أبو طيبة محمد مبخوت
12-20-2009, 02:50 PM
المقدمة
يكثر الحديث في هذه الأيام عن البربر [الأمازيغ] ، عن أصلهم ، عن لغتهم ، عن تاريخهم مع العرب ومع العربية ومع الإسلام. وقد سبق أن بينت بالتفصيل عروبة البربر في كتابيّ : (عروبة الجزائر عبر التاريخ، والأمازيغ [البربر] عرب عاربة).
البربر عرب عاربة، استقروا بالمغرب العربي ضمن هجرات سابقة لهجرة الكنعانيين الفينيقيين، وللفتح الإسلامي، على أساس أنهم عرب قدامى أو عروبيون أي ساميون وفق التسمية الغير العلمية. توسعت هذه الهجرات على الخصوص مع بداية المرحلة الدفيئة الثالثة منذ ثمانية عشر ألف سنة قبل الميلاد [ 18000 سنة ق. م ]. فقد كانت أوروبا وشمال إفريقيا قبل هذه المرحلة مغطاة بالجليد ، وكانت الجزيرة العربية تتمتع بمناخ شبيه بمناخ أوروبا الآن. فذاب الجليد هنا وضغط الجفاف هناك فهاجر إنسان الجزيرة العربية وعمّر شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. يقول العالم العراقي أحمد سوسة: "كما يتضج أن العالم يجتاز اليوم الدورة الدفيئة الثالثة التي بدأت في أعقاب دورة الجليد فرم Wurm منذ ثمانية عشر ألف سنة قبل الميلاد [18000 سنة ق. م ]. ففي دورة جليد فرم كانت أوروبا مغطاة بالجليد في حين كانت الجزيرة العربية تتمتع بجو معتدل رطب ، تكثر فيه الأمطار في كل المواسم، مما ساعد في هذه الفترة على الأخذ بالزراعة التي تعتمد على الريّ ، ونمو الغابات الكثيفة في المنطقة. ولما دخلت الدورة الدفيئة الثالثة عادت أوروبا إلى حالتها الطبيعية التي كانت عليها في الدورة الدفيئة السابقة، وانقلبت أرض الجزيرة العربية إلى صحارى، تاركة في جوفها طبقات نفطية متكونة من بقايا غاباتها بتأثير الضغط عليها"[ 1]
ويرى نفس الرأي المؤرخ الأمريكي ويليام لانغر فيقول: "وانتشر فرع من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأدنى" [2]
ويرى جابرييل كامبس Gabriel Camps : "أن علماء الأجناس يؤكدون أن الجماعات البيضاء بشمال إفريقيا سواء كانت ناطقة بالبربرية أو بالعربية، تنحدر في معظمها من جماعات بحر متوسطية جاءت من الشرق في الألف الثامنة بل قبلها ، وراحت تنتشر بهدوء بالمغرب العربي والصحراء" [3]
ويقول بوسكيG.H.Bousquet. : "وعلى كل حال يوجد ما يجعلنا نقتنع بأن عناصر مهمة من الحضارة البربرية وبخاصة اللغة أتت من آسيا الصغرى عن طريق منخفض مصر ، في شكل قبائل تنقلت في هجرات متتابعة، على مدى قرون عدّة ، في زمن قديم لم يبتّ في تحديده" [4]
ويقر الأمراء البربر بانتمائهم لليمنيين، فعندما ساءت علاقة أبو فتح المنصور [الزيري] بالقرن العاشر الميلادي مع الخلافة الفاطمية في القاهرة، عبر عن طموحه في الاستئثار بحكم المغرب العربي بدون المظلة الفاطمية، أمام شيوخ القبائل الذين حضروا إلى القيروان لتهنئته بالإمارة، عندما قال لهم: "إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، وما أنا في هذا الملك ممّن يولّى بكتاب ويعزل بكتاب، لأنني ورثته عن آبائي وأجدادي، وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حِمير" [5]
وفي بيتين من الشعر يفتخر شاعر بربري بانتساب قبائل الطوارق إلى قبائل حِمير اليمنية فيقول:
قوم لهم شرف العلى من حِمْيـرٍ وإذا دُعوا لمتونةٌ فهــمُ همُ
لِما حووا علياء كل فضيلـــة غلب الحياءُ عليهم فتلثَّمـوا
مراحل العصر الحجري:
يعتبر كهف هوافطيح بليبيا أهم موقع آثري للإنسان اكتشف بالمغرب العربي، وهو يعتبر من أهم المواقع بالعالم. يقع غرب درنة، على مقربة من شاطئ البحر ، وهو كبير قطره ثمانون مترا، حفر فيه على عمق 14 مترا دون الوصول إلى قعره، أو لنهاية الترسبات به. هو من كهوف ما قبل التاريخ المعتبرة على صعيد إفريقيا بل وسائر القارات. [ 6 ].
واكتشف بليبيا أيضا كهف حكفة الطيرة جنوب ينغازي ، وبالكهفين المذكورين صناعات حجرية متكاملة، وأظهرت الترسبات فيهما عن معلومات قيّمة عما جدَّ من تحولات في الصناعات الحجرية والحياة الحيوانية. بهما صناعة أنموذجية حجرية تنتمي إلى العصر الحجري القديم سماها مكتشفها ماكبريني الحضارة الضبعانية، ويرى أن هذه المكتشفات الآثارية متشابهة في الأدوار الحضارية والصناعات الحجرية بين ليبيا ومنطقة غربي آسيا أي المشرق العربي، كما يرى أن الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية الحجرية متفرعة عن الحضارة بهوافطيح وعن حضارة المشرق عموما. [ 7 ]
ويرى رشيد الناضوري تشابها بين صناعات هذه الحضارة الحجرية المكتشفة بليبيا وبين صناعة الحضارة اللفلوازية الموستيرية الفلسطينية [8 ].
تسميات البربر:
سمي البربر بعدة تسميات بالتاريخ سموا بمصر الفرعونية: بالتحنو في الألف الرابعة ق. م ، وسموا بالتمحو بالألف الثالثة ق. م، وبالمشواش بالألف الثانية ق. م ، وهؤلاء الأخيرون هم الذين تكونت منهم الأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين الفرعونتين، حيث سيطر أحد زعمائهم وهو ششنق الأول على مصر سنة 950 ق. م وحكم مصر. وفي عهد رمسيس الثاني سموا الليبو واسم زعيمهم كما ورد في الكتابات الفرعونية مرابي بن ددْ. علما بأن احد ملوك بابل بالعراق القديم اسمه شمس أددْ.
وسموا بعد الفتح الإسلامي بالبربر ، فأشهر نساب بربري وهو أيوب ابن أبي يزيد مخلد بن كبداء الإباضي الملقب بصاحب الحمار قسمهم إلى برانس وبتر ، وابن خلدون معجب بغزارة علمه. ويتفق معه سائر نسابة البربر بأن البرانس والبتر من أصل واحد ينحدر من نسل أمازيغ بن كنعان. ويذهب نسابة آخرون بربر بأن البتر من نسل قيس عيلان المضري.
أما تسمية أمازيغ فهي عربية فقد ورد في كتاب التيجان في ملوك حمير أن اسم مازيغ من الأسماء العربية في التراث الشعبي المشرقي فهو اسم عربي صميم [ 9 ]
الوضع اللغوي بالمغرب العربي قبل الفتح الإسلامي:
منذ دخول الكنعانيين الفينيقيين العروبيين المغرب في بداية الألف الأولى قبل الميلاد، تبلورت لغة الثقافة والعبادة والدواوين وهي اللغة العروبية الكنعانية، التي صارت هي اللغة الفصحى بالمغرب، محاطة بلهجات شفوية قحطانية هي اللهجات البربرية. وخير من وضّح هذا هو المستشرق الفرنسي هنري باسيه H.Bassetعندما قال: "إن اللغة البونيقية لم تختف من المغرب إلا بعد دخول العرب. ومعنى هذا أن هذه اللغة بقيت قائمة، هذه المدة بالمغرب، سبعة عشر قرنا ، وهو أمر عظيم" [10]
لقد كان مجيء الكنعانيين وتأسيسهم لحضارة قرطاج عملا حاسما في تاريخ المغرب القديم، بحيث تم إخراج الأمازيغ من العصر الحجري، وإدخالهم التاريخ والحضارة، فاستعمل الأمازيغ اللغة الكنعانية كلغة حضارة وثقافة مكتوبة بالحضر ، في الثقافة ، والعبادات ودواوين دولهم. واستمروا على ذلك إلى أن جاء العرب المسلمون باللغة العدنانية فحدث الربط بين اللغة الكنعانية العروبية، واللغة العدنانية العربية. وهذا هو الذي يفسر لماذا تم تعريب المغرب في وقت قصير وقياسي. هذا بالإضافة إلى أن الأمازيغية هي لغة عروبية قحطانية عاربة.
يكثر الحديث في هذه الأيام عن البربر [الأمازيغ] ، عن أصلهم ، عن لغتهم ، عن تاريخهم مع العرب ومع العربية ومع الإسلام. وقد سبق أن بينت بالتفصيل عروبة البربر في كتابيّ : (عروبة الجزائر عبر التاريخ، والأمازيغ [البربر] عرب عاربة).
البربر عرب عاربة، استقروا بالمغرب العربي ضمن هجرات سابقة لهجرة الكنعانيين الفينيقيين، وللفتح الإسلامي، على أساس أنهم عرب قدامى أو عروبيون أي ساميون وفق التسمية الغير العلمية. توسعت هذه الهجرات على الخصوص مع بداية المرحلة الدفيئة الثالثة منذ ثمانية عشر ألف سنة قبل الميلاد [ 18000 سنة ق. م ]. فقد كانت أوروبا وشمال إفريقيا قبل هذه المرحلة مغطاة بالجليد ، وكانت الجزيرة العربية تتمتع بمناخ شبيه بمناخ أوروبا الآن. فذاب الجليد هنا وضغط الجفاف هناك فهاجر إنسان الجزيرة العربية وعمّر شمال إفريقيا وجنوب أوروبا. يقول العالم العراقي أحمد سوسة: "كما يتضج أن العالم يجتاز اليوم الدورة الدفيئة الثالثة التي بدأت في أعقاب دورة الجليد فرم Wurm منذ ثمانية عشر ألف سنة قبل الميلاد [18000 سنة ق. م ]. ففي دورة جليد فرم كانت أوروبا مغطاة بالجليد في حين كانت الجزيرة العربية تتمتع بجو معتدل رطب ، تكثر فيه الأمطار في كل المواسم، مما ساعد في هذه الفترة على الأخذ بالزراعة التي تعتمد على الريّ ، ونمو الغابات الكثيفة في المنطقة. ولما دخلت الدورة الدفيئة الثالثة عادت أوروبا إلى حالتها الطبيعية التي كانت عليها في الدورة الدفيئة السابقة، وانقلبت أرض الجزيرة العربية إلى صحارى، تاركة في جوفها طبقات نفطية متكونة من بقايا غاباتها بتأثير الضغط عليها"[ 1]
ويرى نفس الرأي المؤرخ الأمريكي ويليام لانغر فيقول: "وانتشر فرع من عناصر البحر المتوسط والصحراء، الطويلة الرؤوس وأقاربهم من العرب والبربر وغيرهم في جنوب أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأدنى" [2]
ويرى جابرييل كامبس Gabriel Camps : "أن علماء الأجناس يؤكدون أن الجماعات البيضاء بشمال إفريقيا سواء كانت ناطقة بالبربرية أو بالعربية، تنحدر في معظمها من جماعات بحر متوسطية جاءت من الشرق في الألف الثامنة بل قبلها ، وراحت تنتشر بهدوء بالمغرب العربي والصحراء" [3]
ويقول بوسكيG.H.Bousquet. : "وعلى كل حال يوجد ما يجعلنا نقتنع بأن عناصر مهمة من الحضارة البربرية وبخاصة اللغة أتت من آسيا الصغرى عن طريق منخفض مصر ، في شكل قبائل تنقلت في هجرات متتابعة، على مدى قرون عدّة ، في زمن قديم لم يبتّ في تحديده" [4]
ويقر الأمراء البربر بانتمائهم لليمنيين، فعندما ساءت علاقة أبو فتح المنصور [الزيري] بالقرن العاشر الميلادي مع الخلافة الفاطمية في القاهرة، عبر عن طموحه في الاستئثار بحكم المغرب العربي بدون المظلة الفاطمية، أمام شيوخ القبائل الذين حضروا إلى القيروان لتهنئته بالإمارة، عندما قال لهم: "إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، وما أنا في هذا الملك ممّن يولّى بكتاب ويعزل بكتاب، لأنني ورثته عن آبائي وأجدادي، وورثوه عن آبائهم وأجدادهم حِمير" [5]
وفي بيتين من الشعر يفتخر شاعر بربري بانتساب قبائل الطوارق إلى قبائل حِمير اليمنية فيقول:
قوم لهم شرف العلى من حِمْيـرٍ وإذا دُعوا لمتونةٌ فهــمُ همُ
لِما حووا علياء كل فضيلـــة غلب الحياءُ عليهم فتلثَّمـوا
مراحل العصر الحجري:
يعتبر كهف هوافطيح بليبيا أهم موقع آثري للإنسان اكتشف بالمغرب العربي، وهو يعتبر من أهم المواقع بالعالم. يقع غرب درنة، على مقربة من شاطئ البحر ، وهو كبير قطره ثمانون مترا، حفر فيه على عمق 14 مترا دون الوصول إلى قعره، أو لنهاية الترسبات به. هو من كهوف ما قبل التاريخ المعتبرة على صعيد إفريقيا بل وسائر القارات. [ 6 ].
واكتشف بليبيا أيضا كهف حكفة الطيرة جنوب ينغازي ، وبالكهفين المذكورين صناعات حجرية متكاملة، وأظهرت الترسبات فيهما عن معلومات قيّمة عما جدَّ من تحولات في الصناعات الحجرية والحياة الحيوانية. بهما صناعة أنموذجية حجرية تنتمي إلى العصر الحجري القديم سماها مكتشفها ماكبريني الحضارة الضبعانية، ويرى أن هذه المكتشفات الآثارية متشابهة في الأدوار الحضارية والصناعات الحجرية بين ليبيا ومنطقة غربي آسيا أي المشرق العربي، كما يرى أن الحضارة الوهرانية والحضارة القفصية الحجرية متفرعة عن الحضارة بهوافطيح وعن حضارة المشرق عموما. [ 7 ]
ويرى رشيد الناضوري تشابها بين صناعات هذه الحضارة الحجرية المكتشفة بليبيا وبين صناعة الحضارة اللفلوازية الموستيرية الفلسطينية [8 ].
تسميات البربر:
سمي البربر بعدة تسميات بالتاريخ سموا بمصر الفرعونية: بالتحنو في الألف الرابعة ق. م ، وسموا بالتمحو بالألف الثالثة ق. م، وبالمشواش بالألف الثانية ق. م ، وهؤلاء الأخيرون هم الذين تكونت منهم الأسرتين الثانية والعشرين والثالثة والعشرين الفرعونتين، حيث سيطر أحد زعمائهم وهو ششنق الأول على مصر سنة 950 ق. م وحكم مصر. وفي عهد رمسيس الثاني سموا الليبو واسم زعيمهم كما ورد في الكتابات الفرعونية مرابي بن ددْ. علما بأن احد ملوك بابل بالعراق القديم اسمه شمس أددْ.
وسموا بعد الفتح الإسلامي بالبربر ، فأشهر نساب بربري وهو أيوب ابن أبي يزيد مخلد بن كبداء الإباضي الملقب بصاحب الحمار قسمهم إلى برانس وبتر ، وابن خلدون معجب بغزارة علمه. ويتفق معه سائر نسابة البربر بأن البرانس والبتر من أصل واحد ينحدر من نسل أمازيغ بن كنعان. ويذهب نسابة آخرون بربر بأن البتر من نسل قيس عيلان المضري.
أما تسمية أمازيغ فهي عربية فقد ورد في كتاب التيجان في ملوك حمير أن اسم مازيغ من الأسماء العربية في التراث الشعبي المشرقي فهو اسم عربي صميم [ 9 ]
الوضع اللغوي بالمغرب العربي قبل الفتح الإسلامي:
منذ دخول الكنعانيين الفينيقيين العروبيين المغرب في بداية الألف الأولى قبل الميلاد، تبلورت لغة الثقافة والعبادة والدواوين وهي اللغة العروبية الكنعانية، التي صارت هي اللغة الفصحى بالمغرب، محاطة بلهجات شفوية قحطانية هي اللهجات البربرية. وخير من وضّح هذا هو المستشرق الفرنسي هنري باسيه H.Bassetعندما قال: "إن اللغة البونيقية لم تختف من المغرب إلا بعد دخول العرب. ومعنى هذا أن هذه اللغة بقيت قائمة، هذه المدة بالمغرب، سبعة عشر قرنا ، وهو أمر عظيم" [10]
لقد كان مجيء الكنعانيين وتأسيسهم لحضارة قرطاج عملا حاسما في تاريخ المغرب القديم، بحيث تم إخراج الأمازيغ من العصر الحجري، وإدخالهم التاريخ والحضارة، فاستعمل الأمازيغ اللغة الكنعانية كلغة حضارة وثقافة مكتوبة بالحضر ، في الثقافة ، والعبادات ودواوين دولهم. واستمروا على ذلك إلى أن جاء العرب المسلمون باللغة العدنانية فحدث الربط بين اللغة الكنعانية العروبية، واللغة العدنانية العربية. وهذا هو الذي يفسر لماذا تم تعريب المغرب في وقت قصير وقياسي. هذا بالإضافة إلى أن الأمازيغية هي لغة عروبية قحطانية عاربة.