أبو عبد الله الوهراني الجزائري
10-12-2009, 09:39 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
فممّا ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحلّ عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار قوّادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟
وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم؟ فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب "يس" بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم بأنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟[1]
فإذا نظر المرء في حال الأمة اليوم وجد وصل الذنوب بعضها ببعض: من الشرك كـ(الطواف بالقبور والاستغاثة بأصحابها ودعائهم من دون الله وإتيان السحرة والكهان والمشعوذين وتعليق التمائم...)، ومن الكفر كـ(سب الله والاستهزاء بآيات الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم...)، ومن المعاصي كبيرها وصغيرها كـ(الظلم والجهل ومحاربة السنة وأهلها وانتشار الزنا واللواط والربا والاختلاط والتبرج والغناء...)، وغيرها من المخالفات التي يطول ذكرها ويصعب استقصاءها، إذا نظر إلى كل هذه الظلمات فسيعلم أن الفساد ضارب في الأرض بأطنابه، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41], وهذه سنة القوي المتين في العصاة من الأولين والآخرين, قال الله تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر : 12 - 14]، ولكن الغالب في عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقع في الدنيا دون الآخرة رحمة من الرحمن الرحيم، قال صلى الله عليه وسلم:"جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياها"[2]. وفي رواية:" أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل"[3]. إذ عذاب الدنيا أهون بكثير من عذاب الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾[طه : 127]. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ وهل مر بك شدة قط. فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط". رواه مسلم.
فهذه كلمة يسيرة متواضعة؛ المقصود منها ذكر أمثلة من عذاب الدنيا وأسرار وقوعه وأهم وسائل دفعه ورفعه، وإنما أردت التنبيه والإشارة لا الاستقراء والاستقصاء والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أمثلة من عذاب الدنيا:
*زوال النعم وحلول النقم: قال الله جل شأنه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[النحل: 112], وقال الله جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾[إبراهيم: 27], ولله در القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحُطْها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم.
*تسليط الذل والصغار والهزيمة والضعف: فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"[4]. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".[5] وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت"[6].
*موت القلب وضيق الصدر: قال الباري سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. [طه:124] وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[المطففين : 14][7] .
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
*الأمراض والدمار: فعن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين ! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم".[8]
من أسرار وحكم وقوع العذاب في الدنيا:
*تكفير السيئات ورفع الدرجات: روى البخاري في [صحيحه 5641] عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". وعن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: " قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"[9].
*الفتنة والامتحان: قال الله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[العنكبوت: 2- 3], وهذه سنة العزيز الرحيم، قال العليم الخبير: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة : 214], وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾[الفرقان : 20].
*العبرة والعظة: العذاب قد يقع عقوبة فحسب لأهل المعصية كما فُعل بالأمم السابقة قوم نوح ولوط وغيرهما والسعيد من وعظ بغيره، فإذا كثر الخبث والفسق والفجور عمّ البلاء وإن وُجد الصالحون، لما رواه مسلم في صحيحه 7418 عن أُم حَبِيبَةَ بِنْت أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ والتي تَلِيهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». ولكن إن وجد المصلِحون المغيِّرون كان هذا سببا لنجاة الأمة -ندعو الله أن يكثرهم ويبارك فيهم- قال العزيز الحكيم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117], وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة : 105], وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوه بيده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"[10].
أهم وسائل دفع العذاب ورفعه:
- توحيد الله: وإفراده بالتأله قصدا وقولا وعملا وإخلاص الدين له والتقرب إليه بالعبادات الظاهرة والباطنة وتصفيتها لوجهه الكريم إذ الأمر بيد الله وحده سبحانه من قبل ومن بعد وهو على كل شيء قدير، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: 17], فيُتوجه إليه وحده بالدعاء والتضرع والاستعانة والاستغاثة، وإخلاصُها له محبة ورغبا ورهبا، وكم في قصص الأنبياء من عبرة وقدوة حيث استجاب الله لهم وكشف البلاء عنهم؛ قال سبحانه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾[الأنبياء: 89، 90], وهذا الأمر من الوضوح بمكان فإذا كانت نار جهنم التي هي أكبر عذاب وأعظم عقوبة لا تدفع إلا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له فكيف لا يدفع العذاب الدنيوي أو يرفع بتوحيد الله وإخلاص الدين له!!
- الاستغفار والإنابة والتوبة: بالندم والإقلاع عن الذنوب كبيرها وصغيرها والعزم على عدم العودة إليها كما قال العباس رضي الله عنه: "إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة"[11], وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[التحريم: 8], وقال جل شأنه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 54], وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الأنفال: 33], فنفى العذاب والعبادُ يستغفرون ولله الحمد.
- تقوى الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: 2], وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[الطلاق: 4، 5], ولا يتحقق ذلك إلا بحفظ أوامره بالامتثال وحفظ نواهيه بالاجتناب وحفظ أخباره بالتصديق؛ عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف"[12].
- شكر النعمة: بنسبتها إلى مسديها وحمده عليها وأداء حق العباد فيها ثمّ التقرب بها إليه,إذ هو صاحب الفضل فيها أولا و آخرا فهو الله الوهاب المعطي المنان وقال الله عز وجل: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾[النساء: 147], وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[إبراهيم : 7]، قال أحد السلف: "قيّدوا النعم بالشكر".
- الرجوع إلى الدين الحق: والمنبع الصافي لقول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي مرَّ آنفا: "... إلاّ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". قال الإمام العلاّمة ابن باديس رحمه الله في [مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ص252]: "أن الواجب على كل مسلم في كل زمان ومكان أن يعتقد عقدا يتشرّبه قلبه وتسكن له نفسه وينشرح له صدره ويلهج به لسانه وتنبني عليه أعماله أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان وقواعد الإسلام وطرائق الإحسان إنما في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأن كل ما خرج عن هذه الأصول ولم يحض لديها بالقبول قولا كان أو عقدا أو احتمالا فإنه باطل من أصله مردود على صاحبه كائنا من كان في كل زمان ومكان، فاحفظوها واعملوا بها تهتدوا وترشدوا"اهـ. فلا فلاح ولا نجاة إلا بالتزام هذه الوصية الجامعة والنصيحة النافعة من هذا الإمام المقتبسة والمستقاة من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾[الإسراء: 9], وقول النبي الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم: "وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة: ما أنا عليه وأصحابي"[13].
وفي نهاية المقال أحمد الله المعبود في كل زمان ومكان وأصلي وأسلم على النبي أحمد المبعوث بالحجة والبرهان وعلى آله وصحبه أولي الفضل والعرفان.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - انظر: الجواب الكافي لابن القيم-(1 / 26)
[2] - رواه الطبراني بسند صحيح. انظر: صحيح الجامع 3096
[3] - أخرجه أبو داود ( 4278 ) والحاكم ( 4/ 444) وأحمد(4/ 410) انظر: السلسلة الصحيحة 959
[4] - رواه أبو داود: (7 / 462) قال الألباني : صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة ( 11 )
[5] - قال الألباني: صحيح, أنظر: تخريج مشكلة الفقر(1 / 25).
[6] - أخرجه أبو داود(4297) قال الألباني: صحيح, انظر: السلسلة الصحيحة: 958 .
[7] - رواه أحمد 2 /297 قال الألباني: حسن, انظر: صحيح الجامع 2550.
[8] - رواه ابن ماجه ( 4019 ) وأبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 333 - 334 ) وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة 106 .
[9] - رواه الترمذي ( 2 / 64 ) وابن ماجه ( 4023 ) والدارمي ( 2 /320 ) وصححه الألباني, انظر: السلسلة الصحيحة 143 .
[10] - أخرجه أحمد (53) وأبو داود (2/ 217 ) وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة 1564
[11] - ذكر ابن حجر أن الزبير بن بكار أخرجه بإسناده إلى العباس - فتح الباري (3 / 443)
[12] - رواه الترمذي2516 وصححه الألباني.انظر: ظلال الجنة ( 316 - 318 ).
[13] - رواه الترمذي 2641 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وحسنه الألباني, انظر: صحيح الجامع 9474.
فممّا ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر، ولا شك أن ضررها في القلوب كضرر السموم في الأبدان على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرور وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه، فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّل بالقرب بعدا وبالرحمة لعنة وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان وسقط من عينه غاية السقوط وحلّ عليه غضب الرب تعالى فأهواه ومقته أكبر المقت فأرداه فصار قوّادا لكل فاسق ومجرم رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة؟ فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رأس الجبال؟
وما الذي سلط الريح العقيم على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكم جميعا ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم؟ فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم ولإخوانهم أمثالها وما هي من الظالمين ببعيد. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب "يس" بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟
وما الذي بعث على بني إسرائيل قوما أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال وسبوا الذرية والنساء وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرا؟ وما الذي سلط عليهم بأنواع العذاب والعقوبات مرة بالقتل والسبي وخراب البلاد ومرة بجور الملوك ومرة بمسخهم قردة وخنازير؟[1]
فإذا نظر المرء في حال الأمة اليوم وجد وصل الذنوب بعضها ببعض: من الشرك كـ(الطواف بالقبور والاستغاثة بأصحابها ودعائهم من دون الله وإتيان السحرة والكهان والمشعوذين وتعليق التمائم...)، ومن الكفر كـ(سب الله والاستهزاء بآيات الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم...)، ومن المعاصي كبيرها وصغيرها كـ(الظلم والجهل ومحاربة السنة وأهلها وانتشار الزنا واللواط والربا والاختلاط والتبرج والغناء...)، وغيرها من المخالفات التي يطول ذكرها ويصعب استقصاءها، إذا نظر إلى كل هذه الظلمات فسيعلم أن الفساد ضارب في الأرض بأطنابه، قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾[الروم: 41], وهذه سنة القوي المتين في العصاة من الأولين والآخرين, قال الله تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾[الفجر : 12 - 14]، ولكن الغالب في عذاب أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقع في الدنيا دون الآخرة رحمة من الرحمن الرحيم، قال صلى الله عليه وسلم:"جعل الله عذاب هذه الأمة في دنياها"[2]. وفي رواية:" أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل"[3]. إذ عذاب الدنيا أهون بكثير من عذاب الآخرة. قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾[طه : 127]. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ثم يقال : يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ وهل مر بك شدة قط. فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط". رواه مسلم.
فهذه كلمة يسيرة متواضعة؛ المقصود منها ذكر أمثلة من عذاب الدنيا وأسرار وقوعه وأهم وسائل دفعه ورفعه، وإنما أردت التنبيه والإشارة لا الاستقراء والاستقصاء والله وحده الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
أمثلة من عذاب الدنيا:
*زوال النعم وحلول النقم: قال الله جل شأنه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[النحل: 112], وقال الله جل شأنه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾[إبراهيم: 27], ولله در القائل:
إذا كنت في نعمة فارعها فإن المعاصي تزيل النعم
وحُطْها بطاعة رب العباد فرب العباد سريع النقم.
*تسليط الذل والصغار والهزيمة والضعف: فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"[4]. وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".[5] وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت"[6].
*موت القلب وضيق الصدر: قال الباري سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. [طه:124] وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه وإن عاد زيد فيها حتى تعلو على قلبه وهو الران الذي ذكر الله تعالى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾[المطففين : 14][7] .
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله:
رأيت الذنوب تميت القلوب وقد يورث الذلَّ إدمانها
وترك الذنوب حياة القلوب وخير لنفسك عصيانها
*الأمراض والدمار: فعن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه قال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا معشر المهاجرين ! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجَور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم".[8]
من أسرار وحكم وقوع العذاب في الدنيا:
*تكفير السيئات ورفع الدرجات: روى البخاري في [صحيحه 5641] عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حُزْنٍ وَلاَ أَذًى وَلاَ غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ". وعن مصعب بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: " قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: فقال: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"[9].
*الفتنة والامتحان: قال الله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[العنكبوت: 2- 3], وهذه سنة العزيز الرحيم، قال العليم الخبير: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة : 214], وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾[الفرقان : 20].
*العبرة والعظة: العذاب قد يقع عقوبة فحسب لأهل المعصية كما فُعل بالأمم السابقة قوم نوح ولوط وغيرهما والسعيد من وعظ بغيره، فإذا كثر الخبث والفسق والفجور عمّ البلاء وإن وُجد الصالحون، لما رواه مسلم في صحيحه 7418 عن أُم حَبِيبَةَ بِنْت أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهَا أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ رضي الله عنها زَوْجَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَزِعًا مُحْمَرًّا وَجْهُهُ يَقُولُ «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ والتي تَلِيهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ». ولكن إن وجد المصلِحون المغيِّرون كان هذا سببا لنجاة الأمة -ندعو الله أن يكثرهم ويبارك فيهم- قال العزيز الحكيم: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: 117], وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾[المائدة : 105], وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوه بيده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه"[10].
أهم وسائل دفع العذاب ورفعه:
- توحيد الله: وإفراده بالتأله قصدا وقولا وعملا وإخلاص الدين له والتقرب إليه بالعبادات الظاهرة والباطنة وتصفيتها لوجهه الكريم إذ الأمر بيد الله وحده سبحانه من قبل ومن بعد وهو على كل شيء قدير، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[الأنعام: 17], فيُتوجه إليه وحده بالدعاء والتضرع والاستعانة والاستغاثة، وإخلاصُها له محبة ورغبا ورهبا، وكم في قصص الأنبياء من عبرة وقدوة حيث استجاب الله لهم وكشف البلاء عنهم؛ قال سبحانه: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾[الأنبياء: 89، 90], وهذا الأمر من الوضوح بمكان فإذا كانت نار جهنم التي هي أكبر عذاب وأعظم عقوبة لا تدفع إلا بتوحيد الله وإخلاص العبادة له فكيف لا يدفع العذاب الدنيوي أو يرفع بتوحيد الله وإخلاص الدين له!!
- الاستغفار والإنابة والتوبة: بالندم والإقلاع عن الذنوب كبيرها وصغيرها والعزم على عدم العودة إليها كما قال العباس رضي الله عنه: "إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة"[11], وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[التحريم: 8], وقال جل شأنه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: 54], وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾[الأنفال: 33], فنفى العذاب والعبادُ يستغفرون ولله الحمد.
- تقوى الله: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾[الطلاق: 2], وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[الطلاق: 4، 5], ولا يتحقق ذلك إلا بحفظ أوامره بالامتثال وحفظ نواهيه بالاجتناب وحفظ أخباره بالتصديق؛ عن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: "يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف"[12].
- شكر النعمة: بنسبتها إلى مسديها وحمده عليها وأداء حق العباد فيها ثمّ التقرب بها إليه,إذ هو صاحب الفضل فيها أولا و آخرا فهو الله الوهاب المعطي المنان وقال الله عز وجل: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾[النساء: 147], وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾[إبراهيم : 7]، قال أحد السلف: "قيّدوا النعم بالشكر".
- الرجوع إلى الدين الحق: والمنبع الصافي لقول الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي مرَّ آنفا: "... إلاّ سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". قال الإمام العلاّمة ابن باديس رحمه الله في [مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير ص252]: "أن الواجب على كل مسلم في كل زمان ومكان أن يعتقد عقدا يتشرّبه قلبه وتسكن له نفسه وينشرح له صدره ويلهج به لسانه وتنبني عليه أعماله أن دين الله تعالى من عقائد الإيمان وقواعد الإسلام وطرائق الإحسان إنما في القرآن والسنة الثابتة الصحيحة وعمل السلف الصالح من الصحابة والتابعين، وأن كل ما خرج عن هذه الأصول ولم يحض لديها بالقبول قولا كان أو عقدا أو احتمالا فإنه باطل من أصله مردود على صاحبه كائنا من كان في كل زمان ومكان، فاحفظوها واعملوا بها تهتدوا وترشدوا"اهـ. فلا فلاح ولا نجاة إلا بالتزام هذه الوصية الجامعة والنصيحة النافعة من هذا الإمام المقتبسة والمستقاة من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾[الإسراء: 9], وقول النبي الناصح الأمين صلى الله عليه وسلم: "وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة: ما أنا عليه وأصحابي"[13].
وفي نهاية المقال أحمد الله المعبود في كل زمان ومكان وأصلي وأسلم على النبي أحمد المبعوث بالحجة والبرهان وعلى آله وصحبه أولي الفضل والعرفان.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] - انظر: الجواب الكافي لابن القيم-(1 / 26)
[2] - رواه الطبراني بسند صحيح. انظر: صحيح الجامع 3096
[3] - أخرجه أبو داود ( 4278 ) والحاكم ( 4/ 444) وأحمد(4/ 410) انظر: السلسلة الصحيحة 959
[4] - رواه أبو داود: (7 / 462) قال الألباني : صحيح، انظر: السلسلة الصحيحة ( 11 )
[5] - قال الألباني: صحيح, أنظر: تخريج مشكلة الفقر(1 / 25).
[6] - أخرجه أبو داود(4297) قال الألباني: صحيح, انظر: السلسلة الصحيحة: 958 .
[7] - رواه أحمد 2 /297 قال الألباني: حسن, انظر: صحيح الجامع 2550.
[8] - رواه ابن ماجه ( 4019 ) وأبو نعيم في " الحلية " ( 8 / 333 - 334 ) وحسنه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة 106 .
[9] - رواه الترمذي ( 2 / 64 ) وابن ماجه ( 4023 ) والدارمي ( 2 /320 ) وصححه الألباني, انظر: السلسلة الصحيحة 143 .
[10] - أخرجه أحمد (53) وأبو داود (2/ 217 ) وصححه الألباني. انظر: السلسلة الصحيحة 1564
[11] - ذكر ابن حجر أن الزبير بن بكار أخرجه بإسناده إلى العباس - فتح الباري (3 / 443)
[12] - رواه الترمذي2516 وصححه الألباني.انظر: ظلال الجنة ( 316 - 318 ).
[13] - رواه الترمذي 2641 من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه وحسنه الألباني, انظر: صحيح الجامع 9474.