المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يا أبناء أمة الإستجابة عليكم بفهم السلف للنصوص، وإياكم والشذوذ والخلاف فإنه شر وبلاء - الشيخ عبدالحميد العربي الجزائري


الحاج الخديم البورقيقي
10-19-2009, 07:13 PM
يا أبناء أمة الإستجابة عليكم بفهم السلف للنصوص، وإياكم والشذوذ والخلاف فإنه شر وبلاء.

الحمد لله الذي أطلع شموس أصحاب الحديث في سماء السعادة، وأشرق أقمار صنيعهم في أرقعة مرفوعات السيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عالم الغيب والشهادة، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالأنوار الوَقّادة.

أما بعد:

إنني منذ عرفت المنهج السلفي، حرصت دائماً على وجوب لزوم فهم السلف للنصوص، وكنت أوصي بهذا الأصل العظيم إخواني السلفيين، والطلبة الذين يتتلمذون عندي، وحين نزلت في بعض أسفاري في إحدى الدول الإسلامية وشرعت في الدعوة إلى الله وتعليم الناس ما علمني الله فوجئت بـمقولة تدور في أوساط بعض صفوف السلفيين ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبلها الفساد، زمجر بها قوم فرّوا من التقليد الأعمى فوقعوا في نقيضه وهو التفلت والتهور والتطاول على بُزل الإسلام والرعيل الأول. والله المستعان.

مقولة، بل قل:منهج خطير وللأسف الشديد سلكه أصحابهُ إما جهلاً أو تعالما وأحلاهما مرّ، فأدّاهم إلى مزلق ترك فهم السلف للنصوص، و بعد ذلك يظهر علينا شباب ظاهرهم السنة ولسان حالهم. نحن "رجال والسلف رجال". ومن هنا تأتي المشاقاة والشذوذ والخلاف والله المستعان.

وهذه المقولة مدلولها عند بعض طلبة العلم غفر الله لهم: "إننا غير ملزمين بفهم السلف للنصوص بحجة أن السلف اختلفوا. وقالوا أيضاً غفر الله لهم:إذا كان الحال هكذا، فالأصل السّير على منهج السلف في الاستدلال، وترك أفهامهم للنصوص التي هي ثمرة علمهم. وهذا المنهج معناه عندهم: استنباط الأحكام الشرعية عن طريق القواعد الأصولية. ومن أي شخص كان، دون العودة إلى فهم السلف لهذه النصوص العامة، وحتى لو كان في المسألة قولان فإنهم يجيزون إحداث قول ثالث، ورابع، ولا يروْن الترجيح بين القولين، أو كانت المسألة مجمعا عليها كاستحباب السحور مثلا، فإنهم يقولون بوجوبه. فدعاة الاستدلال بالقواعد مع غياب فهم السلف يتجرؤون على مخالفة الإجماع والطعن فيه بعلل هي أوهى من بيت العنكبوت. زد على ذلك أنهم لا يفرقون بين ظاهر النّص والظاهر من النص و بين صريحه ومجمله والله المستعان وهو الهادي إلى طريق الجنان.

وبعض طلبة العلم ممن اختلط عليهم الأمر راح يفرق بين منهج السلف، وفهم السلف، فأثبت المنهج الذي هو عنده استعمال القواعد الأصولية فقط، ونفى فهم السلف للنصوص والله المستعان.

قلت: ويحسب هؤلاء الطلاب هداهم الله أنهم يحسنون صنعاً، وما أدرَكوا غفر الله لهم أن التقسيم الذي توصلوا إليه بمحض عقولهم محدث لم يقل به أحد، لا من الأولين ولا من الآخرين، ولو كانوا أصحاب حجا وعقول سليمة لعلموا أن بين اللفظين عموماً وخصوصاً، ولكن لا حياة لمن تنادي، وأئمتنا الأجلاء كأمثال العلامة عبد العزيز بن باز، والعلامة محمد ناصر الدين الألباني، والعلامة محمد بن صالح العثيمين، وغيرهم رحمهم الله من أهل السنة والجماعة حين يطلقون في عباراتهم لفظة" الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح" لم يتطرق إلى ذهن واحدٍ منهم أنه يريد إثبات المنهج، الذي معناه عند طلابنا من الظاهرية الجدد استعمال القواعد الأصولية فقط، ونفي الفهم، يدرك ذلك من عرف منهج القوم وسبر سيرتهم، وتربى على كتبهم وأشرطتهم، ولكن المرءَ عدوُ نفسِه، والله المستعان.

قال شيخُنا الفاضل سيف أهل السنة في زماننا ربيعُ بنُ هادي المدخلي في كتابه الماتع "منهج الأنبياء"(ص12):(إني أهيب بعلماء الأمة ودعاتها وأحزابـها وفرقها أن ينصحوا للأمة جميعا شيبها وشبابها ذكورها وإناثها فيجمعوهم على كتاب الله وسنة رسول الله على منهج وفهم السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان من أئمة الهدى من فقهاء ومحدثين ومفسرين في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات والاقتصاد وسائر أمور الإسلام والإيمان..)اهـ.

وهؤلاء الطلاب حين فرقوا بين منهج السلف وفهم السلف في العمل، ذكروني بسلمان بن فهد العودة هداه الله وألهمه رشده، حين فرق بيْن الطائفة المنصورة والفرقة الناجية بتلبيسات وتدليسات مزخرفة، أبطل مفعولها وزلزل كيانها حامي حياض الدعوة السلفية الشيخ المجاهد ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله ورعاه.

وإنني أقول على صيغة العموم ولا أقصد في هذه التصديرة أحدا بعينه بل كل من كان ملوثا بهذا المنهج: إنّ الذي يفرق بين منهج السلف وفهم السلف في العمل ويطرح الآثار ويتفرد بالرأي هو مُحدث في دين الله وأحسبه في الخطورة نظير سلمان أو أشد، والله المستعان.

وهذا المنهج المحدث الشاذ -التفريق بين فهم السلف ومنهج السلف- هو الذي نطق به محمد سعيد رمضان البوطي المبتدع العنيد في كتابه السافل (السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي) حيث جاء فيه: ((..فإن اتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بـها، أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها، وأصول الاجتهاد والنظر في مبادئ الأحكام )).[ (1) (ص 13 ط الأولى،دار الفكر دمشق) للفائدة انظر وسطية أهل السنة لمحمد باكريم (ص 112).وشابه البوطي العنيدَ في الضلال المدلسُ الضالُ الهالكُ الحيرانُ حسنُ بنُ علي السقاف، ومن أراد أن يقف على ضلاله بنفسه فلينظر في كتابه صحيح شرح العقيدة الطحاوية(ص213 وما بعد)، ويأتي كشف ضلال هذين المتهوكين وشرذمة أخرى من الهالكين في كتابي"أنوار الصبيحة" إن شاء الله تعالى].


وعجيب كيف تشابـهت أفعال بعض إخواننا ممن سلك منهج الظاهرية في فهم النصوص معَ منهج هذا الرجل الحاقد الـمعادي للسلفيين، فليحذر طلاب العلم من أصحاب منهج الاستدلال مع غياب الفهم، وليعودوا إلى فهم سلفهم الصالح لعلهم يرشدون.

وهنا أسوق بعض النصوص مبينا كيف فهمها هؤلاء على غير فهم السلف، من باب التمثيل لا الحصر، ودع عنك شقشقة الظاهرية الجدد فإن أراجيفهم لا تنطلي إلا على فقير معدم من العلم الشرعي فأقول:

من القواعد الأصولية المشتهرة أن الأمر للوجوب _وهذا صحيح لا ريب فيه، وبه أقول، _ لكن من قصدناهم في هذه التصديرة لا يرعوون أن يستنبطوا من أي أمر في نص عام حكم الوجوب، دون النظر هل قال بـهذا الحكم أحد من السلف أم لا.؟

والنهي للتحريم،ـ وهذا حق كذلك ـ ولكن أي نـهي عام ورد في نص فإن الظاهرية الجدد يأخذون منه حكم التحريم دون العودة إلى فهم السلف لهذا النص العام. وهكذا.

ومثالٌ على النهي وإن كان الأولى أن أمثل بالأمر ابتداء حتى يستقيم الترتيب ولكن:(نـهى صلى الله عليه وسلم عن التّرجُل إلاّ غبـاًّ) . تخريج الحديث[ (2) أخرجه أبوداود و النسائي والترمذي وصححه، وكذا العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة للشواهد (2/19 رقم 501).مع أن هذا الحديث معلول عند بعض العلماء كما صرح بذلك بعض المحققين،ولهذا يُستبعد أن يقول السلف بتحريم الترجل يوميا انطلاقا من حديث معلول، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله في كتابي" النصيحة" ودون إطالة أنقل لك ملخص ما توصل إليه المحققون في هذا الحديث.((رُوي من مسند: عبد الله بن مغفل، وابن عمر، ولا يصح، ودونك البيان:

أولا:مسند عبد الله بن مغفل:

أخرجه أحمد(4/86)، وأبو داود(4159)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد(5/53).

وأخرجه النسائي في الكبرى(5/410)، وفي الصغرى(8/132).

وأخرجه الترمذي(1756) وقال:"حسن صحيح وفي الباب عن أنس"

وأخرجه الروياني في مسنده(2/87)، وابن حبان (12/295-الإحسان)، والطبرانـي في الأوسط(2436)، وأبو نعيم في الحلية(6/276) كلهم من طرق عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل.

وتابع هشاماً مـجاعةُ-لعله ابن الزبيـر كما في التاريخ الكبير للبخاري

(رقم2092)-وهو متروك. أخرجه ابن عديّ في الكامل(1/257) بلفظ:"نـهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبّا أربعا أو خمسا"

ورواه عن مـجاعة إبراهيمُ بنُ زكريا المعلم؛ وقال ابن عديّ بعد ذكر الحديث: ((وهذه الأحاديث مع غيرها يرويها إبراهيم بن زكريا، هذه كلها أو عامتها غير محفوظة، وتبيـن الضعف على رواية حديثه، وهو في جملة الضعفاء)).

وقد اختلف عن الحسن البصري:

فرواه قتادة، واختلف عليه:

فرواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن مرسلاً.

أخرجه النسائي (8/132)، وفي الكبرى(5/410).

ورواه سعد، عن قتادة عن الحسن مرســلاً أيضاً.

أخرجه ابن أبـي شيبة في مصنفه (8/492).

ورواه أبوخزيمة، عن الحسن مرسـلاً أيضا.

أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (8/392).

وخالف يونسُ بنُ عبيد، قتادة:

فرواه يونس بن عبيد، عن الحسن، ومحمدٍ -ابن سرين- قالا: الترجل غب.

أخرجه النسائي (8/132)، وفي الكبرى(5/410).

قال الذهبي في السير(6/363) بعد أن أخرج الحديث: (وله علة: فقد رواه حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، مرسـلاً. ورواه بشر بن المفضل، عن يونس، عن الحسن وابن سرين، قولهما، وهذا أقوى).

قال الحافظ المنذري في "مختصر سنن أبـي داود" (6/83): ((وقال أبو الوليد الباجي: وهذا الحديث –وإن كان رواته ثقات- إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن، عن عبد الله بن مغفل فيها نظر.-ثم عقب المنذري بقوله-: وفيما قال نظر، وقد قال أحمد، ويحي بن معين، وأبو حاتم الرازي:إن الحسن سمع من عبد الله بن المغفل، وقد صحـح الترمذي حديثه عنه كما ذكرنا، غير أن الحديث في إسناده اضطراب)

ثانـيا: مسند عبد الله بن عمر:

رواه ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: (( كان رسول الله يترجل غبّا يوما، ويوما لا)).

أخرجه ابن عدي في "الكامل" (2/94) وقال: ((ولثابت بن زهير غير ما ذكرنا من الحديث عن نافع، وعن الحسن، وكل أحاديثه تخالف الثقات في أسانيدها ومتونها)).

ورواه جويرية بن أسماء، واختلف عنه:

فرواه محمد بن موسى الجريري، عن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر.

أخرجه العقيلي في "الضعفاء" (4/135)، وقال: (محمد بن موسى الجريري، عن جويرية، ولايتابع عليه).

وقال أيضا بعد الحديث: (وقد روى هذا من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا).

ورواه وكيع، عن جويرية، عن نافع أن ابن عمر: (كان ربما ادهن في اليوم مرتين)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (8/392).وهذا ما أومأ إليه بن عديّ، وأين الكاتب المتعالم من هذا الأثر؟.

ورواه عفان ابن مسلم قال: حدثنا جويرية بن أسماء قال: حدث عبد الرحمن السراج عن نافع قال: كان الحسن يكره الترجل كل يوم، قال فغضب نافع وقال: كان ابن عمر يدهن في اليوم مـرتين.

أخرجه ابن سعد في الطبقات (4/147).

والمقدم هنا رواية وكيع ومن تابعه على غيرها، فالأثر من فعل ابن عمر.

وقد روي لهذا الحديث شواهد لا تخلو من إرسال، أمثلها:

ما أخرجه الحارث، عن أبي عبيد، عن ابن علية، عن الجريري، عن ابن بريدة، أن النبي نهى عن الإرفاه...

انظر بغية الباحث(2/606رقم569) قال البوصيري في الإتحاف(4/480): رواه الحارث مرسلا بسند صحيح.

ثم رواه حماد بن سلمة، عن سعيد الجريري، عن عبد الله بن بريدة، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.. أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (6/3144 برقم7238) وغيره.

ثم رواه يعقوب بن إبراهيم قال: ثنا ابن علية، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له عبيد قال: (إن رسول الله كان ينهانا عن كثير من الإرفاه) أخرجه النسائي في الكبرى (5/411) وغيره.

ونبه الإمام النسائي قبل ذكره للرواية أن التسمية بـ"عبيد" وقعت من الجريري حيث قال:(سماه سعيد بن إياس الجريري).

وقد ذكر الحافظ مغلطاي "عبيد" هذا في كتابه (الإبانة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة)، ونقل القول فيه بالتوقف في صحبته.

هذا؛ وقد ذهب إلى تخطئة الرواية التي فيها التسمية بـ"عبيد" الحافظ المزي في تحفة الأشراف(7/226) وقال: (وهو وهم، والصواب :فضالة بن عبيد).على ما أخرج أحمد(6/22)، وأبو داود(4160) والدارمي(1/151) وغيرهم من طريق يزيد بن هارون، عن الجريري، عن عبد الله بن بريدة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رحل إلى فضالة بن عبيد... كان ينهانا عن كثير من الإرفة...

وقد تبعه على هذه التخطئة الحافظ ابن كثير في جامع المسانيد(8/533)، وقد سبقهما الحافظ ابن عساكر إلى هذا كما ذكر ابن كثير في جامعه.

ومـما يحسن أن يذكر: أن يزيد ابن هارون ممن روى عن الجريري بعد الإختلاط كما صرح بذلك الحفاظ ومنهم يحي بن معين، راجع شرح علل الترمذي لابن رجب رحمه الله (2/742 ط الرشد)،وتهذيب الكمال للمزي(10/338). والعجيب ما قالته اللجنة المحققة لمسند الإمام أحمد(39/389 ط مؤسسة الرسالة): (... ورواية يزيد ابن هارون عنه مختلطة، لكن تابعه إسماعيل ابن علية، وحماد بن سلمة عن سعيد، وروايتهما عنه بعد الاختلاط)!! فلست أدري تابعا يزيداً على ماذا؟ فابن علية سمى الرجل" عبيد" وحماد أبهم اسمه، وهذا يقوي ما ذهب إليه مغلطاي في "الإنابة".

وثمة شاهد آخر مرسل: أخرجه ابن عبد البر في التمهيد (24/11) وفي الاستذكار (27/78)وأبو نعيم في المعرفة (6/3144) من طريق ابن المبارك، عن كهمس، عن ابن بريدة، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الإرفاه.

ولكن اختلف على كهمس: فرواه خالد بن الحارث، عن كهمس، عن عبد الله بن شقيق قال: كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عاملا بمصر فأتاه رجل من أصحابه... وفيه النهي عن الإرفاه.

أخرجه النسائي في الكبرى (5/411).

وكل هذه الشواهد وأخرى لم نذكرها لا تسلم من علة الإرسال، والغاية من هذا الكلام المختصر جدا، أن الحديث عند أهل العلل فيه مقال، قال العلامة الأصولي محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في الشرح الممتع (1/183 ط العبيكان) حين كان يتحدث عن حكم البسملة في الوضوء والعلة التي من أجلها ترك الحنابلة القول بالشرطية مع أن ظاهر الحديث يدل على الشرطية: ( وكأنهم عدلوا عن كونها شرطا لصحة الوضوء، لأن الحديث فيه نظر، ولهذا ذهب الموفق رحمه الله إلى أنها ليست واجبة بل سنة). ].


قالوا: هذا النهي العام يفيد التحريم بالوصف المذكور فأي رجل أو امرأة امتشط يومين متتاليين فقد ارتكب محظوراً، مع أن هذا الفهم الذي جاءوا به غريب جداً ..

قال الإمام أحمد:((يدهن يوماً ويوماً لا ))،[ (3) أحكام أهل الملل للخلال ( ص 4 ).] ولم يقل بتحريم رحمه الله.

قال ابن تيمية:((والقصد أن يكون إدهانه في رأسه وبدنه متوسطاً على حسب حاله حتى لو احتاج إلى مداومته لكثرة شعره و قحول بدنه جاز). [(4) عمدة الفقه شرح ابن تيمية ( 1/228 ). ]

قال السندي كما نقل ذلك العلامة الألباني وأقره ((أن يفعل يوماً ويترك يوماً، والمراد كراهة المداومة عليه، وخصوصية الفعل يوماً والترك يوماً غير مراد).[ (5) الصحيحة (2/21)، و ذهب الشوكاني كذلك إلى الكراهة في النيل ]

وهذا المنهج يجر هؤلاء الطلاب إلى تحريم التنعل واقفا لأنه ورد في ذلك حديث عن جمع من الصحابة متنه((نهى رسول الله أن يتنعل الرجل قائـما)) انظر الصحيحة(رقم719).

فهل يقول هذا عاقل، أو طالب علم متبصر؟.أما العلماء الربانيون المجتهدون فإن قالوا بالتحريم مثلا فلا ضير عليهم فهم بين أجر وأجرين، ومن قاس من الطلاب نفسه على أهل الاجتهاد فهو من باب قياس الملائكة على الحدادين، ولطلاب العلم المتعالمين عبرة في أهل الفتن كعبد الرحمن عبد الخالق، والمسمى علي بلحاج الجزائري، حين ظنا نفسيهما أنهما من أهل الاجتهاد فانظر ماذا أحدثا في البلاد وكم أفسدا من العباد.

ومثال على الأمر قالوا:من رجع من السفر وجب عليه أن يصلي ركعتين في المسجد قبل دخول البيت لحديث جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد _ قال مسعر _ أراه قال: ضحى _فقال (صلِ ركعتين ). وكان عليه دين فقضاني وزادني) تخريج الحديث [ (6) أخرجه الإمام البخاري ( رقم 443). فإن قال مطلع: لقد قال بالوجوب أبو عوانة في صحيحه كتاب المساجد

(1/347 ط دار المعرفة)، أقول بعد دراسةٍ متواضعةٍ لكتاب أبي عوانة هذا وجدته يسلك في بعض تبويباته منهج الظاهرية،-ثم سألت الدكتور الذي كنت أقابل معه نسخ مسند أبي عوانة، فأكد لي ذلك ولله الحمد- وليس أبو عوانة من الظاهرية، فهو إن شاء الله من أهل الحديث أهل السنة والجماعة، وشتّان بين أبي عوانة وابن حزم، ومن جعلهما في مرتبة واحدة فقد طعن في أبي عوانة من حيث لا يشعر. أمّا ما شغّب به بعض الظاهرية الجدد فلا حاجة لنقضه، لعدم وجوده في الواقع إلاّ في ذهنهم المتحجر.

وابن حزم وإن كان يحمد لحبه للحديث وانتصاره له في مواطن عدّة، فإنه في مسائل الأسماء والصفات جهمي جلد كما قال ابن عبد الهادي ووافقه على الحكم الشيخ الألباني، راجع الصحيحة (1/187ط المعارف) وانظر درء التعارض (7/263)، وقال ابن تيمية كذلك في ابن حزم حين كان يتحدث عن نفاة الصفات في كتابه العظيم درء التعارض (5/249-250):((..وكذلك أبو محمد بن حزم، مع معرفته بالحديث، وانتصاره لطريقة داود وأمثاله من نفاة القياس أصحاب الظاهر، قد بالغ في نفي الصفات وردها إلى العلم، مع أنه لا يثبت علما هو صفة، ويزعم أن أسماء الله، كالعليم والقدير ونحوهما، لا تدل على العلم والقدرة، وينتسب إلى الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة، ويدّعي أن قوله هو قول أهل السنة والحديث، ويذم الأشعري وأصحابه ذمّا عظيما، ويدعي أنهم خرجوا عن مذهب السنة والحديث في الصفات. ومن المعلوم الذي لا يمكن مدافعته أن مذهب الأشعري وأصحابه في مسائل الصفات أقرب إلى مذهب أهل السنة والحديث من مذهب ابن حزم وأمثاله في ذلك)).

ملا: لقد خلط الأستاذ عبد الرحمن دمشقية في جزئه "موقف ابن حزم من المذهب الأشعري.." خلطا لا تتحمل هذه التصديرة كشفه، وملخصه أن المؤلف لا يعرف ابن حزم ومذهبه، ولا استفاد من نقد أهل الحديث له، وتكفي مقولة ابن تيمية السابقة.

قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية(ما جاء في سنة ست وخمسين وأربعمائة): ((والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وَضَعَهُ عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه، وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات، وأحاديث الصفات، لأنه كان أولا قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن مكولا وابن خلكان، ففسد حاله في باب الصفات)). ولزيادة بيان راجع منهاج السنة(2/ 583_584).

لقد دافع بعض الظاهرية الجدد عن ابن حزم انطلاقا من منهج الموازنات الذي يسلكه أهل البدع، وهذا ما كان يُحذِّر منه شيخي؛ الشيخ ربيع بن هادي حفظه الله، ولو مشينا على منهج الظاهرية الجدد لصار محي الدين بن عربي الطائي الصوفي الهالك من خيرة السلفيين حين قال عنه الذهبي في السير(23/48): (العلامة صاحب التواليف الكثيرة)، وإنني أنصح دعاة الموازنة في النقد بقراءة كتب شيخنا الفاضل ربيع بن هادي، وأن يستمع لأشرطة الشيخ محمد آمان الجامي حتى يقوى عندهم جانب الولاء للعقيدة السلفية. وأما ما يتعلق بمنهج الظاهرية ومتى تؤخذ أقوالهم ومتى ترد فإنّه يأتي تحريره في جزئي( النصيحة بوجوب لزوم فهم السلف للكتاب والسنة الصحيحة وأن أهل الحديث ليسوا هم الظاهرية الشحيحة) إن شاء الله، ولهذا أقول عن حكم هذه الصلاة كما قال ابن رجب في فتح الباري(2/460):(وقد صرح الشافعية بأن صلاتها في المسجد سنة، وهذا حق لا توقف فيه).

وليتأمل بعض الظاهرية الذين يتمسحون بالعلامة الألباني في قوله المرصع في الثمر المستطاب (2/628):«وظاهر الأمر يفيد وجوب صلاة القدوم من السفر في المسجد، لكني لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إليه، فإن وجد من قال به صرنا إليه، والله أعلم» رحم الله العلامة محمد ناصر الدين الألباني وجعل الجنة مثواه.]

وقِسْ على ذلك الشيء الكثير. ولم يتكلفوا معرفة فهم السلف لظواهر هذه النصوص العامة. وهي زلة وخيمة، عواقبها أليمة، آثرت الكلام فيها قصداً، تنبيهاً للغافلين، ونصيحة للمتطاولين، ونصرة لدين رب العالمين، وسأميط عنها اللثام بإيجاز، ولعلها تحرر في غير هذه التصديرة بشيء من الإسهاب والله الهادي إلى الصواب. أما في هذه التصديرة فلم أرم إلى التفصيل والكلام عن المسألة من كل جوانبها، إذ الأمر يطول جدا، ونخشى أن يعدل القراء عن استحسان إطابتها إلى استخشان إطالتها والله المستعان.

وأسوق في الأسطر الآتية نصوصا من الوحي، و نصائح من جهابذة أهل العلم دون ترتيب أكاديمي تشدُّ إلى لزوم فهم السلف للنصوص عموما وتحذِّرُ من التفلّت والتطاول، وهذا القدر المذكور في هذه التصديرة يجب أن لا يكون فيه خلافٌ بين السلفيين والله المستعان.ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وأما التفصيل لمجمل ما جاء في التصديرة مع مسائل أخرى مع ترتيب وتبويب للفصول فإنه يأتي بيانه في كتابي" أنوار الصبيحة في وجوب لزوم فهم السلف للكتاب والسنة الصحيحة، وأن أهل الحديث ليسوا هم الظاهرية الشحيحة".والله أسأل أن يوفق جميع المسلمين لما يحبه و يرضاه.

فأقــول:

قال تعالى(( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه. وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)) [التوبة100].

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في صدد رده على فرقة الاستدلال انطلاقا من هذه الآية:((فالجواب من وجوه؛ أحدهـما: أنّ الاتباع لا يستلزم الاجتهاد لوجوه، أحدها: أن الاتباع المأمور به في القرآن كقوله: (( فاتبعوني يحببكم الله ))[آل عمران31]، ((واتبعوه لعلكم تهتدون )) [الأعراف158]،((ويتبع غير سبيل المؤمنين)) [النساء115]. ونحوه لا يتوقف على الاستدلال على صحة القول مع الاستغناء عن القائل.

الثـاني:أنه لو كان اتباعهم في الاستدلال والاجتهاد لم يكن فرق بين السابقين وبين جميع الخلائق، لأن اتباع موجب الدليل يجب أن يتبع فيه كل أحد، فمن قال قولاً بدليل وجب موافقته فيه.

الثالث:أنه إما أن تجوز مخالفتهم في قولهم بعد الاستدلال أو لا تجوز، فإن لم تجز فهو المطلوب.

وإن جازت مخالفتهم فقد خولفوا في خصوص الحكم واتبعوا في أحسن الاستدلال، فليس جعل من فعل ذلك مُتبعاً لموافقتهم في الاستدلال بأولى من جعله مخالفاً في عين الحكم[ ثم قال ] .. وأما تخصيص اتباعهم بأصول الدين دون فروعه فلا يصح، لأن الاتباع عام، ولأن من اتبعهم في أصول الدين فقط لو كان متبعاً لهم على الإطلاق لكُنّا مُتبعين للمؤمنين من أهل الكتاب، ولم يكن فرق بين اتباع السابقين من هذه الأمة وغيرها.

وأيضا فإنّه إذا قيل:( فلان يتبع فلاناً، واتّبع فلانا، وأنا متبع فلانا). ولم يقيد ذلك بقرينة لفظية ولا حالية فإنه يقتضي اتباعه في كل الأمور التي يأتي فيها الاتباع، لأن من اتبعه في حال وخالفه في أخرى لم يكن وصفه بأنه متبع أولى من وصفه بأنه مخالف، ولأن الرضوان حكم تعلق باتباعهم فيكون الاتباع سبباً له، لأن الحكم المعلق بما هو مشتق يقتضي أن ما منه الاشتقاق سبب، وإذا كان اتباعهم سبباً للرضوان اقتضى الحكم في جميع موارده، ولا اختصاص للاتباع بحال دون حال..)).

ثم قال رحمه الله: ((الوجه التاسع قوله تعالى:(( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً))[البقرة143].

ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى أخبر أنه جعلهم أمة خياراً عدولاً، هذا حقيقة الوسط، فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإرادتهم ونياتهم، و بهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أمـمهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوّه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم [إلى أن قال ].. فإن الحق لا يعدوهم ويخرج عنهم إلى مَنْ بعدهم قطعاً، ونحن نقول لمن خالف أقوالهم: لو كان خيراً ما سبقونا إليه).

ثم قال رحمه الله بعد ما ذكر أن الله اجتباهم وجعلهم أهله وخاصته وصفوته بعد النبيين والمرسلين:((..والمقصود أنهم إذا كانوا بهذه المنـزلة عنده تعالى، فمن الـمحال أن يحرمهم كلّهم الصواب في مسألة، فيفتي فيها بعضهم بالخطأ، ولا يفتي فيها غيره بالصواب، ويظفر فيها بالهدى من بعدهم، والله المستعان).

وقال كذلك رحمه الله وجعل الجنّة مثواه بعد ما ذكر أن الصحابة أحق بوصف الإمامة من أصحاب موسى((..ومن الـمحال على من هذا شأنـهم أن يخطئوا كلهم الحق، ويظفر به المتأخرون، ولو كان هذا ممكنا لتقلبت الحقائق وكان المتأخرون أئمة لهم يجب عليهم الرجوع إلى فتاويهم وأقوالهم، وهذا كما أنه محال حساً وعقلاً فهو محال شرعاً وبالله التوفيق)).[ (7) إعلام الموقعين (4/124-133-134-135-ط دار الفكر)]

ولابن القيم كلام متين شبيه بهذا يأتي ذكره في الجزء الموعود بإذن الواحد الودود. وله كذلك كلام موهم استغله بعض الظاهرية الجدد وشوّشوا به على السلفيين، يأتي كذلك توجيهه في الجزء الموعود والله المستعان. وفيه تقرير أن كلام أهل العلم يخدم بعضه بعضا، فمن أخذ شطرا من كلامهم وترك الباقي فهذا سلك منهج أهل البدع الذين يأخذون ما لهم ويتركون ما عليهم، كما كان دأب علي بلحاج ألهمه الله الرشد.

هذه منـزلة الصحابة ومن سار على نهجهم من القرون الـمفضلة عند ابن قيم وسائر السلفيين أهل السنة والجماعة، أهل الحديث والأثر. فليحذر إخواننا أن يقعوا في مزلق الضلال بهجر منهجهم في الفهم والاستدلال بعلة أنهم اختلفوا، أو أنهم ((هم رجال ونحن رجال)).

عن عبد الله ابن مسعود مرفوعاً(خير الناس قرني ثـم الذين يلونهم ثـم الذين يلونهم، ثـم يجيء قومُ تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويـمينه شهادته)[(8) متفق عليه].

وعن ثوبان مرفوعاً:(( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك))[ (9) أخرجه مسلم ( 1920) وانظر الصحيحة للألباني رقم (270).].

قال ابن رجب رحمه الله عند شرحه لحديث النعمان بن بشير(الحلال بيّن والحرام بيّن..): ((.. ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق قولهُ الحقّ، فيكون هذا هو العالم بهذا الحكم، وغيره يكون الأمر مشتبهاً عليه ولا يكون عالماً بهذا، فإن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولا يظهر أهلُ باطلها على أهل حقّها، فلا يكون الحقُ مهجوراً غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار)).[ (10) جامع العلوم والحكم ( 1/184 ط دار ابن الجوزي).]

والصحابة ومن سار على نـهجهم ممن شهد لهم النبي بالخيرية هم أهل الفهم والاستدلال بل هم منبع الأصول وقواعده.

عن أبي جحيفة قال: قلت لعليّ : هل عندكم كتابُ ؟ قال: (لا، إلا كتاب الله أوفهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة..).[ (11) أخرجه البخاري رقم (111).]

قال الحافظ في الفتح ((.. معناه: لكن إن أعطى الله رجلاً فهماً في كتابه فهو يقدر على الاستنباط فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار))اهـ.

فالاستنباط فرع عن الفهم، فكيف يعطيهم الله الفرع ويهملهم الأصل سُبحانك هذا بـهتان عظيم.

عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (نُهينا عن اتباع الجنائز، ولم يُعْزَمْ علينا)[ (12) أخرجه البخاري (رقم 1278) ومسلم ( رقم 938).

]

قال الحافظ (( أي لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات. فإنها قالت: كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم)).

قلـت:

ففهمت أم عطية رضي الله عنها من قرينة الحال دون المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشدّد عليهن في النهي عن اتباع الجنائز، ولا يُقال: إنّ فهمها صارف للحكم من التحريم إلى الكراهة، فلا يصدر هذا إلا من عقل نضيب.

بل الصواب أن يُقال: أدركت أم عطية بقرينة الحال _ التي ظفر بـها الصحابة دون غيرهم _ أن النهي أصلا صدر منه للكراهة لا للتحريم فافهم هذا تكن من الفالحين.أما هل وافقها بعض الصحابة على فهمها أم خولفت في ذلك فهذه مسألة أخرى يأتي تحريرها في الجزء الموعود. وإنما الهدف من التصديرة التأصيل لاالتمثيل، ولا تغتر بقول الظاهرية.

ولهذا قال المهلب كما في الفتح:((في حديث أم عطية دَلالة على أن النهي من الشارع على درجات )).

فليخجل بعض طلاب العلم الذين سلكوا منهج الظاهرية حين أخروا فهم السلف للنصوص وقدّموا فُهوُمهم العليلة بعلل عليلة لازمها: أن السلف لا يعرفون من القرآن إلا لفظه ومن الحديث إلا متنه من غير فقه لذلك ولا فهم، وإن لم يصرح بعض طلاب العلم بذلك إلا أن آثار اللازم البين والجلي قد ظهرت على تصرفات بعضهم حين تعاملهم مع النصوص والله المستعان.

قال ابن تيمية رحمه الله:(( فإن هؤلاء المبتدعة[ قلت أنا ابو عبد الباري: كالبوطي، وحسن السقاف، ومحمد زاهد الكوثري، وأحمد صديق الغماري ورؤوس الأحزاب الضالة المعاصرة كعلي بلحاج وسلمان العودة وسفر الحوالي وعبد الرحمن عبد الخالق، و..و.. لا كثرهم الله...] الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك، بمنـزلة الأميين الذين قال فيهم جل وعلا: (( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني)) [ البقرة 78 ]. وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع الـمجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف، ..فجمعوا بين الجهل بطرق السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف)). المرجع.[(13) الفتوى الحموية الكبرى ( ص 204 ط الصميعي ) ؛ وقال قبل هذا ((ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف.)

قلت: وعليه فليتق الله أولائك الشباب الذين يفضلون بعض المعاصرين على من سلف.

قال معمر بن راشد الأزدي: ( أهل العلم كان الأول فالأول أعلم، وهؤلاء الآخر فالآخر عندهم أعلم ). انظر جزء رفع اليدين للإمام البخاري (ص107 ط بديع الدين) قلت: هذا في زمن معمر، حيث الخير متوافر، فكيف لو رأى زماننا وسمع ما يتفوه به بعض الناس الذين يفضلون فقه المتأخرين على فقه طاووس ومجاهد وعطاء، أظنه سيطير لُـبُّه والله المستعان.]


وقال أيضاً رحمه الله وجعل الجنة مأواه: (فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين- أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة على حقائقها بأنواع الـمـجازات وغرائب اللغات_ كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، و اعتقاد أنهم كانوا قوما أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله).

ويقول كذلك رحمه الله:((..ثم هؤلاء الـمخالفون للسلف إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقفوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء الـمحجوبون الـمنقوصون الـمسبوقون الحيارى الـمتهوكون: أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب آياته وذاته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، ومن ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلاً عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة _ لاسيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه _ من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود، والنصارى والصابئين، وأشكالهم، وأشباههم أعلم بالله من ورثة الأنبياء، وأهل القرآن والإيمان )).[ (14) الفتوى الحموية الكبرى (ص 212-213 ط الصميعي). ]

قال ابن القيم رحمه الله:((فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ القرآن ومعانيه، بل كانت عنايتهم بأخذ المعاني أعظم من عنايتهم بالألفاظ، يأخذون المعني أولاً ثم يأخذون الألفاظ..)).[(15) أنظر مختصر الصواعق ( 2/339).]

وعن ابن عباس رضي الله عنه:((أن زوج بريرة كان عبداً يُقال له مُغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مُغيث بريرة، ومن بغض بريرة مُغيثاً. فقال النبيe:(( لو راجعتيه )) قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (( إنما أنا أشفع))، قالت: لا حاجة لي فيه)).[ (16) أخرجه البخاري (رقم 5283)، أنظر الإرواء (6/274).]

قال الحافظ عند قولها رضي الله عنها(( تأمرني )):(( فيه إشعار بأن الأمر لا ينحصر في صيغة افعل، لأنه خاطبها بقوله( لو راجعتيه)، فقالت: أتأمرني أي تريد بهذا القول الأمر فيجب علي؟ وعند ابن مسعود من مرسل ابن سيرين بسند صحيح فقالت:يا رسول الله، أشئ واجب علي؟ قال لا)اهـ.

وفي هذا الخبر بيان واضح أن الصحابة أعلم الناس بقواعد الأصول وصيغ الإيجاب والحظر، ولهذا راجعتهُ صلى الله عليه وسلم. فالسلف وبالأخص الصحابة منهج حي ناطق لفهم النصوص، فمن أهمل فهمهم واتكأ على القواعد الأصولية المقعدة بعدهم فانتظر منه كلّ تفرد وشذوذ عن سبيل المؤمنين والله المستعان.

وصدق العلاّمة الألباني السلفي قولاً وعملاً نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً_ ويأتي برهان ذلك قريباً- حين قال في الشريط الذي سجّله معه بعض الشباب الإماراتي بما معناه: ((يأتي نص بصيغة الأمر، ويحمله السلف على الركنية أو الشرطية ..)).[(17) شريط سجل مع الشيخ في نهاية جمادى الآخرة 1419هـ. ]

لله دّرك يا محدث الشام، لكن أين الشباب الذين يلهجون باسم هذا الإمام ليلاً ونهاراً من هذا المنهج السلفي المحكم البُنيان، فبعضهم أخذ عنه علم التخريج وأهمل منهجه الواضح البهيج، ونصف آخر إذا أراد أن تكون لبضاعته المزجاة سوق، حرك مذياع المدح والثناء للتلبيس على السامعين من الرجال والنساء، حتى يُقال عنه إنّه من أتباع هذا الإمام وسائر السلفيين العلماء، كما هو دأب عدنان عرعور ومن كان على شاكلته، ولكن هل ينفعه هذا يوم تُبلى السرائر؟. كلا إلاّ من أتى الله بقلب سليم.

ولهذا فالفهم نعمة من الله يهبها لمن يشاء من عباده، وقد حازها الصحابة ومن اقتفى أثرهم من التابعين وتابعي التابعين أهل العلم والبصر.

قال ابن القيم رحمه الله:((صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أُعطي عبدُ عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم ويصير من المنعم عليهم الذين حسُنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرْناَ أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة،وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميّز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمدُّه حسن القصد،وتحري الحق وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى، وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق وترك التقوى)).[(18) إعلام الموقعين (1/87ط دار الفكر ). ]

وتمعن في هذه القاعدة العظيمة التي حررها ناصر السنة وقامع البدعة مجدد منهج السلف في عصره وهو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ((..فالعام الذي كثرت تخصيصاته المنتشرة أيضا لا يجوز التمسك به إلا بعد البحث عن تلك المسألة:هل هي من المستخرج أو من المستبقى؟ وهذا أيضا لا خلاف فيه، وإنما اختلف العلماء في العموم الذي لم يعلم تخصيصه، أو عُلمَ تخصيص صورة معينة فيه: هل يجوز استعماله فيما عدا ذلك قبل البحث عن المخصص المعارض له؟. فقد اختلف في ذلك أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما. وذكروا عن أحمد فيه روايتين، وأكثر نصوصه:على أنه لا يجوز لأهل زمانه ونحوهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها من السنة وأقوال الصحابةوالتابعين، وغيرهم،وهذا هو الصحيح الذي اختاره أبو الخطاب وغيره)).[ (19) القواعد النورانية (ص 292ط دار الفتح الشارقة). وتتمة كلام شيخ الإسلام (..فإن الظاهر الذي لا يغلب على الظن انتفاء ما يعارضه لايغلب على الظن مقتضاه. فإن غلب على الظن انتفاء معارضه غلب على الظن مقتضاه،وهذه الغلبة لا تحصل للمتأخرين في أكثر العمومات إلا بعد البحث عن المعارض. سواء جعل عدم المعارض جزءً من الدليل، فيكون الدليل هو الظاهر المجرد عن القرينة كما يختاره من لا يقول بتخصيص الدليل ولا العلة من أصحابنا وغيرهم، أو جعل المعارض باب المانع للدليل، فيكون الدليل هو الظاهر، لكن القرينة مانعة لدلالته،كما يقول من يقول بتخصيص الدليل والعلة من أصحابنا وغيرهم، وإن كان الخلاف في ذلك إنما يعود إلى اعتبار عقلي، أو إطلاق لفظي، أو اصطلاح جدلي لا يرتفع إلى أمر علمي أو فقهي) اهـ فهل يقول الظاهرية! إن الدليل والعلة لا يُخصصان؟ وهل حصلت لهم تلك الغلبة التي نفاها ابن تيمية عن كثير من المتأخرين؟ إذا كان أهل زمان الإمام أحمد لايجوز لهم استعمال ظواهر الكتاب قبل البحث عما يفسرها، فكيف بمن بعد القرون المفضلة؟ فكيف بأهل زماننا؟!!! فكيف بمن لم يبلغ درجة العلماء من أهل زماننا؟!! رحم الله عبدا عرف قدر نفسه فألجمها بزمام التقوى. وألزمها غرز منهج سلف الأمة. وتفصيل باقي المسألة يأتي في جزئي" أنوار الصبيحة" إن شاء الله. ]

وتأمل كلام ابن تيمية المستقرأ لأصول أهل السنة والجماعة المأخوذ عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حين قال:((لا يجوز)).

ومعنى ذلك، أنه من استنبط الأحكام من ظواهر النصوص بناءً على القواعد دون العودة إلى فهم السلف لظواهر هذه النصوص العامة فهو آثم، زد على ذلك أنه يفتح على الأمة أبواب شر وفتنة، وهل خرج علينا الخوارج الضلال، والجهمية، والقدرية، والمعتزلة، والأشاعرة، والصوفية، والسرورية، والقطبية، وسائر الفرق الضالة المنحرفة والمفسدة في الأرض إلاّ حين غيبّوا فهم السلف للنصوص واستعملوا عقولهم القاصرة والملوّثة؟.

قال ابن تيمية رحمه الله:((كان الإمام أحمد يقول:أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا نجد المعتزلة المرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا لا تجدهم يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون علىكتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب والكلام التي وضعتها رؤوسهم،وهذه طريقة الملاحدة أيضا، إنما يأخذون ما في كتب الفلاسفة، وكتب الأدب واللغة، وأما كتب القرآن والحديث و الآثار فلايلتقون، وهؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون القرآن برأيهم،وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد ذكرنا كلام أحمد و غيره في إنكار هذا وجعله طريقة أهــل البدع)).[ (20) كتاب الإيمان ( ص 113- 114 ط المكتب الإسلامي).


فليتق الله الذين سلكوا هذا المنهج -تغييب فهم السلف -وعليهم أن يدركوا أن عواقبه أليمة ونتائجه وخيمة والله المستعان.

قال ابن تيمية رحمه الله في صدد رده على افتراءات الإخنائي التي مدلولها أنّ ابن تيمية تكلم في مسائل لم يُسبق إليها، وأنه مع ذلك خرق الإجماع فأجاب ابن تيمية رحمه الله:((أنّ المجيب-ولله الحمد- لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء، فإن كان يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنّه قد قاله بعض العلماء كما قال الإمام أحمد:((إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)) فمن كان يسلك هذا المسلك كيف يقول قولاً يخرق به إجماع المسلمين، وهو لا يقول إلا ما سبقه إليه علماء المسلمين...)).انتهى المقصود منه. المرجع:[ (21) استحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية (ص 590ط دار الشارقة)، وأنقل بقية كلام ابن تيمية حتى لا يقول الظاهرية الجدد أننا بترناه قال رحمه الله:(...هل يتصور أن يكون الإجماع واقعا في موارد النـزاع؟ ولكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطئ في هذا الظن لا مصيب، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدّم على النافي. الوجه التاسع:أن دعوى الإجماع من علم الخاصة الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، إنما عدم العلم بالمنازع، ليس معناه الجزم بنفي المنازع، فإن ذلك قول بلا علم،ولهذا ردّ الأئمة –كالشافعي وأحمد وغيرهما- على من ادّعاها بهذا المعنى، وبسط الشافعي في ذلك القول. وأحمد كان يقول هذا كثيرا، ويقول: من ادعى الإجماع فقد كذب، ومايدريه أن الناس لم يختلفوا؟ ولكن يقول لا أعلم مخالفا. وأبو ثور قال: إن الذي يذكر من الإجماع معناه: أنا لاأعلم منازعا...)اهـ. المسائل المستفادة من كلام شيخ الإسلام:1-أنّه إذا ادّعى عالم الإجماع في مسألة ما، وقام الثاني وردّ عليه إنما يكون بذكر النـزاع، وبذلك ينتقض الإجماع ومن علم النـزاع حجة على من لم يعلم.2-أن الإجماع من علم الخاصة، ومنه لايجوز لطالب علم أن يقول أن مسألة مجمع عليها إلا حين يسند إلى أهل الاختصاص المعروفين بالاستقراء والتتبع كشيخ الإسلام مثلا.3-أن الإمامين الشافعي وأحمد وغيرهما لم يردوا الاحتجاج بالإجماع حاشاهم، وإنما ردّوا الجزم به وهذا من ورعهم وتقواهم رحمهم الله، وكانت كلمتهم: لا أعلم مخالفا، وهذه اللفظة تفيد الحجية وتنفي الجزم الذي نطقت به الجهمية.]


فهذا ابن تيمية النحرير المجتهد العالم بالأصول والفروع، قد شهد له بذلك الموالي والمعادي، ينفي عن نفسه أن يقول قولاً في دين الله ليس له فيه إمام، فكيف بصغار الطلاب في هذا الزمان الذين لم يبلغوا معشارَ عشر علم ابن تيمية ولن يبلغوه إلا أن يشاء الله، يغيبون فهم السلف بعلة أنهم اختلفوا، وبعد ذلك يطلعون علينا بأقوال لم تَطُنْ في أسماع الأولين )ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب(.




درر لا يستغني عنها مقتفي الأثر


قال إسحاق:سمعت مالك بن أنس رحمه الله يقول:(سمعت من ابن شهاب أحاديث لم أحدث بها إلى اليوم، قلت: لِمَ يا أبا عبد الله؟ قال: لم يكن العمل عليها فتركتها)[(22) رواه أبو نعيم في الحلية ( 6/322)، انظر السير للذهبي ( 8/107).و ترتيب المدارك للقاضي عياض (1/186) من طريق ابن وهب، وقال ابن عدي في مسند مالك: صحيح عن ابن وهب.وهذه المـرتبة تسمى عند مالك التوقف والاحتياط لا الرّد، كما حقق ذلك الشاطبي.]

قال الإمام الشافعي رحمه الله:(كل من تكلم بكلام في الدين أو في شيء من هذه الأهواء ليس فيه إمام متقدم من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من أحدث حدثا أو آوى محدثا في الإسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ).[ (23) مناقب الشافعي للبيهقي (2/335).]

وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه:( إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).[ (24) إعلام الموقعين ( 4/266). ]

وقال الإمام أحمد في رواية الميموني:( من تكلم في شئ ليس له فيه إمام أخاف عليه الخطأ).[(25) الآداب الشرعية لابن المفلح ( 2/60).]

قال عمر بن عبد الواحد:سمعت الأوزاعي يحدث عن ابن المسيب، أنه سئل عن شيء فقال:( اختلف فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا رأي لي معهم) قال ابن وضاح:( هذا هو الحق )، قال أبو عمر بن عبد البر:(معناه أنه ليس له أن يأتي بقول يخالفهم جميعاً فيه ).[ (26) أخرجه ابن عبد البر في الجامع (ص770برقم1423) بإسناد صحيح. ]

قال ابن تيمية رحمه الله:(وكل قول قيل في دين الإسلام مخالف لما مضى عليه الصحابة و التابعون، لم يقله أحد منهم، بل قالوا على خلافه، فإنه قول باطل ).[(27) منهاج السنة ( 5/262).]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كذلك:(لكن لا يمكن العالم أن يبتدئ قولاً لم يعلم به قائلاً ). [(28) مجموع الفتاوى (20/247). ]

وقال كذلك رحمه الله:( فمن بنى الكلام في العلم:الأصول والفروع على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين فقد أصاب طريق النبوة).[ (28) مجموع الفتاوى( 10/363)،انظر للفائدة الموافقات (3/56-71).]

فمن قال:إذا اختلف الصحابة في فهم نص فالأصل طرح أقوالهم واستعمال القواعد الأصولية فهذا منهج أهل البدع أعاذنا الله من شرهم، وإنني أحذر إخواننا من معرته وسوء مغبته.

قال ابن تيمية رحمه الله:(قال القاضي:الإجماع حجة مقطوع عليها، يجب المصير إليها ويحرم مخالفته، ولا يجوز أن تجمع الأمة على الخطأ، وقد نص أحمد على هذا في رواية عبد الله وأبي الحارث في الصحابة إذا اختلفوا لم يخرج عن أقاويلهم، أ رأيت إن أجمعوا له أن يخرج من أقاويلهم؟ هذا قول خبيث، قول أهل البدع، لا ينبغي لأحد أن يخرج من أقاويل الصحابة إذا اختلفوا).[(29) المستدرك على مجموع الفتاوى(2/ 113 أصول الفقه). ويأتي تحرير مقولة الإمام أحمد في تورعه من إطلاق الإجماع والجزم به في الجزء الموعود إن شاء الله الودود.]

وقال كذلك رحمه الله:(وكل قول يتفرد به المتأخر، ولم يسبقه إليه أحد منهم فإنه يكون خطأ كما قال الإمام أحمد: "إياك أن تقول في مسألة ليس لك فيها إمام).[(30) الفتاوى الكبرى (2/71). ]

جاء في الاختيارات الفقهية للبعلي:(ومكة أفضل بقاع الله، وهو قول أبي حنيفة والشافعي ونص الروايتين عن أحمد، قال أبو العباس: ولا أعلم أحدا فضل تربة النبي صلى الله عليه وسلم على الكعبة إلا القاضي عياض، ولم يسبقه إليه أحد ولا وافقه عليه أحد).[(31) الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام (ص:101 دار الكتب العلمية). ]

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله:(فأما الأئمة وفقهاء أهل الحديث فإنهم يتبعون الحديث الصحيح حيث كان، إذا كان معمولاً به عند الصحابة ومن بعدهم، أو عند طائفة منهم، فأما ما اتفق السلف على تركه فلا يجوز العمل به لأنهم ما تركوه إلا على علم أنه لا يعمل به ).[ (32) فضل علم السلف على الخلف ( ص 31 ).]

قال ابن خلّكان في ترجمة أبي القاسم عبد العزيز بن عبد الله الشافعي المعروف بالدّاركي:(كان يتهم بالاعتزال، وكان ربما أفتى على خلاف مذهب الإمامين الشافعي وأبي حنيفة، فيقال له في ذلك، فيقول: ويحكم! حدث فلان عن فلان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا، والأخذ بالحديث أولى من الأخذ بقول الشافعي وأبي حنيفة).[(33) وفيات الأعيان (3/189) ]

قال الذهبي معقباً على كلام الدّاركي:(قلت:هذا جيد، لكن بشرط أن يكون قد قال بذلك الحديث إمام من نظراء هذين الإمامين مثل مالك، أو سفيان، أو الأوزاعي، وبأن يكون الحديث ثابتاً سالماً من علة، وبأن لا يكون حجة أبي حنيفة والشافعي حديثاً صحيحاً معارضاً للآخر، أما من أخذ بحديث صحيح وقد تنكبه سائر أئمة الاجتهاد، فلا، كخبر:"فإن شرب في الرابعة فاقتلوه"،وكحديث"لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده).[ (34) السير ( 16/405) وهو كلام عظيم جداً وبحق،. وقد أورد سليم بن عيد الهلالي مقولة الداركي في جزئه "التعظيم والمنّة في الانتصار للسنّة" مستدلا بها على تعظيم السنة وذهل أن الداركي هذا معتزلي، وفاته كذلك تعقب الذهبي، الذي يكتب بماء الذهب. ]

وتأمل يا طالب العلم ما جاء في رسالة الإمام أحمد برواية الإصطخري كما في "الطبقات لأبي يعلى" (1/31). تجد فيها المسلك السليم لطالب العلم الراجي رضا رب العالمين،كما تجد فيها التحذير من دعاة طرح أقوال السلف وفهومهم للنصوص بعلة منع التقليد، دعاة التفلت والتطاول على الرعيل الأول، حتى صار يفتي بعضهم ويقول:التقليد شبيه بالشرك الأكبر دون أن يذكر تفصيل أهل العلم في المسألة، كما هو مشهور عن بعض طلاب العلم ألهمهم الله الرشد. مع أن التقليد محرم تحريم وسائل لا تحريم غايات.

قال الإمام أحمد:((والدين إنّما هو كتاب الله عز وجل، وآثار وسنن، وروايات صحاح عن ثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة، يصدق بعضها بعضاً، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم والتابعين وتابعي التابعين، ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم، المتمسّكين بالسنة، والمتعلقين بالآثار، لا يعرفون بدعة، ولا يطعن فيهم بكذب، ولا يُرْمَوْن بخلاف، وليسوا بأصحاب قياس ولا رأي، لأن القياس في الدّين باطل، والرأي كذلك وأبطل منه، وأصحاب الرأي والقياس في الدّين مبتدعة ضلاّل، إلا أن يكون في ذلك أثر عمن سلف من الأئمة الثقات ومن زعم أنه لا يرى التقليد، ولا يقلد دينه أحداً: فهو قول فاسق عند الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما يريد بذلك إبطال الأثر، وتعطيل العلم والسنة، والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف.وهذه المذاهب والأقاويل التي وصفتُ مذاهب أهل السنة والجماعة والآثار، وأصحاب الروايات، وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن،وكانوا أئمة معروفين ثقات أصحاب صدق، يقتدى بهم ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أصحاب بدعة،ولا خلاف ولا تخليط، وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم.فتمسكوا بذلك رحمكم‍ الله وتعلّموه وعلموه وبالله التوفيق)) اهـ. شرح وتعليق[ أولا: أشرح معنى التقليد فقد أساء قوم فهم مقولة الإمام أحمد فشوش بها على السلفيين، وأدخلهم في زقب وعر كانوا في مندوحة عنه، والمراد بالتقليد هنا: اتباع الآثار وعدم الشذوذ عن السلف، وذلك واضح من سياق الكلام، ولا يريد الإمام الهمام التقليد الذميم والملام الذي دعا إليه أقوام فوقعوا في الحرام، فتنبه ولا تكن من الهمج الرعاع، وهذا تفسير العلماء لمقولة الإمام أحمد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين"(4/122ـ123 طبعة دار الفكر) بعد ما نقل كلاما طويلا للإمام الشافعي:"وقال-يعني الشافعي- في ضلع البعير:قُلته تقليدا لعمر، وقال في موضع آخر قُلته تقليدا لعثمان، وقال في الفرائض:هذا المذهب تلقيناه عن زيد، ولا تستوحش من لفظة التقليد في كلامه، وتظن أنها تنفي قوله حجة بناء على ما تلقيته من اصطلاح المتأخرين أن التقليد قبول قول الغير من غير حجة، فهذا اصطلاح حادث)اهـ. وقال إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري في شرح السنة(ص118تحقيق الردادي):(فالله الله في نفسك، وعليك بالأثر وأصحاب الأثر والتقليد، فإن الدين إنما هو بالتقليد، يعني: للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، ومن قبلنا لم يدعونا من لبس، فقلدهم واسترح، ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر.

وقال الباحث بكر أبو زيد هداه الله في المدخل المفصل(1/64):(أن لفظ "التقليد" كان قبل نشوء التعصب المذهبي للمذاهب الأربعة يراد به "الاتباع" كما في إعلام الموقعين(4/122-123) فلا تغلط في فهم كلمة التقليد إذا رأيتها في آثار القرون الثلاثة الأولى المفضلة، وحتى لا تنـزلها على معنى هذا الاصطلاح الحادث) اهـ ( ثانيا: الكلام عن سند الرواية إنكار بعض أهل العلم لها، وأنا لا أطيل الكلام عن سند الرواية في هذه التصديرة، بل الذي يهمنا أن الإمام الذهبي أنكر لفظتين "وكلم الله موسى تكليما من فيه" و"ومن زعم أنه لا يرى التقليد..." أما الأولى فالله أعلم بحالها، ولا أرها تصح عن الإمام أحمد لعدم وجودها في روايات أخرى، وليس لها مخرج حسن يلجأ إليه، وأما الثانية وهي من لا يرى التقليد: فقد وضّح معناها العلامة البربهاري، ابن القيم، والباحث بكر أبو زيد فلا إشكال عندي في إيرادها، قال الدكتور عبد الإآـه بن سليمان بن سالم الأحمدي في كتابه "المسائل والرسائل"(1/40) (...لكن ورود هذين اللفظين في الرسالة لا يعني الحكم عليها بالوضع ككل، إذ إن مجمل ما في الرسالة موافق لأصول الإمام أحمد، ولما روى عنه، عدا هاتين اللفظتين، وهما من تصرف الرواة إن صحت نسبة الرسالة للإمام أحمد فإن هذه الرسالة بتمامها رويت بإسناد آخر وفيها إحدى هاتين اللفظتين، وفي إسنادها من لم يعرف وهي مطبوعة ضمن شذارات البلاتين، ولم يذكر الشيخ حامد الفقي-رحمه الله- المصدر الذي نقلها منه وهي مسوقة بإسناد طويل يبدأ من:عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي إلى أبي الحسن محمد بن أبي شيخ الرافعي ابن الحسن بن موسى العبادي بن أحمد بن وهب القرشي قال: قال أحمد)،قلت: وقد أورد الرسالة الباحث بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه(المدخل المفصل،1/61) دون أن يذكر(وكلم الله موسى من فيه)، فالإشكال في هذه اللفظة، وأما لفظة(ومن لايرى التقليد) فقد ظهر معناها، فلا ضير عندي في إرادها والله أعلم، وللمسألة زيادة بيان يأتي بسطه في الجزء الموعود إن شاء الله.]

وأختم بهذه النصائح لهؤلاء الأئمة الجحاجحة، وإذا وفق الله أزيد الموضوع بسطاً في تصديرة أخرى بعون الله وحوله.

قال أبوبكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله في كتابه "الأربعين"(ص:96-97):((لا يخرج عن قول صحابته رحمة الله عليهم، فإنه يرشد إن شاء الله، ومنها أنه حذرهم البدع وأعلمهم أنها ضلالة، فكل من عمل عملا أو تكلم بكلام لا يوافق كتاب الله عزوجل و لا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين و قول صحابته رضي الله عنهم:فهو بدعة، وضلالة، وهو مردود على قائله أو فاعله)).

قال أبو زيد القيرواني في كتابه"النوادر والزيادات"(ص:5):(إنه ليس لأحد أن يحدث قولا أو تأويلا لم يسبقه به السلف، وإنه إذا ثبت عن صاحب قول لا يحفظ عن غيره من الصحابة خلاف، و لاوفاق، أنه لا يسعه خلافه، وقال ذلك معنا الشافعي وأهل العراق، فكل قول نقوله، وتأويل من مجمل نتأوله فعن سلف سابق قلنا، أو أصل من الأصول المذكورة استنبطنا).

قال الحافظ ابن رجب في (فضل علم السلف على الخلف ( ص 42 ). ):(وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم من حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة من الظاهرية ونحوهم، وهم أشد مخالفةً لها لشذوذهم عن الأئمة، وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو بأخذ ما لم يأخذ به الأئمة من قبله).

ففروا يا طلبة العلم من آراء المعتزلة، وشذوذ الظاهرية، وليسعكم ما وسع أسلافكم والحمد لله رب العالمين.

وكتبه أخوكم الفقير إلى عفو ربه: أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري