أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي
08-16-2009, 12:53 PM
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أنزل اللهُ داء، إلا أنزل له شفاء) أخرجه البخاري.
ملخص كتاب: إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة.
بقلم:
أبي عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
تقريظ رسالة إبلاغ الفهامة بأحكام الحجامة للعلاّمة(1) أبي عبد الباري عبد الحميد بن أحمد العربي.
أقول بعد حمد الله تعالى، والصّلاة والسّلام على رسوله وآله وصحبه:
لقد ناولني الأستاذ أبو عبد الباري رسالته القيّمة ذات العلم الغزير الشافي، في باب الحجامة وأحكامها وفوائدها الصحية.
وقد وُفِّقَ الأستاذُ حيث جمع بين أكثر الأحاديث الواردة في الحجامة؛ صحيحها وضعيفها، وفصل الأحاديث الضعيفة عن الصحيحة ليحذَرَ المؤمنُ الضعيفَ، ولا يعمل به، وخلاصة القول في هذه الرسالة؛ أنها رسالةُ كلِّ مؤمن ومؤمنة في هذه الأيام، حيث كثر الخلط والخبط، فلا ينبغي أن يخلو منها مكتب في منـزل، أو مكتبة في مدينة.
وأخيراً؛ اللهم اجز مؤلفها خير الجزاء، وأحسن عاقبتي وعاقبته في الأمور كلِّها، إنك ولي ذلك، والقادر عليه.
المقرظ: أبو بكر جابر الجزائري في 3/5/1418هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]] [آل عمران 102].
[[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً]] [النساء:1].
[[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً]] [الأحزاب:70-71].
أما بعد(2).
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
فهذا جزءٌ لطيفٌ خفيفٌ في صفةِ الحجامةِ، وبعضِ أحكامِها وفوائدها النافعة، أقدِّمُه للقرّاء الكرام راجياً من الله تعالى أن يستفيدوا منه علماً نافعاً، وعملاً صالحاً.
وهذا الجزءُ اللطيفُ الذي أقدِّمه للقرّاء الفضلاء لا يتعارض والطّبّ الحديث، ولا يجوز أن يتبادر إلى الأذهان السليمةِ أنّ التداويَ بالحجامة أمرٌ بدائيٌ وقديمٌ، ولا يسايرُ الطّب الحديث، ولا يرجى منه فائدة، فمن ظن هذا وُسِم بالجهل، وسقط مِن زمرة أهلِ المعرفة والدراية، وأدخل نفسَه ومنهجَه حُفر الرّيب والجهل والعياذ بالله، والواجبُ على العالم، ومن مَنَّ اللهُ عليه بشيء من العلم إرشادَه إلى الهُدى حتى يستنير بالوحي الذي جاء به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكمُل بذلك عقلُه، وتصفى روحُه، ويرقى في سُلم العلم والهداية، ويخرج من حقل الجهل والغِوايّة.
والناظرُ في جزئي هذا وفّقه اللهُ تبارك وتعالى إلى كل خير، يُدرك أنَّ الإسلامَ الحنيفَ جاء للحفاظ على عنصر الإنسان، ووقايته من كل شرّ وحَبَنٍ وأُنان، سواءٌ كان الشرُ داخلياً أو خارجياً، عضوياً أو نفسياً، وبعبارة موجزةٍ، فالإسلامُ دينُ الحياةِ والطُمأنينة، فمن رغب عن هذا الدّين القويم، وما فيه من الهدى والحقّ المبين، فقد رغب عن الحياة الحقيقية، والسّعادة السرمدية، وإن زعم هذا الراغب عن الوحي أنه حيٌ يتنفس، أو وُصِف بالحياة الظاهرة، فالمعرض عن الإسلام الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ميت، وإنْ صعد إلى القمر، أو شرب الشاي على زحل.
وقد سمَّيْتُ هذا الجزء الموجز بعون الله القدير: "إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة"، فمن وجد فيه بغيته وحاجته فليحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا ينسانا من صالح دعائه، فما أحوجنا إلى الدعاء في هذا الزمن العصيب الذي كثرت فيه الفتن والافتراءات.
وأخيراً أسأل الله العلي القديرأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يثبتنا على المنهج أهل الحديث والأثر قولا وعملا، وأن يرزقنا الصِّدق والإخلاص في الأمور كلها، وأن يقينا شرّ أهل الأهواء وأهل الفتن، إنّه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
وكَتبَه:ُ
أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الأثري الجزائري.
في مدينة أبوظبي منطقة المرور دولة الإمارات العربية المتحدة.
تــوضيــحٌ.
1- لقد اخترتُ أيسرَ العبارات وأسهلَها؛ حتى يتسنى لكلّ قارئ فهم الجزء و الاستفادة منه، كما قال الحسنُ بنُ إسحاق اليمني النحوي.
لعمرُك ما اللحن من شيمتي...... ولا أنا من الخطأ ألحن.
ولكني قد عرفت الأنــام......فخاطبت كلا بما يحسن.
2- نهجتُ الاختصارَ دون إخلال، لأنَّ الإيضاح الزائد عن الحاجة يفضي إلى الملل والركاكة.
3- لقد أعدتُ النظرَ في الطَّبعة السابقةِ لهذا الجزء، والتي كانت من نصيب دار الإمام مالك بالجزائر، وخاصة في مراجعة الأحاديث التي بنيتُ عليها أحكامي، لأنني حين كتبتُ هذا الجزء قديماً اعتمدتُ على صَحَاحِ العلاّمة المحدث ناصر الدين الألباني للأحاديث - رحمه الله- وفي ذلك الوقت كنت أعدُّ نفسي مقلداً للشيخ - رحمه الله - ولم يكن لي رأيٌ مع رأيه في باب تصحيح وتضعيف الأحاديث، ولكن بعد ما توسعتُ قليلاً في دراسة هذا العلم، واتسعت دائرتي في معرفة علم العلل، ومنهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف، عزمتُ على تتبع طُرُق الحديثِ بنفسي، والنّظر في رجاله، وماذا قال أئمَّةُ الصُّنْعة من المتقدمين فيه، فإن اطمأن قلبي إلى حُكم الشيخ العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني أبقيته وحمدتُ الله على ذلك، وإن اتضح لي غيرُ ذلك دونت ما توصلت إليه، بالنظر في كتب أهل العلم مع الملامسة لأوراقها والشَّمِ لرائحتها، على غِرار ما يصنعه بعضُ المحققين في هذا الزمان، فإن جلّ أعمالهم إلاّ مَنْ رحم الرحمن -وقليل ما هم- عن طريق الموسوعات المبرمجة في جهاز الحاسوب، فتراهم يخرِّجون الحديث من مائة مصدر أو أكثر، ثم يسوِّدون بها حواشي الكتب، دون النظر: هل هذا الحديث معلول أم محفوظ، أو منكر أم معروف مما هو مبينٌ عند علماء العلل، وكان الأليق بهذا الصنف أن يكتب على ظهر الكتاب حقّقه وخرّج أحاديثه جهازُ الحاسوب، ولهذا تجد هذا الصنف من المحققين فارغاً من العلم والضبط، وإذا تكلم ظهرت عليه سمات العوام، فتأتي لتقارن بين كتبه المتناثرة والمظلمة الحواشي، وبين ذاته التي أمامك، وإذا بك تفاجأ بالمغايرة ويصعبُ عليك الجمع بين الحاشية المظلمة والذات القائمة، لأنك تجد الكُتبَ والأجزاء في وادٍ، والـمُحققَ في وادٍ آخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا لا بركة في كتبهم وأعمالهم -إلا من رحم ربي- لأنّها خرجت من جهاز جامد ولم تخرج من عقل متوقد يعيش للدعوة السلفية بروحه ومادَّته، فأنا العبد الفقير أفضِّلُ الطالب الذي يُخرِّج الحديث من عشرة مصادر مع العلم والإتقان والدِّراية، على طالبٍ آخر خرّج الحديث من طُرق شتى عن طريق الأقراص المدمجة، مع خواء في الفهم، وعجز في النقد، فاللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، وجنبنا سوق التُّجار بتراث السلف الكرام، إنك ولي ذلك والقـادر عليـه، والتوفيـق من عنـد الله- جل وعز-.
ومنهج الجِدّ والتدقيق في التحقيق تعلمناه من علاّمة الشام، وحسَنة الأيام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وجعل الجنّة مثواه.
وبالمناسبة دعونا نتكلم في هذه المقدمة بإيجاز شديد عن بعض أنصاف المتعالمين الذين كانوا في غياهب الجهل غارقين، وكان الواحد منهم لا يفرق بين حديث أخرجه البخاري في صحيحه وحديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، فإنّ هذا الصنف من الناس قد تغذّى من كتب الشيخ العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني المديدة والعديدة؛ كالسلسلتين الذهبيتين، والإرواء، وهم يعترفون بهذا، كالمدعو محمود سعيد ممدوح المصري، ولكن بعد ما استوى عودُهم على عِوج وتفتحت عقولُهم على مرج قلبوا ظهر المجن للعلاّمة الألباني رحمه الله ونَسُوا أن يمتثلوا قول الله تعالى [[هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ]] [الرحمن:60].
فإنّك يا طالب الحق والهداية ترى بعض الكتّاب والمحققين لتراث السلف كالمصري المشار إليه سالفا والإردبي ومن كان على طريقتهما وسكيكتهما، وبعض المنتمين إلى مدارسَ متنوعةٍ من كوثرية هالكة، أوغُمارية في الضلال غارقة، أوحدادية غالية، ومنهم العياذ بالله من جمع بين الأوصاف الثلاثة؛ ساعين وجاهدين في نسف جهود هذا المحدِّث الكبير والفقيه الرزين، بشتى وسائل الدّس والتدليس، والتزوير والغشِّ والكذب والتلويس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أراد أن يقف بنفسه على طعانات الكوثريين والغماريين المكشوفة والمسمومة في العلاّمة الألباني، ويرى العجب بعينيه، ويجمع قاموساً في التدليس والبتر والغش؛ فليرجع إلى ما خلَّفه المسمى محمود سعيد ممدوح المصري، وضَمنه كتابه «التعريف بأوهام من قسَّم السُّنن إلى صحيح وضعيف»، فإنه سيجد ما يُندى له الجبين، ويشين وجهَ مَنْ سطر التخريف بالشمال أو اليمين.
ثم نقول لهذا المصري، صاحبِ التخريف! والذي باع ذمته لأهل الأهواء بدراهم معدودات (وهذا الرجل عينة من ميئات العينات): هَبْ جدلا أننا لا نوافق الشيخ الألباني إلى ما ذهب إليه من تقسيم السّنن إلى صحيح وضعيف، ونرى خدمة السّنن بجمع نُسخها المخطوطة، ورواياتها المتعددة والمفرقة في مكتبات العالم، ثم نقابل بينها، وندقق ونحقق ونخرج نسخة دقيقة محققة كما قال صنوه محمد عبد الله آل شاكر الذي نقل المدعو محمود سعيد ممدوح كلامه في كتابه "التخريف" (1/32)، فهل هذه المخالفة تبيح لك الكذب والتّدليس، وإسقاط الشيخ ورميه بالجهل، بل والسّعي إلى التّعريف به للناس وكأنّه كاتب مغمور جاء على حين غفلة من أدغال إفريقيا، وألّف الصّحيحة والضّعيفة واختصر البخاري، وخدم السنن, وأخرج عشرات الكتب الماتعة والنافعة، التي لو اجتمع صاحب التخريف وشيعته التي تؤزّه أزًّا على أن يأتوا بمثلها، لا يأتون بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
يا لها من مهزلة مكشوفة تضحك من غرائبها الثكلى.
إن خدمة السُنن مع ذكر الأسانيد هو الذي فضّله الأوائل دون جعجة صاحب التخريف! هداه الله وطهر قلبه من الشُّبه.
قال الهيثمي في موارد الضمآن: «...وأردت أن أذكر الصحابي فقط وأُسقِط السّند اعتمادا على تصحيحه، فأشار عليّ سيدي الإمام أبو زرعة ابن سيد الإمام العلاّمة شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم بن العراقي بأن أذكر الحديث بسنده لأن فيه أحاديث تكلّم فيها بعض الحفاظ، فرأيت أن ذلك هو الصواب».
وعلّق العلاّمة الألباني رحمه الله على كلام الهيثمي في صحيح الموارد (1/90) قائلا: «قلت: وأصوبُ منه أن يتكلّم على السّند أيضا تصحيحا وتضعيفا، إلا أن هِمّة أكثر القراء تضعف ولا تنشط لقراءة الأحاديث بسندها، ولذلك جريت على اختصار أسانيد كتب السنّة، وبخاصة السنن الأربعة منها، مع تقديم خلاصة موجزة عن تلك الأسانيد من صحة وضعف، لأنها هي الغاية من الأسانيد ودراستها، وأنفع لعامة القرّاء من طبع السنّة بأسانيدها فقط، دون بيان مراتبها...».
قلت: و بيان درجة كل حديث من الضَعف والصّحة اعتماداً على منهج علماء الحديث في نقد الرجال وتوثيقهم هو الذي تميّز به العلامةُ الألباني عن غيره من المعاصرين ممن يدعي معرفة علم الحديث كهذا المصري الآبق، وحسن السقّاف المارق، وبهذه الطريقة يرى العلامة الألباني تقريب سنة النبي صلى الله عليه وسلم موثقة ومحققة ومنقحة، حتى يُجنِّب القراء من الوقوع في الوعيد الشديد الوارد في صحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار»، فإنّ هذا الاختلاف في وجهات النظر مع العلاّمة الألباني رحمه الله لا يسوِّغ الظلمَ والتدليسَ والكذبَ، ورميَ الشيخ الألباني رحمه الله بكل رذيلة ونقيصة والعياذ بالله من سخطه، وعجيب أمر المصري وقومه فإنهم يكتبون ويؤصلون: إنّ اختلاف الأمة رحمة، فلما كان الشأن يخص العلامة الألباني صار عند القوم غمة!، فما أقبح الهوى فإنه بوابة الذل والردى.
ولكني أقول لهذا الرجل:
-يكفي العلاّمة الألباني رحمه الله شرفا أنه كان سلفياً على الجادة كما شهد له بذلك الكبار من أهل العلم والمعرفة.
-وأنّه رَحِمَه اللهُ خدم الإسلام خدمة عظيمة تعجز عن إنجازها مراكز متضافرة.
- وأنه رحمه الله قام بنشر وتحقيق كتب العقائد السلفية؛ كالإيمان لابن تيمية، ومختصر العلو للذهبي، وكتاب القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي، وكتاب الطحاوية، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وغيرها كثير من الكتب العظيمة التي تخدم العقيدة التي كان عليها السلف الكرام، وما قام المصري البقباق بـمحاربة العلاّمة الألباني إلا لأن الشيخ رحمه الله نشر المعتقد الصحيح في أوساط المسلمين، وكشف عوار غلاة الصُوفية وضلالات الكوثريين والغماريين، والقبوريين، فثقلت على المصري المساجلة العقدية لأنها تكشف عوْر منهجه القبوري المنحرف، فجاء وتستر بعلم الحديث، ليشكك -عامله الله بما يستحق- في منهج هذا الإمام بأسلوب خبيث يتنزه عنه كلُ ذي سجية من البرية، وهو أسلوب سلكه الكوثري، ومن بعده أبو غدة ومعه وبعده محمد عوامة؛ وهي سلسلة طويلة يصعب حصرها في هذا الجزء الموجز، والله المستعان.
ولكن ماذا عساني أن أقول في حقّ رجل في القرن العشرين باع ذمته بقروش معدودة ليصد عن سبيل الله ويحارب الصالحين من عباد الله، والله المستعان.
-ويكفي كذلك علاّمة الشام أبا عبد الرحمن أنه نذر نفسه لكسر أقلام أهل البدع، ومن أبرزهم عبد الفتاح أبو غدة الصورة المصغرة للكوثري الهالك، ومحمد الغزالي المصري المعتزلي، وحسان عبد المنان الهدام للسنة، ومحمد سعيد رمضان البوطي المنحرف عن الصراط، والحاقد على أهل الحقّ وغيرهم كثير.
-ويكفيه فخرا وشرفا رحمه الله أنّه أعاد اسم السلفية مع إخوانه العلماء إلى أذهان الشباب المتحير مع بيان أصولها، والذبّ عن حياضها بعد ما كادت تسطو عليهم الأفكارُ المبتورة واليتيمة، كفكر الإخوان، والتبليغ، والخوارج ومن سبح في حوضهم، وارتوى من مائهم الآجن.
فالعلامة الألباني رحمه الله وجعل الجنة مثواه يُعدّ مجدداً في هذا الزمان، وهو من كبار المجتهدين فمن أراد أن ينقده فلينقده بحلمٍ وعلمٍ وأناة وصدقٍ، دون جرحٍ أو خدش أو إساءة، وإلا وُسِم الناقد للشيخ بأنه معادٍ للمنهج السلفي، وإن تظاهر بالتخريج والتحقيق، فالكوثري الهالك كان شيئاً في أعين بعض النّاس، وهو مطلع بحقٍ كما وصفه بعضُ معاصريه، ولكن حين نصب العداء لأئمة السنة، وصار يغمز فيهم ويلمزهم ويرميهم بكل نقيصة، قيّض اللهُ تبارك وتعالى للدفاع عن أهل الحديث أسدَ السنة في زمانه وهو العلاّمة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، فتصدى للكوثري بالعلم، فما إنْ صدرت كتبُ المعلمي وانتشرت ردودُه، حتى طاشت صحفُ الكوثري في الهواء وظهر زيفُها للناس أجمعين، واتضح بعد ذلك لعقلاء الجن والإنس أن الكوثري مؤوِّلٌ لصفات ربّ العالمين، غارقٌ في الضلالة إلى حبل الوتين، فمن دافع -بعد بيان المعلمي المتين- عن الكوثري الأرعن وحارب الألباني التِقْن فهو حتماً معادٍ للمنهج السلفي الحق، الذي كان عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة، ومناصر لمنهج جهمٍ وأتباعه الغاوين، أهل الفُرقة والضلالة، والبدعة والشقاوة.
ولا أريد الإطالة في هذه المقدمة الموجزة، وإن كان لديّ كثير من الحقائق عن القوم تحتاج إلى كشف ونشر، ولعل الله يقيض من أبناء الأمة من يقوم بهذا العمل، وما ذُكرى فيه عبرة لكل عاقل.
إنّ العلاّمة الألباني رحمه الله وجعل الجنة مثواه أحسبه من أولياء الله الصالحين والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، فمن حاربه من أجل إسقاطه، وتشويه دعوته فلينتظر حرباً من رب العالمين، ولا يجني الجاني إلا على نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، والحمد لله رب العالمين(3).
إهــداء.
إلى سكان الأماكن الحارة أهدي هذا الجزء المُيَسر، وأخص بالذكر جنوب دولة الجزائر الأبية وبالخصوص أهالي ولاية ورقلة الطيبين والمضيافين، ودُوَّل الخليج، وبالأخص دولة الإمارات العربية المتحدة صانها الله وأهلها من كل شر، لأنني بتواجدي بها أحسست بحاجة أهالي هذا البلد الطيب والكريم إلى جزء في أحكام الحجامة، يبصرهم بأحكام ومنافع الطب النبوي، ويقيهم شرّ وتلبيسات المحتالين والمتشبعين بما لم يُعطوا، رُوّاد الغش والتزوير كالمصري المشار إليه سالفا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ما تكلم أنّ النية والقصد هما من أعمال القلب، وأنّه لابد في المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم من اعتبار النية والقصد: (ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما احتجم وأمر بالحجامة، وقال في الحديث الصحيح: (شفاء أمتي في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار وما أحبّ أن أكتوي)، كان معلوما أن المقصود بالحجامة إخراج الدم الزائد الذي يضر البدن، فهذا هو المقصود، وخصّ الحجامة لأن البلاد الحارة يخرج الدم فيها إلى سطح البدن فيخرج بالحجامة، فلهذا كانت الحجامة في الحجاز ونحوه من البلاد الحارة يحصل بها مقصود استفراغ الدم، وأما البلاد الباردة فالدم يغور فيها إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد، وهذا أمر معروف بالحس والتجربة، فإنّه في زمان البرد تسخن الأجواف وتبرد الظواهر، لأن شبيه الشيء منجذب إليه، فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان والأرض، فيهرب الحرّ الذي فيها من البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن الأرض، وأجواف الحيوان، ويأوي الحيوان إلى الأكنان الدافئة، ولقوة الحرارة في باطن الإنسان يأكل في الشتاء، وفي البلاد الباردة أكثر مما يأكل في الصيف، وفي البلاد الحارة، لأن الحرارة تطبخ الطعام وتصرفه، ويكون الماء النابع في الشتاء سخنا لسخونة جوف الأرض، والدم سخنٌ؛ فيكون في جوف العروق لا في سطح الجلد، فلو احتجم لم ينفعه ذلك بل قد يضره، وفي الصيف والبلاد الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن باردة فلا ينهضم الطعام فيها كما ينهضم في الشتاء، ويكون الماء النابع باردا لبرودة باطن الأرض، وتظهر الحيوانات إلى البراري لسخونة الهواء، فهؤلاء قد لا ينفعهم الفصاد؛ بل قد يضرهم، والحجامة أنفع لهم، وقوله: (شفاء أمتي) إشارة إلى من كان حينئذ من أمته وهم كانوا بالحجاز)(4).
وقال ابن القيم(5) رحمه الله: «فالبلاد الحارّة، والأزمنة الحارّة، والأمزجة الحارّة، التي دّم أصحابها في غاية النضج؛ الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير».
وقال كذلك -رحمه الله-: «وقد نصّ الأطباء أنّ البلاد الحارّة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد..».
وقال كذلك رحمه الله: (وقولـه صلى الله عليه وسلم: «وخير ما تداويتم به الحجامة»، إشارة إلى بلاد الحجاز والبلاد الحارة، لأنّ دماءهم رقيقةٌ، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم؛ لجذب الحرارة الخارجة لـها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرُّق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تفصد كثيراً...».
فالله أسأل أن يحمي بلاد المسلمين من جميع الأمراض، وأن يرزق أهلها العلم النافع والعمل الصالح، إنّه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
ملخص كتاب: إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة.
بقلم:
أبي عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الجزائري.
تقريظ رسالة إبلاغ الفهامة بأحكام الحجامة للعلاّمة(1) أبي عبد الباري عبد الحميد بن أحمد العربي.
أقول بعد حمد الله تعالى، والصّلاة والسّلام على رسوله وآله وصحبه:
لقد ناولني الأستاذ أبو عبد الباري رسالته القيّمة ذات العلم الغزير الشافي، في باب الحجامة وأحكامها وفوائدها الصحية.
وقد وُفِّقَ الأستاذُ حيث جمع بين أكثر الأحاديث الواردة في الحجامة؛ صحيحها وضعيفها، وفصل الأحاديث الضعيفة عن الصحيحة ليحذَرَ المؤمنُ الضعيفَ، ولا يعمل به، وخلاصة القول في هذه الرسالة؛ أنها رسالةُ كلِّ مؤمن ومؤمنة في هذه الأيام، حيث كثر الخلط والخبط، فلا ينبغي أن يخلو منها مكتب في منـزل، أو مكتبة في مدينة.
وأخيراً؛ اللهم اجز مؤلفها خير الجزاء، وأحسن عاقبتي وعاقبته في الأمور كلِّها، إنك ولي ذلك، والقادر عليه.
المقرظ: أبو بكر جابر الجزائري في 3/5/1418هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الطبعة الأولى
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
[[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]] [آل عمران 102].
[[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً]] [النساء:1].
[[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً]] [الأحزاب:70-71].
أما بعد(2).
فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
فهذا جزءٌ لطيفٌ خفيفٌ في صفةِ الحجامةِ، وبعضِ أحكامِها وفوائدها النافعة، أقدِّمُه للقرّاء الكرام راجياً من الله تعالى أن يستفيدوا منه علماً نافعاً، وعملاً صالحاً.
وهذا الجزءُ اللطيفُ الذي أقدِّمه للقرّاء الفضلاء لا يتعارض والطّبّ الحديث، ولا يجوز أن يتبادر إلى الأذهان السليمةِ أنّ التداويَ بالحجامة أمرٌ بدائيٌ وقديمٌ، ولا يسايرُ الطّب الحديث، ولا يرجى منه فائدة، فمن ظن هذا وُسِم بالجهل، وسقط مِن زمرة أهلِ المعرفة والدراية، وأدخل نفسَه ومنهجَه حُفر الرّيب والجهل والعياذ بالله، والواجبُ على العالم، ومن مَنَّ اللهُ عليه بشيء من العلم إرشادَه إلى الهُدى حتى يستنير بالوحي الذي جاء به النّبي صلى الله عليه وسلم فيكمُل بذلك عقلُه، وتصفى روحُه، ويرقى في سُلم العلم والهداية، ويخرج من حقل الجهل والغِوايّة.
والناظرُ في جزئي هذا وفّقه اللهُ تبارك وتعالى إلى كل خير، يُدرك أنَّ الإسلامَ الحنيفَ جاء للحفاظ على عنصر الإنسان، ووقايته من كل شرّ وحَبَنٍ وأُنان، سواءٌ كان الشرُ داخلياً أو خارجياً، عضوياً أو نفسياً، وبعبارة موجزةٍ، فالإسلامُ دينُ الحياةِ والطُمأنينة، فمن رغب عن هذا الدّين القويم، وما فيه من الهدى والحقّ المبين، فقد رغب عن الحياة الحقيقية، والسّعادة السرمدية، وإن زعم هذا الراغب عن الوحي أنه حيٌ يتنفس، أو وُصِف بالحياة الظاهرة، فالمعرض عن الإسلام الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ميت، وإنْ صعد إلى القمر، أو شرب الشاي على زحل.
وقد سمَّيْتُ هذا الجزء الموجز بعون الله القدير: "إبلاغ الفهامة بفوائد الحجامة"، فمن وجد فيه بغيته وحاجته فليحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات، ولا ينسانا من صالح دعائه، فما أحوجنا إلى الدعاء في هذا الزمن العصيب الذي كثرت فيه الفتن والافتراءات.
وأخيراً أسأل الله العلي القديرأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يثبتنا على المنهج أهل الحديث والأثر قولا وعملا، وأن يرزقنا الصِّدق والإخلاص في الأمور كلها، وأن يقينا شرّ أهل الأهواء وأهل الفتن، إنّه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
وكَتبَه:ُ
أبو عبد الباري عبد الحميد أحمد العربي الأثري الجزائري.
في مدينة أبوظبي منطقة المرور دولة الإمارات العربية المتحدة.
تــوضيــحٌ.
1- لقد اخترتُ أيسرَ العبارات وأسهلَها؛ حتى يتسنى لكلّ قارئ فهم الجزء و الاستفادة منه، كما قال الحسنُ بنُ إسحاق اليمني النحوي.
لعمرُك ما اللحن من شيمتي...... ولا أنا من الخطأ ألحن.
ولكني قد عرفت الأنــام......فخاطبت كلا بما يحسن.
2- نهجتُ الاختصارَ دون إخلال، لأنَّ الإيضاح الزائد عن الحاجة يفضي إلى الملل والركاكة.
3- لقد أعدتُ النظرَ في الطَّبعة السابقةِ لهذا الجزء، والتي كانت من نصيب دار الإمام مالك بالجزائر، وخاصة في مراجعة الأحاديث التي بنيتُ عليها أحكامي، لأنني حين كتبتُ هذا الجزء قديماً اعتمدتُ على صَحَاحِ العلاّمة المحدث ناصر الدين الألباني للأحاديث - رحمه الله- وفي ذلك الوقت كنت أعدُّ نفسي مقلداً للشيخ - رحمه الله - ولم يكن لي رأيٌ مع رأيه في باب تصحيح وتضعيف الأحاديث، ولكن بعد ما توسعتُ قليلاً في دراسة هذا العلم، واتسعت دائرتي في معرفة علم العلل، ومنهج المتقدمين في التصحيح والتضعيف، عزمتُ على تتبع طُرُق الحديثِ بنفسي، والنّظر في رجاله، وماذا قال أئمَّةُ الصُّنْعة من المتقدمين فيه، فإن اطمأن قلبي إلى حُكم الشيخ العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني أبقيته وحمدتُ الله على ذلك، وإن اتضح لي غيرُ ذلك دونت ما توصلت إليه، بالنظر في كتب أهل العلم مع الملامسة لأوراقها والشَّمِ لرائحتها، على غِرار ما يصنعه بعضُ المحققين في هذا الزمان، فإن جلّ أعمالهم إلاّ مَنْ رحم الرحمن -وقليل ما هم- عن طريق الموسوعات المبرمجة في جهاز الحاسوب، فتراهم يخرِّجون الحديث من مائة مصدر أو أكثر، ثم يسوِّدون بها حواشي الكتب، دون النظر: هل هذا الحديث معلول أم محفوظ، أو منكر أم معروف مما هو مبينٌ عند علماء العلل، وكان الأليق بهذا الصنف أن يكتب على ظهر الكتاب حقّقه وخرّج أحاديثه جهازُ الحاسوب، ولهذا تجد هذا الصنف من المحققين فارغاً من العلم والضبط، وإذا تكلم ظهرت عليه سمات العوام، فتأتي لتقارن بين كتبه المتناثرة والمظلمة الحواشي، وبين ذاته التي أمامك، وإذا بك تفاجأ بالمغايرة ويصعبُ عليك الجمع بين الحاشية المظلمة والذات القائمة، لأنك تجد الكُتبَ والأجزاء في وادٍ، والـمُحققَ في وادٍ آخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولهذا لا بركة في كتبهم وأعمالهم -إلا من رحم ربي- لأنّها خرجت من جهاز جامد ولم تخرج من عقل متوقد يعيش للدعوة السلفية بروحه ومادَّته، فأنا العبد الفقير أفضِّلُ الطالب الذي يُخرِّج الحديث من عشرة مصادر مع العلم والإتقان والدِّراية، على طالبٍ آخر خرّج الحديث من طُرق شتى عن طريق الأقراص المدمجة، مع خواء في الفهم، وعجز في النقد، فاللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، وجنبنا سوق التُّجار بتراث السلف الكرام، إنك ولي ذلك والقـادر عليـه، والتوفيـق من عنـد الله- جل وعز-.
ومنهج الجِدّ والتدقيق في التحقيق تعلمناه من علاّمة الشام، وحسَنة الأيام محمد ناصر الدين الألباني -رحمه الله- وجعل الجنّة مثواه.
وبالمناسبة دعونا نتكلم في هذه المقدمة بإيجاز شديد عن بعض أنصاف المتعالمين الذين كانوا في غياهب الجهل غارقين، وكان الواحد منهم لا يفرق بين حديث أخرجه البخاري في صحيحه وحديث أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، فإنّ هذا الصنف من الناس قد تغذّى من كتب الشيخ العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني المديدة والعديدة؛ كالسلسلتين الذهبيتين، والإرواء، وهم يعترفون بهذا، كالمدعو محمود سعيد ممدوح المصري، ولكن بعد ما استوى عودُهم على عِوج وتفتحت عقولُهم على مرج قلبوا ظهر المجن للعلاّمة الألباني رحمه الله ونَسُوا أن يمتثلوا قول الله تعالى [[هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ]] [الرحمن:60].
فإنّك يا طالب الحق والهداية ترى بعض الكتّاب والمحققين لتراث السلف كالمصري المشار إليه سالفا والإردبي ومن كان على طريقتهما وسكيكتهما، وبعض المنتمين إلى مدارسَ متنوعةٍ من كوثرية هالكة، أوغُمارية في الضلال غارقة، أوحدادية غالية، ومنهم العياذ بالله من جمع بين الأوصاف الثلاثة؛ ساعين وجاهدين في نسف جهود هذا المحدِّث الكبير والفقيه الرزين، بشتى وسائل الدّس والتدليس، والتزوير والغشِّ والكذب والتلويس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن أراد أن يقف بنفسه على طعانات الكوثريين والغماريين المكشوفة والمسمومة في العلاّمة الألباني، ويرى العجب بعينيه، ويجمع قاموساً في التدليس والبتر والغش؛ فليرجع إلى ما خلَّفه المسمى محمود سعيد ممدوح المصري، وضَمنه كتابه «التعريف بأوهام من قسَّم السُّنن إلى صحيح وضعيف»، فإنه سيجد ما يُندى له الجبين، ويشين وجهَ مَنْ سطر التخريف بالشمال أو اليمين.
ثم نقول لهذا المصري، صاحبِ التخريف! والذي باع ذمته لأهل الأهواء بدراهم معدودات (وهذا الرجل عينة من ميئات العينات): هَبْ جدلا أننا لا نوافق الشيخ الألباني إلى ما ذهب إليه من تقسيم السّنن إلى صحيح وضعيف، ونرى خدمة السّنن بجمع نُسخها المخطوطة، ورواياتها المتعددة والمفرقة في مكتبات العالم، ثم نقابل بينها، وندقق ونحقق ونخرج نسخة دقيقة محققة كما قال صنوه محمد عبد الله آل شاكر الذي نقل المدعو محمود سعيد ممدوح كلامه في كتابه "التخريف" (1/32)، فهل هذه المخالفة تبيح لك الكذب والتّدليس، وإسقاط الشيخ ورميه بالجهل، بل والسّعي إلى التّعريف به للناس وكأنّه كاتب مغمور جاء على حين غفلة من أدغال إفريقيا، وألّف الصّحيحة والضّعيفة واختصر البخاري، وخدم السنن, وأخرج عشرات الكتب الماتعة والنافعة، التي لو اجتمع صاحب التخريف وشيعته التي تؤزّه أزًّا على أن يأتوا بمثلها، لا يأتون بمثلها ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
يا لها من مهزلة مكشوفة تضحك من غرائبها الثكلى.
إن خدمة السُنن مع ذكر الأسانيد هو الذي فضّله الأوائل دون جعجة صاحب التخريف! هداه الله وطهر قلبه من الشُّبه.
قال الهيثمي في موارد الضمآن: «...وأردت أن أذكر الصحابي فقط وأُسقِط السّند اعتمادا على تصحيحه، فأشار عليّ سيدي الإمام أبو زرعة ابن سيد الإمام العلاّمة شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم بن العراقي بأن أذكر الحديث بسنده لأن فيه أحاديث تكلّم فيها بعض الحفاظ، فرأيت أن ذلك هو الصواب».
وعلّق العلاّمة الألباني رحمه الله على كلام الهيثمي في صحيح الموارد (1/90) قائلا: «قلت: وأصوبُ منه أن يتكلّم على السّند أيضا تصحيحا وتضعيفا، إلا أن هِمّة أكثر القراء تضعف ولا تنشط لقراءة الأحاديث بسندها، ولذلك جريت على اختصار أسانيد كتب السنّة، وبخاصة السنن الأربعة منها، مع تقديم خلاصة موجزة عن تلك الأسانيد من صحة وضعف، لأنها هي الغاية من الأسانيد ودراستها، وأنفع لعامة القرّاء من طبع السنّة بأسانيدها فقط، دون بيان مراتبها...».
قلت: و بيان درجة كل حديث من الضَعف والصّحة اعتماداً على منهج علماء الحديث في نقد الرجال وتوثيقهم هو الذي تميّز به العلامةُ الألباني عن غيره من المعاصرين ممن يدعي معرفة علم الحديث كهذا المصري الآبق، وحسن السقّاف المارق، وبهذه الطريقة يرى العلامة الألباني تقريب سنة النبي صلى الله عليه وسلم موثقة ومحققة ومنقحة، حتى يُجنِّب القراء من الوقوع في الوعيد الشديد الوارد في صحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النّار»، فإنّ هذا الاختلاف في وجهات النظر مع العلاّمة الألباني رحمه الله لا يسوِّغ الظلمَ والتدليسَ والكذبَ، ورميَ الشيخ الألباني رحمه الله بكل رذيلة ونقيصة والعياذ بالله من سخطه، وعجيب أمر المصري وقومه فإنهم يكتبون ويؤصلون: إنّ اختلاف الأمة رحمة، فلما كان الشأن يخص العلامة الألباني صار عند القوم غمة!، فما أقبح الهوى فإنه بوابة الذل والردى.
ولكني أقول لهذا الرجل:
-يكفي العلاّمة الألباني رحمه الله شرفا أنه كان سلفياً على الجادة كما شهد له بذلك الكبار من أهل العلم والمعرفة.
-وأنّه رَحِمَه اللهُ خدم الإسلام خدمة عظيمة تعجز عن إنجازها مراكز متضافرة.
- وأنه رحمه الله قام بنشر وتحقيق كتب العقائد السلفية؛ كالإيمان لابن تيمية، ومختصر العلو للذهبي، وكتاب القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي، وكتاب الطحاوية، وتحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد، وغيرها كثير من الكتب العظيمة التي تخدم العقيدة التي كان عليها السلف الكرام، وما قام المصري البقباق بـمحاربة العلاّمة الألباني إلا لأن الشيخ رحمه الله نشر المعتقد الصحيح في أوساط المسلمين، وكشف عوار غلاة الصُوفية وضلالات الكوثريين والغماريين، والقبوريين، فثقلت على المصري المساجلة العقدية لأنها تكشف عوْر منهجه القبوري المنحرف، فجاء وتستر بعلم الحديث، ليشكك -عامله الله بما يستحق- في منهج هذا الإمام بأسلوب خبيث يتنزه عنه كلُ ذي سجية من البرية، وهو أسلوب سلكه الكوثري، ومن بعده أبو غدة ومعه وبعده محمد عوامة؛ وهي سلسلة طويلة يصعب حصرها في هذا الجزء الموجز، والله المستعان.
ولكن ماذا عساني أن أقول في حقّ رجل في القرن العشرين باع ذمته بقروش معدودة ليصد عن سبيل الله ويحارب الصالحين من عباد الله، والله المستعان.
-ويكفي كذلك علاّمة الشام أبا عبد الرحمن أنه نذر نفسه لكسر أقلام أهل البدع، ومن أبرزهم عبد الفتاح أبو غدة الصورة المصغرة للكوثري الهالك، ومحمد الغزالي المصري المعتزلي، وحسان عبد المنان الهدام للسنة، ومحمد سعيد رمضان البوطي المنحرف عن الصراط، والحاقد على أهل الحقّ وغيرهم كثير.
-ويكفيه فخرا وشرفا رحمه الله أنّه أعاد اسم السلفية مع إخوانه العلماء إلى أذهان الشباب المتحير مع بيان أصولها، والذبّ عن حياضها بعد ما كادت تسطو عليهم الأفكارُ المبتورة واليتيمة، كفكر الإخوان، والتبليغ، والخوارج ومن سبح في حوضهم، وارتوى من مائهم الآجن.
فالعلامة الألباني رحمه الله وجعل الجنة مثواه يُعدّ مجدداً في هذا الزمان، وهو من كبار المجتهدين فمن أراد أن ينقده فلينقده بحلمٍ وعلمٍ وأناة وصدقٍ، دون جرحٍ أو خدش أو إساءة، وإلا وُسِم الناقد للشيخ بأنه معادٍ للمنهج السلفي، وإن تظاهر بالتخريج والتحقيق، فالكوثري الهالك كان شيئاً في أعين بعض النّاس، وهو مطلع بحقٍ كما وصفه بعضُ معاصريه، ولكن حين نصب العداء لأئمة السنة، وصار يغمز فيهم ويلمزهم ويرميهم بكل نقيصة، قيّض اللهُ تبارك وتعالى للدفاع عن أهل الحديث أسدَ السنة في زمانه وهو العلاّمة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، فتصدى للكوثري بالعلم، فما إنْ صدرت كتبُ المعلمي وانتشرت ردودُه، حتى طاشت صحفُ الكوثري في الهواء وظهر زيفُها للناس أجمعين، واتضح بعد ذلك لعقلاء الجن والإنس أن الكوثري مؤوِّلٌ لصفات ربّ العالمين، غارقٌ في الضلالة إلى حبل الوتين، فمن دافع -بعد بيان المعلمي المتين- عن الكوثري الأرعن وحارب الألباني التِقْن فهو حتماً معادٍ للمنهج السلفي الحق، الذي كان عليه أهل القرون الثلاثة المفضلة، ومناصر لمنهج جهمٍ وأتباعه الغاوين، أهل الفُرقة والضلالة، والبدعة والشقاوة.
ولا أريد الإطالة في هذه المقدمة الموجزة، وإن كان لديّ كثير من الحقائق عن القوم تحتاج إلى كشف ونشر، ولعل الله يقيض من أبناء الأمة من يقوم بهذا العمل، وما ذُكرى فيه عبرة لكل عاقل.
إنّ العلاّمة الألباني رحمه الله وجعل الجنة مثواه أحسبه من أولياء الله الصالحين والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدا، فمن حاربه من أجل إسقاطه، وتشويه دعوته فلينتظر حرباً من رب العالمين، ولا يجني الجاني إلا على نفسه، وعلى نفسها جنت براقش، والحمد لله رب العالمين(3).
إهــداء.
إلى سكان الأماكن الحارة أهدي هذا الجزء المُيَسر، وأخص بالذكر جنوب دولة الجزائر الأبية وبالخصوص أهالي ولاية ورقلة الطيبين والمضيافين، ودُوَّل الخليج، وبالأخص دولة الإمارات العربية المتحدة صانها الله وأهلها من كل شر، لأنني بتواجدي بها أحسست بحاجة أهالي هذا البلد الطيب والكريم إلى جزء في أحكام الحجامة، يبصرهم بأحكام ومنافع الطب النبوي، ويقيهم شرّ وتلبيسات المحتالين والمتشبعين بما لم يُعطوا، رُوّاد الغش والتزوير كالمصري المشار إليه سالفا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ما تكلم أنّ النية والقصد هما من أعمال القلب، وأنّه لابد في المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم من اعتبار النية والقصد: (ومن هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما احتجم وأمر بالحجامة، وقال في الحديث الصحيح: (شفاء أمتي في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار وما أحبّ أن أكتوي)، كان معلوما أن المقصود بالحجامة إخراج الدم الزائد الذي يضر البدن، فهذا هو المقصود، وخصّ الحجامة لأن البلاد الحارة يخرج الدم فيها إلى سطح البدن فيخرج بالحجامة، فلهذا كانت الحجامة في الحجاز ونحوه من البلاد الحارة يحصل بها مقصود استفراغ الدم، وأما البلاد الباردة فالدم يغور فيها إلى العروق فيحتاجون إلى قطع العروق بالفصاد، وهذا أمر معروف بالحس والتجربة، فإنّه في زمان البرد تسخن الأجواف وتبرد الظواهر، لأن شبيه الشيء منجذب إليه، فإذا برد الهواء برد ما يلاقيه من الأبدان والأرض، فيهرب الحرّ الذي فيها من البرد المضاد له إلى الأجواف فيسخن باطن الأرض، وأجواف الحيوان، ويأوي الحيوان إلى الأكنان الدافئة، ولقوة الحرارة في باطن الإنسان يأكل في الشتاء، وفي البلاد الباردة أكثر مما يأكل في الصيف، وفي البلاد الحارة، لأن الحرارة تطبخ الطعام وتصرفه، ويكون الماء النابع في الشتاء سخنا لسخونة جوف الأرض، والدم سخنٌ؛ فيكون في جوف العروق لا في سطح الجلد، فلو احتجم لم ينفعه ذلك بل قد يضره، وفي الصيف والبلاد الحارة تسخن الظواهر فتكون البواطن باردة فلا ينهضم الطعام فيها كما ينهضم في الشتاء، ويكون الماء النابع باردا لبرودة باطن الأرض، وتظهر الحيوانات إلى البراري لسخونة الهواء، فهؤلاء قد لا ينفعهم الفصاد؛ بل قد يضرهم، والحجامة أنفع لهم، وقوله: (شفاء أمتي) إشارة إلى من كان حينئذ من أمته وهم كانوا بالحجاز)(4).
وقال ابن القيم(5) رحمه الله: «فالبلاد الحارّة، والأزمنة الحارّة، والأمزجة الحارّة، التي دّم أصحابها في غاية النضج؛ الحجامة فيها أنفع من الفصد بكثير».
وقال كذلك -رحمه الله-: «وقد نصّ الأطباء أنّ البلاد الحارّة الحجامة فيها أنفع وأفضل من الفصد..».
وقال كذلك رحمه الله: (وقولـه صلى الله عليه وسلم: «وخير ما تداويتم به الحجامة»، إشارة إلى بلاد الحجاز والبلاد الحارة، لأنّ دماءهم رقيقةٌ، وهي أميل إلى ظاهر أبدانهم؛ لجذب الحرارة الخارجة لـها إلى سطح الجسد واجتماعها في نواحي الجلد، ولأن مسام أبدانهم واسعة وقواهم متخلخلة، ففي الفصد لهم خطر، والحجامة تفرُّق اتصالي إرادي يتبعه استفراغ كلي من العروق، وخاصة العروق التي لا تفصد كثيراً...».
فالله أسأل أن يحمي بلاد المسلمين من جميع الأمراض، وأن يرزق أهلها العلم النافع والعمل الصالح، إنّه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.