا أيضا عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، ولم يعرض له، ولا عاتبة مع قدرته عليه(10).
وكذلك عفوه عن المرأة اليهودية، وهي زينب أخت مرحب اليهودي التي سمّت الذراع يوم خيبر، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها، فاعترفت، فقال: ما حملكِ على ذلك؟ فقالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا منك(11).
ولكن لما مات بشر بن البراء من أكله تلك الشاة المسمومة قتلها به. والأخبار بحلمه واحتماله وعفوه كثيرة جدا)(12).
قال الشوكاني رحمه الله النيل (7/30): (والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة، ونصوص القرآن الكريم، ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة).
وللحديث بقية.....
ــــــــــــــ
الهامش:
(1)صحيح أخرجه الإمام أبو داود وغيره.
(2)أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
(3)حسن: أخرجه ابن ماجه.
(4) صحيح: أخرجه ابن ماجه.
(5) أخرجه الإمام البخاري (برقم 2703-4500)، ومسلم (برقم1675) مع شيء من الاختلاف.
(6) مجموع الفتاوى (30/368).
(7) أخرج الإمام مسلم في صحيحه.
(8) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
(9) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (برقم 4135 كتاب المغازي) من طريق الزهري عن سنان بن أبي سنان الدّؤَلي، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقضت وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك منّي؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس) ثم لم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (برقم843).
(10) أخرجه البخاري في صحيحه (برقم 5763).
(11) أخرجه البخاري في صحيحه (برقم 3169 كتاب الجزية).
(12) منحة القريب المجيب في الردّ على عبّاد الصليب (2/665-666).
وكتبه/ أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.